المسألة (11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي، إلاّ إذا كان الثاني اعلم.

هل يجوز العدول عن الحي إلى الحي ؟

المسألة (11): لا يجوز العدول عن الحي إلى الحي، إلاّ إذا كان الثاني اعلم.
هذه المسألة تنحل إلى مسألتين: أصل جواز العدول وعدمه، وحكم خصوص ما إذا كان المعدول إليه أعلم.

المسألة الاُولى
مسألة أصل العدول والاقوال فيها

أمّا المسألة الاُولى: وهي مسألة أصل جواز العدول وعدمه، ففيها أقوال خمسة:
1. الجواز مطلقاً.
2. عدمه مطلقاً.
3. التفصيل بين الوقائع التي التزم فيها تقليد الاوّل وعمل، فلا يجوز العدول، كما لو عقد على زوجة بالفارسية اعتماداً على تقليد الاوّل، فلا يجوز له العدول إلى مجتهد لا يرى صحّة العقد بالفارسية ليرتّب عليه عدم النفقة، وعدم القسم، وتزويج الخامسة، وغيرها. وبين غير ذلك فيجوز له العدول.
4. التفصيل بين توافقهما في الفتوى فيجوز العدول، وبين تخالفهما فيجب الاحتياط.
5. التفصيل بين تساويهما فيجوز العدول وبين غيره فلا يجوز العدول.
وهناك احتمالات أُخرى، وربما كان بعضها أقوالاً، كالتفصيل بين لزوم البطلان بكلا الفتويين فلا يجوز، وبين غيره فيجوز، كالمضاربة بغير الذهب والفضّة مع اشتراط عدم الخسارة على صاحب المال إذا كان المجتهدان المعدول عنه والمعدول إليه يتّفقان على بطلان مثل هذه المضاربة.


القول الاوّل
جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً

أمّا القول الاوّل: وهو الجواز مطلقاً فقد نسب إلى العلاّمة في النهاية، والمحقّق والشهيد الثانيين، واختاره صاحب الضوابط فيها، وكذا المحقّق الاصفهاني الشيخ محمّد حسين، والمحقّق الشيخ ضياء الدين العراقي، إذا كان الثاني مساوياً للاوّل لا مفضولاً، وكذا الشيخ علي حفيد صاحب الجواهر، وذهب إليه الاخ الاكبر في: « موسوعة الفقه » وإن كان في حاشية العروة لم يعلّق على المتن هنا لما بيّنه في مقدّمة الحاشية: من عدم تعليقه على الموارد التي يوافق قول المصنّف الاحتياط.
وتردّد في ذلك جمع من المعاصرين ومن تقدّمهم من الذين علّقوا على قول الماتن: «لا يجوز العدول» بقولهم: «على الاحوط» كابن العمّ المقدّس الميرزا عبدالهادي الشيرازي، والمؤسّس الشيخ عبدالكريم الحائري، والسيدين: الكلبايكاني والشاهرودي، وغيرهم.


الجواز مطلقاً وأدلّته
الدليل الاوّل: الاستصحاب

واستدلّ للجواز مطلقاً بأدلّة هي كالتالي:
الاوّل من أدلّة جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً: الاستصحاب.
وتقريره: أنّ فتوى كلا الفقيهين كانت حجّة على العامي قبل الاخذ بإحداهما، فإذا حصل الشكّ في بقاء هذه الحجّية التخييرية لاحتمال ارتفاعها بالاخذ بفتوى أحدهما، فمقتضى الاستصحاب: بقاء هذه الحجّية التخييرية، التي هي لازمة لمصداقية كلّ واحدة منهما للوظيفة الشرعية.


الايراد الاوّل على الاستصحاب

وأُورد على الاستصحاب أوّلاً: بأنّه معارض باستصحاب الحكم في المسألة الفرعية التي عمل عليها عند اختيار أحد الفقيهين للتقليد.
فمثلاً: لو كان الفقيه الاوّل يفتي بوجوب الجمعة، وقد عمل بفتواه المقلّد سنين من عمره، ثمّ أراد العدول عنه إلى فقيه آخر يفتي بوجوب صلاة الظهر الّذي لازمه عدم وجوب صلاة الجمعة، للعلم بعدم وجوب صلاتين في يوم واحد: الجمعة والظهر، فإنّ استصحاب جواز العمل بفتوى الفقيه الثاني يعارض استصحاب وجوب إتيان صلاة الجمعة. فيتعارض استصحاب المسألة الاُصولية، مع استصحاب المسألة الفرعية، ومقتضى تعارض الدليلين ـ على المشهور ـ التساقط.


جواب الشيخ عن الايراد الاوّل

وأجاب الشيخ الانصاري (قدس سره) عن إشكال التعارض: بحكومة استصحاب التخيير في المسألة الاُصولية، على استصحاب الحكم الفرعي، لما تقرّر في علم الاُصول: من تقدّم الاستصحاب الاُصولي على الاستصحاب الفرعي على نحو الحكومة، لانّه نحو سبب ومسبّب.


مناقشة جواب الشيخ

وأُورد على هذا الجواب بعض المراجع: بأنّ أثر استصحاب الحجّية التخييرية عقلي، فبلحاظه يكون الاستصحاب الاُصولي مثبتاً فلا يجري حتّى يعارض، فكيف بأن يكون حاكماً ؟
وتقريره: إنّ الملازمة بين بقاء الحجّية التخييرية لقول المجتهد الثاني، وعدم الحجّية الفعلية التعيينية لقول المجتهد الاوّل، وإن كانت ثابتة إلاّ أنّها ملازمة عقلية، من باب عدم اجتماع الضدّين وليست أثراً شرعياً، فليس عدم الحجّية التعيينيّة الفعلية لقول المجتهد الاوّل من الاثار الشرعية لبقاء الحجّية التخييرية حتّى يجري الاستصحاب بلحاظه، لتقع المعارضة ويكون هذا حاكماً على ذاك.


الاشكال في المناقشة

وفيه نقضاً: بورود هذا الاشكال في كلّ مورد تعارض فيه الاستصحاب الاُصولي مع الاستصحاب الفرعي، لتلازم الاستصحاب الاُصولي دائماً لاثر عقلي.
وحلاً: بأنّا لا نريد باستصحاب التخيير إثبات عدم التعيين حتّى يكون لازماً عقلياً غير مترتّب على الاستصحاب، بل نريد إبقاء التخيير نفسه الّذي كان ثابتاً قبل تقليد أحد المجتهدين، وهذا الاستصحاب كما أنّ أثره شرعي وهو جواز العمل بفتاوى هذا، وجواز العمل بفتاوى ذاك، كذلك نفس المستصحب فيه ثابت بدليل شرعي، وليس ثابتاً بدليل غير شرعي حتى يستشكل في إجراء الاستصحاب في مثله على مبنى المفصّل في المستصحب بينهما كما في الرسائل.
مع أنّ هذا المستشكل معترف في تقريراته في علم الاُصول بوقوع التعارض كثيراً في مسائل كثيرة، وحكومة الاستصحاب الاُصولي على الاستصحاب الفرعي.


جواب الاصفهاني عن الايراد الاوّل

وأجاب المحقّق الاصفهاني عن إشكال تعارض الاستصحابين: بأنّه لا تعارض بين الاستصحابين، ضرورة أنّ المجعول الشرعي ـ بناءً على الطريقية ـ ليس إلاّ المنجّزية والمعذّرية، والتخيير بين الفتويين، معناه: المعذّرية لكلّ واحدة منهما في عرض واحد، وبقاء إحدى الفتويين على صفة المعذّرية لا ينافي بقاء الاُخرى عليها أيضاً، لكونهما في عرض واحد. فلا حاكم ولا محكوم أصلاً حتّى يكون الاصل الحاكم رافعاً لموضوع الاصل المحكوم.


مناقشة جواب الاصفهاني

وأورد عليه أيضاً تلميذه بما حاصله(1): إنّ المستصحب إمّا حجّية الفتوى المختارة، أو الحكم الفرعي، وعلى كلتا الصورتين يتحقّق التعارض بين الاستصحاب في المسألة الفرعية والاستصحاب في المسألة الاُصولية.
أمّا الاُولى: فلانّ معنى الحجّية التخييرية هو: صلاحية صيرورة كلّ طرف (بالاخذ والالتزام به) واقعاً تعبّدياً ـ كما هو الحق في الجعل الشرعي ـ ولازمه المنجّزية والمعذّرية، لا إنّهما هما المجعولان الشرعيان، فإذا أخذ المكلّف بأحد طرفي التخيير، فبالاخذ يتعيّن عليه فعلاً، ومع التعيّن والفعلية في حقّه لا تبقى الفتوى الاُخرى على الحجّية التخييرية، لامتناع الجمع بين الحجّية التعيينية لطرف، مع الحجّية التخييرية للطرفين.
وأمّا الثانية: ـ وهي ما كان المستصحب الحكم الفرعي ـ فهي أيضاً كذلك، لانّ مضمون الفتوى هو وجوبها تعييناً، ومعه لا يبقى أيضاً مجال للتخيير بين هذه الفتوى المختارة وبين الفتوى الاُخرى، وبنى المستشكل على ذلك: أنّ التخيير بين الفتويين إنّما هو في المسألة الاُصولية فقط، دون المسألة الفرعية.


إيرادان على المناقشة
أوّل الايرادين

وفيه، أوّلاً: أنّ التخيير بين معيّنين لا يصحّ، للعلم الاجمالي ببطلان أحد التعيينين للطريقية، وقد صرّحوا في بحث الاشتغال من الاُصول عدم إمكان جعل الترخيص في جميع أطراف العلم الاجمالي ـ بل حتّى في بعضها أيضاً ـ للتناقض، وقد استحاله في مصباح الاُصول، قال: « أما الامارات فقد عرفت استحالة جعلها في جميع الاطراف »(2).
ولذا قالوا في التخيير بين الاقل والاكثر بوجوب الاقل، واستحباب الاكثر ـ كما في مسألة التسبيحات الاربع في الثالثة والرابعة من ركعات الصلاة، وفي مسألة التكبيرات السبع في أوّل الصلاة، وغيرهما من نظائرهما ـ لانّ وجوب كلّ منهما مخيّراً، بينهما تناقض، إذ لازمه وجوب التسبيحتان الثانية والثالثة وعدم وجوبهما، ووجوب التكبيرات الست وعدم وجوبها.
والتفريق بالنيّة ـ الّذي قاله بعضهم ـ ردّه المشهور، بعدم الدليل على تعيّنه بها فكيف بحصول الوجوب به ؟
وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ التخيير بين وجوب صلاة الجمعة بشرط شيء، ووجوب صلاة الظهر بشرط شيء حيث كان مخالفاً للعلم الاجمالي، وموجباً للتناقض بين التخيير وبين التعيينين، رفعنا اليد عن التعيينين الموجبين للتناقض، فبقيت حجّية كلتا الفتويين بلا تعيين ـ رفعاً لليد عن مفهوم كلّ منهما بمنطوق الاُخرى، نظير الحصر في مفطّرات الصوم، وكفّارات الحجّ، والنجاسات ونحوها ـ فإذا ثبتت هذه الحجّية التخييرية، تستصحب عند الشكّ بعد الاخذ بإحدى الفتويين.
وبعبارة أُخرى: مركز التعارض ليس وجوب الجمعة والظهر على سبيل التخيير بينهما، لامكان كونه واقعاً هكذا، بل مركز التعارض، عدم كفاية الجمعة، وعدم كفاية الظهر، وكلّ من الفتويين مشتملة على وجوب هذه، وعدم كفاية تلك، فيتعارض عدم الكفاية في الفتويين فتتساقطان. فتأمّل.


ثاني الايرادين

وثانياً: إنّا نطالب بالدليل على كون الاخذ بأحد الفتويين موجباً لتعينها ـ دون غيرها ـ على المكلّف، بعد أن لم يكن قبل الاخذ متعيّناً، بل الّذي يفهم من التخيير هو: أنّ الاخذ بإحدى الفتويين يكون موجباً لجواز العمل بها، لا تعيّنها.
واختبر ـ لمزيد الوضوح ـ ذلك بالامثلة العرفية الخارجية فلو قال المولى لفتيانه: أطيعوا كل واحد من أولادي على سبيل التخيير، فكان أحد الاولاد يأمر كل يوم بطبخ الارز، والاخر بصنع الخبز، فإن أطاع أحد العبيد الولد الاوّل وطبخ يوماً أرزاً، ألا تراه مطيعاً لو امتثل غداً أمر الولد الثاني وصنع خبزاً؟ وهل العرف يفهم من تخيير المولى فتيانه في طاعة أولاده التخيير الابتدائي في اختيار طاعة أي واحد، فإذا أطاع أحدهما يوماً لا يقدر على الانتقال إلى طاعة الاخر. أم العرف يفهم من التخيير أنّ كلا القولين قابلان للاستناد والطاعة، لا أن يتعيّن أحدهما بالالتزام به دون الاخر ؟
وأمّا بحث أنّ المجعول الشرعي هل هو المنجّزية والمعذّرية، أم أنّه الواقع التعبّدي والمنجّزية والمعذّرية من لوازمه ؟ فبحث يكفله الاُصول وقد إرتأينا أقربية الاوّل.
وأمّا تخصيص المحقّق الاصفهاني التخيير بالمعذّرية، دون المنجّزية، لامكان جمع معذّرين، دون إمكان جمع منجّزين(3).
ففيه: إنّه في المنجّزية المعيّنة صحيح، لكنّه لا يأتي في المخيّرة كما في ما نحن فيه، فتأمّل.
وأجاب المستشكل نفسه أيضاً: بعدم جريان استصحاب الحجّة التخييرية في نفسه، لانّه من الاستصحاب في الشبهة الحكمية، وهو غير جار في نظره.
وفيه: أنّا أسلفنا عدّة مرّات جريان الاستصحاب في الشبهة الحكمية كما هو المشهور، ومسرح مناقشته الاُصول.


الايراد الثاني على الاستصحاب

وأُورد على الاستصحاب ثانياً: بما عن الشيخ: من أنّ موضوع التخيير هو الشخص المتحيّر الّذي لم يأخذ بأحد الحكمين، وبعد الاخذ بأحدهما والعمل به
ليس متحيّراً، فليس مخيّراً، وليس الاستصحاب في المقام إلاّ من إسراء الحكم من موضوع إلى آخر.


مناقشة الايراد الثاني

وفيه: ـ مضافاً إلى النقض بمن علم الفتويين ولم يقلّد بعد، ويتأمّل في توابع التقليد لكي يقلّد أحدهما ويعلم أنّ هذا يقول بوجوب الجمعة وذاك بوجوب الظهر، فهل هذا متحيّر في الواقع ؟ نعم، وهل هو متحيّر في الوظيفة ؟ كلاّ، ومع ذلك مخيّر، فليكن بعد التقليد هكذا ـ أنّ الادلّة التي دلّت على التخيير ابتداءً كلّها باقية بعد الاخذ بإحدى الفتويين.
فبناء العقلاء على التخيير موضوعه الجاهل بالحكم، ولا شكّ أنّ المقلّد لا يزال جاهلاً بالحكم، فإنّه لم ينقلب بتقليده عالماً وعارفاً، ولذا قالوا في الحديث الشريف « عرف حلالنا وحرامنا »(4): إنّ المقصود به المعرفة عن اجتهاد لا عن تقليد، لانّها إذا كانت عن تقليد لا تسمّى معرفة.
وآيات النفر والسؤال وغيرهما، موضوعاتها غير الفقيه، وغير أهل الذكر، ونحوهما التي تصدق على المقلّد بعد أخذه بإحدى الفتويين، لانّه لم يصبح فقيهاً وأهلاً للذكر كصدقها على المقلّد قبل أخذه بإحدى الفتويين على السواء.
وهكذا السيرة، فإنّها قامت على رجوع غير المجتهد إلى المجتهد، وهذا لا يزال غير مجتهد. وكذلك الاستدلال بالفطرة، وبالدليل العقلي، وغير ذلك.


تأييد وتأكيد

ويؤيّد ذلك بل يدلّ عليه قول الامام (عليه السلام): « فللعوام »(5) ولا ريب في بقاء صدق هذا الموضوع عليه.
فلا مجال لانكار بقاء الصدق على مثله، فكيف بإنكار استصحابه ؟
ونعم ما قاله الاخ الاكبر: « والقول بأنّ التخيير كان حكم المتحيّر ولا تحيّر بعد الاخذ، لا يرجع إلى محصّل ».
وفي هذا المجال قال المحقّق العراقي: « ويتوجّه عليه:
أوّلاً: منع سوق الاخبار لبيان وظيفة المتحيّر في بدو الامر، بل هي ظاهرة في سوقها لبيان حكم المتحيّر من حيث هو، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في الحكم بالتخيير بين ابتداء الامر أو بعده.
وثانياً: منع كون موضوع التخيير هو المتحيّر، إذ لا دليل على أخذ عنوانه في موضوع التخيير، بل الموضوع هو: من جاءه الحديثان المتعارضان، فالتحيّر حكمة لجعل الحكم المذكور كما هو كذلك في الحكم بالترجيح، ومن الواضح بقاء هذا الموضوع على حاله في جميع الازمنة وعدم انقلابه بالاختيار وبالعلم بالحكم الفعلي.
مع أنّ التحيّر في الحكم الواقعي متحقّق حتّى مع الاختيار، والتحيّر العقلي في المتعادلين مرتفع بالعلم بالتخيير، فلا يمكن أن يكون عنواناً للموضوع يدور الحكم مداره »(6).


الايراد الثالث على الاستصحاب

وأُورد على الاستصحاب ثالثاً: بما في المستمسك: بأنّه من الاستصحاب التعليقي المعارض بالاستصحاب التنجيزي وتقريبه: أنّ مرجع التخيير الثابت سابقاً إلى أنّ العامي لو اختار أي واحد منهما ابتداءً كانت فتواه حجّة عليه، فيستصحب هذا الحكم التعليقي بعد تقليده لاحدهما، وهذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم الحجّية الثابت قبل اختياره لكليهما.


مناقشة الايراد الثالث

وفيه: أنّ مصبّ التخيير هو التخيير بينهما ذاتاً، وحجّية كليهما على العامي لا على التعيين، ومن أين جاء قيد: « لو اختار » ولا يفهم العرف والعقلاء من الحجّية التخييرية إلاّ التنجيزية لا التعليقية ؟
وبعبارة أُخرى: الحجّة وجواز الاخذ ـ الوضعي والتكليفي، الاُصولي والفرعي ـ متلازمان في الوجود الاعتباري والانتزاعي، فأيّهما جعل، ينتزع منه الاخر، فلا سببية ومسبّبية بينهما، بل كلاهما معلولان للجعل.
فإذا قال المولى لفتاه: اطبخ لنا إمّا الارز، أو اليقطين، فماذا يفهم العرف والعقلاء من هذا التخيير ؟ أليس أنّه مخيّر بينهما على سبيل التنجيز، لا أنّه إذا طبخ هذا كان صحيحاً وإذا طبخ ذاك كان صحيحاً ؟
نعم، لازم هذا التنجيز صحّة القاء الكلام تعليقياً، ومثله لا يقال فيه تعليقي.


الدليل الثاني: الاطلاقات

الثاني من أدلّة جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً: اطلاقات الادلّة، فإنّها تشمل كلا الفتويين، قبل الاخذ بأحدهما، وبعده.
وما أُورد على ذلك أوّلاً: من منع الاطلاق فيها، لتوقّف الاطلاق على إحراز كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الجهة، ولا أقل من الشكّ في ذلك، فلم ينعقد اطلاق من رأس.
ففيه: أنّه يكفي في الاطلاق عدم كون المتكلّم في مقام بيان غير هذه الجهة بالذات، ولا يلزم في إحراز كون المتكلم في مقام بيان الاطلاق من جهة إلى أمارة على ذلك، بل يكفي الاصل كما صرّح بذلك القوم(7).
وبعبارة أُخرى: لو ألقى المتكلّم كلاماً مطلقاً، ولم يقيّده بقيد، ولم يقم على إرادة فرد خاص قرينة حالية أو مقالية، فليس له عرفاً وعقلاً أن يريد به المقيّد بقيد خاص.
واختبر ذلك بالمكالمات العرفية، فلو أمر المولى فتاه بإحضار بساط للصلاة عليه، ولم يقيّد كونه من صوف أو قطن، بل حتّى إذا لم يخطر في ذهن المولى الصوف والقطن أبداً، ثمّ أتى الفتى ببساط من صوف أو من قطن ألا يكون ممتثلاً ؟ وهل يلزم الفتى أن يسأل المولى عن كون البساط من صوف أو قطن، لانّه لم يحرز كون المولى في إطلاقه في مقام البيان من هذه الجهة ؟
ولو عرضنا نفس الحديث الشريف: « فللعوام أن يقلّدوه»(8) ونحوه على العرف وسألناهم هل إذا قلّد العامي فقيهاً يصلح له أن يرجع إلى فقيه آخر ؟ وماذا يستفاد من هذا الحديث ونحوه ؟ لاجابونا: بعدم الفرق، لانّ الشارع لم يقيّد.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ المولى إذا لم يكن في مقام الاهمال والاجمال من جهة ـ وإحرازهما يلزم أن يكون بمحرز وجداني أو تعبّدي ـ كان ذلك كافياً لظهور المطلق عرفاً في مقام البيان من تلك الجهة.
قال في الكفاية: « بقي شيء وهو أنّه لا يبعد أن يكون الاصل فيما إذا شكّ في كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد: هو كونه بصدد بيانه، وذلك لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات من التمسّك بالاطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها إلى جهة خاصّة، ولذا ترى المشهور لا يزالون يتمسّكون بها مع عدم إحراز كون مطلقها بصدد البيان »(9).
وقوله: « لما جرت عليه سيرة أهل المحاورات... » إشارة إلى أنّ هذا الاصل ليس أصلاً عملياً، حتّى يقال إنّه مثبت، بل هو أصل عقلائي، وأمارة على الاطلاق.
والفرق بين العموم والاطلاق ليس في الاهمال والاجمال وعدمهما، بل إنّهما في العموم خلاف وضعه فيحتاج إلى قرينة على خلاف الوضع، وإنّهما في الاطلاق على خلاف الاصل العقلائي، فيكون بحاجة إلى قرينة على خلاف الاصل العقلائي.
وإلاّ فقوّة الظهور ـ في العموم، للعام، وفي الاطلاق، للمطلق ـ واحدة فيهما، ولذا قلنا في بابي: التعارض والتزاحم ـ وفاقاً لجمهرة من الاعيان منهم الاخوند ـ بتساوي العموم والاطلاق. فيجري بينهما ما يجري بين عامين، أو مطلقين، وخلافاً لاخرين منهم الشيخ الانصاري (قدس سره) حيث ذهبوا إلى أقوائية العموم من الاطلاق، في موارد تعارضهما أو تزاحمهما.
قال الشيخ الانصاري ما مضمونه: « إذا كان أحد الدليلين عاماً والاخر مطلقاً، يقدّم العام على المطلق »(10).
وقال الاخوند: « فلا وجه لتقديم العام على المطلق »(11).
وكون العام شمولياً، والاطلاق بدلياً: إنّما هما بالنسبة لسائر أفرادهما، لا في الفرد الّذي تعارضا أو تزاحما عليه، إذ هما بالنسبة لذاك الفرد ـ في قوّة الظهور ـ سواء، فتأمّل.
وما أُورد ثانياً على الاطلاقات: من منع شمولها لمورد الاختلاف في الفتوى، فقد مرّ وسيأتي إن شاء الله تعالى النظر فيه. مضافاً إلى أنّه ليس إشكالاً في العدول، بل في أصل التخيير قبل تقليد المجتهد الاوّل.


الدليل الثالث: بناء العقلاء

الثالث من أدلّة الجواز العدول عن الحي إلى الحي: بناء العقلاء، إذ التقليد طريقي محض ـ كما تقدّم ـ سوى ما وسّع الشارع أو ضيّق، والعقلاء إذا كانوا مخيّرين في أمر، لوحدة نسبية في طريقية طريقين موصلين إلى واقع، لا يرون انخرام التخيير بمجرد سلوك أحد الطريقين.
وهذا ينحل إلى صغرى وهي هذه الدعوى، وكبرى وهي حجّية ذلك شرعاً.
أمّا الصغرى: فيكفي للاطمينان إليها استعراض سيرة العقلاء، في الرجوع إلى أهل الخبرة والحدس: من أطباء، ومهندسين، ومحامين، وغيرهم، وإنهم إذا تخيّروا بين فردين منهم، لا يرون أنفسهم ملزمين بأحدهما بمجرد الرجوع اليه، بل يرون التخيير باقياً بعد الرجوع، كما كان قبل الرجوع.
وأمّا الكبرى: فقد صرّحوا ـ في الاُصول والفقه في مختلف المقامات ـ بأنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية ـ إلاّ ما وسّع أو ضيّق الشارع ـ فما كان عند العقلاء مصداقاً للطاعة وجب شرعاً، وما كان مصداقاً للمعصية حرم شرعاً.
وكما صحّ التمسّك في أصل وجوب التقليد ببناء العقلاء(12) ـ حتى انهم حملوا الادلّة اللفظية من الايات والروايات على الارشاد إليه ـ كذلك في جزئيات مسائل التقليد ممّا جمع أمرين: أحدهما: تحقّق السيرة العقلائية. وثانيهما: عدم ردع شرعي عنها، ومن ذلك العدول عن الحي إلى الحي.


مناقشة الدليل الثالث

إن قيل: بناء العقلاء في أصل التقليد ممضى بالايات والروايات، وأمّا في الجزئيات كمسألة العدول هذه فلم يحرز فيها الامضاء الشرعي.
أُجيب: حيث إنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية، فلا حاجة إلى الامضاء.
إن قلت: بناء العقلاء لا يكشف عن حكم شرعي، وجواز العدول أو عدم حكم شرعي.
قلت: لا إشكال في أنّ بناء العقلاء لا يكشف عن الحكم الشرعي، إلاّ أنّه يكشف عن موضوع الحكم الشرعي، وما نحن فيه هكذا: فإنّ العقلاء ـ بسيرتهم ـ يُستكشف أنّ المجتهد الثاني مصداق أيضاً لرجوع الجاهل إلى العالم حتّى بعد تقليد المجتهد الاوّل، كما كان التخيير قبل أصل التقليد ببناء العقلاء، نظير ظهور الامر في الايجاب، والنهي في التحريم، والجملة الخبرية في الالزام ـ فعلاً وتركاً ـ والمفاهيم، وغيرها... وغيرها... مما لا يمكن إحراز الامضاء الشرعي فيها جميعاً.


خلاصة الكلام

والحاصل: إنّ في مقام البحث العلمي ـ دون الفتوى ـ تكون الادلّة المذكورة من الاستصحاب والاطلاقات وبناء العقلاء، على جواز العدول من الحي إلى الحي في موارد التخيير قبل التقليد كافية، وما أُورد على كل واحد منها من المناقشات غير واردة والله العالم.
هذا كلّه: إذا كان التخيير بين المجتهدين اعتبارياً، بجعل شرعي كالاستصحاب والاطلاق، أو عقلائي كبناء العقلاء، أمّا إذا كان التخيير عقلياً بملاك قبح الترجيح بلا مرجّح، فينبغي أن لا يتأمّل في بقاء نفس الدليل حتّى بعد تقليد أحدهما، لكون سقوط حجّية قول الثاني بعد تقليده الاوّل ترجيح بلا مرجح عقلي ـ كما سيأتي ـ.
نعم، إذا قلنا بترجيح شرعي انتفى موضوع الحكم العقلي، وهو خروج عن البحث، إذ الفرض فقد الدليل الشرعي، إذ معه لا تصل النوبة إلى الدليل العقلي كما هو واضح.


الدليل الرابع: العقل

الرابع من أدلّة جواز العدول من الحي إلى الحي: العقل، فإنّ العقل الّذي حكم بالتخيير بين المجتهدين المتساويين في الفضيلة إنّما حكم بذلك لوحدة نسبتهما إلى الواقع، فاحتمال مطابقة الواقع في كلّ منهما، مساو للاخر، فحيث لا يوجد مرجّح حكم بالتخيير، ونفس ذاك الدليل العقلي ـ للعدول إلى المساوي ـ موجود، إذ عند العقل بتقليد أحدهما لم تزد نسبة مطابقته للواقع، بل بقي على ما كان عليه، فجاز العدول لذلك.
إن قلت: ألا يكون التقليد مرجّحاً ـ عقلاً ـ ؟
قلت: لا، لانّ ملاك العقل ـ على المشهور ـ نسبة احتمال المطابقة للواقع، وهذه النسبة تكمن في أمرين: الخبروية، ومقدار الفضيلة، فإذا استويا ـ أي: المجتهدين ـ في الامرين، فأي شيء مرجّح بالنسبة لاحتمال مطابقة الواقع ؟
نعم في الاعلمية نسبة المطابقة للواقع في الواقع أكثر، أمّا مع عدمها، فلا.


تتمّة

الاعتبار في جواز العدول إنّما هو وقت العدول دون ما قبله أو ما بعده، فإذا كان في الابتداء مقلّداً لزيد، وحينه كان عمرو مفضولاً ـ وقلنا كالمشهور بعدم التخيير بين الفاضل والمفضول ـ ثمّ صار بعد ذلك مساوياً لزيد في الفضيلة جاز العدول إلى عمرو، أو كانا متساويين في الفضيلة، فعدل إلى عمرو، ثمّ صار عمرو بعد ذلك ـ مفضولاً، وقلنا بعدم وجوب العدول إلى الافضل مع صحّة شروع التقليد، جاز له البقاء على تقليد عمرو وهكذا.
هذا بناءً على تجويز العدول اعتماداً على الاطلاقات، أو بناء العقلاء، أو دليل العقل، أمّا إذا كان الاعتماد على استصحاب التخيير فلا، إلاّ على القول بحجّية التعليقي من الاستصحاب مطلقاً، أو في أمثال ذلك، والله العالم.


القول الثاني
عدم جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً

وأمّا القول الثاني: وهو عدم جواز العدول من الحي إلى الحي مطلقاً، فقد صرّح بعضهم حتّى إلى الافضل وقد صرّح به جمع، منهم: كاشف الغطاء (قدس سره) في كتابه فى موارد عديدة، منها: في المقدّمات، قال: « وإذا قلّد مجتهداً في مسألة، تقليد عامل لا مستخبر ـ عمل أو لا ـ لم يجز له العدول إلى غيره في تلك المسألة وإن كان الثاني أفضل » وقال أيضاً: « وأمّا العدول من تقليد مجتهد إلى آخر في مسألة خاصّة بعد صدق اسم التقليد ـ عمل أو لم يعمل ـ فغير جائز... »(13).


أدلّة القول الثاني

استدلّ للقول الثاني بوجوه كلّها قابلة للمناقشة:


الدليل الاوّل للقول الثاني

الاوّل: الاجماع المحكي عن المحقّق القمي (قدس سره) وعن الشيخ حسن كاشف الغطاء في شرح مقدّمة والده (قدس سره)على كتاب كشف الغطاء قال: « وللاجماع المنقول والشهرة المحصّلة » وفي تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): « ظهور اتّفاق الاصحاب إذ لم ينقل من أحد جواز العدول بطريق الايجاب الكلّي»(14).
وقال في المستمسك: « إجماعاً ـ في الجملة ـ حكاه غير واحد ».


مناقشة الدليل الاوّل

وفيه أوّلاً: أنّه منقول ولا عبرة به، لعدم إحرازه بالنقل، ولا حجّيته مستقلاً على ما حقّق في الاُصول.
وثانياً: مخالفة جمع من أعيان الفقهاء له، مثل المحقّق الكركي، والشهيد الثاني، والمحقّق الحلّي، والعلاّمة في النهاية، وصاحب الضوابط فيها، والمحقّق العراقي، والشيخ على الجواهري، والشيخ محمّد حسين الاصفهاني، وآخرين ممّن يعبأ بخلافهم.
وثالثاً: المسألة حادثة في زمن المحقق والعلاّمة ـ كما قيل ـ وليست معنونة عند القدماء حتّى يتم تحصيل فتاوى كلّ الفقهاء فيها.
ورابعاً: أنّه من الاجماع المحتمل الاستناد بل المعلوم الاستناد، وذلك لاستناد المجمعين إلى الادلّة التي نذكرها إن شاء الله تعالى، فليس إذن إجماعاً تعبّدياً حجّة كاشفاً عن موافقة المعصوم (عليه السلام) وهذا عند مشهور المتأخرين مانع، وإن كان لنا فيه إشكال كما تقدّم.


الدليل الثاني للقول الثاني

الثاني: قاعدة الاحتياط العقلي، المعبّر عنها بدوران الامر بين التعيين والتخيير. فإنّه بعد الاخذ بفتوى أحد المجتهدين يعلم بفراغ ذمّته باستمرار العمل على فتواه، ويشكّ في أنّه هل يجوز له العدول إلى المجتهد الاخر ؟ فهو يعلم أنّه إمّا يجب عليه معيّناً البقاء على تقليد المجتهد الاوّل، أو يكون مخيراً بينه وبين العدول إلى المجتهد الثاني، والاصل العقلي في المقام يقتضي التعيين، خصوصاً والمقام من دوران الامر بين طريقين، والمشكوك الطريقية هو المشكوك الحجّية الّذي هو موضوع عدم الحجّية.


مناقشة الدليل الثاني

وأُورد عليه أوّلاً: بما ذكره الاخ الاكبر في « موسوعة الفقه » ـ بعد رفع اليد عن الاطلاقات وترك الاستدلال بها ـ من عدم تسلم وجوب الاحتياط في الدوران حتّى ولو كان بين الطريقين، لجريان أدلّة البراءة وورودها على هذا الاصل العقلي.
وقد يوجّه: بأنّه لا إشكال في أنّ الاصل في الشكّ في الطريقية عدمها، إلاّ أنّه إذا كانت طريقية عقلائية ثابتة، وشكّ في الردع الشرعي عنها كان أصل عدم الردع الشرعي منضمّاً إلى وجدان الطريقية العقلائية محقّقاً لموضوع الطريقية، وسيأتي البحث عن ذلك مفصّلاً إن شاء الله تعالى.
وثانياً: بما ذكره الشيخ الانصاري وتبعه المحقّق الاصفهاني من محكومية القاعدة باستصحاب التخيير الثابت قبل الاخذ بإحدى الفتويين من دون معارض، وذلك إمّا لحكومته على استصحاب الحجّة الفعلية ـ كما اختاره الشيخ (قدس سره) ـ أو لعدم اقتضاء استصحاب الحجّية، التعيين إطلاقاً، وإنّ مقتضاه جواز العمل على طبقه فقط لا بشرط ـ كما ذهب اليه المحقّق الاصفهاني ـ.
هذا حال الاستصحابين، وأمّا ورود استصحاب التخيير على أصل التعيين العقلي فلا إشكال فيه، لورود الاصل الشرعي على الاصل العقلي، بل إن كان دليل وجوب تقليد الاعلم الاصل العقلي ـ عند الدوران بينه وبين التخيير بين الاعلم وغيره ـ كان الاستصحاب موجباً لعدم جواز الرجوع حتّى إلى الاعلم أو لعدم الوجوب حسب المستصحب.
وقد مرّ تفصيل الكلام فيها.
وثالثاً: كثيراً ما يكون العدول لاجل مزية في المعدول إليه، من أعلميته، أو أورعيته، أو نحوهما فيكون الدوران بين التعيينين، لا بين التعيين والتخيير.


الدليل الثالث للقول الثاني

الثالث: الاستصحاب وله تقريبان:
الاوّل: استصحاب الحكم المختار، فلو قلّد مجتهداً يقول بالقصر في مورد، ثم عدل إلى مجتهد آخر يقول بالتمام في نفس ذلك المورد، جرى بحقّه استصحاب القصر الشامل باطلاقه حتّى في زمان عدوله إلى المجتهد الثاني.
الثاني: استصحاب حجّية الفتوى المختارة، أي: استصحاب حجّية القصر بحقّه، لا استصحاب نفس القصر، والفرق بينهما: أنّ الاوّل استصحاب حكم فرعي والثاني استصحاب حكم أُصولي، ولعلّ إلى هذين يشير كاشف الغطاء حيث استدلّ لذلك بقوله: « ولانّه دخل في حلال محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وحرامه »(15).


مناقشة الدليل الثالث

وقد مرّ: ما عليه من الايرادات ـ وكان منها: إنّ هذا الاستصحاب يثبت حجّية البقاء ولا ينفي جواز العدول، إذ الاستصحاب في الرخصة والعزيمة تابع لدليل المتيقّن السابق، وليس عزيمة مطلقاً حتّى يكون له عقد سلب، كالمفاهيم على ما ذكرناه في بحث الاستصحاب من الاُصول ـ فلا نعيد.


الدليل الرابع للقول الثاني

الرابع: ما عن الشيخ الانصاري (قدس سره) ـ تبعاً لشيخه شريف العلماء(قدس سره)(16)ـ: من لزوم المخالفة القطعية في بعض الموارد، مثلاً: لو قلّد العامي مجتهداً يقول بالقصر في أربعة فراسخ وصلّى الظهر قصراً، ثمّ بعد الصلاة قلّد الّذي يقول بالتمام في أربعة فراسخ وصلّى العصر تماماً، حصل له العلم الاجمالي ببطلان إحدى صلاتيه، فإذا لم يجز العدول في مثل هذا المورد يتمّ المطلوب في غيره بعدم الفصل.
وزاد على ذلك بعض المراجع المعاصرين: بأنّه لا إجمال في متعلّق البطلان، بل يعلم تفصيلاً ببطلان العصر، إمّا لعدم الترتيب: لفساد الظهر بإتيانه قصراً، أو لوجوب قصر العصر أيضاً كالظهر.


مناقشة الدليل الرابع
المناقشة نقضاً

وأُجيب بأُمور:
أوّلاً: النقض بموارد لزوم العدول، كما إذا كان الثاني أعلم ـ على القول بلزوم العدول إليه ـ أو إذا تبدّل رأي المجتهد، أو موارد العدول عنه لجنون، أو موت، أو طرو فسق، أو نحوها. فلو قلّد مجتهداً في صلاة الظهر وقصّر، ثمّ تبدّل رأي المجتهد، أو عدل عنه لاعلمية غيره ـ مثلاً ـ وكان الثاني يقول بالتمام، ألا يجب عليه الاتيان بالعصر تماماً ؟ وما يجاب به عن تلك الموارد يجاب به عن هذا المورد.
وكذا في موارد كثيرة على شتّى المباني، مثل ما إذ كان المبنى: كون التقليد هو الالتزام، فالتزم بتقليد زيد وقبل العمل برأيه عدل، ومثل ما إذا اكتفى في صدق التقليد: العمل ببعض المسائل وأراد العدول في مسائل أُخر، ومثل ما إذا عدل ولم يعلم ـ حتّى إجمالاً ـ المخالفة بينهما، وذلك كما إذا حجّ قبل عشر سنين بفتوى مجتهد، والان يريد الحج بتقليد غيره ولا يعلم تخالفهما.
اللّهم إلاّ على القول بتعيّن تقليد الاعلم، وفي فرض إحراز الاعلمية وجداناً أو بتعبّد غير معارض، وهو فرض نادر خصوصاً في مثل هذه العصور التي كثر فيه الفقهاء ـ ولله الحمد ـ.
ثمّ إنّ شريف العلماء (قدس سره) أجاب عن بعض ذلك بالاجماع، في مثل تبدّل فتوى المجتهد، قال: «ذلك خرج بالاجماع فلولا الاجماع لقلنا به»(17).
أقول: ـ مضافاً إلى ما أُورد على مثل هذه الاجماعات موضوعاً وحكماً ـ إنّه إن تمّ إجماع في بعض هذه النقوض، فلا يتمّ في الجميع، فتأمّل.


المناقشة حلاً

وثانياً: بالحل، وهو أنّه إذا كان لنا دليل عام من اجزاء ـ على القول به ـ مطلقاً، أو في خصوص باب التقليد، يتكفّل بكفاية الاعمال السابقة المأتيّ بها عن حجّة شرعية، حتّى مع تبيّن مخالفتها لحجّة أُخرى بعد ذلك، بل ـ على قول أفتى به بعضهم في موارد مختلفة في الفقه صريحاً، أو باطلاق ـ حتّى مع تبيّن عدم مطابقتها للواقع(18) كما ادّعي من قيام الاجماع على كفاية ذلك، وفيه قال صاحب الفصول (قدس سره): من أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل اجتهادين، فلا يضر العلم بالمخالفة القطعية، إجمالية كانت أو تفصيلية، فضلاً عن المخالفة الاحتمالية(19).


تمثيل وتنظير

ونظير ذلك ما يقال في باب العلم الاجمالي في الواقعة المتكرّرة المتدرّجة في الوجود: من عدم لزوم مراعاة هذا العلم الاجمالي، كما يمثّل له الشيخ الانصاري (قدس سره) في الرسائل: بالمرأة التي ترى الدم طول الشهر حيث تجري أصالة عدم الحيض إلى آخر الشهر، ففي الايّام الثلاثة الاخيرة للشهر يتولّد علم إجمالي إمّا بالحيض في بعض الايّام السابقة، أو في هذه الايّام. ولا يكون ملزماً هذا العلم لخروج بعض الاطراف عن محل التكليف، أو عن محل الابتلاء في كل يوم، وكذا بعض أطراف العلم الاجمالي الخارج عن محل الابتلاء، ثمّ دخل في محل الابتلاء بعد ارتكاب طرفه الاخر، وهكذا.
وإن لم يكن لنا دليل عام يتكفّل لكفاية كلّ الاعمال السابقة المأتيّ بها عن حجّة شرعية، ثم تبيّن عدم مطابقتها للواقع ـ كما قيل أيضاً ـ فلابدّ من ملاحظة الحكم في كل مورد بخصوصه، فإن كان دليل خاص بكفايته التزمناه، وإلاّ التزمنا الاعادة أو القضاء، وكذا سائر الاثار الاُخرى المقرّرة في الشريعة.
وممّا قام الدليل الخاص على كفايته: باب الصلاة فيما إذا زاد أو نقص ـ غير الاركان ـ فإنّ حديث: « لا تعاد » يشمله، كما هو الاقوى.
مثلاً: لو قلّد مجتهداً كان يقول بعدم وجوب جلسة الاستراحة وصلّى الظهر بدون جلسة الاستراحة، ثمّ عدل إلى مجتهد آخر يقول بوجوبها، فإنّ مقتضى: « لا تعاد » صحّة صلاة الظهر المأتيّ بها بدون جلسة الاستراحة عن حجّة شرعية.
وممّا لم يقم الدليل عليه بالخصوص ـ كما قيل ـ باب الصلاة إذا زاد أو نقص بعض الاركان، كما إذا صلّى بفتوى المجتهد الاوّل الظهر قصراً، والمجتهد الثاني أفتى بلزوم التمام، فإنّ حديث: « لا تعاد » لا يشمل المقام، فيجب عليه إعادة أو قضاء صلاة الظهر تماماً وإن قيل ـ ولعلّه ليس بالبعيد ـ بشمول حديث: « لا تعاد » للمورد أيضاً، وتفصيل الكلام موكول إلى باب الصلاة.


حاصل الكلام

والحاصل: يجب القول بالقضاء أو الاعادة أو الكفارة أو سائر الاثار إذا علمنا بترتّب الاثار على العلم بالمخالفة الواقعية حتّى ولو كانت عن عذر.
هذا بالنسبة إلى الاثار العملية في الدنيا.
وأمّا مسألة العقاب الاُخروي فاستحقاقه يترتّب على صدق المعصية، وإلاّ فإن كانت المخالفة عن عذر، أو بالاحرى مستندة إلى حجّة شرعية ـ كما فيما نحن فيه ـ لا تصدق عليها المعصية، حتّى ولو كان بناء المقلّد ومن أوّل الامر العدول بعد العمل إلى مجتهد آخر مخالف للمجتهد الاوّل في فتواه.
وبالنتيجة: فلزوم المخالفة القطعية في بعض موارد العدول لا يوجب الحكم بحرمة العدول في نفس تلك الموارد، فضلاً عن القول بها عموماً.
ولا يخفى: إنّ ما ورد في أصل المطلب: من أنّ الحرمة تعمّ سائر موارد العدول بعدم الفصل.
فيه: إنّه ثبت في الاُصول أنّ الّذي قيل إنّه يعمّم الحكم لغير مورده هو القول بعدم الفصل، الّذي مرجعه إلى الاجماع بعدم الفصل، ولا يجدي مجرد عدم القول بالفصل.


الدليل الخامس للقول الثاني

الخامس: ما ذكر في المقام(20): من أنّ العلم بمخالفة فتوى المجتهد المعدول إليه لفتوى المجتهد المعدول عنه، إمّا تكون معلومة في حين العدول أم لا.
فعلى الاوّل: وهو ما إذا علم بالمخالفة حين العدول، فإنّه لا يجوز للمقلّد العدول إلى الثاني، ولا البقاء على فتوى الاوّل، لسقوط كلتا الفتويين عن الحجّية بقاءً من أجل المعارضة، لانّ أدلّة التقليد لا تشمل صور المخالفة، بل اللازم عليه الاحتياط حينئذ.
وعلى الثاني: وهو ما إذا لم يعلم بالمخالفة حين العدول وحصل له العلم بالمخالفة بعد ذلك، فإنّه أيضاً لا يجوز له العدول لسقوط كلتا الفتويين عن الحجّية حال علمه بتخالف الفتويين.
نعم، حال العدول كان غافلاً عن مخالفة الفتويين، فكان يتخيّل جواز العدول، فيكون معذوراً على عدوله، وإلاّ فعدوله باطل واقعاً.
إذن: فالعدول إلى مجتهد آخر مخالف في الفتوى للمجتهد الاوّل، غير جائز.


مناقشة الدليل الخامس

وفيه أوّلاً: ما مرّ مكرّراً ـ ويأتي مفصّلاً في المسألة الثالثة عشرة إن شاء الله تعالى: من أنّ مقتضى الادلّة العقلائية والشرعية التخيير في الفتويين المتعارضتين حتّى على القول بتساقط المتعارضين، وعليه: فلا يبقى مجال لهذا التفصيل.
وهل يصحّ أن يلتزم بوجوب انسحاب عامّة المقلّدين عن مرجعهم بمجرد عثورهم على فتوى مخالفة لفتواه ـ فيما كان محل ابتلاء كل فرد فرد ـ لسقوطهما عن الحجّية بالعلم بالمخالفة ؟
اللّهم إلاّ في فرض كون المرجع هو الاعلم على الاطلاق من معاصريه وممّن سينبُغ في عصره ما دام حياً.
وثانياً: الدليل أخصّ من المدّعى، إذ لا ينحصر العدول في فرض العلم بالمخالفة حال العدول، أو بعدها، فهناك فرض عدم العلم بالمخالفة لا حين العدول، ولا بعده، كما قدّمنا المثال لذلك بمن حجّ قبل عشر سنوات مقلّداً لمجتهد، والان يريد الحجّ عدولاً إلى فتاوى مجتهد آخر، ولا يتذكّر فتاوى المجتهد الاوّل.
وفرض آخر: وهو العدول مع العلم بتوافقهما حال العدول، أو حصول العلم بالتوافق بعد العدول ـ بناءً على لزوم التعيين في مرجع التقليد كما تقدّم طرف من الكلام عنه عند قول الماتن في المسألة الثامنة: « التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معيّن » ـ.
نعم، لا يرد عليه النقض المتقدّم بالعدول إلى الاعلم، أو تغيّر فتوى المجتهد نفسه، أو كون التقليد هو الالتزام، فعدل قبل العمل، أو نحو ذلك كما هو واضح.


الدليل السادس للقول الثاني

السادس: ما في تقرير بحث السيّد الروحاني وفاقاً لما في التنقيح(21): من أنّ العدول لا يخلو من أمرين باطلين: إمّا التبعيض في الحكم الكلّي، وإمّا نقض آثار الاعمال السابقة الواقعة على طبق التقليد الاوّل بعد تقليده للثاني.
مثلاً: إذا كان مجتهدان يوجب أحدهما الجمعة والاخر الظهر، فقلّد العامي الاوّل برهة وصلّى الجمعة، ثمّ عدل إلى الثاني. فإمّا أن يلزم التبعيض في الصلاة الواحدة ـ وهو حكم كلّي كلّما حان ظهر الجمعة ـ بمتابعة أحدهما مدّة، ومتابعة الاخر مدّة أُخرى. وإمّا أن يحكم ببطلان ما صلاّها جمعة حال تقليده للاوّل، ويلزم منه: أنّه إن عاد إلى الاوّل أو إلى مجتهد ثالث يقول بوجوب الجمعة، أن يحكم ببطلان كلّ ما صلاّها ظهراً، وهكذا.


مناقشة الدليل السادس

ويورد عليه: ـ مضافاً إلى أنّه أخصّ من المدّعى على ما تقدّم آنفاً ـ أنّه ليس تبعيضاً في الحكم الكلّي، والمسألة الكلّية، بل هو تبعيض في الحجّة على الحكم الكلّي، إذ فتوى الفقيه ليس حكماً، بل هو حجّة على الحكم، فإن قلنا تبعاً للمشهور من الاجزاء في باب التقليد صحّ التبعيض في هذه الحجّة على الحكم الكلّي، وإن قلنا بعدم الاجزاء فيه أيضاً لزم الالتزام ببطلان الاعمال السابقة بالخصوص ـ إذ لازم الالتزام بصحّة العدول ذلك، دون بطلان الاعمال اللاحقة ـ وهذا هو الخلاف المبنوي السابق في الاجزاء وعدمه بالنسبة للتقليدين المتخالفين، وليس إشكالاً آخر.


إيرادات غير تامّة
الايراد الاوّل

وقد أُورد على هذا الوجه السادس إيرادات أُخرى غير تامّة:
أحدها: ما ذكره العلاّمة الروحاني نفسه: من أنّ التقليد إنّما هو في الحكم الكلّي، ولا نقول بالتبعيض، إذ عمل المقلّد لابدّ وأن يستند إلى رأي المجتهد، والمقلّد استند في صلاة الظهر إلى رأي المجتهد الاوّل الّذي هو حجّة حتّى بالنسبة إلى عدم لزوم القضاء بعد العدول، فيكون استناده إلى المجتهد الثاني في خصوص الوقائع اللاحقة، وذلك لا يكشف عن فساد الاعمال السابقة.
وفيه: أنّ كل واحد من المجتهدين له رأيان سلبي وإيجابي، فالايجابي الجواز والصحّة بالنسبة للجمعة أو الظهر، والسلبي عدم الجواز والبطلان بالنسبة لخلافهما، فالمجتهد الاوّل يقول بجواز وصحّة الجمعة، وعدم جواز وبطلان الظهر، والمجتهد الثاني يقول بالعكس، فالسابق يخطّي فتوى اللاحق، واللاحق يخطّي فتوى السابق، وكلّ يكشف ـ بنفس الحجّة على الايجاب ـ عن السلب أيضاً.


الايراد الثاني

ثانيها: الالتزام بالشقّ الثاني وهو نقض آثار الاعمال السابقة، وهو بعينه مسألة تساقط الدليلين ـ الذين منهما الفتويين ـ لدى المعارضة، اللّهم إلاّ أن يقوم دليل على اجزائها.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما تقدّم إجمالاً وسيأتي إن شاء الله تعالى مفصّلاً: من الحل بقيام الدليل على الاجزاء في أبواب عديدة ومنها باب التقليد ـ النقض بموارد لابدّ فيها من العدول كما إذا فسق أو جنّ المجتهد الاوّل، أو سقطت عدالته، ونحو ذلك، أو صار غيره أعلم، أو أوثق، ونحوهما ـ بناءً على لزوم العدول فيها أو تبدّلت فتوى نفس المجتهد الاوّل وبموارد يجوز العدول فيها من الميّت إلى الحي، ونحوه.


الايراد الثالث

ثالثها: نفرض أنّا لا نلتزم التبعيض، ولكن نقول: إنّه لا يلزم من ذلك التزام فساد الاعمال السابقة، لانّ لكل واحدة من الفتويين منطوقاً ومفهوماً، فالمنطوق هو نفس الفتوى، والمفهوم هو عدم صحّة غيرها، الشامل باطلاقه لفتوى الاخر، فإن كان في البين فتوى واحدة كنّا نلتزم بالمفهوم كما نلتزم بالمنطوق ـ على فرض حجّية مفهوم اللقب في الفتاوى، الّذي المقام منه ـ ولكن مع وجود فتويين متعارضتين، فهناك مفهومان متعارضان أيضاً يطرح بكل منطوق مفهوم الاُخرى، لاظهرية منطوق كل فتوى من مفهوم الفتوى الاُخرى ـ كما حرّر ذلك في الاُصول أيضاً ـ فتأمّل.
وفيه: أنّ كل واحدة من الفتويين لها منطوقان، لا مفهوم ومنطوق، فبنفس الحجّة على الحكم الاثباتي، يفتي ـ كل منهما ـ بالحكم السلبي، فمن يفتي بوجوب صلاة الجمعة يفتي بعدم وجوب وعدم صحّة الاكتفاء بصلاة الظهر، وكذا العكس، فليس تعارض منطوق ومفهوم ليكون المنطوق أظهر ويرفع اليد به عن المفهوم، فهما متعارضان في الظهور.


الايراد الرابع

رابعها: مناقشة فنيّة، وهي أنّ هذا الدليل السادس في الاستدلال لعدم جواز العدول ينبغي أن يصاغ بأنّه يستلزم أحد أمرين ـ لا يمكن المساعدة على شيء منهما ـ على سبيل القضية الحقيقية، دون مانعة الخلو ـ كما في التنقيح، فتأمّل.
وقد نقل في مخطوط تقرير بحث المحقق الشريف وجه آخر، وهو: أنّ أدلّة حرمة التقليد تشمل كلا المقلَّدين ـ بالفتح ـ خرج عن ذلك بالاجماع تقليد الاوّل، فيبقى المعدول إليه في عموم الحرمة.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الّذي خرج عن العموم عنوان يشمل المعدول عنه وإليه سواء في بناء العقلاء وفي الادلّة الشرعية ـ أنّ مقتضى استصحاب التخيير، واستصحاب تقليد الثاني قبل تقليد الاوّل، جواز العدول على ما تقدّم.


الدليل السابع للقول الثاني

السابع: ما ذكره الشيخ حسن كاشف الغطاء في شرح(22) مقدّمة والده (قدس سرهما) على كشف الغطاء: من لزوم فساد النظام بالتبديل والتغيير ومتابعة الهوى.


مناقشة الدليل السابع

وفيه: ما لا يخفى، مضافاً إلى أنّه أخصّ من المدّعى لو فرض صحّته جزئياً، مع أنّه إن كان فساد النظام فإنّما هو في المعاملات خاصّة دون العبادات، وفيما لو قلنا ببطلان المعاملة السابقة بسبب فتوى المعدول إليه لا مطلقاً، فهذا الاستدلال حريّ أن يكون مستنداً للتفصيل بذلك، لا للقول بحرمة العدول مطلقاً.


الدليل الثامن للقول الثاني

الثامن: ما ذكره الشيخ حسن كاشف الغطاء أيضاً: من أنّ العدول ردّ عليه، وهو ردّ على الله تعالى، وقد صرّح بذلك والده: كاشف الغطاء (قدس سره) في كتابه(23).


مناقشة الدليل الثامن

وفيه: ما لا يخفى، مضافاً إلى أنّه انتقال من حكم الله تعالى إلى حكم آخر لله تعالى، والردّ لو تمّ فهو في غير الانتقال إلى حكم آخر لله تعالى.


الدليل التاسع للقول الثاني

التاسع: ما ذكره شريف العلماء (قدس سره): « من عموم أدلّة حرمة التقليد، خرج تقليد الاوّل بالاجماع، وبقي المعدول إليه تحت العموم »(24).


مناقشة الدليل التاسع

في أحكام العدول: القول الثالث
وفيه أوّلاً: إنّ الّذي خرج عن العموم عقلائياً: الخبير الثقة، وشرعاً: من جمع الشرائط عنوان يعمّهما.
وثانياً: إنّ مقتضى استصحاب التخيير، واستصحاب حجّية تقليد الثاني، يعمّم الحكم لهما.


استنتاج

وكيف كان: فقد ظهر من مطاوي ما ذكرناه: عدم استقامة اطلاق القول بحرمة العدول في مقام البحث العلمي دون مقام الفتوى.


القول الثالث
التفصيل بين ما قلّد فيها والتزم البقاء وعدمه

وأمّا القول الثالث في مسألة العدول من الحي إلى الحي: فهو ما نقله المستمسك(25) عن الجواهر وجماعة من التفصيل: بين الوقائع التي قلّد العامي فيها والتزم البقاء عملياً على تقليد الاوّل وبين غيرها، بعدم جواز العدول في الاول، وجواز العدول في الثاني.
مثال الاوّل: ما لو قلّد مجتهداً يجوّز عقد النكاح بالفارسية، فعقد بالفارسية على امرأة، ثمّ عدل إلى مجتهد آخر يرى بطلان العقد بالفارسية، فلا يجوز له ترك ترتيب آثار الزوجية من الوطي، والقسم، والنفقة، والارث، وعدم الرجوع في الهبة، ونحوها اعتماداً على فتوى المجتهد الثاني.
ومثال الثاني: ما لو عقد على امرأة أُخرى بالفارسية بعد العدول، فإنّه حيئنذ يصحّ له عدم ترتيب آثار الزوجية بالنسبة إلى هذه المعقودة. قال في المستمسك في وجه ذلك: « وكأنّه لاستصحاب التخيير الّذي لا إجماع على خلافه هنا »(26).


مناقشات ومآخذ

والّذي يؤخذ على هذا القول أُمور:
أحدها: هو أنّ البقاء في المثال الاوّل، ليس من التزام المقلّد البقاء في أفراد الحكم الكلّي وإنّما هو بقاء في فرد واحد، ولاجل إنّه واقعة واحدة لا لاجل التزامه.
وهذا نظير ما لو تزوّج أُخت أُخته من الرضاعة بفتوى من لا يقول بعموم المنزلة، وحملت منه ولداً، ثمّ عدل في تقليده إلى مجتهد يحرّم التزويج بها قائلاً بعموم المنزلة، أترى هل يحكم بأنّ الولد ينقلب ولد شبهة بعد ما كان ولد نكاح ؟ وهل ينقلب مهر الزوجة من المسمّى إلى مهر المثل ؟ كلاّ، وليس ذلك إلاّ لانّ هذه الواقعة إلى الاخير تعدّ واقعة واحدة، لا واقعتين مندرجتين تحت كلّي واحد، كالظهر والجمعة.
أو نظير ما لو أكل لحماً حلالاً بفتوى مجتهد، ثمّ بعد قليل قبل هضم اللحم، عدل إلى مجتهد آخر يقول بحرمة أكل ذلك اللحم، أترى أنّ القائلين بجواز العدول مطلقاً هل يقولون بوجوب تقيّىء هذا اللحم ـ بناءً على وجوب تقيىء الحرام وأنّ ابقاءه في المعدة كأكله حرام ـ ؟
ثانيها: أنّه ـ نتيجة ـ يكون قولاً بجواز العدول مع تصحيح الاعمال السابقة، وهو مطلب آخر غير جواز العدول.
في أحكام العدول: القول الرابع
ثالثها: أنّه لا ربط للالتزام في ذلك، فإذا عقد على الاُولى بالفارسية، بتقليد المجتهد الاوّل، غير ملتزم البقاء لا على التقليد ولا على الزوجة ـ لقصده مثلاً العدول بعد سنة، والطلاق بعد سنة ـ ثمّ عدل ولم يطلق، فهل يلتزم هذا المفصل بطلان النكاح ؟
رابعها: استبعاد أن يكون حكمان لرجل ذي زوجتين قد عقد على كليتهما بالفارسية، بأن يجب عليه ترتيب آثار الزوجية بالنسبة للاُولى لوقوع العقد عليها في زمن تقليده لمن كان يجوّز ذلك، وأن يحرم عليه ترتيب آثار الزوجية بالنسبة للثانية لوقوع العقد عليها في زمن تقليده ممّن كان يحرّم ذلك.
لكن فيه: أنّ الاستبعاد لا يكون مرجعاً للاحكام الشرعية، والتفكيك بين الاثار ما أكثره في الشريعة، وفي البناءات العقلائية، ما دام هذا التفكيك نتيجة سعة دليل، أو قصور دليل.


القول الرابع
التفصيل بين اختلاف المجتهدين وتوافقهما

وأمّا القول الرابع في مسألة العدول من الحي إلى الحي: فهو ما للبعض في شرحه على العروة: من التفصيل بين اختلاف المجتهدين في الفتوى فلا يجوز العدول، وبين اتّفاقهما فيجوز العدول.
والحقّ: أنّ هذا أيضاً يرجع إلى حرمة العدول مطلقاً، لانّ العدول إلى الموافق في الفتوى وإن كان عدولاً واقعاً في الاستناد ولكن لا أثر مهم له.
نعم قد يترتّب عليه بعد ذلك بعض آثار غير مهمّة في المقام، مثلما لو عدل من زيد إلى عمرو، ثمّ مات زيد فيجوز للمقلّد البقاء على تلك الفتوى حتّى على القول بحرمة البقاء على تقليد الميّت، أمّا إذا لم يعدل فمات زيد لم يجز له البقاء على تقليده. ونحو هذا من الاثار.
ولعلّه لذلك لم يعلّق هذا المعاصر في حاشيته على العروة على هذه المسألة واعتبر نفسه موافقاً للعروة في حرمة العدول.
ثمّ إنّه قد ظهر الاشكال في عدم جواز العدول ممّا تقدّم.


القول الخامس
التفصيل بين تساوي المجتهدين وعدمه

وأمّا القول الخامس في مسألة العدول من الحي إلى الحي: فهو ما لجماعة، منهم: المحقّق العراقي، والشيخ علي حفيد صاحب الجواهر (قدس سرهم) وبعض آخر: من التفصيل بين تساوي المجتهدين فيجوز العدول، وبين غيره فلا يجوز العدول.
واستدلّوا لذلك باستمرارية التخيير الّذي كان قبل التقليد، وهذا القول قد اتّضحت مؤيّداته، ومناقشاته، من مطاوي الكلمات الانفة للمتأمّل.
هذا تمام الكلام في المسألة الاُولى من شقّي المسألة الحادية عشرة، وهي مسألة: جواز العدول من الحي إلى الحي وعدمه.


المسألة الثانية
مسألة العدول إلى الاعلم والاقوال فيه

وأمّا المسألة الثانية: وهي مسألة حكم خصوص ما إذا كان المعدول إليه أعلم، فهل يجوز العدول إليه، أو يجب، أو يحرم، أو يجب الاخذ بأحوط القولين مع العلم بالمخالفة تفصيلاً، أو ولو إجمالاً فيما كان العلم الاجمالي منجّزاً، أو التفصيل بين احراز المطابقة وعدمه ؟ احتمالات بل أقوال.


القول الاوّل
جواز العدول إلى الاعلم

الاوّل: ظاهر متن العروة هو: جواز العدول إلى الاعلم لانّه استثناء عن حرمة العدول، ومقتضاه: عدم الحرمة لا الوجوب، وهو ظاهر كلّ من لم يعلّق على هذه المسألة كالمحقّقين النائيني، وشيخ الشريعة، والشيخ محمّد رضا آل ياسين، والسيدين: الوالد والبروجردي، والشيخ عبدالكريم الحائري (قدس سرهم)، وإن كان بعضهم كالسيد الحكيم (قدس سره) صرّح بالوجوب في شرحه على العروة.


الاستدلال لجواز العدول إلى الاعلم

ويمكن أن يستدلّ له بالجمع بين أدلّة حرمة العدول، وبين أدلّة وجوب تقليد الاعلم، مع عدم ثبوت رجحان لاحداهما على الاُخرى، فيرجع إلى التخيير.
إلاّ أن يقال: بأنّه على المسلك المنسوب للمشهور من تساقط الدليلين أنّ مقتضى القاعدة في المقام الاحتياط، قضاء للبراءة اليقينية عند الاشتغال اليقيني.
لكن قد يجاب عليه: بأنّ التساقط إنّما يصحّ في الدليلين المتعارضين، الذين كان كلّ واحد منهما دليليته مطلقاً ـ لو خلّي عن المعارض ـ مسلّماً، أمّا لو كان دليلية الدليل من باب الاُصول العقلية ونحوها ممّا اختلفت على الجهل وعدم العلم، التي تزول أحياناً بأدنى شبهة دليل معارض، فلا، ولعلّ المقام منه. إذ لم يفهم من وجوب تقليد الاعلم اطلاقه حتّى إذا استلزم العدول، ولم يفهم من دليل حرمة العدول اطلاقه حتّى ولو كان إلى الاعلم.
وقال الاخ الاكبر في « موسوعة الفقه » في مقام الاستدلال لجواز العدول إلى الاعلم: « وذلك لعدم جريان أدلّة المنع هنا، أمّا الاجماع: فقد تقدّم أنّه فيما لا يكون أحدهما أعلم، وأمّا دوران الامر بين التعيين والتخيير: فلعدمه هنا، إذ قد تقدّم أنّ هذه القاعدة هي فيما لا يكون احتمال التعيين في كلّ من الطرفين موجوداً، وما نحن فيه كذلك، يحتمل تعين المعدول عنه لانّه آخذ بالحجّة، ويحتمل تعيّن المعدول إليه لكونه أعلم »(27).
وربما يقال فيه: أنّ أدلّة المنع لم تنحصر في الاجماع، وأصل التعيين، حتّى إذا فقدا في المقام يكون الامر بلا مانع ـ وإن كان الاخ الاكبر لم يستدل في مقام الاستدلال للمنع إلاّ بهما فقط ـ ولكن ذكرنا سابقاً في أدلّة المنع عدّة أُمور تجري في المقام ـ ولو جزئياً ـ وهي لزوم المخالفة القطعية في بعض الموارد، وتساقط الفتويين المتخالفتين للتعارض، ودوران الامر بين أمرين باطلين: التبعيض في الحكم الكلّي، ونقض آثار الاعمال السابقة والاستصحاب.
نعم، من الممكن أن يخدش في الاستصحاب هنا بما لم يكن سابقاً وهي تبدّل الموضوع، فتأمّل.


القول الثاني
وجوب العدول إلى الاعلم

الثاني: صريح بعض الاعلام هو: وجوب العدول إلى الاعلم، وإليه ذهب جمع من مراجع العصر ومن تقدّمهم، تبعاً لصاحب الجواهر، والشيخ الانصاري والمجدّد الشيرازي في الرسائل العملية « مجمع الرسائل » و: « صراط النجاة » و « مجمع المسائل » ووافقهما الميرزا حبيب الله الرشتي، والميرزا حسين الخليلي، والصدر، والكاظمان: الخراساني واليزدي (قدس سرهم) واختلفت حواشي الشيخ محمّد تقي (قدس سره) على رسائل ثلاث كالاتي:
1. ففي حاشيته على الرسالة المنسوبة للشيخ الانصاري (قدس سره) المسمّاة باسم: « صراط النجاة » أفتى بعدم وجوب العدول إلى الحي الاعلم.
2. وفي حاشيته على الرسالة المنسوبة للمجدّد الشيرازي (قدس سره) المسمّاة باسم: « مجمع المسائل » سكت على المتن الّذي أوجب العدول إلى الاعلم ولم يعلّق عليه بشيء.
3. وفي حاشيته على رسالة الشيخ زين العابدين المازندراني ـ تليمذ صاحب الجواهر والشيخ (قدس سرهم) ـ المسمّاة باسم:«ذخيرة المعاد» قال ما ترجمته بالعربية: « الاحوط هو الاخذ بأحوط القولين من المعدول عنه أو المعدول إليه الاعلم ».
ودليلهم على ذلك: عدم الفرق في أدلّة وجوب تقليد الاعلم بين سبق تقليد غيره وبين عدمه.
أقول: إن تمّ بناء من العقلاء على وجوب تقليد الاعلم مطلقاً حتى مع سبق تقليد غيره كان أمارة معتبرة شرعاً، لانّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية ـ إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيّق ـ ومع هذه الامارة لا مجال لاي بحث. وإن لم يتمّ هذا البناء ـ علماً وجدانياً أو تعبّداً، أو أصلاً عملياً ـ لم ينفع شيء ممّا ذكر في المقام من الادلّة الاُخرى.
ولذا يرد على ما ذكر:


مناقشة القول الثاني

وفيه: أنّ عمدة أدلّة تقليد الاعلم كما سيأتي ـ غير بناء العقلاء ـ هي: أصل التعيين، والاقربية إلى الواقع، والاجماع المنقول، والاخبار العلاجية، والاخبار الخاصّة مثل: « اختر للحكم أفضل رعتيك » ونحوه، فإن كان المراد من عدم الفرق بين سبق التقليد وعدمه في وجوب تقليد الاعلم هو اطلاق الادلّة، فلا اطلاق فيها إلاّ الاخبار، لانّ أصل التعيين والاقربية إلى الواقع والاجماع كلّها أدلّة غير لفظية، وليست مسرحاً للاطلاق وعدمه.
اللّهم إلاّ إذا كان للاجماع معقد مطلق، مع الاشكال فيه وفي الاخرين صغرىً وكبرىً على ما يأتي في مسألة تقليد الاعلم إن شاء الله تعالى.
وأمّا الاخبار الخاصّة والعلاجية فسيأتي الاشكال فيها في نفس مسألة تقليد الاعلم.
وإن كان المراد من عدم الفرق، غير الاطلاق فليبيّن.
وربما يضاف إلى ما ذكر: أنّه بناءً على كون وجوب تقليد الاعلم لاصل التعيين ـ ولعلّ المعظم بنوا عليه ـ فمضافاً إلى معارضته بأصل التعيين الّذي بنوا عليه حرمة العدول عن الحي، إنّ استصحاب حرمة العدول ـ فيما كان الاعلم فعلاً غير أعلم سابقاً وحدثت الاعلمية له، ويتمّ في ما لا يقين سابق بالاعلمية بعدم الفصل ـ مقدّم على أصل التعيين من جهتين، شرعية الاستصحاب وتنزيليته، وعقلية أصل التعيين، وكونه غير تنزيلي.
وبعبارة أُخرى: إذا وصلت النوبة إلى الاُصول العملية، وكان لزوم تقليد الاعلم لاصل التعيين، ولزوم البقاء على تقليد المجتهد الاوّل للاستصحاب، كان البقاء لازماً ولم يجز العدول حتّى إلى الاعلم، لورود الاصل الشرعي على الاصل العقلي كلّما وقعت المعارضة بينهما ـ كما حرّر في الاُصول ـ كيف والاستصحاب تنزيلي والتعيين غير تنزيلي ؟


إيراد غير وارد

فما أُورد في المقام على السيد الحكيم (قدس سره): من أنّه إذا ثبت وجوب تقليد الاعلم تعيّن العدول، سواء كان مستنده الدليل الاجتهادي أم الاصل العملي، لم يظهر وجهه.
إلاّ أن يقال: بعدم جريان الاستصحاب، أو بمحكوميته لاصل التعيين لانّ الاستصحاب في المقام دليل غير اقتضائي لكونه مجوّزاً للبقاء، وأصل التعيين دليل اقتضائي، وكلّما وقع تعارض بين دليلين: اقتضائي ولا اقتضائي، تقدّم الدليل الاقتضائي.
لكنّه بكلا شقّيه غير تامّ، إذ جريان الاستصحاب لا مانع منه خصوصاً مع تمامية أركانه، إلاّ على القول بعدم جريانه في الاحكام.
وحديث دليلين: اقتضائي ولا اقتضائي، مضافاً إلى أنّه غير مرتبط بما نحن فيه خصوصاً ـ مع الغض عمّا سبق آنفاً من عدم كونهما في مرتبة واحدة لتقدّم الاستصحاب وكونه رافعاً لموضوع أصل التعيين ـ أنّ كلا الدليلين اقتضائيان، غاية ما في الباب مورد أحدهما الحكم بالاباحة، لا أنّ الاستصحاب دليل لا اقتضائي، نظير روايتين تدلّ إحداهما على حرمة شيء والاُخرى على جوازه، فلا تقدّم الدالّة على الحرمة، بل في مثله ـ بعد التعارض والتساقط ـ يكون الاصل موافقاً للدليل غير الاقتضائي، ومسألة تقدّم الدليل الاقتضائي على غيره إنّما هي في التزاحم كما إذا كان دليل دالاً على حكم غير اقتضائي كأدلّة المباحات والمكروهات والمستحبات. ودليل آخر كان دالاً على حكم اقتضائي كأدلّة الواجبات والمحرّمات فكان أمر خارجي مجمعاً ومصداقاً لكليهما، كما لو صار شرب الماء موجباً لهلاك النفس أو بالعكس، فتأمّل.


القول الثالث
حرمة العدول حتى إلى الاعلم

الثالث: صريح كاشف الغطاء في مقدّمة كشف الغطاء هو: الحرمة وعدم جواز العدول، قال: «وإذا قلّد مجتهداً في مسألة، تقليد عامل لا مستخبر ـ عمل أو لا ـ لم يجز له العدول إلى غيره في تلك المسألة وإن كان الثاني أفضل».
وقال ابنه: الشيخ حسن ـ صاحب أنوار الفقاهة ـ في شرحه على مقدّمة كشف الغطاء: « فهل يجوز العدول طلباً للفضيلة ـ وكذا لو كان أعدل ـ أم لا يجوز ؟ وجهان: لتعارض دليل وجوب تقديم الفاضل، ووجوب البقاء وحرمة العدول، ولا يبعد تقديم دليل حرمة العدول مطلقاً لقوّته، وانصراف أدلّة وجوب تقديم الفاضل لغير محل الفرض »(28).
أقول: وقد يؤخذ على هذا القول، ما ذكر في القولين السابقين، وما سيذكر في القول الرابع من الاستدلالات إن شاء الله تعالى.
وربما يضاف: أنّ الاعلم إن كان لاصل التعيين فاستصحاب حرمة العدول إذا لم يكم أعلم ثمّ صار أعلم، ويتمّ في غيره بعدم الفصل، حاكم عليه من جهتين: الشرعية والتنزيلية.
وفيه: أنّه كلام مبنائي، لكن المعظم ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ بنوا على أصل التعيين في الاعلم، مع العلم الاجمالي، بالمخالفة في محل الابتلاء.
ثم إنّ من مطاوي ما ذكرناه بالتفصيل يظهر حكم العدول من الاعلم إلى غير الاعلم فلا نعيد، فالادلّة هي هي، والنقوض هي هي، ولكن مع تفاوت لا يخفى على المتأمل.
وخلاصته: أنّه مع مبنيين يصحّ، وإلاّ فلا، والمبنيان هما: عدم وجوب تقليد الاعلم، وجواز العدول مطلقاً، وهو واضح.


القول الرابع
وجوب الاخذ بأحوط القولين

الرابع: وأوجب بعضهم الاحتياط بين القولين، إذا كان الحي المعدول إليه أعلم، وفي غيره لم يجوّزوا العدول، فبعضهم قيّد ذلك بما إذا علم تفصيلاً ـ من غير وجوب فحص على نحو مقدّمة الوجوب لا مقدّمة الوجود ـ المخالفة في كلّ مسألة مسألة، ومنهم بعض مراجع عصرنا، وآخرون أطلقوا وجوب الاحتياط حتّى مع العلم الاجمالي بالمخالفة فيما كان العلم الاجمالي منجّزاً للتكليف بشروطه: من عدم كونه غير محصور، ولا خارجاً بعض أطرافه عن محلّ الابتلاء وغير ذلك، وممّن صرّح بذلك الحاج آقا حسين القمّي (قدس سره) في حاشية العروة.


مستند القول الرابع

ومستندهم في ذلك: الجمع بين طوائف من الادلّة:
إحداها: ما سبق ممّا دلّ على عدم جواز العدول.
ثانيتها: ما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ في مسألة تقليد الاعلم في المسألة الثانية عشرة ـ ممّا استدلّ به على وجوب تقليد الاعلم.
ثالثتها: ما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ في تقليد المجتهدين المتساويين ـ ممّا استدلّ به على وجوب الاحتياط عند تخالفهما في الفتوى.
أقول: لكنّك عرفت ـ وستعرف أيضاً ـ إنّ ذلك كلّه مبني على الاحتياط غير اللازم، والله العالم.


تصريح المحقّق العراقي

وأمّا المحقّق العراقي (قدس سره) في حاشية العروة: فقد صرّح بجواز العدول في صورتين:
1. كون المعدول إليه أعلم.
2. أو متساوياً.
ولم يجوّزه في غيرهما.
ووافقه في الصورة الثانية فقط: المحقّق الاصفهاني في وسيلته، وقد سبق: أنّه في الصورة الاُولى ـ وهي أعلمية المعدول إليه ـ يوجب العدول، لا أنّه يجوّزه، ومستندهما في ذلك ظاهر ممّا ذكرنا، ولا يحتاج إلى بيان.


الشيخ زين العابدين وتصريحه

ثمّ إنّ مقتضى ما ذكر من الادلّة: أنّ من يجوّز العدول ـ في الصورة التي يجوّزها ـ يجوّزه حتّى عمّن لا يجوّز العدول، وإلى من لا يجوّز العدول وإنّ من لا يجوّز العدول، لا يجوّزه حتّى عمّن يجوّز العدول، وإلى من يجوّز العدول ـ كما هو واضح ـ وقد صرّح بذلك الشيخ زين العابدين المازندراني في رسالته المسمّاة بذخيرة المعاد.
ثمّ إنّ من مطاوي ما ذكرنا بالتفصيل، يظهر حكم العدول من الاعلم إلى غير الاعلم، فلا نعيد، فالادلّة هي هي، والنقوض هي هي، ولكن مع تفاوت لا يخفى على المتأمّل، وخلاصته: أنّه مع مبنيين يصحّ، وإلاّ فلا:
أحدهما: عدم وجوب تقليد الاعلم.
ثانيهما: جواز العدول مطلقاً، وهو واضح.


القول الخامس
وجوب العمل بالاحتياط للعلم الاجمالي

الخامس: وجوب العمل بالاحتياط مع اختلافهما في الفتوى للعلم الاجمالي بعدم خروج الحجّة عنهما، والشك في تعيّن أيّ منهما للحجّية، وذلك عند الشكّ في تقدّم أيٍّ منهما.
وفيه ـ مضافاً إلى ما تقدّم ـ أنّه مع احتمال التخيير يدور الامر بين الاقلّ والاكثر، والاقلّ هو التخيير، والاكثر هو التعيين لكونه قيداً زائداً، فتأمّل.


القول السادس
التفصيل بين إحراز المطابقة وعدمه

السادس: التفصيل بين إحراز مطابقة فتوى الحي المفضول مع فتوى الافضل ـ من الاموات ـ من الاعلم الحي، فلا يجوز العدول إلى الاعلم وبين غيره، فعلى المباني الانفة، وقد صرّح بهذا التفصيل السيد احمد الخونساري في حاشية العروة.
ولعلّ وجهه: أنّ مقتضى طريقية التقليد، ووجوب تقليد الاعلم، ذلك.
وفيه: أنّه يختلف الامر في وجوب تقليد الاعلم على المباني: من بناء العقلاء أو أصل التعيين على ما تقدّم.


تتمة

إذا كان المعدول عنه أوثق، والمعدول إليه أعلم، أو العكس، أو كان أحدهما أعدل والاخر أعلم، فإن أحرز بناء من العقلاء على شيء من الاطراف ـ على ما ادّعي في بعض هذه الفروض ـ فهو الملاك، وإلاّ فإن تعارضا كان المرجع الاشتغال، فيجب الاحتياط على وجوبه في أطراف العلم الاجمالي مطلقاً، اللهمّ إلاّ على ما تقدّم منّا تبعاً للمشهور من عدم تنجّزه في رجوع الجاهل إلى العالم، والتخيير فيه والله هو العالم.


(1) التنقيح: ج1، ص125.
(2) مصباح الاُصول: ج2، ص350.
(3) التنقيح: ج1، ص124.
(4) الوسائل: الباب11، من أبواب صفات القاضي، ح6.
(5) الوسائل: الباب10، من أبواب صفات القاضي: ح20.
(6) نهاية الافكار: ج4، ص213.
(7) كفاية الاُصول: ص248، طبعة آل البيت (عليهم السلام).
(8) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(9) كفاية الاُصول: ص248، ط: آل البيت (عليهم السلام) ـ قم.
(10) فرائد الاُصول: ج1، ص605.
(11) كفاية الاُصول: ص450 طبعة آل البيت (عليهم السلام).
(12) أُنظر شتّى كتب الفقه والاُصول: ومنها مصباح الاُصول، قال: « لا ينبغي الريب في جواز التقليد للعامي في الاحكام الشرعية العملية، وتدلّ عليه السيرة العقلائية... وهذا كاف في إثبات الحكم... »: ج3، ص448.
(13) كشف الغطاء: ج1، ص42 و43 (طبعة حجرية). وفي تقرير بحث شريف العلماء المخطوط ص317، قال: « ويظهر من المشهور جواز الرجوع إلى الاعلم، بل من بعضهم يظهر وجوب الرجوع إليه، ولكن التحقيق عدم الجواز ».
(14) تقرير بحث شريف العلماء: ص317 (مخطوط).
(15) كشف الغطاء: ص43، طبعة حجرية.
(16) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): ص317 (مخطوط).
(17) تقرير بحث شريف العلماء (قدس سره): ص317 ـ مخطوط.
(18) أُنظر إطلاق عبارة: « مجمع الرسائل » المنسوب لصاحب الجواهر، مع عدم تعليق أمثال الشيخ الانصاري، والشيرازيين، والمحقّقين: الخراساني والنائيني والحائري والعراقي (قدس سرهم) نعم علّق صاحب العروة (قدس سره)هناك بأن لا يكون عدولاً إلى القطع « مجمع الرسائل » المسألة23، ص15، وانظر العروة: م53 التقليد.
(19) سيأتي تفصيل بحث المسألة عند تعرّض الماتن لها في المسألة الثالثة والخمسين، إن شاء الله تعالى.
(20) التنقيح: ج1، ص93 و103.
(21) التنقيح: ج1، ص104.
(22) مخطوط: الورقة 15 / أ.
(23) كشف الغطاء: ص43، طبعة حجرية.
(24) تقرير بحث شريف العلماء: ص317 (مخطوط).
(25) المستمسك: ج1، ص25.
(26) المستمسك: ج1، ص25.
(27) موسوعة الفقه: ج1، ص116.
(28) شرح كشف الغطاء: المخطوط، ص45.