المسألة (12): يجب تقليد الاعلم مع الامكان على الاحوط... .

هل يجب تقليد الاعلم ؟

المسألة (12): يجب تقليد الاعلم مع الامكان على الاحوط.


هنا أمران

وقبل الخوض في شرح حكم المسألة ينبغي تقديم أمرين:


الامر الاوّل

أمّا الامر الاوّل: فهو أنّه لماذا قيّد المصنف الحكم بقوله: « مع الامكان » في هذه المسألة بالخصوص دون سائر المسائل، مع أنّ الامكان شرط عقلي في كل الاحكام الشرعية ؟
الجواب على ذلك: لانّ الغالب عدم إمكان تقليد الاعلم، إمّا لعدم إمكان تقليده مع تشخيصه كالازمنة السابقة حيث يصعب تحصيل الفتاوى لغالب الناس، أو لعدم إمكان تشخيصه مع إمكان تقليده كهذه الازمنة.
فإنّ الاعلمية لا تناط بالعمر حتّى يكون الاكبر سنّاً هو الاعلم، ولا بالدراسة أكثر حتّى يكون الّذي درس خمسين سنة أعلم ممّن درس ثلاثين سنة، ولا بالتأليف حتّى يكون من كتب في الفقه أكثر يكون هو الاعلم، ولا بما شاكل ذلك، وإن كان لهذه الاُمور وأشباهها تأثير في الاعلمية ـ أحياناً أو كثيراً ـ.
وإنّما الاعلمية تناط بقوة الفكر، وحدة الذهن، وشدّة الذاكرة، ونحوها، كما تناط بالاحاطة الاكثر بالمسائل ونحوها.
فقد يكون شابٌّ في الثلاثين من عمره أعلم من شيخ في الستين، وإن كان الشيخ أتعب نفسه أكثر، كما هو المشاهد في طلبة العلوم الدينية ـ كثّرهم الله وأيّدهم ووفّقهم ـ فإنّه قد يحضر الدرس اثنان يحفظه أحدهما بالقاء المدرّس ويقرّره بعد ذلك بمراجعة قليلة، ولكن الاخر بعد المراجعات عدّة مرّات والمباحثات عدّة مرّات وصرف الساعات الكثيرة لا يكون قادراً على ضبط كلّ جزئيات الدرس وخصوصياته، كما أومأ إلى ذلك وإلى غيره الحديث الشريف: « إنما هو ـ العلم ـ نور يقذفه الله تعالى في قلب من يريد »(1) فتأمّل.
فالتحقيقات التي أودعها العلاّمة الحلّي (قدس سره) في شرحه على التجريد ولم يبلغ بعد، سنّ الثانية والعشرين من عمره، لا يكاد يفهمها بعض الطلاب بعد الثانية والعشرين من عمرهم.
وشريف العلماء (قدس سره) الّذي مات في الخامسة والثلاثين من عمره ـ على أكثر الاقوال ـ لتلاميذه: (كصاحب الضوابط، والشيخ الانصاري، وغيرهما (قدس سرهم)) تحقيقات عالية لا تكاد تجدها عند كثير من الشيوخ من المراجع الذين أفنوا ثمانين عاماً في البحث والتحقيق والتدقيق، حتّى أنّ بعض الذين كتبوا عن حياة العلماء يسند الضوابط إلى شريف العلماء باعتبار أنّ مؤلّفه تلمّذ على شريف العلماء وأخذ تلك التحقيقات عنه، فيقول: قال شريف العلماء في الضوابط، وأنّ المنقول على بعض الالسن أنّ تحقيقات البيع الفضولي من المكاسب إنّما هي لشريف العلماء، مع ما للشيخ الانصاري (قدس سره) من المنزلة في ميدان التحقيق والتدقيق. كلّ ذلك وشريف العلماء كان شاباً حين كان يدرس في كربلاء المقدّسة، ويحضر درسه حوالي الالف من العلماء والفضلاء والطلبة أو أكثر من ذلك كما قيل.
ولذلك كان تحصيل الاعلم في غالب الازمنة من أشكل الاُمور، إمّا لعدم إحرازه أصلاً، أو لتعارض أهل الخبرة فيه، وسيأتي في أدلّة النافين لاشتراط تقليد الاعلم تتمّة للكلام إن شاء الله تعالى، وإنّما أردنا الاشارة إلى أنّ تقييد المصنّف وجوب تقليد الاعلم بقوله: « مع الامكان » إنّما هو لندرة إمكانه.
ثمّ إنّ الامكان هنا ـ كسائر النظائر ـ أعمّ من العقلي والشرعي، فإذا كان في تقليد الاعلم ـ سواءً مطلقاً أو في بعض المسائل ـ حرج أو ضرر سقط الوجوب.
كما إذا كان الوصول إلى الاعلم، أو تحصيل رسالته حرجياً، أو ضررياً.
أو كان تحصيل فتوى خاصّة محلّ ابتلاء المقلّد بحاجة إلى اتّصال هاتفي ضرري، أو حرجي على المقلّد، كمسألة فوتية في الحجّ، ولا فرق ـ هنا ـ بين القول بأنّ التقليد التزام، أو أنّه العمل، أو الاقوال المتفرّعة عليهما وهذا الامكان نفسه ـ بنفس الدليل ـ جار في وجوب الفحص أيضاً، وإن لم يذكره المصنّف (قدس سره)هناك إمّا اكتفاءً بذكره هنا، أو لعدم ندرة الامكان مثل نفس التقليد.
فكل موضوع واجب، إذا صار ضررياً، أو حرجياً يرتفع عنه الالزام بأدلّة نفيهما كما لا يخفى، فإذا كان الحرج والضرر في أصل الفحص سقط كلاً وجوب الفحص، أو في بعض المسائل سقط في ذاك البعض، فالضرورات تقدّر بقدرها.


الامر الثاني

وأمّا الامر الثاني: فهو هل غير الاعلم ـ على فرض عدم جواز تقليد الغير له ـ يجوز لنفسه العمل باجتهاده، أم لا يجوز ذلك أيضاً ؟ وهذا الامر وإن كان من توابع مسألة تقليد الاعلم وكان الاولى تأخيره عن تحقيق أصل المسألة، ولكن باعتبار أنّ البحث عن ذلك هو بحث أصل حجّية فتوى غير الاعلم إجمالاً، فلابدّ من القول: بأنّه لم أعثر على من يقول بعدم حجّية فتوى غير الاعلم مطلقاً حتّى لنفسه، وإنّما في المقام يذكر الاحتمال فقط، وهو يعتمد على تقريرين:
الاوّل: إنّ الفتوى من مناصب الامام، وإنّه أُعطي في زمن الغيبة للاعلم فقط حسب الادلّة، فكما لا يجوز للمفضول في عصر حضور الامام (عليه السلام) اتّباع نظر نفسه وإنّما يجب عليه اتّباع نظر الامام، كذلك في عصر الغيبة هذا المنصب منح للاعلم، فلا يجوز للمفضول إلاّ اتّباع نظر الاعلم.
الثاني: إذا وصلت النوبة إلى الشكّ والاُصول العملية، فمع الشكّ في حجّية فتوى غير الاعلم حتّى بالنسبة إلى نفسه يكون موضوعاً لعدم الحجّية.
والجواب عن الاوّل: صحيح أنّ الفتوى من مناصب الامام، وصحيح أيضاً أنّ هذا المنصب منح في زمن الغيبة للاعلم فقط ـ على سبيل الفرض ـ ولكن القياس في غير محلّه، إذ صحّة الفتوى المعارضة للامام (عليه السلام) في عهد الحضور باطلة قطعاً، لانّ قول الامام صحيح قطعاً، وليس مثل ذلك الفقيه والافقه، فإنّ فتوى الفقيه ليست متيقّن البطلان، كما أنّ فتوى الافقه ليست متيقّن الصحّة ـ أي: المطابقة للواقع ـ.
مضافاً إلى أنّ الفقيه المخالف فتواه يرى خطأ الافقه، بخلاف المخالف للامام فإنّه يعلم بخطأ نفسه واقعاً.
وعن الثاني: بأنّه كذلك، لولا قيام الادلّة الاجتهادية ـ كالاطلاقات وبناء العقلاء والاجماع، وغيرها ـ على صحّة علم الفقيه لنفسه.
مضافاً إلى أنّه لم ينقل القول بذلك عن أحد منّا، بل الشكّ في حجّية فتوى الاعلم للمفضول، بل المعلوم ـ للمفضول ـ أحياناً عدم صحّة فتوى الاعلم كما لا يخفى.
نعم، بناء العامّة حالاً على ذلك والتقليد من الائمّة الاربعة، لكن لا لكونهم أعلم من غيرهم ولذا لو وجد الاعلم من الائمّة الاربعة هذا اليوم لا يعدلون منهم إليه، وهو لاُمور سياسية اقتضت لهم ذلك واستمرّت حتّى اليوم، ولعلّه يأتي اليوم الّذي تقتضي السياسات غير ذلك.


عمدة الاقوال في المسألة

وبعد بيان هذين الامرين لنبدأ شرح المسألة فنقول: عمدة الاقوال في تقليد الاعلم ستّة:
الاوّل: الوجوب مطلقاً.
الثاني: عدم الوجوب مطلقاً.
الثالث: التفصيل بين العلم بمخالفة فتوى الاعلم لفتوى العالم في المسائل المبتلى بها وعدمه، بوجوب تقليد الاعلم في الاوّل دون الثاني.
الرابع: نفس هذا التفصيل مع زيادة عدم مطابقة فتوى غير الاعلم للاحتياط.
الخامس: التفصيل بين أوثقية أحدهما في التحقيق وأبصريته بمواقع الادلّة وبين الاعلمية فينبغي تقليد الاوثق، ذكره شيخ الشريعة (قدس سره) في حاشيته على رسالة الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره).
السادس: التفصيل بين عهد حضور المعصوم (عليه السلام) وعهد الغيبة بوجوب تقليد الاعلم في الثاني دون الاوّل، نقله عن بعضهم المحقق الشيخ حسن بن جعفر كاشف الغطاء (قدس سرهم) في تقرير درسه في القضاء(2).


القول الاوّل
وجوب تقليد الاعلم مطلقاً

أمّا القول الاوّل: وهو وجوب تقليد الاعلم مطلقاً فتوى أو احتياطاً، فقد ذهب إليه جمع كبير من المتقدّمين والمتأخرين والمعاصرين، قال الميرزا حبيب الله الرشتي (قدس سره) في رسالته المعمولة في تقليد الاعلم: « وهو ـ يعني: وجوب تقليد الاعلم ـ خيرة المعارج، والارشاد، ونهاية الاُصول، والتهذيب، والمنية للعميدي، والدروس، والقواعد، والذكرى، والجعفرية، وجامع المقاصد، وتمهيد الشهيد الثاني، والمعالم، وحاشيته للصالح المازندراني، والزبدة، والرياض فيما حكي عنه ».
وأصرّ عليه المحقّق الشيخ حسن كاشف الغطاء (قدس سره) في تقرير درسه في القضاء، واختاره الشيخ الانصاري والمجدّد في رسالتيهما العمليتين، ووافقهما على ذلك الميرزا حسين الخليلي، والكاظم الخراساني، ومن المعاصرين ومن تقدّمهم الميرزا النائيني، والمحقّق العراقي، والسيد أبو الحسن الاصفهاني، والبروجردي، والحكيم، والشاهرودي، وغيرهم ممّن لا يحضرني كتبهم أو حواشيهم على العروة، واختلفت كلمات جمهرة من الاعيان كالميرزا محمّد تقي الشيرازي، والسيد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي، والقمّي، وغيرهم فتارة أفتَوا بالوجوب وأُخرى احتاطوا، بل بعضهم كالسيد أبي الحسن الاصفهاني بدّل احتياط العروة إلى الاقوى هنا، ولكنّه في حاشيته على منتخب الرسائل الفارسي لصاحب العروة قال ما ترجمته: « الاعلمية ليست من شرائط صحّة التقليد، بل هي من المرجّحات في صورة اختلاف الفتوى ».


الاستدلال لوجوب تقليد الاعلم مطلق

واستدلّ للقول بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً بأدلّة:


الدليل الاوّل: الاجماع

الاوّل من أدلّة وجوب تقليد الاعلم مطلقاً: الاجماع حكي عن السيد المرتضى في الذريعة، والمحقّق الثاني في كتاب الجهاد من حاشية الشرائع، وادّعى صاحب المعالم عدم الخلاف فيه، وعن ظاهر السيد المرتضى (قدس سره) كونه من المسلّمات عند الشيعة.


مناقشة الدليل الاوّل
المناقشة صغرىً

وفيه: المنع صغرىً لتضارب الاراء واختلافها وجداناً، قال الحسن كاشف الغطاء (قدس سره): « نقل الاجماع بنفسه ليس بحجّة ولا هو كاشف عن رأي الامام (عليه السلام)ولا عن الحجّة المعتبرة، فإنّ المسألة نظرية اجتهادية، والخلاف فيها صراحة وحكاية معروف، بل الاقوال فيها أربعة... بل هي غير مستقرّة، فيجوز تجدّد القول الخامس بل الازيد ».
وفي الجواهر: « إنّه لم نتحقّق الاجماع عن المحقّق الثاني، وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول الامامة العظمى مع وجود الافضل، وهو غير ما نحن فيه، ثمّ قال: وظنّي ـ والله أعلم ـ اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك »(3).
ويؤيّد ذلك: ما نقلناه عن المرتضى (قدس سره) من أنّه من المسلّمات عند الشيعة، وهذا الكلام يناسب الامامة العظمى لا التقليد في الاحكام الشرعية من المجتهد العالم بها.
وقال المحقّق القمّي (قدس سره) في ردّ الاجماع: « وأمّا ادّعاء بعضهم الاجماع على تقليد الاعلم مطلقاً، فلنا فيه نظر، إذ المستدلّ به علّله بكونه أقرب إلى الحقّ، والجمع بين الاجماع الناشئ عن التعبّد، والتعليل بكونه أقرب إلى الحقّ كما ترى، مع أنّ كلّ ما يقوله الاعلم أقرب إلى الحقّ، محلّ نظر واضح، سيّما ويشاهد اختلاف الاعلمين، وموافقة بعضهم المفضولين، ومخالفة بعضهم، وكون الاعلمين قائلين بأقوال مختلفة في مسألة واحدة، وغير ذلك ممّا بيّنته مستقصىً في القوانين، والاستدلال في تقديم الاعلم بمثل رواية ابن حنظلة أيضاً غير تامّ، لانّه إنّما هو في صورة تشاحّ المتداعيين، وليس ذلك لتعيّنه في نفس الامر، كما ذكروه في تشاحّ المأمومين في الائمّة »(4).
وفي مفتاح الكرامة: « دعوى الاجماع هنا، يوهنها شهرة الخلاف في الفروع والاُصول »(5).


المناقشة كبرىً

وكبرىً من وجوه: لانّه إمّا متيقّن الاستناد، أو محتمله، أو لانّه في مسألة عقلية ـ حسب بعض الادلّة ـ ولا مسرح للاجماع في المسائل العقلية كما لا يخفى.
أقول: أمّا احتمال الاستناد، بل متيقّنه فقد تقدّم إنّه إذا تحقّق الاجماع صغرى كان حجّة عقلائية حتّى مع القطع بالاستناد ـ مع عدم إحراز بطلان المستند ـ فكيف باحتمال الاستناد ؟ والعرف بباك.
وأمّا إنّ المسألة عقلية، فهي تامّة، إلاّ أنّ الاشكال في حجّية الاجماع فيها غير تامّ، إذ المسائل العقلية الّتي لا حجّية للاجماع التعبّدي فيها هي الاعتقادية الّتي لا مسرح للتعبّد فيها، إجماعاً كان أم غيره.
وهذا بخلاف المسألة العقلية الّتي هي مقدّمة عقلية للعمل الخارجي، لانّها بمعنى تنجّز الالزام أو عدم تنجّزه وإجزائه وعدم إجزائه، فإذا أتّفق خبراء الفقه على أنّ قول غير الاعلم مجز أو غير مجز يكون هذا الاجماع طريقاً عقلائياً منجّزاً ومعذّراً عقلاً بملاك وجوب دفع الضرر المحتمل، وعقلائياً بملاك السيرة العقلائية المنكشف بالاجماع.
إذ مع القطع بحكم عقلي، أو عقلائي ـ وجوداً وعدماً ـ لا مجال للجعل التعبّدي مطلقاً ـ الشرعي، والعقلي، والعقلائي ـ ومع الشكّ يكون إجماع الخبراء حجّة عقلاً، وعقلائياً.
وليس المقصود في المقام كشف حكم شرعي بدليل عقلائي أو عقلي، بل كشف الطريقية العقلية والعقلائية، فتأمّل.
والحاصل: أنّ معنى الاجماع على وجوب تقليد الاعلم، أو عدم وجوبه، هو عدم تنجّز قول غير الاعلم وعدم اعذاره، أو تنجّزه واعذاره، نظير عدم حجّية العدل الواحد في الموضوعات، أو حجّيته.


الدليل الثاني: بناء العقلاء

الثاني من أدلّة وجوب تقليد الاعلم مطلقاً: بناء العقلاء، وقد صرّح جمع بأنّه عمدة الادلّة في الباب ـ كما هو عمدة الادلّة في معظم الطرق المنجّزة والمعذّرة، كالظواهر، وخبر الثقة، والاقرار، وغيرها، بل كان بعض الاساتيد يقول: كلّما كان من الطرق فيه بناء عقلائي، ووردت في الشريعة أدلّة لفظية مطلقة، لا ظهور لها في موارد الشكّ في البناء العقلائي، بل تكون تلك الادلّة اللفظية إشارة إلى البناء العقلائي وتقريراً له لا أزيد وكان (قدس سره) يستند في ذلك إلى قصر الظهور في الاطلاق والعموم الاكثر للمورد، وإن كان فيه نقاش بل منع كما حقّق في الاُصول ـ.


بيان الدليل بمقدّميته

وبيانه: أنّ العقلاء استقرّت طريقتهم على أنّه مع وجود عالم واعلم يتركون العالم ويأخذون برأي الاعلم في كل الاُمور: المعاشية والمعادية. ولم يظهر من الشارع ردع عن هذا البناء، فيكون ذلك تقريراً من الشارع لحجّيته.
وهذا غير أصل التعيين لدى الدوران. لانّ بناء العقلاء أمارة وله آثارها، ومنها: حجيّة مثبتاته، وأصل التعيين وظيفة عملية بما لها من الاثار، ومنها: عدم حجّية المثبتات.
فمثلاً: إذا نفّذ الوصية المالية ـ الوصي ـ طبق نظر المفضول أو الفاضل، فالاثر العقلي وهو براءة الذمّة أو عدم براءة الذمّة لا يترتّب حتّى يترتّب على هذا الاثر العقلي: كون الوصي مديوناً، فلا إرث لورثته ما لم يكرّر تنفيذ الوصية من قبل ورثة الوصي، لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)(6) أو كون الوصي غير مديون فيرث ورثته أمواله بدون تكرار تنفيذ ـ ورثة الوصي ـ وصية الموصي.
وما ربما يلاحظ من مراجعة الناس إلى العالم مع وجود الاعلم، فإنّما هو لانّ العالم ليس لا حجّة عندهم مطلقاً، بل قوله حجّة اضطرارية يرجع إليه من لا يتمكّن من الاعلم ـ لسبب من الاسباب ـ نظير الطرق الاضطرارية الاُخر، التي يسلكها العقلاء عند العوز وعدم القدرة على الطرق المعتبرة مطلقاً.


مناقشة الدليل الثاني

وأُورد عليه: بمنع كلتا المقدمتين:


منع المقدّمة الاُولى

أمّا المقدّمة الاُولى: فلمنع التزام الناس بترك العالم ومراجعة الاعلم، كيف ولو كان كذلك لزم تعطيل المفضول في المهن مع أنّه ليس كذلك خارجاً ؟
فإنّا نرى الاطباء يراجعهم الناس في الامراض الخطيرة التي فيها خوف الموت من دون التحقيق عن العالم والاعلم، وكذلك نرى المحامين والقضاة وخبراء السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأساتذة العلوم، وكذلك نرى المهندسين، والصاغة، والخياطين، وغيرهم، وإذا سئلوا عن عدم تقيّدهم بمراجعة الاعلم، يجيبون بأجوبة لا تكون أعذاراً عقلية ولا عقلائية لترك واجب عقلي، فيقولون: إنّ طريقه أبعد، أو هو أسوء خُلْقاً، أو أقلّ التزاماً بمواعيده، ونحو ذلك ممّا لو كان مراجعة الاعلم لازماً لدى العقلاء لما صلحت هذه أعذاراً.
وما ذكر من أنّ مراجعة العالم طريق اضطراري أوّل الكلام، فتأمّل.


منع المقدّمة الثانية

وأمّا المقدّمة الثانية: فبأنّ أدلّة جواز تقليد المفضول من اطلاقات الايات والاخبار، وعدم الاستفصال ونحو ذلك، ربما تصلح رادعة عن هذا البناء ـ على فرض وجوده ـ مضافاً إلى إنكار بعضهم صريحاً أصل هذا البناء بحيث يكشف عن تقرير المعصومين (عليهم السلام) بأن يكون شايعاً، وبمنظر ومسمع من المعصومين (عليهم السلام)، ولم يكن محذور من الردع، ولم يكن ممّا لو كان يخفى علينا.
قال: ودون ذلك كلّه من حيث المجموع خرط القتاد، فتأمّل.
والاشكال على الاطلاقات بأنّها ليست في مقام البيان من هذه الجهة.
فيه: أنّه إن أُريد بذلك احراز العدم نمنع الصغرى.
وإن أُريد عدم الاحراز، نمنع الكبرى.
نظير الافراد النادرة الّتي لا توجب ـ بمجرد الندرة ـ انصراف الاطلاق عنها، بل تسالم الفقهاء على صدق الاطلاق عليها أيضاً في شتّى مسائل الفقه.
وأجاب بعضهم عن منع المقدّمة الاُولى، بالفرق: بأنّه ربما يسامح الرجل في أغراضه الشخصية بما لا يجوز المسامحة فيه في أغراض المولى وموارد الاحتجاج.
وفيه: أنّه إذا ثبت كون جواز مراجعة المفضول مع وجود الافضل هي طريقة العقلاء وديدنهم حيث لا يرون أنفسهم ملزمين بمراجعة الاعلم فقط في الفنون والشؤون ـ كما هو كذلك والعرف ببابك ـ كان ذلك دليلاً على عدم كونه من باب المسامحة، فلا يفرّق فيه بين الاُمور الشخصية وبين أوامر الموالي للعبيد، فتصدق الطاعة معها وتخرج عن حدود العصيان.
وقد يقال: إنّ تقيّد البعض بمراجعة الاعلم في العلوم والشؤون لعلّه من باب الاحسنيّة، أو احتياطهم في الشبهات حتى البدوية منها ـ التي ثبت عدم وجوب الاحتياط فيها ـ لدرك الواقع، لا من باب عدم حجّية قول العالم وعدم فراغ الذمّة.


الدليل الثالث: الاقربية إلى الواقع

الثالث من أدلّة وجوب تقليد الاعلم مطلقاً: كون فتوى الاعلم أقرب إلى الواقع، وكلّما كان أقرب إلى الواقع، لزم الاخذ به، لفرض الطريقية الصرفة لفتوى الفقيه.


مناقشة الدليل الثالث

وأُورد عليه: بمنع الصغرى والكبرى معاً، وعلى فرض صحّتهما عقلاً وعقلائياً بردع الادلّة اللفظية ـ لاطلاقها ـ عن ذلك.


المنع من الصغرى

أمّا الصغرى: وهو كون فتوى الاعلم أقرب إلى الواقع، فغير مسلّمة على اطلاقها، لجواز مطابقة فتوى العالم مع الاعلم من الاعلم من الاموات، أو من الاحياء إذا لم يجز تقليده لفقد بعض الشرائط كالعدالة، أو طهارة المولد، أو موافقتها لفتاوى المشهور مع تفرّد الاعلم بفتواه، أو غير ذلك ممّا يجعل فتوى العالم أقرب إلى الواقع من فتوى الاعلم.
قال شريف العلماء (قدس سره) في تقرير درسه في الاُصول: « إنّ المقلّد إذا تتبّع أقوال القدماء والسلف يجد كثيراً منهم موافقين للادون في الفتوى وهم أعلم من هذا الاعلم المقابل لهذا الادون، فبعد ملاحظة تلك الموافقة لم يحصل الوصف من قول الاعلم... »(7).
أي: لم يحصل كون فتوى الاعلم أقرب إلى الواقع.
وقد يوجّه ذلك بما يلي: وهو أنّ فتاوى العالم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1. ما يعلم فيها موافقة العالم، مع الاعلم من الاعلم ـ ولو من الاموات أو ممّن فقد بعض شرائط الحجّية ـ أو مع المشهور، أو مع الاحوط، ونحو ذلك.
2. ما يعلم فيها العكس، أي: موافقة فتوى الاعلم الحي، مع أعلم منه ميت، أو فقد بعض الشرائط، أو مع المشهور، أو مع الاحوط، ونحوها.
3. ما يحتمل كلاهما، لعدم العلم ـ ولو إجمالاً فيما هو محل الابتلاء ـ بالموافقة لهذا، أو لذاك.
والاقربية للواقع للاعلم الحي منحصر في القسم الثاني، وهو نادر جدّاً لنادر من الفضلاء، وإلاّ فأكثر المسائل من القسم الثالث، وأكثر المقلّدين ـ وهو العوام ـ ما يبتلون به من موارد تقليدهم أيضاً من القسم الثالث.


تفريق بلا فارق

وما فرّق به بعض الاعيان المحقّقين ـ على ما حكي عنه ـ وتبعه بعضهم في تقرير رسالة: « الاجتهاد والتقليد » من الفرق بين الاقربية الداخلية التي يتمتّع بها فتوى الافضل، وبين الاقربية الخارجية التي هي موجودة في فتوى الفاضل الموافقة لفتوى من هو أعلم من الافضل، أو للمشهور، أو نحو ذلك: بأنّ المقصود بالاقربية هي الاقربية الداخلية لا الخارجية، لانّ الخارجية تعتمد على ما ليس بحجّة شرعاً، فكيف يكون الفرع ـ وهو فتوى المفضول ـ حجّة مع عدم حجّية ما اعتمد عليه هذا الفرع ؟
ففيه: أنّ أقربية الفتوى إلى الواقع كما قد يحصل بكون المفتي أكثر إحاطة، وأقوى استنباطاً، وأذكى في ردّ الفروع إلى الاُصول، كذلك قد يحصل بكون غير الاعلم موافقاً في فتواه للاعلم من الاعلم، وهذا أمر وجداني غير قابل للانكار.
وبعبارة أُخرى: سبب الاقربية يختلف فيهما دون أصل الاقربية، وموضوع تعيّن الحجّية نفس الاقربية لا سببها. مضافاً إلى أنّ قياس المساواة ظاهراً تامّ في مثل ذلك. فموافق الاقرب أقرب، نظير موافق الاطول أطول وموافق الاقصر أقصر، فيكون واقعاً من الاقربية الداخلية، وإنّما سببها خارجي، فتأمّل.


المنع عن الكبرى

وأمّا الكبرى: وهو لزوم الاخذ بالاقرب إلى الواقع جزماً مطلقاً، فممنوعة بأنّ في الطريقية ـ الّتي التقليد منها ـ ليست الاقربية علّة تامّة لتعيّن الحجّية، وإنّما هي حكمة موجبة للاحسنية، لا التعيّن.
ولذا نرى المعظم من الفقهاء ـ في شتّى أبواب الفقه ـ لا يلتزمون بتعيّن الاقرب إلى الواقع، بل يجعلونه في الحجّية مساوقاً لغيره، ويعارضون بينهما، وربما يحكمون بتساقطهما، والرجوع إلى الادلّة الفوقية، أو الاُصول العملية، بلا فرق في ذلك عندهم بين الحدسيات الّتي التقليد منها، والحسّيات، مع أنّ المقصود في الحسّيات أيضاً الواقع الوظيفي، كالحدسيات.


الحدسيات إذا تعارضت

ففي باب التقويم ـ وهو من الحدسيات ـ لم يوجب المعظم تقديم أعلم المقوّمين، بل عارضوا بينه، وبين غيره، بلا إشارة إلى الاعلمية، مع أنّ المقوّمين قلّما يوجد من يحرز تساويه مع المقوّم الاخر في الخبروية، ودونك كتب الشيخ الانصاري والسيّد صاحب العروة، وكتبهما العلمية والعملية، والتعليقات عليهما للمئات من الفقهاء على اختلاف مشاربهم الفقهية والاُصولية، فلم يلتزم أحد منهم ـ فيما رأيت وعلمت ـ تقديم أعلم المقوّمين، ونفي الحجّية عن المقوّم العالم، بل عارضوا بينهما من دون تفصيل.


كلام الشيخ الانصاري

ففي المكاسب للشيخ الانصاري (قدس سره) في مباحث خيار العيب قال: « مسألة: لو تعارض المقوّمون فيحتمل وذكر احتمالات ستّة، اختار سادسها وقال: لكن الاقوى ما عليه المعظم من وجوب الجمع بينهما بقدر الامكان لانّ كلاً منهما حجّة شرعية يلزم العمل به، فإذا تعذّر العمل به في تمام مضمونه وجب العمل به في بعضه »(8).
نعم، ذكر السيد الخوئي (قدس سره) في رسالته العملية بتعبير الكتب العلمية غير المألوف غالباً في الرسائل العملية، وبتغيير: الاعلم إلى الاقوى خبرة قال: « والّذي تقتضيه القواعد لزوم الاخذ بقول أقواهم خبرة »(9) وعلّله في المباني تلميذه ببناء العقلاء.
إلاّ أنّهما جميعاً في حواشيهما على المكاسب لم يعلّقا بهذا التعليق، ولم يؤشّرا إليه أصلاً بل حكما بتساقط القولين ـ من غير تفصيل بين التساوي في الخبروية، أو التفاضل، أو الشكّ ـ والرجوع إلى الاُصول العملية، وهي البراءة عن الاكثر(10).


عند تعارض الحسّيات

وهكذا في الحسّيات، كتعارض الكتب في نقل نص واحد ـ مثل الكافي والفقيه وكتابي الشيخ (قدس سره) ـ حيث إنّ الكثير لم يلزموا بتقديم الاضبط وهو الكافي، ثمّ الفقيه، بل عارضوا بينهما، وأجروا على ذلك أحكام المعارضة.
ومثل ذلك أبواب البيّنات والاخبار الاحاد، وأخبار ذوي اليد، ونحوها من الامارات الموضوعية، حيث عارضوا بينها وأجروا عليها أحكامها، دون إشارة إلى الاعدل، والاورع، والاتقن، والافقه، ونحو ذلك، بلا تفصيل، مع أنّ المتعارضات ـ غالباً ـ محرز الارجحية موجود فيها.


كلام صاحب العروة

قال في العروة: « إذا تعارض البيّنتان أو إخبار صاحبي اليد في التطهير وعدمه تساقطا »(11).
ولم يعلّق أحد ـ فيما رأيت من عشرات التعليقات ـ بتقديم الاقرب إلى الواقع، أو الاقوى، ونحوهما.
حتّى أنّ البعض صرّح بتساقط قولي صاحبي اليد، وإن كان أحدهما عدلاً ثقة، والاخر فاسقاً، مع أنّ قول ذي اليد طريقي، وطريقية العادل ـ بلا شكّ ـ أقرب من طريقية الفاسق.


الاقربية إلى الواقع في الخبرين المتعارضين

وفي الخبرين ـ في باب الاحكام ـ مع ورود نصوص خاصة بتقديم « أفقههما، وأعدلهما، وأصدقهما، وأورعهما »، ونحو ذلك، ومع اعتبار اسناد بعض المستفيض ـ لم يعمل المشهور بذلك، بل خيّروا بين العادل والاعدل، والصادق والاصدق، وهكذا، وحملوا هذه المستفيضة المعتبرة سنداً على اللاّاقتضاء، فتراهم إذا تعارضت رواية أمثال زرارة، وابن مسلم، وابن أبي عمير وأضرابهم، مع رواية حتى الحسن والموثّق يخيّرون بينهماـ بناءً على التخيير في الخبرين المتعارضين ـ أو يسقطونهما ـ بناءً على التساقط.


البيّنتان المتعارضتان والاقربية إلى الواقع

وفي البيّنتين هكذا، معظم المتأخرين ـ حتى القائلين بعدم حجّية فتوى غير الاعلم في عرض الاعلم ـ لا يرجّحون بالاقربية إلى الواقع مطلقاً، مع وجود روايات خاصّة بالترجيح كالخبر: « قضى ـ أي: علي (عليه السلام) ـ بها لاكثرهم بيّنة » والخبر: « كان علي (عليه السلام) إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سواء أقرع بينهم »(12).
ففي تكملة المنهاج، في تداعي رجلين زوجية امرأة وعدم إقرارها بذلك لواحد منهما ـ « وأقام كل منهما البيّنة على مدّعاه حلف أكثرهما عدداً في الشهود... وإذا لم يحلف أكثرهما عدداً... لم تثبت الزوجية، لسقوط البيّنتين بالتعارض »(13).
ثم قال في الشرح ـ المباني ـ: « تدلّ عليه عدة روايات، منها: معتبرة عبدالرحمن بن أبي عبدالله عن أبي عبدالله (عليه السلام): قال: « كان علي إذا أتاه رجلان... ».
مع أنّ في المعتبرة كما ذكر العدد، ذكر العدل، والاعدل أقرب إلى الواقع، مع ذلك لم يرجّحوا به وهذا يكشف عن أنّ الاقربية إلى الواقع ـ بما هي ـ ليست ملاك حصر الحجّية في الاقرب.


حاصل الكلام

والحاصل: إنّ الاستدلال لانحصار حجّية الاعلم بالاقربية إلى الواقع ممنوعة صغرىً وكبرىً.
مضافاً إلى تمامية قياس المساواة، فالموافق للاقرب أقرب، نظير: المطابق للاطول أطول، وللاقصر أقصر، والتكوين والاعتبار ما يجري عليهما وما لا يجري واحد، إلاّ أنّ الاورعية تختلف.
وعليه: فقد ظهر أنّه لا دليل على أنّ ملاك الحجّية في الفتوى هي الاقربية إلى الواقع، وإنّما الذي قام عليه الادلّة هو صِدق: « العالم » و « الفقيه » و « أهل الذكر » ونحوها عليه، وهذه العناوين كما تصدق على الاعلم كذلك تصدق على العالم أيضاً.


إشكال وجواب

وما ربما يقال أو يحتمل: من أنّ مقتضى طريقية الفتوى هي: حجّية فتوى الاعلم دون فتوى العالم لدى تعارضهما.
يرد عليه: ـ مضافاً إلى أنّ هذا إن صلح فإنّما هو للوجوب لدى المعارضة بين الفتويين، لا للقول بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً ـ إنّ ذاك في الطريقية التكوينية وهي لا تعيّن الاعلم، فلعل الطريقية لغير الاعلم، وأمّا الطريقية الاعتبارية فلا منافاة فيها بين حجّية فتوى الاعلم وبين حجّية فتوى غير الاعلم أيضاً، إذ ملاك الاعتبارية ليس مجرد الواقع، بل مجموعة مصالح في طليعتها وصول الواقع نظير تعارض البيّنتين فإنّ أقربية إحداهما إلى الواقع ـ كما إذا كانت أعرف بالحال من الاُخرى ـ لا توجب تعيّنها وسقوط البيّنة الاُخرى عن الحجّية مع أنّهما طريقان.
ولذا ذهب المشهور إلى التساقط فيهما، وليس ذلك إلاّ لوجود ملاك الحجّية في كليهما، وإلاّ لما أوجبت الامارة غير الاقرب، سقوط الاقرب أيضاً كما لا يخفى، وهذا الايراد مرجعه إلى ما سيأتي إن شاء الله تعالى من أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير.


منع الكبرى بتقرير آخر

ثم إنّ بعض مراجع العصر في تقريراته قرّر منع الكبرى: « بأنّ ادّعاء تعيّن الرجوع إلى الاقرب يتوقّف على إدراك العقل لزوم الاخذ به وتعيّنه، إدراكاً جزمياً قطعياً لا يحتمل خلافه، بحيث لو ورد دليل على خلافه من الشرع لاوّله أو طرحه، وأنّى للعقل هذا الادراك ؟ إذ للشارع ترخيص الرجوع إلى المفضول إذا رأى مفسدة في تعيّن الرجوع إلى الافضل، أو رأى مصلحة في توسعة الامر على المكلّفين ـ كما هو الواقع في جواز العمل بقول الثقة وترك الاحتياط ـ من دون أن يستلزم ذاك الترخيص والرجوع إلى المفضول موضوعيته ـ كما ادّعاه المستدل ـ.
نعم، لو وقف العقل على لزوم احراز الواقعيات، وإدراك عدم رضا المولى بتركها، لحكم بلزوم العمل بالاحتياط، وعدم جواز العمل بقول الفاضل والافضل، من غير فرق بين لزوم العسر والحرج، واختلال النظام وعدمه.
والحاصل: أنّه لا يتسنّى للعقل الحكم البات بتعين الرجوع إلى الاقرب، مع احتمال ورود تعبّد من الشارع بالترخيص في الرجوع إلى الفاضل والمفضول، ومع هذا الاحتمال ـ ولو كان ضعيفاً ـ لا مساغ لادّعاء القطع بتعيّن الاخذ به وتوهّم عدم وجود ذاك الاحتمال لا يخلو عن مكابرة ».


مناقشة كلام المانع

إنّ هذا هو كلام متين إن كان مقصود القائلين بلزوم الاخذ بالاقرب إلى الواقع: كون ذلك من قبيل العلّة والمعلول العقليين، الذين لا يتخلّف أحدهما عن الاخر.
وأمّا إذا كان مقصودهم من وجوب تقليد الاعلم، الوجوب العقلائي غير المردوع عنه كما صرّح به بعضهم.
أو الوجوب العقلي المبني على أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير كما صرّح به آخرون وسيأتي إن شاء الله تعالى.
أو كان مقصودهم الوجوب العقلي، ولكن لا على نحو العلّية، بل على نحو الاقتضاء النافذ عند عدم إحراز المانع، أو احراز عدم المانع بمحرز وجداني أو تعبّدي ـ كما هو الحال في معظم الادلّة اللفظية، والامارات والاُصول ـ فلا يرد عليهم الاشكال المذكور.
مثلاً: القائلون بأنّ الامر يدلّ على الوجوب، ليس معناه: إنّه لا يتخلّف عن الوجوب لمانع كالقرينة الاستحبابية، كذلك فيما نحن فيه، الذين يقولون بأنّ الاقرب إلى الواقع يجب الاخذ به إنّما هو على سبيل المقتضي، الّذي يمكن تركه لوجود المانع، فلو دلّ دليل شرعي على التخيير بين الاقرب وغير الاقرب في مورد، يكون ذاك الدليل مانعاً عن نفوذ المقتضي، لا دليلاً على عدم اللزوم والترتّب اطلاقاً، حتى بنحو الاقتضاء.
والظاهر أنّ القائلين بلزوم الاخذ بالاقرب، يريدون به: الاقتضاء على نحو سائر الترتّبات التي يرتّبون الاحكام الشرعية عليها، كالملاك في بقية الطرق والامارات، فمع القطع بوجود المانع يرفع اليد عن المقتضي، أمّا مع احتمال وجود المانع فلا يرفع اليد عن المقتضي. فتدبّر فإنّه في أصله محل إشكال كما سبق آنفاً.


الجواب عن الكبرى

وأجاب في « موسوعة الفقه »(14) عن الكبرى: بأنّه لا نسلّم أنّ المعيار في تعيين الاقربية هو نظرنا، لاحتمال أن يكون شيء بعيد من نظرنا هو موضع اهتمام الشارع، ومثّل لذلك بمسألة: « تعارض الخبر والقياس في قطع أصابع المرأة » فإنّ القياس في المورد وإن كان أقرب إلى الواقع في نظر المكلّفين، ومع ذلك رجّح الشرع غير القياس.


مناقشة الجواب

وربما يورد عليه أوّلاً: أنّ هذا تسليم لاصل الكبرى، ومناقشة في تشخيصها، فيكون ـ بالنتيجة ـ مناقشة في الصغرى، إذ مفاده: أنّ الاقربية إنّما هي بنظر الشارع، ومن أين نعلم أنّ قول الاعلم أقرب إلى الواقع ؟
ويؤيّد ذلك: التنظير بتعارض الخبر والقياس.
فلقائل أن يقول: نحن شخّصنا أنّ قول الاعلم أقرب إلى الواقع بنظر الشارع ـ كما هو ظاهر كلماتهم على اختلافها المبنية على التنجيز والاعذار ـ.
والحاصل: أنّ الكبرى تنتفي بمنع الصغرى من باب السالبة بانتفاء الموضوع، ومعنى منع الكبرى: كونها من قبيل السالبة بانتفاء المحمول.
وثانياً: أنّ سلب الشارع الاقربية في مورد ـ كتعارض الخبر والقياس في مسألة قطع أصابع المرأة ـ لا يكون دليلاً على عدم لزوم العمل بالاقرب إذا أُحرزت الاقربية في مورد آخر.
والحاصل: أنّه لو سُلّم أنّ الملاك إنّما هو الاقربية إلى الواقع بحيث انصرف الامر والنهي إليه لبّاً وواقعاً، ولم يكن لنا طريق إلى الكشف عن الاقربية عند الشارع إلاّ نظرنا نحن ـ كما هو كذلك ـ كان نظرنا مرآة لنظر الشارع، نظير ما يقال في الظواهر: من أنّ الظهور يكشف ـ بنظرنا ـ أنّ الشارع أراد كذا، فيكون نظرنا مرآة وكاشفاً لنظر الشارع، لانّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيّق.
هذا مضافاً إلى ما ذكره بعضهم: من أنّ مورد مسألة ديّة أصابع المرأة، من المصاديق الظاهرة للظهور العقلائي الحجّة لولا نهي الشارع، نظير التعدّي من الاثنين إلى الثلاثة في: « يهريقهما ويتيمّم »(15) و « يصلّي فيهما جميعاً »(16) و « يرمي بها جميعاً »(17) وليس قياساً، بل فهم عدم خصوصية الاثنين وإنّما الملاك المحصورية، وكذا التعدّي من الاربعة إلى الاثنين في اشتباه القبلة، وكذا التعدّي إلى سائر شروط الصلاة مثل أن لا يكون اللباس حريراً خالصاً ونحوه، والله أعلم.


الدليل الرابع: الاعلم أكثر إحاطة

الرابع: ما عن بعض الاعيان المحقّقين: من أنّ الاعلم هو الاكثر احاطة بمدارك الاحكام، فيكون العالم هو الاقل احاطة، ومعنى ذلك: أنّ الاعلم يعرف من مدارك الاحكام أشياء لا يعرفها العالم، فتكون النسبة بين الاعلم والعالم، كالنسبة بين العالم والجاهل ـ فيما يجهله العالم، ويعلمه الاعلم ـ وكما لا تصحّ التسوية بين العالم والجاهل في الرجوع إليهما، كذلك لا تصحّ التسوية بين الاعلم والعالم في الرجوع اليهما.
وبعبارة أُخرى: كما لا يجوز تقليد الجاهل المطلق كذلك لا يجوز تقليد الجاهل النسبي.


مناقشة الدليل الرابع

وفيه أوّلاً: لا نسلّم كون الاعلم هو الاكثر احاطة بحيث يعرف مدارك لا يعرفها العالم، فكلاهما يستعرضان نفس الكتب والادلّة كالوسائل، والجواهر، والحدائق، ونحوها وإنّما الاعلم ـ حسب الادلّة التي أُقيمت وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث عنه ـ هو الافهم والاذكى والاشدّ فطنة.
وثانياً: يمكن أن يكون مناط الحجّية شرعاً، وعند العقلاء أيضاً، بل لدى العقل أيضاً، لدفع احتمال الضرر به هو: عنوان ينطبق على العالم والاعلم سواء بسواء ـ كما هو كذلك ـ مثل: « العالم » و « الفقيه » و « أهل الذكر » ونحوها ممّا ذكرت في الاخبار.
وثالثاً: أيّ مانع من أن تكون هناك في إجازة الرجوع إلى المفضول مصلحة هي في نظر الشرع أهمّ من مصلحة الواقع، كالتسهيل على المكلّفين، الّذي وردت به الشريعة السمحاء ـ كما في الحديث الشريف ـ ولعلّ هذا التسهيل أيضاً مبنى بناء العقلاء، أو جزء المبنى ؟
ومع هذا الاحتمال لا تتمّ استحالة الرجوع إلى غير الاعلم كما يستفاد من مطاوي كلامه المفصّل في المقام.
فما ذكره من أنّ أصل التسوية بين الاعلم والعالم نظير التسوية بين العالم والجاهل، ربما يرجع إلى امتناعها عقلاً، وفي مقام الثبوت، ولم نجد أحداً التزمه.


الدليل الخامس: الاخبار
مقبولة ابن حنظلة

الخامس: الاخبار، ومنها: مقبولة عمر بن حنظلة وفيها: « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر »(18).


مناقشة المقبولة
الايراد الاوّل

وأُورد على الرواية أوّلاً: بضعف السند ـ لمكان عمر بن حنظلة، فإنّه مجهول ولم يضعّفه أحد، وباقي السند معتبر ـ.
وفيه: أنّ هنا كلاماً في الراوي، وكلاماً في الرواية ـ وهي محل الشاهد ـ.


الكلام في الراوي

أمّا الكلام في الراوي: فقد حقّقنا في بحوث الدراية وثاقة عمر بن حنظلة، للتوثيقات العامّة والخاصّة، كتوثيق جماعة له، منهم: الشهيد الثاني (قدس سره) في شرح الدراية، وقال في معجم رجال الحديث: « ذهب جماعة، منهم الشهيد الثاني إلى وثاقته »(19) من غير معارض، وكونه من المتأخّرين لا يضرّ ـ على المبنى الّذي ارتضيناه تبعاً لجمع من المحقّقين ـ وكونه من شيوخ صفوان بن يحيى بسند صحيح وقد نقل الشيخ الاجماع على وثاقة شيوخه مع شيوخ ابن أبي عمير والبزنطي، قال في العدّة: « سوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر ـ أي: البزنطي ـ وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنّهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمّن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا إنفردوا عن رواية غيرهم »(20).
وقد عمل بهذا التوثيق الّذي نقله الشيخ: جمهرة عظيمة من الفقهاء في شتّى الاحكام، ويظهر ذلك جلياً لمن راجع الجواهر، والحدائق، والمستند، والمستمسك، وغيرها، وإليك نماذج منها.


ابن حنظلة ونماذج من توثيقاته

ففي خمس الجواهر: « مرسلة حمّاد بن عيسى المجمع على تصحيح ما يصحّ عنه، المقتضي لعدم قدح من علم فسقه ممن تأخّر عنه ـ في وجه ـ فضلاً عن غير المعلوم »(21). وفي حجّ الجواهر: « مرسلة ابن أبي عمير الّتي هي كالصحيحة »(22). وفيه أيضاً: « وبالصحيح أنّ ابن أبي عمير أرسل عن... »(23) ونحوها موارد أُخرى، وإذا كان المرسل صحيحاً أو كالصحيح فالمسند المجهول بطريق أولى، وإذا كان إرسال أصحاب الاجماع ـ غير الثلاثة ـ بهذه المثابة، فالثلاثة بطريق أولى كما لا يخفى.
وفي صلاة الشيخ الانصاري (قدس سره): « وليس في سند هذه الرواية من يتوقّف في شأنه سوى الضحّاك بن زيد... وممّا يؤيّد وثاقته بل يدلّ عليه رواية البزنطي عنه وحكي عن الشيخ في العدّة(24) في شأن البزنطي أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة »(25).
وفي مورد آخر: « وليس في سنده إلاّ القاسم بن عروة، وهو وإن لم يصرّح بتوثيقه... وقد روى عنه ابن أبي عمير والبزنطي في بعض الروايات، وهذا من أمارات وثاقته »(26).
وفي المستمسك في مسائل عديدة، منها: أنّه صحّح رواية لاجل أنّ الراوي من شيوخ أحد الثلاثة(27).
واليك عبارة السيد مهدي بحر العلوم (قدس سره) في مصابيحه في علم الاُصول قال ـ بعد نقل عبارة الشيخ في العدّة ـ: « وبالجملة الظنّ الحاصل من مرسلات ابن أبي عمير وأخويه لا يقصر عن الظن الحاصل عن مسانيد الثقات خصوصاً إذا انضمّ اليه عمل الاصحاب بمضمونها، والاعتماد في الجرح والتعديل على الظنون الاجتهادية كما اختاره جماعة من المحقّقين »(28).


شواهد على توثيق ابن حنظلة

مضافاً إلى أنّ صفوان من أصحاب الاجماع المعروف، أضف إلى ذلك: ما ورد في رواية يزيد بن خليفة: « قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): إذن لا يكذب علينا »(29) ولا إشكال في سند هذه الرواية إلاّ من جهة يزيد بن خليفة حيث لم يوثّق بالخصوص، لكنّه من شيوخ صفوان بن يحيى في رواية سندها صحيح مقيّداً بما رواه الكشي في رجاله(30) في حديث مرفوع، قال الامام الصادق (عليه السلام) ليزيد بن خليفة: « أنت نجيب من حارث بن كعب ».
ونحو ذلك روايات أُخر استند اليها ـ من حيث المجموع ـ في توثيق عمر ابن حنظلة.
منها: ما عن عمر بن حنظلة: « قلت لابي جعفر (عليه السلام): أنّي أظن أنّ لي عندك منزلة، قال أجل »(31).
ومنها ما عنه أيضاً عن أبي عبدالله (عليه السلام): « ياعمر لا تحمّلوا على شيعتنا، وارفقوا بهم، فإنّ الناس لا يحتملون ما تحملون »(32).
ومنها غير ذلك.
إذن: فعمر بن حنظلة معتبر بنفسه، وهذه الرواية مضافاً إلى أنّها عن عمر ابن حنظلة، مقبولة عند الاصحاب، ولا يقصر التلقّي بالقبول ـ في مقام التنجيز والاعذار العقلائي ـ عن توتيق شخص واحد ثقة، والله العالم.


الكلام في الرواية

وأمّا الكلام في الرواية: فقد أورد بعضهم على ذلك صغرى: بعدم احراز قبول هذه الرواية من قبل المشهور.
وكبرى: بأنّه هو الجبر السندي الّذي لا نقول به.


مناقشة الصغرى

وفيه: أمّا الصغرى فدونك كتب الفقه في القضاء من المبسوط والخلاف والتهذيب وإلى مفتاح الكرامة، والحدائق، والمستند، والجواهر وغيرها، تجد الفقهاء على اختلاف مشاربهم الفقهية والاُصولية، عملوا بهذه الرواية وأفتوا عليها في شتّى المسائل المرتبطة بها.
وإليك نماذج من ذلك:
ففي مفتاح الكرامة في كتاب القضاء « وأمّا المقبولة فاستضعفها في المسالك باعتبار سندها ثمّ قال ـ أي في المسالك ـ: فإن تمّ الاستدلال بها لانجبار ضعفها بالشهرة فهي العمدة... ثم قال العاملي (قدس سره): قلت: ليس هذا محل توقّف، لاتّفاقهم على قبولها والعمل بمضمونها »(33) ونقل هذا الاتّفاق من مثل العاملي (قدس سره) المتخصّص بجمع الاقوال والمطّلع على اختلاف الفتاوى حجّة واضحة.
وفي زكاة الشيخ الانصاري (قدس سره): أفتى بوجوب دفع الزكاة إلى الفقيه إذا طلبها، قال: « لانّ منعه ردّ عليه، والرادّ عليه رادّ على الله تعالى كما في مقبولة عمر بن حنظلة »(34).
وفي القضاء والشهادات للشيخ الانصاري (قدس سره) اكتفى بالتجزّي في القاضي، وناقش في دلالة المقبولة « وعرف أحكامنا » على العموم، وحملها على الجنس، ومع أنّه كان في مقام الجواب عن المقبولة لم يذكر المناقشة في سندها(35).
وفيه أيضاً « لما عرفت من المعتبرين المذكورين » أي: روايتي أبي خديجة والمقبولة(36).
ونحو ذلك كثير منتشر في شتّى الكتب.


مناقشة الكبرى

وأمّا الكبرى: فللجبر الّذي عليه بناء العقلاء، قال الاخوند في الكفاية في بحث حجّية الشهرة وعدم حجّيتها « نعم بناءً على حجّية الخبر ببناء العقلاء، لا يبعد دعوى عدم اختصاص بنائهم على حجّيته، بل على حجّية كل أمارة مفيدة للظن، أو الاطمينان »(37).
ثمّ قال في الخبر الواحد « استقرار سيرة العقلاء من ذوي الاديان وغيرهم على العمل بخبر الثقة واستمرت إلى زماننا ولم يردع عنه نبي ولا وصي نبى، ضرورة أنّه لو كان لاشتهر وبان »(38).


الايراد الثاني

وأُورد على الرواية ثانياً: بأنّها في باب الخصومة والترافع، وإسراء الحكم منها إلى باب الفتوى: قياس، لانّه من اسراء الحكم من موضوع إلى آخر، ومع الفارق، لانّ باب الخصومة لا يمكن الحكم فيه بالتخيير لعدم كونه رافعاً للخصومة إذ كل خصم يأخذ بما يوافقه فتبقى الخصومة كما كانت، بخلاف باب الفتوى والتقليد فإنّ التخيير فيه رافع للحيرة ومثبت للتكليف، ولعلّه لذلك لم يأمر الامام بالتخيير بعد فقد المرجّحات ـ كما فعل (عليه السلام) ذلك في باب تعارض الروايات ـ وإنّما أمر بالارجاء: « حتى تلقى إمامك ».
ثم إن أردنا التنظير فلعلّ الاولى تنظير المقام بباب الاخبار التي أمرنا فيه بالتخيير لا بباب الخصومة لاولويته منها من جهة احتياج الخصومة إلى البتّ وقطع النزاع عن المتخاصمين.
وإن شئت قلت: إنّ في المقام مسائل ثلاثاً القضاء والفتوى ونقل الخبر.
ففي مسألة القضاء وجوب الترجيح، كما في الاخبار، وأفتى به جماعة.
وفي مسألة نقل الخبر، المشهور التخيير فتوى وعملاً من دون ترجيح، مع ورود روايات خاصة بالترجيح.
وفي مسألة التقليد مع اختلاف المجتهدين في الفضيلة، خلاف في التخيير والترجيح، ولا دليل خاص على التخيير أو الترجيح.
ولها شبه بكل واحدة من المسألتين الاُوليين من جهة، فمن جهة الحدسية تكون مسألة فتوى المجتهدين أشبه بالقضاء، ومن جهة إمكان الحل بالتخيير تكون أشبه بمسألة الخبر، مع أنّ علّة اختلاف الفتويين ـ كثيراً مّا ـ هي اختلاف الخبرين.
وإن حصل اطمينان من هكذا تنظيرات، وكانت خارجة عن القياس، فلعلّ التنظير بالخبرين أولى، إذ الاقربية إلى الواقع إن كانت ملاكاً لزم رعايتها في الخبرين. بل ربما يستظهر أنّ التسهيل على العباد ـ بالتخيير ـ هو الملاك بعد وجود أصل العلم والتقوى في كلا المجتهدين، والله العالم.
هذا مضافاً إلى أنّ الشكّ في وحدة المناط كاف في عدم التعدّي.
وبما ذكرنا يتّضح النظر فيما ذكره الشيخ الانصاري (قدس سره) من أنّ « مقبولة عمر ابن حنظلة المجبورة قصور دلالتها ـ من حيث اختصاصها بموردها ـ بالاجماع المركّب الظنّي، وتنقيح المناط القطعي »(39).


الايراد الثالث

وأُورد على الرواية ثالثاً: ما ذكره بعض مراجع العصر في التقريرات تبعاً للشيخ الانصاري (قدس سره) في الرسائل: من أنّ ملاك التقدّم في المقبولة إنّما هو الصفات الاربع: ـ أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما ـ على نحو بشرط شيء، بحكم واو العطف، لا الافقهية فقط، فلا تكون تلك ملزمة بمجردها بل منظّمة إلى الصفات الثلاث الاُخر.
وما استظهره الشيخ الانصاري (قدس سره) في « الرسائل »(40): من أنّ سؤال الراوي من الامام (عليه السلام) عن صورة التساوي بين الحاكمين فقط، وعدم سؤاله عن صورة تفاضلهما ووجود بعض المرجّحات دون بعض، يكشف عن كون الواو للتنويع، وكون كل واحد منها مرجّحاً مستقلاً على نحو لا بشرط، لا على نحو بشرط شيء، غير ظاهر، ولا مصادم لظهور واو العطف في الطبيعة بشرط شيء ـ أي: الجمع ـ بل هو مجرد استبعاد أن يكون حاكمان متساويين في هذه الصفات الاربع كلّها، فتأمّل.


الايراد الرابع

وأُورد على الرواية رابعاً: ما ذكره أيضاً ـ تبعاً لنهاية شيخه (قدس سره) ـ: من أنّ التلازم إنّما هو بين نفوذ الحكم وحجّية فتواه، لا بين عدم نفوذه وعدم حجّية فتواه، لانّ سلب المركب أو ما بحكمه إنّما هو بسلب بعض أجزائه، فعدم نفوذ حكم غير الافقه، يمكن أن يكون لاجل عدم كون حكمه فاصلاً، ويمكن أن يكون لعدم حجّية فتواه، ونفي الاخصّ لا يدلّ على نفي الاعم، وعدم جواز أخذ فتواه في المقام لا يدلّ على سلب الحجّية عن فتواه، بل لعدم كون فتواه فاصلاً ورافعاً للترافع، بل الفتوى مطلقاً وإن كان فتوى الاعلم ليس بفاصل، بل الفاصل هو الحكم ».
وفيه: ـ مضافاً إلى عدم الوقوف على الفارق شرعاً بين الحكم وبين الفتوى، لا في الكتاب ولا في السنّة، سوى الفرق الموردي الّذي ليس بفارق في الحقيقة، فالفتوى تطلق في مقام العمل من غير خصومة، والحكم في مقام الترافع وحلّ الخصومة ـ إنّ الظاهر من المقبولة كون حكم غير الافقه غير نافذ، لعدم حجّية فتواه، لا مطلقاً بل في ظرف تعارضها مع فتوى الافقه في باب الخصومة.
ويدلّ على ذلك تبادر ما قلناه إلى الذهن من ملاحظة نصّ الرواية من أوّلها إلى آخرها.
نعم، الظاهر أنّ عدم نفوذ حكم غير الافقه إنّما هو لمصلحة رفع الخصومة التي لا تتأتّى مع نفوذ حكمه.
قال الشيخ في القضاء والشهادات: « مع أنّ الرواية ـ عند التأمّل ـ ظاهرة في أنّ ترجيح حكم الاعلم من أحد الحاكمين على الاخر من جهة رجحان فتواه... ولذا كان مورد السؤال والجواب في باقي الرواية في تعارض روايتهما... ولذا ادّعى الشهيد الثاني ـ فيما حكي عنه(41)ـ:
أنّ الرواية نصّ في المدّعى »(42).


الايراد الخامس

وأُورد على الرواية خامساً: أنّ المقبولة وروايتي: داود بن الحصين، وموسى بن أكيل، وكل منهما عن الصادق (عليه السلام) أيضاً، وجامعها جميعاً مسألة اختلاف الحاكمين في ما حكما به، اختلفت في الاوصاف الموجبة للتقديم من جهات عدّة:
1. جهة الكم: ففي المقبولة أربع صفات: الاعدلية، والافقهية، والاصدقية، والاورعية.
وفي خبر داود ثلاث صفات: الافقهية والاعلمية ـ على فرض عدم كون الواو للعطف التفسيري ـ والاورعية.
وفي خبر موسى، صفتان: الاعدلية والافقهية.
2. ومن جهة الكيف: ففي المقبولة ذكرت الاصدقية ولم تذكر في الخبرين، وفي خبر داود ذكرت الاعلمية بالاحاديث ولم تذكر في الاخرين.
3. ومن جهة التقديم والتأخير: ففي خبر داود قدّم الافقهية، وفي المقبولة وخبر موسى الاعدلية.
وهذا الاختلاف ينافي لزوم الترجيح، لعدم الجامع إلاّ أن يقال: بعدم حجّية خبري داود وموسى من جهة السند، فتأمّل.


الايراد السادس

وأُورد على الرواية سادساً: أنّ المقبولة ـ مضافاً إلى عدم الترجيح بالصفات الثلاث المذكورات فيها ـ غير الافقهية ـ لا في باب الاخبار، ولا في باب الحدسيات من القضاء والتقليد، والتقويم، ونحوها ـ في موردها وهو القضاء لم يعمل المشهور بها، فقد أطلقوا عدم جواز نقض حكم الاوّل من غير تفصيل بين الاعلم وغيره، كما أطلقوا جواز النقض إذا ثبت ـ ولو بدليل اجتهادي ـ بطلان قضاء الاوّل من غير تفصيل أيضاً.
قال في قضاء الجواهر: « إنّ الحكم ينقض ولو بالظنّ إذا تراضى الخصمان على تجديد الدعوى وقبول حكم الحاكم الثاني... »(43) فكيف يتعدّى بدليل لم يعمل به في مورده ؟
وفيه: إنّه على القول المنسوب إلى المشهور: من لزوم كون القاضي أعلم، فلا معنى لاستفادة الاطلاق من المسألتين.
والحاصل: إنّ عمدة الايراد في المقبولة هو الثاني، وهو اختلاف القضاء والتقليد، بلزوم التعيين في الاوّل دون الثاني، فتأمّل.


أخبار أُخرى

وهناك أخبار أُخرى غير المقبولة يستدلّ بها في المقام أيضاً.
منها: خبر داود بن الحصين وجاء فيه: « ينظر إلى أفقههما، وأعلمهما بأحاديثنا، وأورعهما، فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الاخر »(44).
ومنها: خبر موسى بن أكيل عن الصادق (عليه السلام): « ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله فيمضى حكمه »(45).
ومنها: ما في نهج البلاغة من عهد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الاشتر (رضوان الله تعالى عليه) بسند صحيح وفيه: « ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الاُمور »(46).
ومنها: ما في الوسائل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): « من أمّ قوماً وفيهم من هو أعلم منه، لم يزل أمرهم إلى السفال إلى يوم القيامة »(47).
ومنها: ما في نهج البلاغة أيضاً: « أيها الناس إنّ أحقّ الناس بهذا الامر، أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه »(48).
ومنها: ما فيه أيضاً: « إنّ أولى الناس بالانبياء أعلمهم بما جاءوا به »(49).
بتقريب: إنّ المرجع للتقليد، هو الاولى بالانبياء، لاخذ أحكام الانبياء منه.


مناقشة هذه الاخبار

ويرد عليها: أنّها ـ باستثناء الثلاثة الاخيرة ـ واردة مورد القضاء وفصل الخصومة، ولا يقاس باب الافتاء والتقليد على باب القضاء، وذلك لما مرّ في المقبولة، بل ربما يقال ـ كما مرّ أيضاً ـ: إنّ الانسب لو أردنا التنظير: تنظير الباب بباب الاخبار، لكونه أكثر مناسبة من ذلك التنظير.
مضافاً إلى أنّه يمكن استفادة الاستحباب من عهد مالك الاشتر، بتقريب: أنّه لو كان الرجوع إلى الاعلم واجباً لزم أن يتكفّل مالك الاشتر (قدس سره) القضاء بنفسه، لانّه أعلم من سائر الرعية، لانّ الامام (عليه السلام) قال: « أفضل رعيتك » ولم يقل: الافضل منك ومن رعيتك، ولعلّ الوجه في ذلك: هو أنّ الاعلم يكون أسرع في القضاء ورفع الخصومات لاكثرية إحاطته، فقلّما يجهل وجه الحكم.
وفيه: لعلّ ذلك لاهمية الولاية، وعدم إمكان الجمع عادة بينها وبين القضاء، أوكل الامر إلى الاعلم من رعيته فقط، فتأمّل.


مناقشة عهد الاشتر سنداً

وأمّا الاشكال في العهد سنداً، لارسال نهج البلاغة.
ففيه ـ مضافاً إلى اعتبار نهج البلاغة، فإنّه مقبول عند الاصحاب، ولا يقلّ اعتباراً عقلائياً عن توثيق السند، فالوثاقة الخبرية موجودة فيه ـ إنّ للشيخ الطوسي (قدس سره) إلى هذا العهد طريقاً صحيحاً.
مع أنّ الفقهاء قديماً وحديثاً اعتمدوا على نهج البلاغة ونسبوه إلى علي (عليه السلام) في شتّى الاحكام والفروع ولم يبد المشهور التشكيك في إسناده إليه (عليه السلام)، وإليك بعض النماذج على ذلك:


أمثلة ونماذج

ما في مكاسب الشيخ الانصاري (قدس سره) في مسألة الكذب قال: « نعم يستحب تحمّل الضرر المالي الّذي لا يجحف وعليه يحمل قول أمير المؤمنين (عليه السلام): علامة الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك »(50) والشاهد في نسبته إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالجزم. دون مثل المروي، أو المنقول، أو المحكي ونحوها.
ومنها: ما في زكاة الشيخ الانصاري في مسألة نقل الزكاة من بلد إلى بلد « كما نصّ عليه الامام (عليه السلام) في الكلام الّذي حكيناه عن نهج البلاغة في آداب العامل، ومنه يظهر الجواب عن رواية الحلبي... »(51) وهي رواية صحيحة صرّح الشيخ (قدس سره) قبل قليل بصحّتها، وبكلام نهج البلاغة حمل الصحيحة على خلاف ظاهرها.
والمتتبّع لكتب الفقهاء يجد المعظم منهم ينسبون نهج البلاغة اليه (عليه السلام) بدون تردّد، ويعملون بنصوصه في الاحكام الالزامية.


مناقشة عهد الاشتر دلالة

نعم، ربما يورد على العهد ـ دلالة ـ بأنّ تذييل ذلك في كلامه (عليه السلام): « أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الاُمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلّة، ولا يحصر من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلّهم تبرّماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشّف الاُمور، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء... »(52).
يصرف الافضل إلى الفضل الديني والنفسي، دون العلمي. وهو إيراد في محلّه ظاهراً.
ولعلّه لذلك قال الشيخ الانصاري (قدس سره) بعد نقله هذه الفقرة من العهد: « وفيه تأمّل »(53).
وأمّا الايراد عليه أوّلاً: بأنّه لو كان مراجعة الاعلم واجبة لوجب أن يتصدّى نفس مالك للقضاء لانّه هو أعلم، أو بأن يقال له بدل « أفضل رعيتك »: « الافضل منك ومن سائر رعيتك ».
وثانياً: المدّعى تقليد الاعلم على الاطلاق، وهذا العهد يدلّ على الاعلم ـ على الفرض ـ من رعية مالك لا مطلقاً.
ففيهما: أمّا الاوّل فلتزاحم الولاية مع القضاء، وأهمية الولاية وعدم القدرة على الجمع بينهما، لم يؤمر بذلك.
وأمّا الثاني: فلعدم التمكّن من الاعلم المطلق عادة، مضافاً إلى دلالته على الاعلم إجمالاً.


مناقشة خبر الوسائل

وأمّا خبر الوسائل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): « من أمّ قوماً... » فيرد على الاستدلال به لما نحن فيه ما يلي:
أوّلاً: أنّه في مقام الامامة والطاعة المطلقة، التي ليست تحق إلاّ للاعلم على الاطلاق في جميع العلوم والفنون، المنحصر في الائمّة الطاهرين الاثني عشر (عليهم السلام)، وهذا الخبر له نظائر كثيرة بمضمونه في باب وجوب كون الامام أعلم أهل زمانه.
وثانياً: بضعف السند.
وفيه: أنّه بالنسبة إلى هذا الخبر وحده في محلّه، ولكن بالنسبة لكل ما ورد بهذا المضمون في بيان ضرورة أعلمية الامام في غير محلّه، لامكان ادّعاء التواتر المعنوي أو الاجمالي بالنسبة إليه.
وثالثاً: فليكن إلى سفال، فهل هذا يدلّ على الحرمة التكليفية والوضعية ؟ ولعلّ لحن الكلام يشبه الاخلاقية لوجود نظائر له.
ورابعاً: لو أُبقي: « أمّ قوماً » على اطلاقه ليشمل المفتي، لزم شموله ـ بنفس الاطلاق ـ لامام صلاة الجماعة، ولامير الجيش، ولغيرهما لانهم أئمة أيضاً ولا أظنّ أحداً يلتزمه ـ وإن قيل: بخروج ما خرج بالدليل لا يخدش في الاطلاق إلاّ إذا صار سبباً لخروج الاكثر ـ فتأمّل.


مناقشة خبري نهج البلاغة

وقد يورد على الخبرين الاخيرين المنقولين في نهج البلاغة بما يلي:
أوّلاً: بضعف السند، لانّه لا يعدو أن يكون مراسيل للشريف الرضي (قدس سره) فما يثبت منها خارجاً بسند صحيح يعتمد عليه في الاحكام الشرعية، وإلاّ فلا وقد تقدّم الجواب عنه.
وثانياً: بأنّ المنصرف من كلمة: « هذا الامر » هو الامامة كما لا يخفى على من لاحظ روايات باب الامامة، فإنّ هذا من ذاك السياق، ولا شكّ في لزوم كون الامام العادل أعلم الناس جميعاً في عصره. وبأنّ كلمة: « أولى الناس بالانبياء » ظاهرة في الاولوية المطلقة التي ليست إلاّ في الامام العادل، فهو كسابقه أيضاً.
وثالثاً: بأنّه أي تلازم بين الاولى بالانبياء، والاولى بالتقليد ؟ إلاّ أن يقال: بأنّه الاولوية في مقام القيادة الشرعية التي أهم ثمارها الفتاوى في أحكام الله تعالى، فتأمّل.
ورابعاً: بأنّ « الاولى » غير ظاهر في الوجوب إن لم يكن ظاهراً في غيره.
وخامساً: ـ ولعلّه الظاهر ـ بأنّ المراد به: الاولى بالاتّباع كما يقال: أولى الناس باتّباع الفقيه أولاده، وأولى الناس باتّباع المدرّس تلاميذه، ونحو ذلك.


مناقشة عامّة

ثم إنّه قد يورد على الاستدلال بهذه الروايات: بأنّ « الافقه » و « الافقه في دين الله » و « الاعلم بأمر الله » و « والاعلم بأحاديثنا » ونحو ذلك، بالمعنى الّذي كان متعارفاً في زمن صدور هذه الروايات هو غير الافقه والاعلم في اصطلاح اليوم.
فإنّ الاعلم والافقه في عصر الائمّة (عليهم السلام) كان يطلق على من روى وحفظ أحاديث أكثر من غيره ـ كما ربما يظهر أيضاً من إضافة الاعلم والافقه إلى دين الله، وأمر الله، وأحاديثنا ـ أمّا اليوم فليس بين الفقهاء المراجع أعلم من هذه الجهة وكلّهم متساوون في مقدار الاحاطة بالاخبار والاثار، لانّ الروايات مدوّنة في كتب مطبوعة هي متناول الجميع، ومبوّبة حسب المسائل والاحكام، وكلّ ما يراه فقيه يراه غيره، وإنّما الافقه والاعلم في هذا العصر يقال للذي تمرّن في ردّ الفروع إلى الاُصول أكثر، أو كان أكثر ذكاءً وفهماً ـ على ما يأتي من الخلاف والكلام فيه إن شاء الله تعالى ـ وبين المفهومين عموم من وجه، ولا أقل من الاجمال.
وقد يناقش في ذلك: بأنّ المقصود بالاعلم والافقه في عصر الائمّة (عليهم السلام)هو المعنى الثاني المعروف في عصرنا لقوله (عليه السلام): « أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاريض كلامنا » أو « معاني كلامنا »(54)، فتأمّل.


خبر الاختصاص

وممّا روي في الباب: ما في البحار عن « الاختصاص » مرسلاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « من تعلّم علماً ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو يصرف به الناس إلى نفسه يقول: أنا رئيسكم، فليتبوّء مقعده من النار، إنّ الرئاسة لا تصلح إلاّ لاهلها، فمن دعى الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله اليه يوم القيامة »(55).
وفيه: ـ مضافاً إلى الارسال ـ أنّ السياق يدلّ على الامامة والخلافة، لا مرجع التقليد، فهو منصرف اليها كما لا يخفى لمن راجع أحاديث غصب الخلافة من البحار وغيره.


خبر العيون

وممّا روي في المقام: ما في البحار أيضاً عن « عيون المعجزات » عن الامام محمّد الجواد (عليه السلام) أنّه قال لعمّه عبدالله بن موسى بن جعفر: « ياعمّ إنّه عظيم عند الله أن تقف غداً بين يديه فيقول لك: لِمَ تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الاُمّة من هو أعلم منك ؟ »(56).
وفيه: ـ مضافاً إلى الارسال أيضاً ـ أنّه لاجل الفتوى بما لم يعلم، الّذي هو حرام حتى على الاعلم، ولا اختصاص له بغير الاعلم، فليس تامّاً دلالة أيضاً.
مضافاً إلى وجوه أُخرى من الاشكال في صدر الرواية تسلب الوثوق بكلّ ما فيه، نعم ذيلها يتضمّن معجزة مشهورة للامام الجواد (عليه السلام) هي واضحة الحجّة كما لا يخفى.
فما في التنقيح من أنّ: « هذه الرواية وإن كانت تدلّ على اعتبار الاعلمية المطلقة في المفتي »(57) غير واضح، إذ لا دلالة لها ظاهراً، إذ المعنى: إنّ الفتوى التي لا تعلمها لماذا تفتي بها وفي الاُمّة من هو أعلم منك ويعلم تلك الفتوى ؟ والمجتهد غير الاعلم، يعلم ويفتي، لا أنّه يفتي بلا علم.


الدليل السادس: أصالة العدم

السادس: أصالة عدم حجّية فتوى المفضول، ولها تقريرات ثلاثة:


الاصل بتقريرات ثلاثة
أوّل التقريرات

أحدها: ما ذكره الشيخ (قدس سره) في كتاب القضاء: من أنّه إذا تعارضت الامارات وجب معيّناً الاخذ بالاقوى منهما، مع صغرى مطوية وهي أنّ فتوى الاعلم أقوى من فتوى المفضول.
قال: « الظاهر أنّ حجّية فتوى الفقيه إنّما هي لكونها من الظنون الخاصّة الّتي لا يعتبر إفادتها للظنّ الشخصي... ومن المعلوم إنّ مثل هذا إذا تعارضت يجب الرجوع إلى الاقوى منهما... ولا يلتفت إلى الاُخرى... وإذا ادّعوا الاجماع على وجوب الاخذ بما هو الاقوى في نفس المتشرّعة من الامارة، فهذا هو الاصل في تعارض الامارات المعتبرة عند الشارع... »(58).


مناقشة التقرير الاوّل

وفيه: أنّ هذا هو بناء العقلاء المتقدّم، ويرد عليه أيضاً ما تقدّم:
نقضاً: بالموارد الكثيرة الّتي يحكم الفقهاء ـ ومنهم الشيخ (قدس سره) في شتّى كتبه ـ بالتخيير في الاخبار المتعارضة، والتساقط في غيرها من موارد تعارض الامارات، والتساقط فرع التكافؤ في الحجّية كالتخيير كما لا يخفى، وعدم الالتفات إلى الاقوى منهما، وقد تقدّم بعض الحديث عن ذلك.
وحلاً: بأنّ الاقوى في الامارية يدلّ بالتضمّن على أمارية الاُخرى، فهذه أمارة، وتلك أمارة، إلاّ أنّ هذه أقوى من تلك، فكلتاهما حجّة.
هذا مضافاً إلى الاشكال في الصغرى ـ غالباً ـ وهو أنّ المفضول كثيراً ما يوافق فتواه فتوى الافضل من الاعلم، وقد استند إلى هذا الاشكال جمهرة من الاعاظم عبّر عنهم الشيخ الانصاري (قدس سره) بـ: « ما اشتهر بين المعاصرين تبعاً للشارح... (أي: المحقّق الاردبيلي (قدس سره) لكونه شارحاً لارشاد العلاّمة، وكتاب قضاء الشيخ قسم منه شرح للارشاد أيضاً) المصرّح به... في كلام جماعة »(59) وقد تقدّم الكلام عنه.
نعم، يستثنى من ذلك ـ فيما استحضر ـ تعارض البيّنات حيث ذهب جمع ـ خلافاً لجمهرة آخرين ـ تبعاً لصريح مستفيض الروايات إلى تقديم الاكثر عدداً منها، دون مطلق الاقوى منها ولو كيفاً بالاعدلية، أو الاضبطية ونحوها، وإن كان في بعض الروايات تصريح بتقديم الاقوى كيفاً أيضاً.


ثاني التقريرات

ثانيها: أصالة التعيين عند الدوران بينه وبين التخيير، وهذا أصل عملي عقلي، موضوعه الشكّ في أنّ الواقع هو الترجيح أو التخيير.
قال في التنقيح: « ومن هنا يتّضح أنّ وجوب تقليد الاعلم ـ على هذا التقدير ـ إنما هو من باب الاحتياط، لا أنّه مستند إلى الادلّة الاجتهادية، فإنّ مفروضنا أنّ الادلّة لم يستفد منها وجوب تقليد الاعلم وعدمه، وانتهت النوبة إلى الشكّ، وإنّما أخذنا بفتوى الاعلم لانّ العمل على طبقها معذّر على كل حال، فهو أخذ احتياطي تحصيلاً للقطع بالفراغ لا أنّ فتواه حجّة واقعية »(60).


كلام الشيخ الانصاري في المسألة

وقد ذكر الشيخ (قدس سره) في الرسائل المسألة كالاتي:
« لو دار الامر بين التخيير والتعيين، كما لو دار الواجب في كفّارة رمضان بين خصوص العتق للقادر عليه، وبين إحدى الخصال الثلاث، فإنّ في إلحاق ذلك بالاقل والاكثر ـ فيكون نظير دوران الامر بين المطلق والمقيّد، أو المتباينين ـ وجهين بل قولين:
1. من عدم جريان أدلّة البراءة في المعيّن، لانّه معارض بجريانها في الواحد المخيّر، وليس بينهما قدر مشترك ـ خارجي أو ذهني ـ يعلم تفصيلاً وجوبه، فيشكّ في جزء زائد ـ خارجي أو ذهني ـ.
2. ومن أنّ الالزام بخصوص أحدهما كلفة زائدة على الالزام بأحدهما في الجملة، وهو ضيق على المكلّف، وحيث لم يعلم المكلّف بتلك الكلفة فهي موضوعة عن المكلّف بحكم « ما حجب الله علمه عن العباد »(61) وحيث لم يعلم بذلك الضيق فهو في سعة منه بحكم « الناس في سعة ما لم يعلموا »(62)، وأمّا وجوب الواحد المردّد بين المعيّن والمخيّر، فهو معلوم فليس موضوعاً عنه ولا هو في سعة من جهته.
ثمّ قال (قدس سره): والمسألة في غاية الاشكال، لعدم الجزم باستقلال العقل بالبراءة عن التعيين بعد العلم الاجمالي، وعدم كون المعيّن المشكوك فيه أمراً خارجاً عن المكلّف به مأخوذاً فيه على وجه الشطرية أو الشرطية، بل هو على تقديره عين المكلّف به.
والاخبار غير منصرفة (أي: غير شاملة) إلى نفي التعيين، لانّه في معنى نفي الواحد المعيّن، فيعارض بنفي الواحد المخيّر، فلعلّ الحكم بوجوب الاحتياط، وإلحاقه بالمتباينين لا يخلو عن قوّة »(63).


مراد الشيخ من كلامه

ومراده (قدس سره): أنّه لا يجري شيء من البراءتين: العقلية والشرعية، أمّا العقلية فللعلم الاجمالي، وأمّا الشرعية فلتعارض البراءتين في طرفي المعيّن والمخيّر.
وقد صرّح جمهرة من الاعاظم بأنّ عمدة الادلّة على تعيّن تقليد الاعلم هو الاصل العملي، ومنهم: المحقّق العراقي (قدس سره) قال: « إنّ العمدة في تخصيص الحجّية عند المعارضة مع فتوى الاعلم هو ما ذكرناه من قضية الاصل، وإلاّ فلا مجال لاثبات تعيّن تقليد الاعلم بمقتضى الاخبار الدالّة على ترجيح الاعلم والافقه عند المعارضة »(64)وقال قبل ذلك: « أحدهما: تعيّن تقليد الاعلم... ولكن التحقيق وفاقاً للمشهور هو الاوّل للاصل، للشكّ في حجّية فتوى المفضول عند معارضتها مع فتوى الافضل »(65).


مناقشة كلام الشيخ
المناقشة الاُولى

وفيه أوّلاً: نفس الشيخ وفاقاً لجمهرة المتأخرين يصرّح بأنّ أصل البراءة حاكمة على أصل الاشتغال، إذا كان الشكّ في الاشتغال مسبّباً عن الشكّ في الزائد.
قال (قدس سره) في رسالته في المواسعة والمضايقة في الفوائت استدلالاً للمواسعة: « إن أصالة البراءة حاكمة على أصالة الاشتغال مع كون الشكّ في مجرى الثانية مسبّباً عن الشكّ في مجرى الاُولى، وهذا هو الضابط في كل أصلين متعارضين، سواء كانا من جنس واحد كاستصحابين، أو من جنسين كما فيما نحن فيه »(66).
ومسألة تقليد الاعلم من هذا القبيل، إذ الشكّ في اشتغال الذمّة بتقليد خصوص الاعلم، مسبّب عن الشكّ في اشتراط الاعلمية ـ بالاضافة إلى الشروط المسلّمة من الاجتهاد والعدالة وغيرهما ـ نظير الدوران بين التعيين والتخيير في بقية الشروط المشكوكة المختلف فيها.


كلام المحقّق العراقي

وقد ذكر المحقّق العراقي مثل هذا الاستدلال في مسألة محتمل الاعلمية، فذكر نفس تيقّن الحجّية فيه، وردّه بنظير ما ذكرناه، قال: « وقد يقال بوجوب الاخذ بفتوى محتمل الاعلمية للقطع بحجّية فتواه والشكّ في حجّية فتوى غيره... ويندفع بأصالة عدم التفاضل، فإنّ المانع عن جواز العمل بفتوى الاخر إنّما هو حيث الافضلية المدفوعة بالاصل، فإذا جرى الاصل المزبور يترتّب عليه جواز الاخذ بفتوى غيره وعدم تعيّن الاخذ بفتوى من احتمل أعلميته. وإذا ثبت هذا الجواز الشرعي فلا جرم ينتهي الامر إلى التخيير في الاخذ بهما »(67).
وظهوره في عدم جريان أصل التعيين، لمحكوميته بأصل عدم التعيين ظاهر، وهو كاف في الدلالة على أنّ النوبة إذا وصلت إلى الاصل العملي، فالاصل التخيير، لا التعيين.
والغريب أنّه (قدس سره) مع ذكره « حيث الافضلية المدفوعة بالاصل » كيف تمسّك بأصالة عدم حجّية فتوى المفضول قبل هذا الكلام ؟ قال في الاستدلال لوجوب تقليد الاعلم ـ وإن كان هو محتاطاً في مقام الفتوى مع قيد إحراز المخالفة بينهما ـ: « للاصل، للشكّ في حجّية فتوى المفضول عند معارضتها مع فتوى الافضل، وهو كاف في عدم حجّيتها »(68).


كلام التنقيح

وقال في التنقيح: « التكليف بالجامع بينهما ـ أعني أحدهما لا بعينه ـ معلوم لا شكّ فيه، وإنما الشكّ في أنّ خصوصية هذا وذاك هل لها مدخلية في متعلّق الوجوب أو لا مدخلية لها ؟ ولا شبهة في أنّ اعتبار الخصوصية كلفة زائدة، وموجب للضيق على المكلّف، فمقتضى أصالة البراءة أنّ الخصوصية غير معتبرة في متعلّق الوجوب. وعلى الجملة أنّ دوران الامر بين التعيين والتخيير من الشكّ في الاطلاق والتقييد بعينه »(69).
هذا مضافاً إلى أنّ الشكّ في الاشتراط مسرح لاصل عدم الاشتراط، قال الشيخ الانصاري (قدس سره) في القضاء: « وإن أُريد أصالة عدم حجّية قول المفضول، ففيه: أنّها إنّما تجري فيما شكّ في أصل حجّيته في ذاته ومع قطع النظر عن المعارض، وأمّا إذا فرض حجّية شيء في حدّ ذاته ومع قطع النظر عن المعارض ـ كما في المقام ـ ثم شكّ في ثبوت الترجيح الشرعي لمعارضه فمقتضى توقيفية الترجيح بالامارات كنفس حجّيتها، الحكمُ بعدم كون الشيء مرجّحاً إلاّ أن يدلّ عليه الدليل، والكلام ليس إلاّ في ذلك »(70).


المناقشة الثانية

وثانياً: في مسألة دوران الامر بين العتق معيّناً أو مخيّراً بينه وبين غيره، جمهرة من الفقهاء قائلون بالبراءة ـ كما صرّح الشيخ بأنّ في المسألة قولين ـ وذلك لانّه وإن كان العتق وغيره متباينان خارجاً، إلاّ أنّهما من الاقل والاكثر تكليفاً، فالتكليف بأحد الثلاثة محرز، وقيد خصوص العتق مشكوك.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: فرق بين اشتراط الاعلمية، وبين مسألة خصال الكفّارة من جهة أنّ العتق غير الصوم والصدقة، والاعلم هو غير الاعلم باضافة شرط، فجريان البراءة في الاعلمية أوضح منه في العتق، ومن يجريها في العتق كان أولى به أن يجريها في الاعلمية، نظير اشتراط البصر والكتابة ونحوهما.
مع أنّ التتبّع في كلمات الشيخ (قدس سره) في الفقه والاُصول ربما يوقف الشخص على إجرائه البراءة في نظائر المسألة.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ ما ذكره الشيخ (قدس سره) في كتاب القضاء، من تثنية الاقسام في الشكّ في الحجّية، بأنّ الشكّ إن كان في الحجّية عند التعارض كالشكّ في حجّية المفضول عند معارضته للافضل فالشكّ فيها مسبّب عن الشكّ في الرجحان للافضل، وهو مجرى أصالة عدم الرجحان، فلا شكّ في حجّية المفضول، وإن كان الشكّ في الحجّية في نفسها كان مجرى أصالة عدم الحجّية.
ربما يناقش بأنّ الاقسام ثلاثة، إذ الشكّ في الحجّية في نفسها قد يكون مستقلاً كالشكّ في حجّية الشهرة، أو الاجماع المنقول، أو الخبر الواحد في الموضوعات ونحوها فهو مجرى أصالة عدم الحجّية، أمّا إذا كان الشكّ في أصل الحجّية مسبّباً عن الشكّ في الشرطية، كالشكّ في حجّية فتوى العبد، أو الاعمى ونحوهما، حيث أنّه مسبّب عن الشكّ في اشتراط الحرية، أو البصر في المفتي، فإذا أجرينا أصل عدم الاشتراط، لم يبق شكّ في الحجّية.


من تصريحات الشيخ الانصاري

وقد صرّح الشيخ في أُصوله وفقهه في عديد من الموارد، بأنّ الشكّ في الشرطية مجرى أصل عدم الشرطية. ففي الرسائل قال: « بل الحكم في الشرط وإلحاقه بالجزء لا يخلو عن إشكال، لكن الاقوى فيه الالحاق (أي: في اجراء البراءة عن المشكوك) فالمسائل الاربع (أي: الشكّ لاجل عدم الدليل، أو إجماله، أو تعارضه، أو الشبهة الموضوعية) في الشرط حكمها حكم مسائل الجزء »(71).
وقال في كتاب النكاح في اشتراط الماضوية في عقد النكاح وعدم اشتراطها: « والمشهور أنّه لابدّ من أن يكون الايجاب والقبول بصيغة الماضي... ولانّ تحقّق الزوجية معها متيقّن ومع غيرها مشكوك ـ إلى أن قال: ـ ويرد على الثاني: أنّه لا وجه للشكّ في غير الماضي بعد اقتضاء العموم مثل (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) »(72).
وعلّة نفي الوجه للشكّ هو أصالة عدم الاشتراط كما لا يخفى.
فبالنتيجة: إنّه إذا شكّ في تعيين الاعلم أو التخيير بينه وغيره كان الاصل التخيير لا التعيين لاصالة عدم رجحان الاعلم، وهذه أصالة البراءة عقلاً بملاك عدم البيان، وشرعاً بالجهل.


ثالث التقريرات

ثالثها: التفصيل في أصالة التعيين بين أن يكون في حكم شرعي، أو في الحجّية بمعنى: التنجيز فمجرى البراءة، وبين أن يكون في الحجّية بمعنى: التعذير، فمجرى الاشتغال.
بيانه: إنّ أصل الجامع بين الامرين في التكاليف الشرعية، وفي التنجّز ثابت، فيكون التعيين قيداً زائداً مشكوكاً فيه، فتجري البراءتان عنه.
وأمّا إذا كانت الحجّية بمعنى التعذير ـ إذ تنجّز التكاليف معلوم بالعلم الاجمالي الكبير أو العلم الاجمالي الخاص في بعض الموارد، وإنّما الكلام في أنّه ما هي الحجج المعذّرة، وفتوى الفقيه منها ـ ومعذّرية المعيّن مسلّمة، ومعذّرية المخيّر مشكوكة، والاصل عدم معذّريته(73).
والحاصل: أنّ الشكّ في الاوّلين مرجعه إلى الشكّ في مقدار الاشتغال فينحل العلم الاجمالي، وفي الثالث إلى الشكّ في الامتثال، فيكون مسرحاً للاشتغال.


مناقشة التقرير الثالث

وربما يناقش أوّلاً: بأنّ مقتضى ذلك التفصيل في وجوب تقليد الاعلم بين المسائل الّتي كانت فتوى المفضول معذّرة، فيجب تقليد الاعلم فيها، وبين غيرها فلا يجب.
مثلاً: الاعلم الّذي يفتي بكفاية مرّة واحدة من التسبيحات الاربع في الصلاة في الركعتين الاخيرتين، ويفتي بوجوب السورة الكاملة في الصلوات الواجبة، يجب تقليده في الاُولى، دون الثانية، فاطلاق القول بوجوب تقليد الاعلم، لهذا الوجه غير واضح.
وثانياً: الاحكام التكليفية أيضاً على قسمين بعضها منجّزة كالترتيب بين خصال الكفّارة ـ إذ الشكّ بينه وبين التخيير ـ وبعضها معذّرة كصحّة العقد بغير العربية، فانحلال العلم الاجمالي بين الجامع، وبين الخاصّ، بالعلم التفصيلي بالجامع، والشكّ البدوي في الخاص في بعض المسائل الشرعية، والشكّ في المعذّرية ـ بعد إحراز التكليف ـ في بعضها، متحقّق فلا مجال لاطلاق القول بالبراءة عن الخاصّ فيها على مبنى الاشتغال في المعذّرية.
وثالثاً: تقدّم في التحقيق في كلمات الشيخ (قدس سره): إنّه إذا كان الشكّ في الامتثال مسبّباً عن الشكّ في الاشتراط، يكون في الواقع شكّاً في الاشتغال، فإذا جرت البراءة عن الاشتراط، لم يبق ـ تعبّداً ـ شكّ في الامتثال.
ورابعاً: العلم الاجمالي ـ الكبير أو الخاصّ في بعض الموارد ـ منحلّ بالمتيقّن، وفي غيره الشبهةُ بدوية، وقد حقّق ذلك في بحث الانسداد، وقد أجاب بذلك الشيخ والاخوند وتلاميذهما وتلاميذهم، قال في مصباح الاُصول: « إنّ لنا علوماً إجمالية ثلاثة:
الاوّل: العلم الاجمالي بوجود تكاليف واقعية: تحريمية ووجوبية.
الثاني: العلم الاجمالي بمطابقة جملة من الامارات للواقع.
الثالث: العلم الاجمالي بصدور جملة من الاخبار الموجودة في الكتب المعتبرة.
والعلم الاجمالي الاوّل ينحلّ بالثاني، والعلم الاجمالي الثاني ينحلّ بالثالث »(74).


تأييد وتأكيد

هذا مضافاً إلى أنّ العلم الاجمالي إن لم ينحل ولاجله وجب الاحتياط في الشكّ في المعذّر من الحجج، كان مقتضياً لوجوب الاحتياط في الشكّ في المنجّز من الحجج وفي الشكّ في الاحكام التكليفية أيضاً.
وإن انحلّ، انحلّ في الجميع، إذ الموجب للاحتياط في أطراف العلم الاجمالي احتمال الالزام سواء كان المحتمل: التكليف أم الحجّة، الثبوت أم السقوط، فالتفصيل غير واضح.
والحاصل: أنّ الشكّ في جميع الاقسام الثلاثة، شكّ في الاشتغال، وهو مجرى البراءة بناءً على عدم تسليم المبنى.
وعلى تسليم المبنى، ينبغي تقسيم الاحكام التكليفية وحجّية فتوى الفقيه ـ أيضاً ـ إلى المنجّزة والمعذّرة، فتأمّل.


التفصيل في التعيين والتخيير

وللمحقّق العراقي (قدس سره) تفصيل في التعيين والتخيير بين المسألة الاُصولية والمسألة الفرعية، بالتزام أصل التعيين في الاُولى في باب تقليد الاعلم وفي باب التعادل، وإنكاره بمعنى التخيير الفرعي في هذا الباب.
فإنّه بعد تقرير أصل التعيين وبيانه قال: « إنّ جعل المقام من صغريات تلك المسألة مبني على جعل التخيير في المقام، التخيير في المسألة الفرعية... وهو باطل قطعاً لامتناع الوجوب التخييري في العمل في كلّية باب التعارض المنتهي فيه الامر إلى التناقض في المدلول بل التخيير فيه راجع إلى التخيير في المسألة الاُصولية، أعني: الاخذ بإحدى الفتويين الراجع إلى إيجاب التعبّد بكل منهما مشروطاً بالاخذ.
وفي مثله يكون المقام من باب دوران الامر بين حجّية فتوى الاعلم ووجوب العمل على طبقها من غير اشتراطها بالاخذ والالتزام بمؤدّاها، وبين حجّية كلّ منهما مشروطاً بالاخذ بها.
ومن المعلوم: إنّ لازم ذلك، هو عدم اليقين بحجّية فتوى الاعلم مطلقاً، فإنّه قبل الاخذ بها يشكّ في حجّيتها ووجوب التعبّد بها، وكذا بعد الاخذ بفتوى غيره.
ومع هذا الشكّ، كيف يمكن دعوى اندراج المقام في مسألة التعيين والتخيير المستلزم لليقين بوجوب العمل على طبق المعيّن على كل تقدير ؟
نعم، حيث إنّ الاخذ بفتوى الاعلم موجب لليقين بحجّيتها، بخلاف فتوى غيره، فإنّه مع الاخذ بها يشكّ في حجّيتها، فينتهي الامر إلى مقطوع الحجّية بالاخذ ومشكوكها، فيحكم العقل بوجوب الاخذ بما هو مقطوع الحجّية دون مشكوكها.
وبذلك يفترق المقام عن مسألة التعيين والتخيير في المسألة الفرعية، حيث نقول بالتعيين في المقام ولو مع عدم القول به في تلك المسألة والمصير فيها إلى البراءة.
ولعلّ مثل هذه الجهة أيضاً هو الموجب لمصيرهم إلى التعيين في المقام مع تشكيكهم في تلك المسألة »(75).


مناقشة التفصيل

وربما يناقش أوّلاً: بنفس المناقشة في مسألة التعيين في الفروع، بأنّه أصل مسبّبي وجريان البراءة بين العقلية والشرعية في السبب رافع تعبّدي لموضوع الاشتغال في المسبّب، إذ كون الشكّ في حجّية فتوى غير الاعلم، مسبّب عن الشكّ في رجحان الاعلم، وأصل عدم الرجحان، ينفي ـ تعبّداً ـ الشكّ في حجّية غير الاعلم.
وثانياً: أنّ المحقّق العراقي (قدس سره) ـ كغيره ـ ذكر أنّ التخيير الاُصولي فيه قولان: فقول بابتدائية التخيير وقول باستمراريته وما ذكره ـ إن تمّ ـ يكون على مبنى الابتدائية لا مطلقاً.
قال في بحث التعادل والترجيح من تقرير أُصوله: « هل التخيير في المسألة بدوي... أو أنّه استمراري... فيه وجهان بل قولان، ومورد البحث إنّما هو في فرض كون التخيير في المسألة الاُصولية، وإلاّ ففي فرض كونه في المسألة الفرعية فلا إشكال في استمراره »(76).
وثالثاً: بناءً على كون التخيير الاُصولي ابتدائياً لا استمرارياً، فلا يكون الاخذ بأحدهما قيداً للحجّية، كيف والحجّية سبب جواز الاخذ، دون العكس ؟
نعم، الاخذ موجب للتعين وعدم جواز أخذ الاخر، فيدور الامر ـ كالتعيين والتخيير في المسألة الفرعية ـ بين تعين الاعلم للاخذ.
والحاصل: أنّه لم يظهر فارق بين التخيير الاُصولي والفرعي عند الدوران بينه وبين التعيين، إلاّ في تعيّن المخيّر بعد الاخذ، وإلاّ فقبله لا فرق.


القول الثاني
عدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً

وأمّا القول الثاني: وهو عدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً، فهو المنقول عن القاضي ابن البراج، وجمع ممّن تأخّر عن الشهيد الثاني، وهو الّذي يميل اليه الاخ الاكبر، وأفتى به جمع من أمثال الشيخ محمّد رضا آل ياسين في حاشية العروة، والشيخ محمّد تقي المعروف بآقا نجفي حفيد الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية في حاشية رسالة المجدّد الشيرازي، والجعفري في حاشية صراط النجاة، والشيخ زين العابدين المازندراني والسيّد إسماعيل الصدر في ذخيرة العباد وحاشيتها، وآخرون تبعاً لاصحاب الجواهر والضوابط والفصول والمستند، وصريح المحقّق القمّي في القوانين وجامع الشتات(77).
وهو ظاهر عبارة الجواهر بل صريحها في موارد عديدة:
منها: في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: « وإن كان التحقيق عندنا جواز تقديم المفضول مع وجود الفاضل من غير فرق بين العلم بالخلاف وعدمه »(78).
ومنها: في كتاب القضاء أسهب في ذلك وبالغ فيه أكثر وأكثر حتى قال في آخر كلامه: « فيجوز حينئذ نصبه ـ أي: المفضول مع وجود الافضل ـ والترافع اليه وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه »(79).
وفي أواخر الضوابط قال: « المقام الاوّل في أنّ تقليد الاعلم واجب أم لا ـ إلى أن قال ـ فاعلم أنّ الحقّ في المقام الاوّل عدم اللزوم ».
وقال الميرزا حبيب الله الرشتي في رسالته في تقليد الاعلم: « وذهب الفصول إلى التخيير (يعني: بين العالم والاعلم) وفاقاً لجماعة من الاُصوليّين والفقهاء ـ فيما حكي عنهم ـ ».
وقال في المستند ـ في كتاب القضاء والشهادات ـ: « وفي المسالك إجماع الصحابة على جواز تقليد المفضول مع وجود الافضل، واختاره المحقّق، وظاهر الاردبيلي الميل اليه » ثم قال: « والحق هو الجواز، وخيار الرعية مطلقاً، للاصل، والاطلاقات، ويؤيّده افتاء الصحابة مع اشتهارهم بالاختلاف في الافضلية وعدم الانكار عليهم... »(80).
وفي مفتاح الكرامة: « ثم أنّا نقول: إنّ ما ورد عنهم (عليهم السلام) إنّما ورد في مطلق، مع علمهم (عليهم السلام) بكثرة الفقهاء وحملة الاخبار، ولو أرادوا ذلك لقالوا: اعمدوا إلى أفقهكم وأعرفكم، ولم يقولوا: إلى رجل منكم قد عرف... »(81).
وقد استدلّ له بأدلّة:


الدليل الاوّل لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
الاطلاقات

أمّا الدليل الاوّل: فهو عمومات واطلاقات الايات والروايات الدالّة على الرجوع إلى « الفقهاء » و « العلماء »، و « كل مسنّ في حبّنا »، و « أهل الذكر »، ونحوها، فاطلاقها وترك الاستفصال فيها دليل التخيير بين أفرادها: العالم والاعلم. ومع الشكّ في إرادة الاطلاق في أمثال ذلك فالاصل الاطلاق كما حقّق في محلّه.


قرينتان متمّمتان للدليل

ويمكن تتميم هذ الدليل بقرينتين:
الاُولى: لا شكّ في أنّ أصحاب الائمّة (عليهم السلام) كانت لهم اختلافات في الفتاوى التي كانوا يفتون بها للشيعة، لانّهم كانوا يفتون عن الاخبار التي ما أكثر الاختلاف فيها ـ للمصالح قطعاً ـ.
الثانية: لا شكّ في أنّ الرواة الذين كان الشيعة يأخذون عنهم معالم الدين، وكان الائمّة (عليهم السلام) يرجعون الشيعة اليهم، كانوا متفاوتين في الفضيلة والعلم، ويؤيّد ذلك إرجاع الامام الصادق (عليه السلام) ابن أبي يعفور ـ وهو ممّن كانت تؤخذ الفتاوى عنه ـ إلى محمّد بن مسلم، ولولا أنّ محمّد بن مسلم أعلم من ابن أبي يعفور لما أرجعه الامام (عليه السلام) اليه.
ونصّ الحديث هذا: صحيحة ابن أبي يعفور، قال: « قلت لابي عبدالله (عليه السلام): إنّه ليس كل ساعة ألقاك، ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه ؟ فقال (عليه السلام): ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي فإنّه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً »(82).
فمن هاتين القرينتين نستنتج أنّ اطلاقات الروايات ـ بل الايات أيضاً ـ محكمة، لورودها مطلقة وبلا أي قيد أو أيّة إشارة في ظرف الاختلاف في الفتاوى، والتفاوت في العلم.
مضافاً إلى أنّ عدم منع الامام (عليه السلام) ابن أبي يعفور عن الافتاء بنفسه فيما عنده، دليل تقريره (عليه السلام) لافتاء غير الاعلم مع وجود الاعلم.


إيرادان على القرينة الاُولى
الايراد الاوّل

وأُورد على القرينة الاُولى بإيرادين:
الاوّل: المنع عن كثرة وقوع الاختلاف في الفتوى بين أصحاب الائمّة (عليهم السلام)ككثرة الخلاف الموجودة حالاً بين الفقهاء، وذلك لتمكّنهم من مراجعة الائمّة (عليهم السلام) وحلّ الاختلاف، دون مثل زماننا الّذي لا نرى الامام ولا نسأله ولا يجيبنا في الفتاوى المختلف فيها.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الاختلافات كانت متوفّرة بين أصحاب الائمّة حسب اختلاف اجتهاداتهم، وقلّتها وكثرتها لا تقيّد الحكم، فبمجرد أنّ الاختلافات اليوم أكثر لا يوجب تغيّر الحكم المبني على أصل الاختلاف، لا على كثرته أو قلّته ـ إنّ مراجعة الائمّة (عليهم السلام) لم تكن ـ دائماً ـ رافعة للاختلاف، كيف والامام (عليه السلام) قال في حديث اختلاف الشيعة في الحجّ: « أنا خالفت بينهم لكي لا يعرفوا »(83)؟
بل إنّ الخلاف الّذي كان عمدته من جهة الاحاديث المحمولة على التقية، كان أكثر من زماننا هذا الّذي عرفنا كثيراً ـ بمرور الزمان، وورود روايات عن بقية الائمّة في مسائل وردت فيها روايات من باب التقية، وتمييز الاحكام الصادرة تقية عن غيرها ـ ما هو الحكم الصادر تقية، وما هو الصادر لبيان حكم الله الواقعي.
مع أنّ غالب الائمّة الاطهار (عليهم السلام) كانوا تحت مراقبة شديدة بحيث لم يتمكّنوا من إظهار الاحكام الواقعية، ولا كان الشيعة يتمكّنون من الاتّصال بهم كثيراً.
ويؤيّد ذلك حديث ذلك الرجل الّذي أراد أن يسأل الامام (عليه السلام) عن مسألة فاحتال ببيع الخيار حتى جاء ودخل بيت الامام باسم بيع الخيار لهم وسأل مسألته. وكانوا (عليهم السلام) بين تبعيد وتقييد، كتبعيد الامامين الباقرين (عليهما السلام)إلى الشام، والامام الصادق (عليه السلام) إلى بغداد، والحيرة، والكوفة، واختفاء الامام الكاظم (عليه السلام) في مكّة المكرّمة أيام المنصور بعد شهادة والده الامام الصادق (عليه السلام) ثمّ سجنه (عليه السلام) أيّام هارون، وتبعيد الامام الرضا (عليه السلام) إلى مرو، ثمّ سجنه (عليه السلام) بسرخس وهو في قيد، وتبعيد الامامين العسكريين (عليهما السلام) إلى سامراء، وسجنهما فيه، وغير ذلك: كحديث « جراب النورة » وغيره.


الايراد الثاني

الثاني: على فرض تسليم وجود الخلافات بين أصحاب الائمّة (عليهم السلام) فلا يصلح ذلك قرينة صارفة لصرف الاطلاقات عن الحجّية التخييرية، لانّ المطلقات لا تشمل حال المعارضة أصلاً. ولذا وقع السؤال عن حكم المعارضة فوردت الاخبار العلاجية لذلك، فلو كانت الاطلاقات الاوّلية كافية، لما احتاجوا إلى السؤال.
وفيه: الاشكال مبنىً وبناءً:
أمّا مبنىً: فلما مرّ ويأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ: من أنّ الاطلاق يشمل صورة المعارضة، ولا يلزم منه أي محذور عقلي أو شرعي.
وأمّا بناءً: فلانّ وقوع السؤال عن شيء لا يدلّ على أنّ العقل والعرف لا يحكم فيه بحيث لو ترك السؤال لبقي الامر مبهماً، والاخصّ لا يدلّ على الاعمّ كما لا يخفى، وقد بنينا تبعاً لجمع من الاعيان في باب التراجيح من الاُصول أنّ الحقّ كون التخيير في الاخبار العلاجية موافقة للاصل.


مناقشة دليل الاطلاق

وقد أُورد على أصل الاستدلال باطلاقات الايات والروايات عدّة إيرادات:


المناقشة الاُولى لدليل الاطلاق

الاوّل: إنكار الاطلاق من رأس، فإنّ الايات والروايات كلّها مسوقة لبيان أصل جواز التقليد، دون التعرّض للعالم والاعلم، بل قيل: إنّها ليست في مقام بيان شروط المجتهد أصلاً، ولزوم كون الاطلاق معتمداً على اشتراط كونه في مقام البيان من تلك الجهة واضح.


الجواب الاوّل عن المناقشة

وفيه أوّلاً: لم يتمّ عندنا وجه لزوم العلم بكون المتكلّم في مقام بيان جهة حتى يتمّ الاطلاق بالنسبة لتلك الجهة كي يشمله لفظ المطلق، ولا عرفنا وجه جعل هذا الشرط من مقدّمات الحكمة التي لولا اجتماعها لما تمّ الاطلاق.
وقد تقدّم في بعض المباحث نقل بعض كلمات القوم في تأييد ذلك، في الاُصول والفقه.
والحاصل: أنّ هناك اطلاق افرادي واطلاق أحوالي، والافرادي هو الشمول لجميع المصاديق، والاحوالي هو الشمول لكل مصداق في شتّى الاحوال، والاوّل متسالم عليه بينهم وإن اختلفوا في الثاني. وما نحن فيه من الاوّل.
قال في هذا المجال المحقّق العراقي (قدس سره) في تقرير بحث أُصوله: « ودعوى سقوط فتوى المفضول عن الحجّية مع وجود الافضل بالمرّة واندراجها فيما دلّ على النهي عن اتّباع غير العلم، يدفعها اطلاق الادلّة المتقدّمة كتاباً وسنّة... فلا ينبغي التشكيك في حجّية فتوى غير الاعلم في نفسها »(84).
بل تراهم يتمسّكون بالاطلاق الاحوالي إلاّ في موارد الانصراف وإليك بعض الكلمات في هذا المضمار.


الاصحاب والاستدلال بالاطلاق الاحوالي

قال الشيخ الانصاري (قدس سره) في اشتراط الحرّية في مرجع التقليد وعدمه: « ويشترط الحرية أيضاً على رأي مشهور بين الاصحاب... ويدلّ عليه... خلافاً للشرائع وشرحه وشرح الكتاب (85) بل حاشيته، للاطلاقات الحاكمة على الاصل، السليمة عن معارضة شيء »(86).
وقال في ردّ اشتراط البصر: « ويشترط البصر أيضاً، على رأي محكي عن الاكثر... واستدلّوا عليه بالاصل... ولكن الاصل مورود بالاطلاقات »(87).
وقال في ردّ اشتراط علمه بالكتابة « ويردّ الاصل بالاطلاقات »(88).
وقال في ردّ بقية ما ادّعى اشتراطه « ربما يقال باشتراط شروط القضاء في الفتوى أيضاً، وهو ضعيف، لعدم الدليل عليه بحيث يقيّد اطلاق أدلّة التقليد من الكتاب والسنّة »(89).
وهذه كلّها استدلال بالاطلاق الاحوالي كما هو واضح.
وفي التنقيح في الاستدلال لجواز تقليد غير البالغ قال: « كما أنّ الاطلاقات تقتضي الجواز لصدق العالم والفقيه وأهل الذكر ونحوها على غير البالغ كصدقها على البالغين »(90).
وفي الاستدلال ـ على فرض اشتراط البلوغ فيه ـ لجواز تقليد من أخذ المقلّد فتواه قبل بلوغ المرجع، ثمّ بلغ ومات، وأراد المقلِّد ـ بالكسر ـ العمل بها بعد موته، قال: « ومقتضى السيرة والاطلاقات حجّية فتاواه... وبما أنّ الاخذ والتعلّم قد تحقّقا حال حياة المجتهد، فلا يكون تقليده من التقليد الابتدائي »(91).
وفي عدم اشتراط العقل ـ بقاءً ـ قال: « بل مقتضى الاطلاقات عدم اشتراطه ـ أي العقل ـ بقاءً »(92).
وقال في الاستدلال لعدم اشتراط الحرية « وأمّا إذا اعتمدنا على الادلّة اللفظية... ومقتضى إطلاقها عدم اعتبار الحرية في المقلَّد »(93).
وكتب الفقه مشحونة بأمثال ذلك.


استدراك

نعم: يجب أن لا يكون محرزاً صدور المطلق لغير هذه الجهة، أمّا لزوم إحراز صدور المطلق لجهة حتى يتمّ الاطلاق فيها، فلا.
والّذي يدلّ على ذلك: إنّ الاطلاق كسائر الظهورات اللفظية منجّز ومعذّر، ويجب أن يتم التنجيز والاعذار ليتمّ الاطلاق، والظاهر تمامهما بعدم احراز كون المتكلم في مقام بيان غير هذه الجهة، بحيث يكون صارفاً للكلام.
ولنعم ما قال الاخ الاكبر (قدس سره) بهذا الصدد حيث قال: « ألا ترى أنّ المولى لو قال لعبده: اسأل العالم، ثم لم يسأل العبد العالم الموجود في البلد معتذراً باحتمال لزوم كون العالم حافظاً للمسألة ـ مع عدم كون ذلك العالم كذلك ـ لم يكن عند العقلاء معذوراً. ولو سأله وعمل به لم يكن عندهم ملوماً، ولم يكن للمولى حقّ الاعتراض بأنّه لم يكن لكلامي اطلاق يشمل هذا » ثمّ أردف ذلك بقوله: « ولو نوقش في الاطلاقات بمثل هذه المناقشة، لم يبق اطلاق سليماً عن نحوها ولزم رفع اليد عن جميع الاطلاقات »(94).
نعم ـ كما قلنا ـ يجب في تمامية مقدّمات الحكمة أن لا يكون محرزاً لدى المخاطب: إنّ المتكلّم في مقام بيان غير هذه الجهة بحيث يصلح ذلك صارفاً للكلام عن المطلق. وذلك قضاءً لتمامية الاعذار والتنجيز.


الجواب الثاني عن المناقشة

وثانياً: وجود التفاوت في العلم بين أصحاب الائمّة (عليهم السلام) قرينة خارجية على كون الاطلاق في مقام البيان، لانّ الائمّة (عليهم السلام) كانوا يرجعون ـ قولاً وتقريراً ـ الشيعة إلى نفس أُولئك الذين كانوا يعلمون تفاوتهم في العلم، وقد تقدّم.


الجواب الثالث عن المناقشة

وثالثاً: قوله (عليه السلام): « فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه »(95) ـ الّذي تقدّم نفي البعد عن اعتباره ـ ظاهر في كون الامام (عليه السلام) بصدد بيان شروط مرجع التقليد، وذكره للشروط الاربعة وعدم ذكر الاعلمية دليل عدم الاشتراط.
وأمّا بقية شرائط مرجع التقليد فنقول فيها: بأنّ مقتضى اطلاق هذه الرواية عدم اشتراط أي شرط آخر ما لم يثبت بدليل متين. نعم، لو ثبت شرط بدليل آخر يقدّم دليله على هذا الاطلاق، وليس تقديمه من جهة عدم الاطلاق، وإنّما هو من تقدّم النصّ أو الاظهر على الظاهر، كما لا يخفى.


المناقشة الثانية لدليل الاطلاق

الثاني: إنّ الاطلاقات ليست بصدد بيان الفتوى والتقليد، وإنّما هي بصدد بيان أخذ الرواية، وكم فرق بين الدراية، وبين الرواية ؟
وفيه: ما مرّ مفصّلاً من الاستدلال بها لجواز التقليد في شرح المسألة الاُولى عند قول الماتن: « أو مقلّداً » وعدم اختصاصها بأخذ الرواية فقط.
وقد قال المحقّق العراقي (قدس سره) في هذا المجال: « ولا مجال للمناقشة في دلالة تلك الاخبار بجعلها من أدلّة حجّية الرواية لا الفتوى، بمحض كون الافتاء في الصدر الاوّل بنقل الرواية بألفاظها أو بمضمونها، إذ نقل الرواية منهم في مقام الافتاء بالواقع للجاهل بالاحكام، إنّما كان بإعمال الرأي والنظر في حكم المسألة والاجتهاد في استفادته من ظاهر الرواية، لا بصرف نقل الرواية عن الامام بما هو، كيف وإنّ صرف نقل الرواية لا يكون افتاءً لحكم المسألة، ولا يصدق على مثله عنوان الفقيه، والعارف بالاحكام... ؟ »(96).


المناقشة الثالثة لدليل الاطلاق

الثالث: إنّ بعض تلك المطلقات ـ كحديث: « أمّا من كان من الفقهاء... » ـ ظاهره السياقي: صحّة التقليد في أُصول الاعتقاد إذا أخذوها عمّن اجتمعت فيه هذه الشرائط، وهو مسلّم البطلان.
وفيه أوّلاً: كفاية الاستدلال بغير هذا الحديث.
وثانياً: التقليد في أُصول الدين إذا أوجب العلم للمقلِّد ـ بالكسر ـ ليس مسلّم البطلان، بل أدلّة وجوب المعرفة لا تدلّ على أكثر من ذلك، وقد ذكره العلماء في الاُصول، ومنهم: المحقّق الانصاري (قدس سره) في أوائل الرسائل، وسيأتي بعض البحث عنه إن شاء الله تعالى.
وثالثاً: الاشكال في فقرة من عموم حديث لدليل خارج، لا يدلّ على الاشكال في فقرة أُخرى سليمة، كيف وقد اشتهر بين الفقهاء: أنّ فقرات الحديث الواحد بمنزلة أحاديث متعدّدة، فكيف بالاطلاق الّذي دلّ دليل على عدم حجّيته في بعض أفراده، وما أكثر ذلك في مطاوي الاحاديث الشريفة ويظهر ذلك للمتتبّع ؟
والحاصل: أنّ الاطلاق منع عن شموله لبعض الافراد للادلّة الخارجية، ولا إشكال فيه.


المناقشة الرابعة لدليل الاطلاق

الرابع: إنّ بعض الروايات هي في مقام القضاء والحكومة، وقياس باب الافتاء بباب القضاء مع الفارق ـ كما مرّ ـ.
وفيه أوّلاً: بتنقيح المناط يتمّ المطلوب في الفتوى، فإنّ مناط الحجّية في باب القضاء، إذا كان يكفي فيها العلم بالمسائل عن كونه أعلم، لكفى ذلك في باب الفتوى، لالغاء الخصوصية أو لوحدة المناط، إن لم نقل بأولويته في باب الفتوى من باب القضاء، لانّ الفتوى مجرد بيان حكم شرعي، والقضاء بيان حكم شرعي وزيادة رفع الخصومة.


نقض وإبرام

وما تفصّى به بعضهم عن ذلك: بأنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن القضاء بنظر العرف ذات خصوصية غير موجودة في الفتوى بحيث يمكن أن تكون الحجّية وضعت لاجل تلك الخصوصية، والخصوصية واضحة، فإنّ رفع التشاجر لا يحصل إلاّ بفصل حاكم ثالث غالباً، ولا يحصل بالاحتياط والتصالح ونحوهما ممّا يمكن في باب الافتاء والتقليد.
يرد عليه: ـ مضافاً إلى إمكان الامر بالاحتياط أو التصالح أو نحوهما عقلاً في باب القضاء أيضاً بحيث يكون فصل الخصومة بها متى حدثت، فليس ذلك نظير الدوران بين المحذورين الّذي لا يمكن الامر بالاحتياط فيه ـ إنّ الخصوصية المانعة عن الاطمينان بالمناط إنّما هي الخصوصية المنافية، لا مطلق الخصوصية.
مثلاً: لو قال المولى لعبده: خذ المريض إلى الطبيب ولم يعيّن الطبيب، وكان المريض مشرفاً على الموت، ثم بعد مدّة كان للمولى مريض آخر بمرض طفيف فهل يحتمل عدم جواز مراجعة العبد في المريض الطفيف لمطلق الطبيب، من أجل أنّ الطبيب المطلق لعلّه كان للمرض الخطير، أمّا المرض الطفيف فيجب فيه مراجعة طبيب أعلم ؟ وما نحن فيه من هذا القبيل فلاحظ.
وثانياً: قد يدعى الاجماع المركّب في المقام: بأنّ القول بالاعلمية في باب التقليد، وعدمها في باب القضاء، إحداث قول ثالث.
وفيه: أنّ ثبوت الاجماع المركّب في المقام يحتاج إلى تأمّل وفحص أكثر، والظاهر عدم ثبوته، مضافاً إلى أنّ القول بعدم الفصل هو الاجماع النافع، دون عدم القول بالفصل ـ كما هو معروف ـ.
وثالثاً: على فرض اختصاص بعض الروايات المطلقة بباب القضاء وعدم جواز إسراء حكمه إلى باب التقليد، يكفي الاعتماد في باب التقليد ببقية الاطلاقات في الايات والروايات الاُخر.


المناقشة الخامسة لدليل الاطلاق

الخامس: إنّ في المقبولة: « فإذا حكم بحكمنا » ومن يحرز أنّ الفقيه حكم بحكم الائمّة الطاهرين (عليهم السلام)، ولعلّه اشتبه.
وفيه: ـ مضافاً إلى عموم الايراد للاعلم أيضاً، وإن كان قد يجاب: بأنّه مسلّم الحجّية ـ ما لا يخفى، فإنّ المراد من « حكم بحكمنا » ـ بالتبادر ومناسبة الحكم والموضوع ـ هو: الحكم اعتماداً على روايات الائمّة الطاهرين (عليهم السلام)بقرينة مقابلة ذلك بمراجعة حكّام الجور الذين كانوا يحكمون بحكم الطاغوت.
وإلاّ، بأنّ أحرز في مقام أنّ الحكم حكم الائمّة الطاهرين فلا يحتاج ذلك إلى جعل الحجّية، مع أنّه لا سبيل غالباً إلى معرفة أنّ الحكم حكمهم، بمعنى: مطابقته قطعاً لفتوى الائمّة (عليهم السلام).


المناقشة السادسة لدليل الاطلاق

السادس: إنّ الاطلاقات غير شاملة لصورة التعارض بين الفتويين، لانّ الاصل في التعارض التساقط.
وفيه: كون الاصل في التعارض مطلقاً التساقط ـ كما سيأتي البحث عنه مفصّلاً إن شاء الله تعالى ـ ليس مجمعاً عليه، بل الاقوال فيه أربعة.
نعم، التساقط هو المعروف من عصر الشيخ الانصاري فما بعده إلى اليوم، وأمّا قبل ذلك العصر فكان التخيير في المقام ـ بالخصوص ـ مشهوراً كما نسبها الشيخ (قدس سره) إلى عصره، وبذلك صرّح في الجواهر في كتاب القضاء حيث قال بالتخيير بين الاعلم والعالم في القضاء والفتوى وإن علم الخلاف بينهما، قال في عبارته المتقدّمة: « فيجوز حينئذ نصبه ـ أي: المفضول مع وجود الافضل ـ والترافع إليه وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه »(97) وقال أيضاً: « بل لعلّ أصل تأهّل المفضول... من القطعيات التي لا ينبغي الوسوسة فيها »(98).
وما يقال: من لزوم الاحتياط في المقام كسائر موارد العلم الاجمالي.
ففيه: أنّ أدلّة التخيير ـ على تماميتها ـ واردة على الاصل العقلي بالاحتياط.


عمدة الاشكال

والحاصل: إنّ عمدة الاشكال إنكار أصل الاطلاق، وأنّ الادلّة اللفظية ظاهرة في صرف تجويز رجوع الجاهل إلى العالم، دون أن يكون له إطلاق، أو يشكّ في اطلاقه ممّا يكون ـ كما تقدّم ـ مسرحاً لاصالة الاطلاق ـ أصلاً عقلائياً ـ إلاّ على مبنى صاحب الكفاية فيها حيث جعل من مقدّمات الحكمة المبني عليها أصالة الاطلاق إحراز الاطلاق، ولا يكفي الشكّ فيه، ولعلّ الباحث عن فتاوى صاحب الكفاية (قدس سره) لا يجده ملتزماً في الفقه ومقام الفتوى بحصر الاطلاق في إحرازه، بل يجريه حتى مع الشكّ فيه، أي: الشكّ في إرادة المولى الاطلاق ـ لا الشكّ في ظهور اللفظ في الاطلاق ـ.
وإلاّ، فبقية الاشكالات على الاطلاقات غير تامّة، والاطلاق محكّم.
ولا يضرّ مع الاطلاق ـ ولو مع الشكّ في ارادته ـ بناء العقلاء على تقديم الاعلم لردع الاطلاق عنه. اللّهم إلاّ إذا استظهر انصراف الاطلاق إلى ما تبانى عليه العقلاء، فتنقلب القضية من الحقيقية ـ الّتي هي الاصل الظاهر فيها ـ إلى الخارجية الّتي هي على خلاف الاصل، وبحاجة إلى قرينة أقوى من الظهور في الحقيقية.
نظير ما قاله بعض السابقين على الشيخ (قدس سره) من العلماء: من تقييد إطلاق أدلّة الامارات والطرق، بالظنّ بالوفاق، أو عدم الظنّ بالخلاف، فتأمّل.
كما لا يضرّ بطريق أولى أصل التعيين ـ على القول به وفي مورده ـ لانّه أصل، والاطلاق دليل.


الدليل الثاني لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
تقرير المعصوم (عليه السلام)

وأمّا الدليل الثاني: فهو تقرير المعصوم (عليه السلام) وذلك كما عن الفصول: من أنّه لو وجب تقليد الاعلم لما جاز لمعاصري الامام (عليه السلام) تقليد أصحابه، مع بداهة أنّ الشيعة كانت تأخذ من أصحاب الامام (عليه السلام) الاحكام كما كانت تأخذه من الامام نفسه، وبضميمة عدم إنكار أحد من الائمّة (عليهم السلام) ذلك مع كونه بمنظر وبمسمع منهم (عليهم السلام) يتم التقرير المعصومي.
وأُورد عليه أوّلاً: ببطلان قياس المجتهد بالامام (عليه السلام).
وفيه: أنّه قياس أولوي ـ يعني مقطوع به وليس حقيقة من القياس الاصطلاحي ـ وليس باطلاً، إذ لو جاز مع وجود الامام المعصوم (عليه السلام) تقليد غير الامام، لجاز مع وجود الاعلم تقليد غير الاعلم بطريق أولى.
وثانياً: بأنّه أجنبي عمّا نحن فيه، فإنّ الشيعي الّذي كان يسأل الرواة في أحكامه إنّما كان يسألهم عمّا سمعوه من الامام، فكان تقليداً للامام بواسطة نقل الرواة، لا تقليداً للرواة، وهذا نظير أن يقلّد الشخص المجتهد الاعلم الّذي هو في بلد آخر، ثمّ يسأل في بلده مسائل الاعلم من مجتهد يعلم مباني الاعلم ويعرف مسائله، وكان في بلده شخص عالم فقيه، فليس مراجعة السائل لذلك الّذي قرأ رسالة الاعلم تقليداً له في مقابل العالم في البلد، وإنّما هو تقليد للاعلم بواسطة ذاك العالم.
وفيه: أنّه كما تقدّم في أوائل الكتاب بعض القرائن الدالّة على أنّ أصحاب المعصومين (عليهم السلام) كما كانوا ينقلون الحديث للسائلين، كذلك كانوا يفتون لهم، وبذلك لا يكون الامر أجنبياً عمّا نحن فيه، وفرق بين بعض الاصحاب، وبين نقلة المسائل الشرعية اليوم.


الدليل الثالث لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
سيرة المتشرّعة

وأمّا الدليل الثالث: فهو استقرار سيرة المتديّنين على مراجعة العالم الجامع للشرائط في الاحكام الشرعية من زمان المعصومين (عليهم السلام) إلى زماننا هذا من دون التحقيق عن العالم والاعلم، بحيث أصبح مسألة تقليد الاعلم ـ حتى في مثل هذه الازمنة التي كثرت الفتاوى بوجوبه ـ ممّا لا يعرفه إلاّ القليل من المتديّنين، ولو كان تقليد الاعلم واجباً لورد الردع عن هذه السيرة، ولو كان ردع لوصلنا، ففي المقام يدلّ عدم الوجدان على عدم الوجود دلالة عرفية كافية في التنجيز والاعذار عقلاً.
وأُورد عليه أوّلاً صغرىً: بالشكّ في مثل هذه السيرة بحيث تكون دليلاً شرعاً، بل ربما يدّعى السيرة على العكس.
وفيه: أنّ البحث والفحص في أحوال الرواة، وأحوال الشيعة، ومراجعتهم للرواة، ونحو ذلك، ربما يشرف الباحث على الاطمينان بذلك.
وثانياً: بأنّه لم يعلم ثبوت السيرة حتى في صورة العلم بالمخالفة لندرتها.
وفيه: أنّ الخلاف كان كثيراً بين الرواة من أصحاب الائمّة (عليهم السلام) ويؤيّد ذلك كثرة وقوع السؤال عن الروايات المختلفة، والرواة المختلفين: « واحد يأمرنا بالاخذ به والاخر ينهانا عنه »(99).
وثالثاً: بعدم تسليم احراز الافضل والمفضول بينهم.
وفيه: أنّه قد مرّ بيان عدم تماميته.


الدليل الرابع لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
لزوم العسر والحرج

وأمّا الدليل الرابع: فهو لزوم العسر والحرج من وجوب تقليد الاعلم، للعسر في تشخيصه، والعسر في مراجعته لهم وله.


العسر في تشخيص الاعلم

أمّا الاوّل: وهو لزوم العسر في تشخيص الاعلم: فلانّ الاعلم مجهول مفهوماً، عَسِر تعيين مصداقه.
أمّا الجهل بمفهومه فللخلاف فيه، هل هو الاذكى والاكثر فطنة، أم هو الاكثر مراودة للمسائل واستنباطاً لها، أم الاكثر اطّلاعاً بالاشباه والنظائر، أم غير ذلك ؟
وأمّا عسر تعيين مصداقه: فلانّ الاعلم لا يشخّصه إلاّ الفقيه المزاول لجميع العلماء، أو الناظر في كتب جميعهم، وكيف يتسنّى مثل ذلك للناس ؟


مناقشة عسر التشخيص

وفيه: أنّ الاعلم مفهومه العرفي غير مجهول، والخلاف في ذلك نظير الخلاف في كثير من المسائل غير غريب، والجهل في بعض الموارد لا يضرّ، لوجود مثله في كل المفاهيم، وإن كان قد يقال: بأنّ الاحالة إلى العرف وإن كان احالة إلى المجهول نسبياً لكنّه ليس بالمجهول الّذي يسقط التكليف.
وأمّا العسر في تعيين مصداقه فحقّ لا مناص من الاعتراف به ـ غالباً ـ ويؤيّد ذلك: أنّ كل جماعة من الافاضل تعيّن مرجعاً وتقول: إنّه أعلم، مع العلم أنّ الكلام موجود فيه، فتتعارض الشهادات.
وما يقال أيضاً: من أنّ العلم بالاعلم في الفقه، كالعلم بالاعلم في الطب والهندسة وسائر العلوم، يحصل بالشياع، والاختبار، ونحوهما، ويزيد في المقام بالثبوت بالبيّنة غير المعارضة، أو البينة الاقوى ـ على قول ـ.
ففيه: ـ مضافاً إلى ما هو المعروف في هذه العصور: من عدم حجّية الشياع إلاّ إذا أفاد الاطمينان الشخصي، فهو قليل الوجود، فتأمّل ـ إن كان المراد بالاعلم هو الاعلم على الاطلاق ـ كما هو مفروض البحث ـ فتعيينه حتى في الاطباء وسائر العلوم أمر لا يكاد يحصل إلاّ نادراً جدّاً، لعدم الاطّلاع الكافي لاحد على أطباء العالم كلّهم، بل وحتى على أطباء قطر واحد من الاقطار حتى يعرف الاعلم على الاطلاق من بينهم.
وإن كان المراد بالاعلم، هو الاعلم النسبي، أي: الاعلم في علماء البلد الفلاني ـ مثلاً ـ فهو وإن كان ميسوراً إلاّ أنّه غير محل الكلام، بل ربما يقال: إنّه أيضاً في غاية الصعوبة، ولذا نرى الاختلاف بين الافاضل في تعيين الاعلم في بلد واحد.
وما يقال ثالثاً: من أنّ محل الكلام تمييز الاعلم عن غير الاعلم في صورة العلم بالاختلاف في الفتوى، ولا عسر في تعيينه في هذه الدائرة.
ففيه: إن كان المقصود من العلم بالاختلاف: العلم التفصيلي، فقط تمّ، ولكن لا يلتزمه كل القائلين بوجوب تقليد الاعلم كما تقدّم.
وإن كان الاعمّ من الاجمالي أيضاً، فهو موجود غالباً.


العسر في مراجعة الاعلم

وأمّا الثاني: وهو لزوم العسر في مراجعة الاعلم، أمّا للمقلّدين: فلعسر إلزام جميع الناس على مراجعة إنسان واحد، وأمّا للمرجع نفسه: فلعسر إجابته على مسائل جميع الناس.


مناقشة عسر المراجعة

وفيه: عدم تماميته خصوصاً في مثل هذه الازمنة، التي يمكن للمرجع طبع الملايين من فتاواه ورسائله العملية خلال مدّة قصيرة، ويمكن للناس مراجعة تلك الرسائل.
اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ المسائل الموجودة في الرسائل العملية ليست إلاّ أقل من عُشر المسائل المبتلى بها الناس، ولذا نرى إنّ الرسائل تنهال على المراجع سائلة عن مختلف المسائل، والمرجع غالباً لا يتمكّن من الاجابة عليها.


الدليل الخامس لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
بناء العقلاء

وأمّا الدليل الخامس: فهو بناء العقلاء على الرجوع إلى الفاضل والمفضول في كل العلوم والمهن، كالطب، والهندسة، والصياغة، والبناء، والنجارة، ونحوها.
ولولا ذلك لانسدّ باب المفضول مع إنّا نرى بالوجدان: المهندسين والاطباء والصاغة كلّهم يزاولون أعمالهم بما فيهم ـ قطعاً ـ من الافضل والمفضول.
وما قيل: من أنّ ذلك ليس لتجويز العقلاء الرجوع إلى المفضول مع وجود الافضل مطلقاً، وإنّما لموانع عن الرجوع إلى الافضل: من عسر التحقيق عنه، أو لزومه الحرج، أو تحمّل الضرر، أو فوات الغرض بالبحث عن الافضل، فالمريض الخطر لو أُبقي حتى يطمئن الانسان إلى أعلم الاطباء ربما مات أو أُصيب بشرّ من مرضه، أو عدم إمكان الوصلة إلى الاعلم بأن كان في بلد ناء، أو يحتاج إلى صرف مال كثير غير مقدور عليه، أو نحو هذا.
وما قيل كذلك: من أنّ الرجوع إلى المفضول إنّما هو مع اعتقاد الشخص أفضليته، أو في صورة عدم العلم باختلافه في النظر مع الافضل.


مناقشة الدليل الخامس

ففيهما جميعاً: أنّ العرف والعقلاء استقرّ بناؤهم على الرجوع إلى المفضول مع فقد كل هذه الفروض، بل لمجرد تراجيح غير إلزامية لا يسقط بها واجب عن وجوبه، ولا حرام عن حرمته، ولا حجّة عن حجّيته، ولا تصلح لاثبات الحجّية لما ليس حجّة، ونحو ذلك، كالصداقة، وأقربية المكان. وأقلّية صرف المال، وأحسنية الخُلُق، وقلّة الخجل منه ونحوها، والعرف ببابك.
ولنضرب لذلك مثلاً لبيان عمل العرف والعقلاء: وهو أنّ الاطباء اليوم في كل بلد كثيرون، ففي كل صقع وقطر ـ اليوم ـ توجد عشرات من الاطباء.
ولا شكّ أنّ بينهم اختلافاً في الانظار، ويعلم الناس غالباً بهذا الاختلاف لانّهم كثيراً مّا إذا رجعوا لمعالجة مرض واحد إلى طبيبين أعطى كل واحد منهما غير دواء الاخر.
ولا شكّ أنّهم مختلفون في الفضيلة، فليسوا متساوين في العلم، فمنهم من درس خمس سنين في الطب، ومنهم من درس أكثر، ومنهم من له تجارب ثلاثين سنة، ومنهم الاقلّ، ومنهم الاكثر، ومنهم الذكي، ومنهم الاذكى، وهكذا دواليك.
ولا شكّ كذلك من إمكان الوصلة إلى جميعهم ـ لفرض وجودهم في بلد واحد ـ بلا حرج، أو ضرر، وليس التحقيق عنه عسراً لوجودهم في مكان واحد.
ومع كل ذلك لا تكاد تجد خمسة أشخاص يعرفون الاعلم بين هؤلاء الاطباء، فلو سألت الناس عن الاعلم لجهلوا غالباً. مع حرصهم الشديد على صحّتهم وعلى علاج أمراضهم ومرضاهم. وحتى لو علموا بالافضل قالوا: من الاحسن مراجعته لا الواجب، ولذا يراجعون غيره لمجرد اعذار مسامحية مع التمكّن من الرجوع اليه.
إذن: فالظاهر أنّ العرف والعقلاء ليس بناؤهم على لزوم مراجعة الاعلم مطلقاً في حوائجهم وفي أهمّها بالذات عندهم، وهي صحّتهم الجسدية.
نعم، الّذي لا ينكر هو: حسن الرجوع إلى الافضل، عند العرف والعقلاء، لا لزومه في غير موردي: تعارض الاعلم والادقّ، وتعارضه مع الاوثق، وسيأتي الحديث عنهما إن شاء الله تعالى.


الدليل السادس لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
الاجماع العملي

وأمّا الدليل السادس: فهو الاجماع العملي على جواز الرجوع إلى المفضول، ولم يستبعده الجواهر في كتاب القضاء بكلمة: لعلّ، فتأمّل.
والظاهر أنّه غير السيرة.


الدليل السابع لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
الارجاع إلى الاصحاب

وأمّا الدليل السابع: فهو إرجاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمّة (عليهم السلام) الناس إلى أصحابهم مع وجودهم وتمكّن بعض الشيعة من الرجوع اليهم وعدم تفصيلهم (عليهم السلام) لمن يتمكّن من الرجوع اليهم (عليهم السلام) ولمن لا يتمكّن من ذلك.
قال في الجواهر في كتاب القضاء: « فإنّ الائمّة (عليهم السلام) مع وجودهم كانوا يأمرون الناس بالرجوع إلى أصحابهم من زرارة ومحمّد بن مسلم وأبي بصير وغيرهم، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يولّي القضاء بعض أصحابه مع حضور أمير المؤمنين (عليه السلام) الّذي هو أقضاهم »(100).
أقول: لعلّ مرجعه إلى بعض ما مضى من الادلّة المذكورة.


الدليل الثامن لعدم وجوب تقليد الاعلم مطلقاً
الشهرة

وأمّا الدليل الثامن: فهو ما ادّعاه الشيخ محمّد تقي المدعو بآقا نجفي في حاشيته على مجمع المسائل ـ الّذي هو فتاوى المجدّد الشيرازي (قدس سره) ـ: من الشهرة القدمائية على عدم الوجوب، قال ما نصّ ترجمته: « بل المشهور بين القدماء القول بعدم وجوب تقليد خصوص الاعلم » بضميمة حجّية الشهرة مطلقاً، أو القدمائية بالخصوص، فتأمّل.


القول الثالث
التفصيل بين العلم بمخالفة فتوييهما وعدمه

وأمّا القول الثالث: وهو التفصيل بين العلم بمخالفة فتوى الاعلم لفتوى العالم، وبين غيره، بوجوب تقليد الاعلم في الاوّل دون الثاني.
ذهب إلى هذا القول جمع ممّن تأخّر عن الشيخ (قدس سره) من أمثال الشيخ كاظم الشيرازي والشيخ عبدالكريم الحائري في حواشيهما على العروة، ومنتخب الرسائل للسيد الطباطبائي اليزدي (قدس سرهم)، وتبعهما جمهرة ممّن تأخّر عنهما، وفي الحقيقة هذا قول بجواز تقليد المفضول في عرض الافضل، إلاّ أنّ هناك بعض الموارد لا يمكن شمول أدلّة الحجّية لشيء من الفتويين لا فتوى المفضول ولا فتوى الافضل للتناقض، ولا يختصّ بالمقام بل يعمّ المتساويين أيضاً.
وأضاف جمع ـ منهم: الشيخ كاظم الشيرازي(101) ومنهم آخرون ـ قيد: « في المسائل المبتلى بها » اليه.
وإضافة هذا القيد إلى التفصيل المذكور، قيد توضيحي على الظاهر، بمعنى: أنّ من لم يضف هذا القيد أيضاً يقصد هذا المورد، إذ لا معنى للقول بوجوب تقليد الاعلم مع مخالفته لغير الاعلم في المسائل التي ليست محل ابتلاء المقلّد إلاّ على القول بوجوب تقليد الاعلم تعبّداً مطلقاً، وهو نادر ـ كما تقدّم ـ ومحجوج بما تقدّم أيضاً.


هنا صور أربع

والصور هنا أربع:
1 ـ العلم بالموافقة بين الاعلم وغيره في المسائل الّتي هي محل ابتلاء المقلّد.
2 ـ والشكّ في الموافقة والمخالفة فيها.
3 ـ والعلم التفصيلي بالمخالفة فيها.
4 ـ والعلم الاجمالي بالمخالفة فيها.


الصورة الاُولى: العلم بموافقة الاعلم لغيره

الاُولى: إذا علم المكلّف اتّفاق الاعلم وغيره في المسائل المبتلى بها له.
وينبغي عدم الاشكال في جواز تقليد المفضول في هذه الصورة، والتعبير بالتقليد لخصوص أحدهما مسامحة بناءً على كون التقليد هو العمل، لانّه حقيقة تقليد لكليهما، ولا يصحّ ـ حقيقة ـ أن يقال: إنّه مقلّد في هذه المسألة للاعلم دون المفضول، أو العكس.
وأمّا بناءً على كون التقليد هو الالتزام، فيمكن التفريق بالتزامه بالاستناد إلى هذا دون ذاك، وأمّا إذا التزم بالاستناد إلى كليهما، لم يكن تقليداً لخصوص أحدهما.
وقد تقدّم التزام بعض المفسّرين للتقليد بالعمل: بكونه التزاماً في أمثال ذلك، وتقدّم هناك مناقشته.
والوجه في نفي الاشكال عن تقليد المفضول في هذه الصورة أنّ العمل بقول كل واحد من الافضل والمفضول، عمل بقول الاخر، والعمل بهذا القول ـ من دون تقييد بهذا أو ذاك ـ عمل بقول كليهما.
قال المحقّق النائيني في حاشية العروة: « بل الظاهر أنّه بعينه تقليد الافضل، ولا يخرج بقصد الغير عن كونه تقليداً له »(102).
وقال المحقّق العراقي في أُصوله: « لا إشكال ظاهراً في التخيير بينهما، لعدم الدليل على تعيّن الرجوع إلى الاعلم، بل لا ثمرة للنزاع في هذا الفرض، لانّ العمل بفتوى أحدهما عمل بالاخر أيضاً، ولا تختصّ الحجّية، حينئذ بواحد معيّن، لكونهما من قبيل تعدّد الرواية في حكم المسألة »(103).


إيرادات وأجوبة

وأشكل عليه بأنّ « مجرد عدم الدليل على تعيّن فتوى الاعلم لا يتولّد عن ذلك القول بحجّية فتوى غير الاعلم، ومنه يظهر أنّ البيان بهذا المقدار لا يكفي للاستدلال على المطلوب »(104).
وفيه: أنّ المفروض جامعية المفضول لشرائط جواز تقليده باستثناء وجود الاعلم في عرضه، واحتمال تعيّن الاعلم في هذا الظرف، فإذا ارتفع هذا الاحتمال، كان تقليد المفضول بأدلّة حجّية فتواه، لا لمجرد عدم وجوب تقليد الاعلم.
وربما يشكل أيضاً تقليد المفضول في صورة موافقة الفتويين ببيان آخر، وهو: أنّ مقتضى أدلّة صحّة تقليد الاعلم ووجوبه وجوب الاستناد اليه في مقام العمل، فيبقى الاستناد إلى المفضول بلا دليل على المعذّرية لدى الخطأ، نظير تقليد غير المؤمن، وتقليد الفاسق ونحوهما.
وفيه: حتى إذا علم وجداناً تعيّن تقليد الاعلم ووجوب الاستناد إلى فتواه، وقلّد الشخص المفضول واستند اليه ـ على نحو التقييد ـ كان هذا استناداً في نفس الوقت إلى فتوى الاعلم لوحدة الفتويين، بل التعبير بالتقييد في غير محلّه، كما أنّ التعبير بالفتويين مسامحة، إذ ليستا فتويين، بل فتوى واحدة صادرة عن شخصين، فالاستناد إلى هذه الفتوى استناد إلى تلك، كما ذكره المحقّقان: النائيني في حاشية العروة(105)، والعراقي في أُصوله كما تقدّم.


تنظير مع الفارق

وأمّا التنظير بالاستناد إلى فتوى فاقد الشرائط فهو مع الفارق، إذ الفاقد لا مقتضى له، وهذا الكلام في المانع.
وبعبارة أُخرى: الاستناد إلى فتوى غير المؤمن أو الفاسق يكون كالاستناد إلى غير المجتهد، لا اقتضاء للحجّية فيه، وأمّا الاستناد إلى فتوى المفضول لا إشكال فيه إلاّ معارضة الافضل، فإذا لم تكن مخالفة بين الفتويين، فلا معارضة.
وربما يفصّل في غير الجامع للشرائط، بين مثل فاقد الايمان أو العدالة ممّا أُحرز ـ ولو بالقرائن ـ عدم رضى الشارع حتى مجرد الاستناد اليه في صورة الموافقة، وبين مثل فاقد الحرية وطهارة المولد ممّا لم يحرز فيه ذلك، فتأمّل.
وقد تقدّم بعض الحديث عن جواز تقليد المفضول عند الموافقة مع الافضل، في ثنايا مباحث أدلّة القول الاوّل بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً.


الصورة الثانية: الشكّ في مخالفة الاعلم لغيره

الثانية: الشكّ في توافق الفتويين أو تخالفهما في ما هو محل ابتلاء كل مقلّد مقلّد، ويختلف مقلّد عن آخر في ذلك، بل ربما يختلف أحوال مقلّد واحد، أو أزمانه كما لا يخفى.


أقوال المسألة

والاقوال في هذه الصورة فيما يحضرني أربعة:
أحدها: جواز تقليد المفضول حينئذ مطلقاً. وهو لكاشف الغطاء (قدس سره) في كشفه(106) قال: « ومع التفاوت (أي: في الفضيلة) وعدم العلم بالاختلاف يتخيّر بين الفاضل والمفضول ».
وللشيخ الانصاري في رسالة « مجمع الرسائل » قال ما ترجمته: « تقليد غير الاعلم في صورة العلم بموافقته مع الاعلم، جائز، وفي صورة عدم العلم بالمخالفة أيضاً جائز » والمعلّقين الساكتين: كالشيرازيين، والاخوند، وتلميذه النائيني والعراقي والحائري وتبعهم الشيخ كاظم الشيرازي في حاشية « منتخب الرسائل ».
ثانيها: الاشكال فيه مطلقاً، وهو قول المعظم ومنهم: صاحب العروة في حاشيته على مجمع الرسائل(107) قال تعليقاً على تجويز المتن: « هو مشكل ».
ثالثها: وهو التفصيل بين العلم الاجمالي بتخالفهما في كثير من المسائل فلا يجوز تقليد المفضول إلاّ بعد العلم بالموافقة، وبين غير ذلك فيجوز تقليد المفضول مع الشكّ في الموافقة والمخالفة.
قال في مجمع الرسائل(108) ـ ما ترجمته ـ: « إذا كان علم إجمالي بتخالفهما في كثير من المسائل، ففي هذه الصورة، جواز تقليد غير الاعلم مشروط بالفحص حتى يحصل العلم بتوافقهما ».
ومن القائلين بهذا التفصيل: المحقّقون الشيخ الانصاري، والشيرازيان، والنائيني والعراقي والحائري (قدس سرهم).
رابعها: نفس هذا التفصيل، حتى يخرج عن العلم الاجمالي ـ بدل حتى يحصل العلم بالموافقة ـ وذلك كما إذا انحلّ العلم الاجمالي، وقد علّق بهذا التفصيل المحقّق الاخوند في حاشية المجمع.


أوّل أقوال الصورة الثانية
جواز تقليد المفضول مطلقاً

أمّا وجه القول الاوّل: وهو القول بالجواز مطلقاً، فإنّه إذا كان وجوب تقليد الاعلم لبناء العقلاء، فالدليل لبّي، والمتيقّن منه صورة احراز تخالفهما، فتبقى صورة عدم إحراز التخالف على اطلاقات أدلّة رجوع الجاهل إلى العالم مثل: « أهل الذكر » ونحوه على القول المشهور بتمامية الاطلاقات، أو على قول آخر بعدم وجود اطلاق أحوالي للادلّة اللفظية في باب التقليد، تبقى صورة الشكّ في المخالفة على أصالة عدم اشتراط الاعلمية في هذه الصورة، بناءً على كون أصالة عدم حجّية قول المفضول مسبّبة عن الشكّ في اشتراط الاعلمية وعدمه، فإذا جرى أصل عدم الاشتراط، لم يبق موضوع لاصالة عدم حجّية قول المفضول.
وإن كان وجوب تقليد الاعلم للاجماع فكذلك، لانّه أيضاً دليل لبّي.
وإن كان وجوب تقليد الاعلم لاصل التعيين، فمع سببية أصالة عدم اشتراط الاعلمية ينفسح المجال للتخيير، وإلاّ فلا يجوز تقليد المفضول في صورة الشكّ في مخالفته مع الافضل، فتأمّل.
هذا إذا لم نقل بالتناقض في تعارض الفتويين ـ ثبوتاً ـ وإلاّ كان المقتضى الاشكال بل المنع عن تقليد المفضول عند الشكّ في مخالفته مع الافضل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.


ثاني أقوال الصورة الثانية
عدم جواز تقليد المفضول مطلقاً

وأمّا وجه القول الثاني: وهو الاشكال مطلقاً، فهو أنّ احتمال المحال محال، والاستحالة في جعل الحجّية للمتعارضين ترجع إلى مقام الثبوت ولا ربط لها بالعلم والجهل، فإذا كان واقع التخالف بين المجتهدين ـ المفضول والافضل ـ غير قابل لجعل الحجّية أصلاً، فالشكّ في التخالف احتمال لغير القابل، واحتمال غير القابل غير قابل.
والغريب من المحقّقين: العراقي والحائري وجمع آخر (قدس سرهم) أنّهم لم يعلّقوا على التجويز المطلق لمجمع الرسائل لتقليد المفضول حتى عند الشكّ في مخالفته في الفتوى مع الافضل، وظاهرهم تجويز تقليد المفضول مع المخالفة الواقعية غير المعلومة، في حين أنّهم أيضاً لم يعلّقوا على الاحتياط المطلق للعروة(109) في المنع عن تقليد المفضول حتى مع العلم بتوافق الفتويين.
وأغرب من هؤلاء نفس صاحب العروة (قدس سره) حيث أنّه تارة منع عن تقليد المفضول مطلقاً حتى مع العلم بتوافق الفتويين ـ كما في العروة(110)ـ.
وأُخرى أطلق الجواز حتى عند الشكّ في تخالف الفتويين كما في حاشية مجمع الرسائل لصاحب الجواهر (قدس سره)، بعدم التعليق على التجويز المطلق عند الشكّ، للمتن.
وثالثة: فصّل ـ مع إحراز توافق الفتويين ـ بين تقليد المفضول مع التقييد فلا، وبين غيره فنعم، كما في حاشية مجمع الرسائل للمجدّد الشيرازي (قدس سره) قال ما ترجمته: « إذا كان على وجه التقييد، فمشكل ».


مناقشة القول الثاني من وجوه

ثمّ إنّ عمدة الاشكال في تقليد المفضول عند الشكّ في تخالف الفتويين من وجوه:
1 ـ أنّه من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
2 ـ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية من أفراد الشبهة الموضوعية، ويجب هنا الفحص.
3 ـ بناء العقلاء على الرجوع إلى الاعلم عند إحراز الخلاف.


الوجه الاوّل: أنّه تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية

الاوّل: أنّه مع الاشكال في حال التخالف، والتجويز مع التوافق، يكون إلحاق الشكّ بالتوافق تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.
ولا إشكال أنّ مع الشكّ في مصداق أنّه من أفراد العام أو الخاصّ، لا يصحّ جعله من أفراد العام، كما لا يصحّ جعله من أفراد الخاصّ. فلا يصحّ ترتيب خصوص أحكام شيء من العام ولا الخاص، لعدم الاحراز.
فإذا جازت الصلاة خلف العالم غير الفاسق، وجازت غيبة الفاسق، فعند الشكّ في شخص أنّه فاسق أم لا، لا تجوز الصلاة خلفه، كما لا تجوز غيبته.


جواب المستمسك

وأجاب عنه السيّد الحكيم (قدس سره)(111) تبعاً لما حقّقه الشيخ الانصاري (قدس سره) وتبعه جمع ممّن تأخّر عنه: من التفصيل في التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، بين منعه إذا كان المخصّص لفظياً، وتجويزه إذا كان المخصّص لبّياً.
وفيما نحن فيه المخصّص لبّي، إذ عمومات « أهل الذكر » ونحوه تشمل المفضول، وإنّما خصّصت ببناء العقلاء على عدم جواز تقليد المفضول عند مخالفته مع الافضل، فإذا شك في المخالفة، كان شكّاً في مصداقيته للمخصّص اللبّي، ومعه يصحّ التمسّك بالعمومات.
وحاصل هذا البيان: هو أنّه إذا كان المخصّص لفظياً وله عنوان، يكون الحاق المشكوك بالعام بلا دليل، أمّا مع عدم تعنون الخاص ـ لكونه لبّياً ـ فالخاص بحاجة إلى إحراز، ومع عدم الاحراز يكون المحكّم ـ عقلائياً ـ العموم.


مبنى المحقّق النائيني في الاُصول

وللمحقّق النائيني (قدس سره) في الاُصول مبنى يقضي بالتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية حتى في بعض موارد المخصّص اللفظي، وذلك فيما إذا كان العام حكماً عزيمياً، والخاص ترخيصياً، بالتزام الحاق مورد الشكّ في مصداقية الفرد للعام أو الخاص، إلحاقه بالعام، لاستظهاره أنّ في مثله يكون الخاص الترخيصي له ظهور عقلائي نوعي في الاحراز، فيكون مورد الشكّ ملحقاً بالعام.
وقد التزم المحقّق النائيني (قدس سره) بهذا المبنى ـ على خلاف المشهور ـ في مسألة مشكوك الكرّية، حيث ذهب المشهور إلى عدم إنفعاله بملاقاة النجاسة، وذهب المحقّق النائيني (قدس سره) ـ وتبعه عدد من تلاميذه ـ إلى إنفعاله(112).
إلاّ أنّه (قدس سره) لم يلتزم بهذا المبنى في معظم مصاديقه في الفقه، كما يظهر ذلك للمتتبّع فتاواه في حواشيه على الرسائل العملية: كمجمع الرسائل، ونجاة العباد، والعروة الوثقى، وغيرها.
فعلى هذا المبنى ينبغي لمثل المحقّق النائيني (قدس سره) أن لا يجوّز تقليد المفضول عند الشكّ في التخالف، فتأمّل.
وببيان آخر: إذا قلنا بعدم عموم يشمل حجّية المفضول، لانّ الاطلاقات ليست في مقام بيان، إلاّ مجرّد صحّة رجوع الجاهل إلى العالم، فلا عموم ولا اطلاق، فتبقى عمومات عدم حجّية غير الاعلم شاملة للمفضول، خرج عنها ما كان التوافق بينه وبين الافضل، فيبقى صورة الشكّ تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية.
ويأتي إشكال المحقّق النائيني حتّى في المخصّص اللفظي، لانّه ترخيصي.


أصل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية

أمّا أصل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، فربما يقال بعدم صحّته حتّى في المخصّص اللبّي مع مقدّمتين:
1 ـ عدم الاهمال في مقام الثبوت، أي: أنّ المشكوك الموافقة: إمّا جائز التقليد، أو حرام التقليد، ولا ثالث ثبوتاً.
2 ـ بعد التخصيص والتقييد حتّى اللبّي، يستحيل بقاء العموم أو الاطلاق.
فالعام تقيّد بعنوان غير الخاصّ، ويشكّ كون المصداق مصداقاً للعام المتعنون بعنوان: غير عنوان الخاص.
وقد يصحّ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية فيما نحن فيه، باستصحاب العدم الازلي، حيث أنّ المخالفة أمر حادث ـ ولو لعدم موضوع لها ـ فيستصحب عدم المخالفة، بناءً على اطلاقات حجّية قول المفضول، خرج عنها صورة المخالفة.
بل العدم النعتي أيضاً وهو: عدم تخالفهما ولو قبل الاجتهاد(113).
وفيه أوّلاً: استصحاب العدم الازلي، وهكذا النعتي في مثل ذلك. منصرف عنهما الادلّة اللفظية.
وثانياً: ألا يجب الفحص عن المعارض كالروايات ؟ قال الشيخ: لا يجب الفحص(114) لانّ الاخبار في معرض المعارضة، بخلاف فتاوى الفقهاء.
وأشكله بعضهم: بأنّ الشكّ ليس في أصل وجود معارض، حتّى يقال: بناء العقلاء على العدم. بل لا شكّ في وجود فتوى للاعلم، إلاّ أنّه يشكّ في معارضته، وليس بناء العقلاء على العدم فيه.
وأُجيب عنه: بأنّ اختلاف المجتهدين شبهة موضوعية ولا يجب الفحص فيها، ومثّلوا لذلك بأنّه إذا قامت بيّنة على أنّ الدار لزيد، واحتمل وجود معارض لها فلا يجب الفحص.


الوجه الثاني: أنّها شبهة موضوعية

الثاني: إنّ الشبهة المصداقية هي من أفراد الشبهة الموضوعية، فيأتي فيها من حيث وجوب الفحص وعدمه بحثان:
1 ـ هل الاصل عدم الفحص في الشبهة الموضوعية ؟
2 ـ بناءً عليه، هل ما نحن فيه من قبيل الخمس والزكاة والحجّ ممّا يكثر خلاف الواقع بالنسبة لعامّة الناس، وإن كان لم يحرز مخالفة الواقع بالنسبة لكلّ فرد فرد أم لا ؟


هنا بحثان
البحث الاوّل: هل الاصل في الشبهة الموضوعية الفحص ؟

الاوّل: في أنّ الاصل هنا: الفحص، كالشبهة الحكمية، إلاّ ما خرج، والشيخ الذي نقل الاجماع في الرسائل على عدم الفحص، هو بنفسه استثنى في الرسائل(115) وفي كتاب الطهارة(116) ما يلزم المخالفة كثيراً، كما في الموارد التالية:
1 ـ في الشكّ في الاستطاعة.
2 ـ في الشكّ في المسافة.
3 ـ في الشكّ في الزكاة أصلاً ومقداراً.
4 ـ في الشكّ في الخمس أصلاً ومقداراً.
5 ـ في الشكّ في الخارج منه أنّه مني أم لا.
وأمّا دليل عدم الفحص فهو:
1 ـ لا بيان.
2 ـ اطلاق: « لا يعلمون ».
وأمّا دليل خروج الشبهة الحكمية فهو:
1 ـ الاجماع.
2 ـ عدم الشمول لمن اعتاد تأخير القرائن.
3 ـ بناء العقلاء.
أقول: بناء العقلاء على الفحص.


كلام المحقّق الاشتياني

قال الاشتياني في فوائده: « كما أنّه لا فرق فيما ذكرنا بين:
1 ـ علم المكلّف بوقوعه ووقوع غالب المكلّفين في مخالفة الواقع في الجملة، على تقدير الرجوع إلى الاصل قبل الفحص عن حال الموضوع، كما ادّعي بالنسبة إلى الشكّ في وجوب الحجّ من جهة الشكّ في كون ماله بقدر الاستطاعة من جهة عدم احتسابه، فإنّ الرجوع إلى الاصل يوجب تأخيره عن السنة الاُولى في حقّ غالب المكلّفين.
2 ـ وبين عدم علمه بذلك، فإنّ العلم الاجمالي المذكور الذي أحد طرفيه غيره من المكلّفين، وغير الواقعة المشكوكة من الوقائع المستقبلة لا يجدي شيئاً، وإلاّ كان اعتبار الفحص في الرجوع إلى أصالة الطهارة في الشبهات الموضوعية أيضاً أولى من المقام، كما هو ظاهر »(117).
وقال قبل ذلك: « مع أنّه لو كان (أي: احتمال الالزام) مؤثّراً لوجب الحكم بالاحتياط بعد الفحص وبقاء التردّد أيضاً، فما ذكره غير واحد في الفضّة المغشوشة، وفي باب الغلاّت، محلّ مناقشة ومنع، كما لم يلتزموا به في نظائرهما، مع أنّه لا فارق هناك أصلاً »(118).


تعليق وتعقيب

أقول: فيه أوّلاً: تفريق المعظم من الفقهاء ـ نوّر الله أضرحتهم ـ بين مثل الرجوع إلى أصالة الطهارة، وبين الرجوع إلى أصل العدم في الاستطاعة، والزكاة، والخمس، ونحوها، فارق.
وثانياً: أيّة أولوية للفحص في باب الطهارة مع التسهيل الكثير فيها شرعاً، من مثل الحجّ الذي جعل من أركان الاسلام، وسمّى القرآن الحكيم تاركه كافراً ؟ بل لا تساوي.
وثالثاً: أيّ تلازم بين وجوب الفحص وبين وجوب الاحتياط في الفحص، فهل هذا التلازم عقلي، أو عقلائي، أو شرعي ؟ وما الدليل عليه ؟ فتأمّل.


كلام صاحب العروة

قال صاحب العروة: « إذا شكّ في مقدار ماله وأنّه وصل إلى حدّ الاستطاعة أو لا، هل يجب عليه الفحص أم لا ؟ وجهان: أحوطهما ذلك، وكذا إذا علم مقداره وشكّ في مقدار مصرف الحجّ وأنّه يكفيه، أو لا ؟ »(119) وقد سكت عليه معظم المعلّقين الذين تحضرني تعليقاتهم ـ وهم بالعشرات ـ أو بدّلوا الاحتياط إلى الفتوى بالوجوب.
نعم، للسيّد الخوئي (قدس سره) رأيان في المسألة: ففي بعض تعليقاته علّق بعدم الوجوب، وفي بعضها سكت.
وقال في العروة: « الاقوى عند الشكّ (أي: في المسافة) وجوب الاختبار أو السؤال لتحصيل البيّنة أو الشياع المفيد للعلم، إلاّ إذا كان مستلزماً للحرج »(120).
ولم يعلّق المعظم عليه، وفي مستند العروة قال: « فالانصاف عدم الفرق بين موارد الشبهات الموضوعية، ولا ميّز بين مقام ومقام، ولا يجب الفحص في شيء منها »(121).


البحث الثاني: هل ما نحن فيه ممّا يجب فيه الفحص ؟

الثاني: في أنّ ما نحن فيه ـ تقليد المفضول عند الشكّ في تخالف الفتويين ـ هل هو من قبيل ما يحصل فيه مخالفة الواقع كثيراً أم لا ؟
الظاهر: ذلك، فلماذا أفتى المعظم بالجواز ؟
حتّى قال بعضهم: « إذا قامت بيّنة على ملكية دار لزيد، لم يعتبر في حجّيتها الفحص عمّا يعارضها من البيّنات، ولو مع العلم بوجود عدول يحتمل شهادتهم بأنّ الدار ليست لزيد، ومقامنا هذا (أي: تخالف الاعلم والعالم) من هذا القبيل ».
وهكذا في كتاب الحجّ « وبالجملة: متى صدق عنوان الجاهل، لا يجب عليه الفحص، ويجوز له الرجوع إلى الاصل حتّى في مثل مراجعة الدفتر، والنظر إلى الفجر، لاطلاق أدلّة الاُصول »(122).
هذا تمام الكلام في الوجهين الاوّلين: وجه التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، ووجه كون الشبهة المصداقية شبهة موضوعية، وبقي الكلام حول الوجه الثالث.


الوجه الثالث: بناء العقلاء بالرجوع للاعلم عند إحراز الخلاف

الثالث: أنّ بناء العقلاء على الرجوع إلى الاعلم خاصّ بموارد إحراز الخلاف، وهذه السيرة لم يردع عنها، فيكشف عن رضا الشارع.
وفيه: أنّ بناء العقلاء ليس على عدم معارضة الموجود، بل على عدم وجود المعارض ـ وذلك كما ذكروه في الاُصول والفقه(123)ـ.
حتّى أنّ بعضهم قال: إنّ العقلاء يرجعون إلى الاعلم بلا فحص، وإلى غير الاعلم مع إحراز الموافقة، فعند الشكّ يكون مقتضى الرجوع إلى الاعلم غير تامّ، لا أنّه شكّ في المانع.
أقول: لعلّ الظاهر العقلائي مع الثالث، وهذه مناقشة صغروية، والعرف ببابك.


الخلاف بين الشيخ والاخوند (قدس سرهما)

ثمّ إنّ الخلاف بين الشيخ والاخوند (قدس سرهما) في اشتراط كون المكلّف به: محلّ الابتلاء على نحو الاقتضاء كما يقوله الشيخ(124) أو على نحو العلّية كما يقوله الاخوند فيكون المشكوك الابتلاء مورداً للتكليف على رأي الشيخ، لا على رأي الاخوند.
قال في الكفاية: « ومنه قد انقدح أنّ الملاك في الابتلاء المصحّح لفعلية الزجر وانقداح طلب تركه في نفس المولى فعلاً هو: ما إذا صحّ انقداح الداعي إلى فعله في نفس العبد ـ مع اطّلاعه على ما هو عليه من الحال ـ ولو شكّ في ذلك كان المرجع هو: البراءة، لعدم القطع بالاشتغال »(125).
والحاصل: أنّ مبنى الشخ اطلاق الخطاب، ومبنى الاخوند الشكّ في وجود مصحّح الاطلاق.
أقول: ـ مضافاً إلى أنّه قد يقال: إنّ الابتلاء ظرف التكليف نظير الوقت لا أنّه شرط التكليف ـ إنّه وإن كان يبدو للنظر صحّة كلام الاخوند (قدس سره) في أنّ الشكّ في الابتلاء شكّ في مصحّح التكليف، إلاّ أنّ الابتلاء من مصاديق القدرة التي التزموا جميعاً بأنّ الشكّ فيها مسرح للاشتغال لا البراءة، لبناء العقلاء وغيره.
والمسألة جارية فيما نحن فيه، فإذا علم المكلّف بأنّ المفضول يختلف في الفتوى مع الافضل في موارد، ولكن شكّ في أنّ كلّ تلك الموارد محلّ ابتلائه حتّى لا يجوز ـ على المبنى ـ تقليد المفضول في موارد الشكّ في الاختلاف، أم بعض موارد الخلاف خارج عن الابتلاء حتّى يصحّ تقليد المفضول في موارد الشكّ ؟


اختلاف المسألة على الوجوه الثلاثة

فعلى الوجوه الثلاثة المتقدّمة تختلف المسألة:
فإن كان وجه جواز تقليد المفضول مع الشكّ في الخلاف هو الثالث ـ وهو أنّ بناء العقلاء على وجوب تقليد الافضل ـ ينحصر بمقام الاثبات (أي: موارد إحراز الخلاف) ففي مورد الشكّ في الابتلاء يجوز تقليد المفضول.
وإن كان وجه الجواز صحّة التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصّص لبّياً أو من باب عدم وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، ماذا يكون الحكم ؟


البحث بعبارة أُخرى

وبعبارة أُخرى: 1 ـ قد يقال بجواز تقليد المفضول حتّى مع الاختلاف مع الافضل، كصاحب الجواهر (قدس سره) فلا كلام.
2 ـ وقد يقال بعدم الجواز في صورة إحراز الخلاف لبناء العقلاء على وجوب تقليد الاعلم في مقام الاثبات فقط، فلا كلام أيضاً، لانّ مورد الشكّ في الاختلاف خارج بالتخصّص.
3 ـ وأمّا إذا قيل بعدم جواز تقليد المفضول عند الخلاف بينه وبين الافضل ـ في مقام الثبوت ـ مع عدم القول باختصاص وجوب تقليد الاعلم بصورة إحراز الخلاف.
فهل يصحّ إطلاق القول بجواز تقليد المفضول عند الشكّ في اختلافه مع الافضل، كما صنعه المشهور، ومنهم: الشيخ، والاخوند، المختلفين في أنّ مورد الشكّ في الابتلاء محكوم بالابتلاء ـ على مذهب الشيخ لاطلاق الخطاب ـ أو أن مورد الشكّ في الابتلاء محكوم بعدم الابتلاء ـ على مذهب الاخوند للشكّ في الاشتغال ـ ؟
فإن قلنا بجواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصّص لبّياً، أو قلنا بعدم وجوب الفحص في الشبهة الموضوعية، وحصل الشكّ للمقلّد في أنّ بعض ما يعلمه إجمالاً محلّ خلاف بين المفضول والافضل هل هو محلّ ابتلائه أم لا ؟
فعلى مبنى أنّ المشكوك كونه محلّ ابتلاء: محكوم بالابتلاء لاطلاق الخطاب، هل يصحّ الحكم ـ بنحو مطلق ـ بجواز تقليد المفضول في موارد الشكّ في المخالفة ؟
يبدو الاشكال في ذلك، فتأمّل.


ثالث أقوال الصورة الثانية ورابعها
التفصيل بين العلم الاجمالي بتخالفهما وعدمه، وانحلاله

وهنا محلّ بحث ما ذكره الاخوند (قدس سره) من التفصيل بين صورة العلم الاجمالي بتخالف الافضل والمفضول في كثير من المسائل فيجب الفحص في مورد الشكّ، وبين عدمه ـ وظاهره: الاعمّ من الشكّ ـ فيجوز تقليد المفضول بلا فحص.
فلعلّ الوجه فيه هو: ما ذكره الشيخ (قدس سره) في الرسائل: من التفصيل في الشبهات الموضوعية بين ما يقع المكلّفون مع إجراء الاُصول الترخيصية ـ بدون فحص ـ في مخالفة الواقع كثيراً، وبين غير ذلك، بإيجاب الفحص في الاوّل دون الثاني.
فيأتي الكلام في أنّ القائلين بهذا التفصيل في الشبهات الموضوعية لماذا لم يفصّلوا كالاخوند هنا ؟
كما ربما يلاحظ على كلام الاخوند (رحمه الله) كيفية التوافق: بين إطلاق وجوب الفحص في الشبهات الموضوعة إذا كان تركه يوجب الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً ـ وفاقاً لجمهرة أساتيذه وتلاميذه ـ دون تقييده بالعلم بذلك. وبين تقييده هنا بالعلم الاجمالي باختلافهما (أي: المفضول والافضل) كثيراً، الموجب لدخول اختلافهما كثيراً مع عدم علم المقلّد بذلك، في جواز تقليد المفضول بلا فحص عن مخالفته مع الافضل وعدمها.
وهل اجراء أصل عدم التخالف الكثير يثبت العدم، إلاّ على القول بالاصل المثبت ؟ فتأمّل.
اللهمّ إلاّ إذا كان وجه تقييد الاخوند غير ذلك، فتأمّل.


ابتناء التفصيل على الوجوه الثلاثة

وعلى الوجوه الثلاثة المتقدّمة في عدم وجوب الفحص عن مخالفة الاعلم للمفضول، في جواز تقليد المفضول، يمكن ابتناء تفصيل الاخوند.
أمّا على حصر وجوب تقليد الاعلم بمورد إحراز التخالف، فلا إحراز للتخالف، واستثناء تخالفهما في كثير من المسائل، لاجل أنّه شرط جريان الاُصول الترخيصية.
وأمّا على أنّ الشبهات الموضوعية لا يجب في اجراء الاُصول فيها الفحص قبل ذلك، فالاستثناء لانّه مصداق الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً.
وأمّا على أنّ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصّص لبّياً، فقد فصّل فيه في الكفاية، قال: « وأمّا إذا كان لبّياً: فإن كان ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم إذا كان بصدد البيان في مقام التخاطب، فهو كالمتّصل، حيث لا يكاد ينعقد معه ظهور للعام إلاّ في الخصوص، وإن لم يكن كذلك فالظاهر: بقاء العام في المصداق المشتبه على حجّيته كظهوره فيه (أي: في العموم) »(126).
فربما يقال: إنّه مع كثرة التخالف بينهما لا ظهور للعموم إلاّ في مورد غير المخالفة، ففي مورد الشكّ لا يصحّ التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
وأمّا مع عدم كثرة التخالف، فيمكن التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، لعدم المانع، فتأمّل.


الصورة الثالثة: العلم تفصيلاً بمخالفة الاعلم لغيره

الثالثة: إذا علم المقلّد تخالف المفضول والافضل تفصيلاً، وهو عمدة هذه المسائل، بل قال المحقّق العراقي (قدس سره): « إنّ الخلاف ـ كما يظهر من تصريح بعضهم ـ إنّما هو في فرض كون فتوى الاعلم مخالفة لفتوى غيره »(127).
وفيها صور:
1 ـ فإمّا كلتا الفتويين مخالفتان للاحتياط، كلّ واحدة من جهة، كاختلافهما في اعطاء الحجّ النيابي البلدي أو الميقاتي، أو في أصل وجوب الحجّ عن الميّت وعدمه، فالاوّل منهما: احتياط للميّت، والثاني: احتياط للورثة خصوصاً إذا كانوا صغاراً.
2 ـ وأمّا فتوى المفضول موافقة للاحتياط دون فتوى الافضل: كالتسبيحات يوجبها المفضول ثلاثاً، ويوجبها الافضل واحدة.
3 ـ أو العكس.
4 ـ أو يشكّ لعدم معرفة وجه الاحتياط.
5 ـ أو لا وجه للاحتياط للدوران بين المحذورين، كما إذا أفتى أحدهما بتقديم حقّ الله تعالى في التزاحم، والاخر بتقديم حقّ الناس.
فلقد أفتى جمع بعدم حجّية المفضول عند التخالف على نحو مطلق، بحيث يشمل كلّ الصور، بل صرّح بعضهم بعدم الحجّية في أوضح هذه الصور ـ الشامل بطريق أولى لبقية الصور ـ وهي: ما إذا كانت فتوى المفضول موافقة للاحتياط وقد تقدّم.
والمهمّ هو البحث في ملاحظة دليل اطلاق المنع عن تقليد المفضول عند اختلافهما في الفتوى.


أمر ينبغي بيانه

وقبل ذلك ينبغي بيان: أنّ الاحتياط مقدّم على التقليد والاجتهاد، لانّه طريق علم، والاخران علمي، وحيث أنّ التقليد طريقي فينبغي أن لا يستشكل في الاحتياط، سواء كان بلا تقليد، أم بتقليد من لا يجوز تقليده في صورة وجود الاعلم وإمكان تقليده، بل حتّى في صورة من لا يجوز تقليده مطلقاً، حتّى الفاسق ونحوه.
نعم، لا يصحّ في مقابل المعصوم (عليه السلام)، كأبي حنيفة ـ مثلاً ـ حتّى وإن أصاب الواقع، للعلم بالموضوعية بالنسبة للمعصومين (عليهم السلام).
بل حقيقة ليس تقليد المفتي بالاحتياط تقليداً له، ومجرّد الاستناد ـ مع كونه واقعاً احتياطاً ـ لا يخرجه عن كونه علماً بالواقع غير قابل للجعل ولا للرفع، كما حقّق في الاُصول.


الاستدلال لعدم جواز تقليد المفضول من جهات

ثمّ إنّ عمدة الدليل لعدم جواز تقليد المفضول عند خصوص الخلاف مع الافضل ـ مضافاً إلى ما تقدّم في أدلّة اطلاق القول بوجوب تقليد الاعلم: من بناء العقلاء، والاخبار، وأصل التعيين ونحوها ـ من جهات:


الجهة الاُولى

إحداها: الاشكال في مقام الثبوت بما ذكره المحقّق الاصفهاني: من أنّ للاطلاق ـ بما هو ـ ظهورات ثلاثة، أو ظهور من ثلاثة جوانب:
أحدها: الظهور في الحجّية الفعلية.
ثانيها: الظهور في الحجّية التعيينية.
ثالثها: الظهور في الشمول لحال التعارض.
وجمع هذه الظهورات الثلاثة في الاطلاق غير ممكن ثبوتاً، للتناقض في مقام الثبوت، وجمع اثنين منها لا مانع منه، إلاّ أنّه لا مرجّح لخصوص اثنين منها، وترك ثالث بخصوصه، فيسقط الظهور من أصله.
وفيه: أنّ المرجّح للاخذ باثنين موجود، وهو: الظهور في حال التعارض، كحال عدم التعارض في الاوّل والثالث، ولا مانع منه إلاّ التعبّد بالمتناقضين، المسبّب من الظهور الثاني، وهو: تعيين الحجّية ـ في حال التعارض ـ فيرفع اليد عن التعيين، ويخلفه التخيير، ولا إشكال.
إن قلت: لماذا يلغى التعيين ولا يلغى التعارض ؟
قلت: لانّ الغاء التعارض الغاء للظهورات الثلاثة في الدليلين، والتناقض ليس متقوّماً بثلاثتها.
وبعبارة أُخرى: الظهور التعييني حال التعارض موجب للتناقض، لا أصل الشمول للمتعارضين.


الجهة الثانية

ثانيتها: الاشكال المعروف في مقام الثبوت: من تخميس الاحتمالات، وذلك لانّ الاطلاق هو:
أوّلاً وثانياً: إمّا يشمل أحدهما المعيّن: هذا دون ذاك، أو بالعكس، وهو ترجيح بلا مرجّح، لانّ نسبة الاطلاق إلى كلّ واحد نفس نسبته إلى الاخر.
ثالثاً: وإمّا يشمل كليهما معاً، وهو تناقض.
رابعاً: وإمّا يشمل أحدهما المخيّر ـ لا المردّد ـ وهو صحيح ثبوتاً، والاطلاق كفيل به إثباتاً.
خامساً: وإمّا لا يشمل شيئاً منهما، وهو الممكن.
وفيه: أنّ مقتضى التناقض شمول كليهما على نحو التعيين، دون التخيير، فيكون هناك شمول الدليل لكليهما على سبيل التخيير، فلا تصل النوبة إلى الخامس، إذ تصل النوبة إليه مع عدم إمكان احتمال وجودي، لا مطلقاً.
وما في التنقيح تبعاً للمستمسك وغيره: من أنّ الاخذ بأحدهما لا بعينه لا دليل عليه، يناقش: بأنّ الدليل عليه هو: الظهوران بلا مانع: ظهور الاطلاق في الحجّية الفعلية، وفي الشمول لحال التعارض.


الجهة الثالثة

ثالثتها: إشكال المحقّق العراقي في مقام الاثبات وهو: قصور الاطلاقات عن الاحوالي الشامل لحال التعارض(128).


الصورة الرابعة: العلم إجمالاً بمخالفة الاعلم لغيره

الرابعة: إذا علم المقلّد تخالف المفضول والافضل إجمالاً، وممّن قال به: الشيخ الحائري والشيخ كاظم الشيرازي (قدس سرهما).


تمهيدان

وهنا قبل أن نبدأ في بيان المسألة لا بأس بذكر تمهيدين:

التمهيد الاوّل

الاوّل: لا إشكال في أنّ المراد به: العلم الاجمالي المنجّز، أي بأن يكون كالتالي:
1 ـ في محلّ الابتلاء، واحتمال الابتلاء على الخلاف بين مثل الشيخ والاخوند: في تنجّز الاجمالي معه كالشيخ، أو عدم تنجّزه كالاخوند.
2 ـ الدفعي، بناءً على القول بعدم تنجّز التدريجي.
3 ـ عدم الاضطرار قبل العلم الاجمالي إلى بعض الاطراف، أو مطلقاً على قول جمع، منهم: الاخوند (قدس سره).
ونحوها.


التمهيد الثاني

الثاني: بناءً على وجوب الاعلم عند الشكّ في المخالفة ـ فضلاً عن الوجوب عند إحراز الموافقة ـ لا بحث لهذه الصورة.
وكذا بناءً على عدم وجوب الاعلم مع العلم بالمخالفة تفصيلاً، لا بحث لهذه الصورة، إنّما الكلام بناءً على الغير.


الاستدلال للصورة الرابعة

وأمّا وجه القول بالاعلم مع الاجمال في المخالفة: فهو تنجّز الاجمالي كالتفصيلي.
والفرق بينهما: أنّ في المخالفة المعلومة تفصيلاً أدلّة الحجّية لا تشمل المفضول، وفي الاجمالي يجري أصل الاشتغال، ومقتضى تنجّز الاجمالي كالتفصيلي هو القول به عن كلّ من قال عند المخالفة المعلومة بالتفصيل، وإلاّ لم يصرّحوا.
اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ مع الاجمالي بناء العقلاء على الجواز للمفضول، ومع هذا البناء ـ وطرق الاطاعة عقلائية ـ لا شكّ « تعبّداً عقلائياً » في حجّية المفضول، فلا موضوع لاصل الاشتغال.
وإن كان قد نقل عن جملة من الاعاظم كالشهيد الثاني، وصاحب الفصول، وصاحب الجواهر وغيرهم: إنّ بناء العقلاء على الجواز للمفضول حتّى مع العلم التفصيلي بالخلاف مع الافضل.
فيختلف الامر على المباني.


خلاصة البحث

والحاصل: أنّه إن بني الامر على الاصل لم يفرق بين العلم التفصيلي بالخلاف بين الاعلم وغيره، وبين العلم الاجمالي به.
وإن بني على الدليل كبناء العقلاء ونحوه، اختلف الحكم على اختلاف استظهار الدليل.
ثمّ إنّه يبنى على ما ذكر: أنّه في أكثر الموارد لا يجب تقليد الاعلم حتّى مع إحرازه، وذلك لانّه على المباني التالية:
1 ـ عدم تنجّز العلم الاجمالي التدريجي على مبنى الشيخ (قدس سره).
2 ـ عدم تنّجز العلم الاجمالي في محتمل الابتلاء على مبنى الاخوند (قدس سره).
فينحصر تقليد الاعلم مع العلم الاجمالي بالمخالفة بمورد يكون العلم الاجمالي دفعياً، وكان معلوم الابتلاء، وهو قليل بل نادر، بل لعلّه لمعظم العوام غير حاصل.
ثمّ إنّه هل يجب الفحص عن كون الطرف للعلم الاجمالي محل الابتلاء أم لا ؟ لم أر التصريح به ولكن مقتضى ما ذكره المتأخّرون ـ غالباً ـ: من عدم وجوب الفحص في الموضوعات، عدم وجوبه.
وأمّا الفحص عن المخالفة: فالكلام فيه كما تقدّم في الصورة الثانية فيما إذا شكّ في اختلاف الاعلم وغيره.


حاصل الكلام

وحاصل الكلام ما يلي:
أوّلاً: هل يمكن إجرء أصل عدم المخالفة ـ أزلياً، أو نعتياً ـ وبناء العدم عليه ؟
ثانياً: هل بناء العقلاء على معاملة المشكوك، معاملة العدم بدون فحص، أو أنّه مقيّد ببعد الفحص ؟
فإذا قلنا هناك ـ في الشبهة البدوية للاختلاف ـ بوجوب الفحص، كان الفحص هنا (في أطراف العلم الاجمالي) أولى بالوجوب.
وأمّا إن لم نقل هناك بوجوب الفحص، كان وجوبه هنا مقتضى تنجّز العلم الاجمالي.


كم هو مقدا الفحص ؟

يبقى البحث في مقدار الفحص: فالمعظم ـ كما في مجمع الرسائل(129)ـ على وجوبه حتّى يحصل العلم بالوفاق.
ومقتضاه: وجوب الاحتياط بتقليد الاعلم، أو الاحتياط في المسألة الفرعية إذا لم يحصل العلم بالوفاق، وعدم جريان أصل عدم المخالفة حتّى بعد الفحص.
وصريح حاشية الاخوند (قدس سره) على الرسالة: وجوب الفحص إلى سقوط العلم الاجمالي عن التنجّز.
ومقتضاه: جريان أصل عدم المخالفة وجواز تقليد المفضول إذا شكّ ـ في المخالفة ـ بعد الفحص.
وقد يقال: إنّه ينبغي ملاحظة الصورة الثانية، وهي: ما إذا شكّ في اختلافهما ـ شبهة بدوية ـ وابتناء وجوب الفحص حتّى العلم بالوفاق، أو حتّى انحلال العلم الاجمالي، على جواز تقليد المفضول مع الشبهة البدوية، فالحقّ: الثاني، أو على عدم الجواز، فالحقّ: الاوّل.
ويلاحظ: أنّ بعض الاعاظم الذي قال هنا في الصورة الرابعة بالفحص حتّى العلم، أجاز تقليد المفضول في الصورة الثانية، فكيف التوفيق ؟


بقي هنا بحث

ثمّ إنّه يبقى هنا بحث وجه تقييد المعظم وجوب الفحص ـ في حاشية مجمع الرسائل(130) عند تنجّز العلم الاجمالي بوجوب تقليد الاعلم ـ بما إذا كان متعلّق العلم الاجمالي في اختلاف الاعلم وغيره، في كثير من المسائل.
واطلاقهم (قدس سرهم) عدمه، الشامل لما يلي:
1 ـ الشكّ البدوي في الاختلاف.
2 ـ العلم الاجمالي بالاختلاف قليلاً.
3 ـ الشكّ في أنّ الاختلاف قليل أو كثير.
فإنّه ربما يقال: إنّ العلم الاجمالي إن كان منجّزاً للواقع، فلا فرق في كثرة مصاديقه وقلّتها، وإلاّ فلا.
ولعلّ الوجه في هذا التقييد: وجود السيرة العقلائية في الرجوع إلى غير الاعلم، إلاّ هذه الصورة فقط، فيجب الفحص، أو الاحتياط في المسألة الفرعية.
إن قلت: إن كانت الادلّة لا تشمل موارد الاختلاف، وفيها يجوز تقليد الاعلم للاستثناء العقلائي، وإلاّ كان مقتضى عدم شمول الدليل للمتناقضين: عدم الشمول للاعلم أيضاً، فلا يفرق في ذلك القليل والكثير، فما الفارق ؟
قلت: هذا مقتضى الاصل العملي وهو الاشتغال، وإلاّ فالاصل إنّما هو حيث لا دليل، وبناء العقلاء دليل، كما كان بناء العقلاء هو الفارق بين الاعلم فيجب تقليده حتّى في مورد معارضته مع غير الاعلم.
نعم، يبقى الكلام في هذا البناء العقلائي، الذي اختلف فيه الاعاظم.


القول الرابع
التفصيل السابق مع عدم موافقة فتوى المفضول للاحتياط

وأمّا القول الرابع: وهو نفس التفصيل المذكور آنفاً من التفصيل بين العلم بمخالفة فتوى الاعلم لفتوى العالم فيجب تقليد الاعلم، وبين غيره فلا يجب، بإضافة: « وعدم موافقة فتوى غير الاعلم للاحتياط » أو اضافة: « وعدم موافقة فتوى غير الاعلم لفتوى الاعلم من الاموات » على نحو القضية بشرط لا، فلازمه: عدم وجوب تقليد الاعلم مع عدم هذين الشرطين، وممّن ذكر الاوّل الوالد وابن العمّ، وممّن ذكر الثاني السيد الخوانساري (قدس سرهم)، ومال اليهما أو قال بهما جمع آخر من المعاصرين وممّن تقدّمهم.


الاستدلال لهذا التفصيل

ثم إنّ وجه القولين ظاهر.
أمّا الاوّل: فلانّه بعد ثبوت جواز الاحتياط مطلقاً لو كان فتوى المفضول موافقاً للاحتياط كان الاخذ بها أخذاً بالاحتياط فيجوز.
وأمّا الثاني: فلانّ التقليد حجّيته طريقيّة، والعمل بقول الاعلم مسلّم الكفاية، لكن في الاعلم من الاموات له مانع وهو الاجماع على عدم جواز تقليد الميّت ابتداءً مطلقاً، فمع تعارض الاعلم وغيره في الفتوى، وموافقة فتوى غير الاعلم لاعلم الاموات يتمّ في قول المفضول الحجّية، لموافقته لفتوى أعلم الاموات وعدم المانع وهو الموت.


مناقشة القيد الاوّل

وأُورد على الاوّل: بأنّ هذا التزام بعدم جواز تقليد المفضول، لانّ الاحتياط باب آخر مقابل للتقليد، والاخراج من باب إلى باب آخر لا يكون تفصيلاً في المسألة.
نعم، هذه حيلة شرعية لتصحيح أخذ الحكم من المفضول، لا لتقليد المفضول، فهل يصحّ اطلاق التقليد على أخذ العامي طريقة الاحتياط في المسألة، ممّن ليس بمجتهد أصلاً ؟ وهل يعتبر الاخذ مقلّداً للمأخوذ منه ؟
نعم، هذا ليس عملاً بالاحتياط مطلقاً، بل احتياط نسبي ولا مانع منه، لانّه في إطاره احتياط مقابل العمل بقول الاعلم الّذي ليس احتياطاً في المسألة الفرعية، فتأمّل.


مناقشة القيد الثاني

وأُورد على الثاني: بأنّ هذا إن كان تقليداً للمفضول فلا يجوز بالفرض، وإن كان تقليداً للميّت فلا يجوز للاجماع، والمردّد بينهما لا وجود خارجي له، فلا يصحّ جعله موضوعاً للحجّية، بالاضافة إلى أنّه ترديد بين أمرين غير كافيين، فكيف يتولّد منهما أمر كاف ؟ وإضافة لا حجّة إلى مثلها لا يجعلهما حجّة.
وقد يجاب عنه: بأنّ ضمّ اللاّحجّة إلى اللاّحجّة بما هو لا يمكن عقلاً أن يكوّنان الحجّة، وإنّما ضمّ اللاّحجّة بشرط لا، إلى اللاّحجّة بشرط لا، يكونان حجّة، لزوال الشرط، إذ معنى الضمّ: بشرط شيء. ولذا نرى التواتر يوجب العلم الوجداني، مع أنّه قد يكون مؤلّفاً من المظنونات، بل المشكوكات، بل الموهومات، أو المجموع من ثلاثتها.
وما نحن فيه من هذا القبيل.
إذن: فدليل عدم جواز تقليد المفضول هو كما يلي:
1 ـ إمّا بناء العقلاء وارتكازهم، وموردهما غير الموافقة مع ميت هو أعلم من هذا الاعلم الحىّ، للطريقية.
2 ـ وإمّا الاجماع والسيرة والارتكاز للمتشرّعة ونحوها من اللبّيات، فالمتيقّن منها غير ذلك.
3 ـ وإمّا أصل الاشتغال، وهو منتف لطريقية التقليد، إذ لا خصوصية للمفتي، وإنّما الخصوصية للفتوى ـ إلاّ ما خرج بدليل آخر ـ.
فتبقى الاطلاقات، وبناء العقلاء في مثل مورد موافقة المفضول مع ميت هو أعلم من الحي الاعلم من هذا المفضول، سالمة.


لو تعارض الاعلم مع الادقّ أو الاوثق

ثمّ إنّه إذا تعارض الاعلم والادقّ، أو الاعلم والاوثق، أو الادقّ والاوثق ففيه وجوه: تقدّم الاعلم مطلقاً، وتقدّم الادقّ والاوثق، والتفصيل بينهما بتقدّم الاوثق دون الادقّ، والتخيير. وأدلّتها ظاهرة لبناء العقلاء، وأصل الاشتغال، فربما يقال: إنّهما أو أحدهما مع الاعلم، أو مع الادقّ والاوثق، أو يفصّل بينهما.
أو يقال: بالتخيير لعدم الدليل المعتبر على الترجيح، ففي الطرفين فضيلة ليست في الطرف الاخر.
ففي رسالة « سؤال وجواب » للشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره) المطبوعة مع حواشي: الحائري الشيخ عبدالكريم، والنائيني الميرزا محمّد حسين، والاصفهاني السيّد أبي الحسن، والفيروزآبادي السيد محمّد، والصدر السيد محمّد مهدي بن السيد اسماعيل، جاءت المسألة التالية، وترجمتها بالعربية: « سؤال: مجتهدان، إذا كان أحدهما أعلم، والاخر أوثق في الفتوى، يقدّم تقليد أيّهما ؟ جواب: الاعلم مقدّم » ووافقه كل المحشّين المذكورين، سوى الفيروزآبادي الّذي علّق بالتخيير ونفى البعد عنه، قال: « لا يبعد التخيير »(131).


تعليق وتحقيق

أقول: إن بني الامر على بناء العقلاء فربما يقال: بأنّ العقلاء إنّما يقدّمون من يقدّمون: من الاعلم، والاورع، والادقّ ونحوهم، لاوثقية المتّصف بهذه الصفات، فالوثاقة ـ في المخبر والخبر، والحسّ والحدس ـ هو أساس الملاك عند العقلاء، فإذا تعارض الاوثق مع أيّ شيء آخر، قدّمت الاوثقية.
والعقلاء ببابك.
وإن بني الامر على الاشتغال، فذاك حيث يكون أحد الطرفين مسلّماً والاخر مشكوكاً، لا مثل ما نحن فيه، فينتهي الامر إلى التخيير إن لم نقل بالاحتياط في المتساويين المختلفين، فتأمّل.
وقد يقال بمثل ذلك في نحو تعارض الاعلم مع المفضول الموافق للشهرة خصوصاً العظيمة الجامعة بين المتقدّمين والمتأخّرين، حيث إنّ طريقيّة التقليد وبناء العقلاء وارتكازهم توجب تخصيص ـ بل تخصّص ـ أدلّة وجوب تقليد الاعلم، سواء ما كان منها أمارة، أم أصلاً، إذ الادلّة على عدم كفاية العمل بقول الميّت والمفضول لا تأتي في هذا المورد، لانّ مقتضى طريقية التقليد: عدم تمشّي أدلّة المنع عن تقليد المفضول في مورد موافقته في الفتوى للافضل من الاموات.
وكذلك عمدة أدلّة عدم كفاية تقليد الميّت ابتداءً هو الاجماع، وهو دليل لبّي، والمتيقّن منه هو غير هذا المورد، فيبقى المورد تحت اطلاقات أدلّة التقليد، وبناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم، وغيرهما.
في وجوب الفحص عن الاعلم
وتردّد في المسألة جمع من الاساطين كالشهيد الثاني في قضاء المسالك حيث ذكر أدلّة الطرفين وردّهما وإن مال إلى عدم الوجوب، بل في بعض كتب المعاصرين نسبة العدم اليه، والله العالم.


استنتاج

من كل ما قدّمناه ظهر: عدم قيام دليل متين على وجوب تقليد الاعلم
... ويجب الفحص عنه.
مطلقاً، فالفتوى بالوجوب مشكلة جدّاً، كما أنّ الفتوى بعدم الوجوب رأساً خلاف الاحتياط من جهة ذهاب كثير من المعاصرين وممّن تقدّمهم إلى اشتراط الاعلمية، حتى كانت شهرة قطعية بين المتأخرين ولو بنحو الاحتياط لا الفتوى، والمتيقّن منه عند اختلاف الفتوى وفي موارد إحراز ـ ولو إجمالاً ـ الابتلاء، أو حتى احتماله في المسائل الدفعية دون التدريجية على القول بعدم حجّية العلم الاجمالي في التدريجيات.
نعم، الاحتياط في مقام الفتوى هو تقييد وجوب تقليد الاعلم على الاحوط: بالاولى، ليكون احتياطاً استحبابياً، لانّه كما ينبغي الاحتياط في المسألة الفرعية، ينبغي الاحتياط في المسألة الاُصولية، لكي لا تكون الفتوى مستندة إلى ما ليس دليلاً معتبراً، والله العاصم الهادي.


وجوب الفحص عن الاعلم وتمهيداته

ثمّ قال الماتن في تتمّة المسألة الثانية عشرة: ويجب الفحص عنه أي: عن الاعلم، وهنا تمهيدات:


التمهيد الاوّل

الاوّل: إنّ وجوب الفحص عن الاعلم في مقام التقليد، يختلف حكمه باختلاف الفتاوى في وجوب أصل تقليد الاعلم.
فالذي قال بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً، مقتضى القاعدة ذهابه إلى وجوب الفحص عنه، وذلك لانّه ممّا لا يتمّ الواجب إلاّ به، وإن كان هذا الوجوب حينئذ عقلياً لا شرعياً، ولا يفرّق في ذلك بين أن يكون أصل وجوب تقليد الاعلم شرعياً مستنداً إلى الاخبار والاجماع، وبين أن يكون وجوباً عقلائياً مستنداً إلى بناء العقلاء، أو عقلياً مستنداً إلى أصالة التعيين ونحوها.


هل وجوب الفحص عقلي أو شرعي ؟

وربما يقال: إنّ وجوب الفحص عن من يجب تقليده يمكن أن يكون عقلياً مقدّمياً، ودليله: دفع الضرر المحتمل ـ على ما هو المعروف في ذلك بين المتأخرين ـ.
أو دليله امتثال أمر المولى الّذي يحكم العقل به استقلالاً، حتى إذا علم العبد بعدم الضرر للعفو ونحوه.
أو غيرهما ممّا تقدّم في ذيل « يجب » في المسألة الاُولى من العروة، في وجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط على سبيل البدل.
ويمكن أن يكون هذا الوجوب عقلائياً مقدّمياً، ودليله: بناء العقلاء عليه وسيرتهم، وكذا ارتكازهم، ولا إشكال في حجّيتها في طرق الاطاعة والمعصية ما لم يردع عنها.
ويمكن أن يكون شرعياً ـ أيضاً ـ إرشادياً على المعروف بين المتأخرين في أمثاله.
أو مولوياً ـ على ما تقدّم احتماله في أمثاله، عند شرح « يجب » من المسألة الاُولى ـ ودليله: المستفاد من الروايات، مثل معتبرة الميثمي ـ على الاصحّ ـ أحمد بن الحسن، عن الامام الرضا (عليه السلام) في الشبهة الحكمية، وجاء في آخرها: « وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه... وعليكم بالكف والتثبّت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا »(132).
بضميمة: إنّ مصدر الاحكام وهو مرجع التقليد المأخوذ منه جميع الاحكام لا يكون أقلّ أهمية من حكم واحد، فإذا وجب الفحص بحكم « وأنتم طالبون باحثون » عن الحكم الواحد، وجب بالاولوية العرفية الظاهرة، الفحص عن من يجب تقليده وهو الاعلم.


التمهيد الثاني

الثاني: ظاهر عبارة المتن أنّ أصل وجوب تقليد الاعلم، احتياط وجوبي، وليس فتوى، وأمّا وجوب الفحص عنه فهو فتوى، لا مجرد احتياط وجوبي، وذلك لظهور توسيط الاحتياط في رجوعه إلى السابق، لا إلى كلا الفرعين.
واحتمال عود « على الاحوط » على كلا الفرعين خلاف ظاهر التعبير.
وهو في محلّه ويكشف عن ذلك الخلاف العظيم في أصل وجوب تقليد الاعلم، دون وجوب الفحص عنه على تقديره.


التمهيد الثالث

الثالث: أنّ مورد البحث في وجوب الفحص عن الاعلم، وعدم وجوبه، هو الشبهة البدوية، يعني: احتمال عدم وجود أعلم في البين، أو عدم الوصول اليه بدون حرج وعسر ونحوهما، وإلاّ فإن كان في البين علم إجمالي بأعلمية أحد الاثنين، أو الثلاثة، أو الاربعة ونحو ذلك، فلا بحث في وجوب الفحص، إذ الشكّ في المكلّف به وهو مجرى الاشتغال.


التمهيد الرابع

الرابع: إذا كان الفحص عن الاعلم ـ كالفحص عن أيّ واجب آخر ـ موجباً للضرر، أو الحرج، أو حتى العسر، سقط الوجوب، سواء كان هذا الوجوب شرعياً، أم عقلياً، أم عقلائياً، لما ذكرنا في الاُصول في بحث الاشتغال: من أنّ نفي الضرر والحرج قيدان للالزامات العقلية، بالوجدان، وكذلك في ارتكاز. العقلاء، وأمّا في الادلّة الشرعية فهو واضح.


التمهيد الخامس

الخامس: ذكر المحقّق الماتن (قدس سره) في أجوبة مسائله جواباً عن سؤال عن حرجية فتوى الاعلم بما ترجمته بالعربية: « إذا كان المراد: الحرج في أصل الفتوى، مثل أنّ الاعلم يرى نجاسة الغسالة والاجتناب عنها حرج على هذا الشخص، فيجب عليه أن يرفع اليد بقدر الحرج، ويعمل بالفتوى بقدر الامكان... وإن كان المراد: الحرج في تحصيل فتوى الاعلم، فيجب عليه الاحتياط في المسألة التي لا يعلم فتوى الاعلم فيها، وإن لم يمكنه الاحتياط، أو كان حرجياً، جاز الرجوع إلى غير الاعلم... »(133).
أقول: في آخر كلامه (قدس سره) تأمّل، إذ بناء المشهور ومنهم الماتن استثناء التعارض في باب التقليد من أصل التساقط، والحكم بالتخيير، للاجماع، أو بناء العقلاء، أو غير ذلك، ولازم ذلك عدم تعيّن الاحتياط في باب التقليد أصلاً، فإذا لم يجب تقليد الاعلم ـ لايّ سبب كان ـ اقتضت هذه القاعدة الرجوع إلى غير الاعلم مطلقاً ـ سواء كان الحرج في العمل بالفتوى، أم في تحصيلها ـ لا الاحتياط.


إشكال وجواب

وما ربما يقال: من أنّ الشبهة في المقام موضوعية والاصل فيها عدم وجوب الفحص.
يرد عليه: إنّا نسلّم كون الاصل في الشبهات الموضوعية ـ في غير ما خرج بدليل، كأبواب الطهارة والنجاسة، والحل والحرمة في المأكول والملبوس ونحو ذلك ـ عدم وجوب الفحص وإن ادّعي الاجماع عليه(134).
وذلك لعدم تمامية أدلّة عدم وجوب الفحص، وخلاف جمع من الاساطين والاعيان كما حقّقناه مفصّلاً في الاُصول.
وللمسألة مورد آخر لمناقشة أطرافها في غضون المباحث الاتية إن شاء الله تعالى.
ولكن إجمال الكلام أنّه ربما يقال: إنّ الفحص هنا ـ في البحث عن الاعلم في مورد وجوب تقليده ـ واجب مطلقاً على جميع المباني في وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية.


أقوال وجوب الفحص وعدمه

والمباني في وجوب الفحص عديدة:
1 ـ وجوبه مطلقاً إلاّ ما خرج، وقد ذهب اليه جمهرة، منهم: أصحاب المعالم والقوانين ـ على ما يظهر من البشرى ـ والضوابط والمفاتيح، والمحقق الهمداني وآخرون.
قال في البشرى: « فيظهر القول بوجوب الفحص من جملة من العلماء وجماع من الفروع »(135).
ومنهم صاحب الجواهر(136) والشيخ الانصاري (قدس سره)(137) والمحقّق الهمداني في صلاة المسافر، وغيرهم ممّن قيّدوا وجوب الفحص بعدم الحرج، أو العسر، ممّا هو قيد شرعي لجميع الاحكام.


ثاني الاقوال

2 ـ التفصيل بين ما يوجب ترك الفحص فيه الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً وبين غيره، بالوجوب في الاوّل دون الثاني.
صرّح به جمهرة من المتأخرين: كالشيخ الانصاري (قدس سره) والعديد من تلاميذه، وتلاميذهم كالمحقّقين: النائيني والعراقي والاصفهاني وغيرهم، كل ذلك في كتبهم الفقهية في مسائل:
1 ـ الشكّ في تعلق الزكاة، أو مقدارها.
2 ـ الشكّ في تعلّق الخمس، أو في مقداره.
3 ـ الشكّ في حصول الاستطاعة للحجّ.
4 ـ الشكّ في المسافة: أصلها، أو بلوغها، أو حد الترخّص: أصله، أو بلوغه.
5 ـ الشكّ في دم الاستحاضة، أنّه قليل أو متوسط أو كثير وغير ذلك.
وإن تقدّم تصريحهم ـ غالباً ـ في كتب الاُصول باطلاق عدم وجوب الفحص.


ثالث الاقوال

3 ـ التفصيل بين ما علم اهتمام المولى به ممّا يكون احتمال الالزام فيه بنفسه منجّزاً للواقع، وبين غيره، بالوجوب في الاوّل دون الثاني ولعلّه ليس هناك فقيه أو أُصولي ينكر هذا التفصيل بالنسبة للشقّ الاوّل منه، وأمّا الشقّ الثاني فاطلاق عدم الفحص فيه حتى فيما استلزم الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً لم أجد من صرّح به سوى المحقّق الاشتياني (قدس سره) في بحر الفوائد(138).


رابع الاقوال

4 ـ التفصيل بين كون الفحص مولوياً شرعياً فلا يجب عند الشكّ، وبين كونه مقدّمياً عقلياً (بحكم العقل) كتقليد الاعلم ـ حيث إنّه فحص عن الحجّة ـ فيجب(139).
وهناك تفصيلات أُخرى ذكرناها في الاُصول.


الفحص عن الاعلم

وفيما نحن فيه قد التزم أصحاب كل المباني بوجوب الفحص عن الاعلم:
1 ـ أمّا على الاوّل: فواضح.
2 ـ وأمّا على الثاني: فلانّ ترك الفحص عن الاعلم يوجب الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً، لتقليد الاُلوف من العوام كل مجتهد عادل، والكثير منهم إذا فحصوا كانوا يجدون الاعلم، فتكون أعمالهم بلا حجّة.
3 ـ وأمّا على المبنى الثالث: فلاحد وجهين على سبيل منع الخلو:
أحدهما: أنّ التقليد حيث أنّه يبنى عليه كل أعمال المكلّف، فيكون من أهمّ المسائل، فيجب الفحص عنه.
ثانيهما: على مبنى عدم شمول الادلّة للمجتهدين المختلفين المتساويين يكون الفحص عن الاعلم مع الاختلاف ـ ولو اجمالاً منجّزاً ـ واجباً، لدوران الامر بين تقليد الاعلم وبين الاحتياط، فلا يجوز له تقليد أحدهما مع عدم إحراز أعلميته.
وعلى هذا الوجه الثاني: لا يجب الفحص عن الاعلم إذا جهل الاعلمية وجهل الاختلاف، لجريان الاُصول الترخيصية بلا مانع.
قال في التنقيح: « وأمّا لو علم باختلافهما في الفضيلة على نحو الاجمال ولم يعلم باختلافهما في الفتوى، أو لم يعلم باختلافهما أصلاً لا في الفضيلة ولا في الفتوى، فلا يجب الفحص فيهما عن الاعلم لعدم وجوب تقليده بل يتخيّر المكلّف بينهما ».
4 ـ وأمّا على المبنى الرابع، وهو التفصيل بين حكم العقل فيجب الفحص، وبين حكم الشرع فلا يجب عند الشكّ، فحيث أنّ وجوب تقليد الاعلم بحكم العقل، أو بناء العقلاء، فيجب الفحص عنه.


استنتاج

إذن: فبناءً على وجوب تقليد الاعلم ـ وفي مورد وجوبه ـ يجب الفحص عنه على كل المباني، فتأمّل.


تتمّات وجوب الفحص
التتمّة الاُولى

الاُولى: وجوب الفحص تابع لوجوب التقليد، فحيث وجب التقليد، جاء بحث وجوب الفحص في الشبهة البدوية، فإن كانت الاعلمية المحتملة مطلقة بالنسبة إلى شخص فبها، وإلاّ فإن كانت الاعلمية الجزئية محتملة في عدد من الفقهاء وجب ـ على ما تقدّم من الخلاف والاشكال ـ الفحص عنهم جميعاً.
مثلاً: إذا احتمل الاعلمية في العبادات لفقيه، وفي المعاملات لفقيه آخر، وفي باب الحدود والقصاص لفقيه ثالث، وجب الفحص عن كل واحد منهم فيما يحتمل أعلميته فيه.
هذا إذا قلنا بوجوب تبعيض التقليد في مثل ذلك، إذ وجوب التقليد تابع لموضوع الاعلمية، فحيث حصل الموضوع وجب التقليد، سواء حصل في شخص واحد، أم في عدّة أشخاص.
كل هذا مع عدم استلزام شيء من ذلك، العناوين المقيّدة من ضرر أو حرج أو نحوهما.


التتمّة الثانية

الثانية: حيث إنّ وجوب الفحص يتبع احتمال الاعلمية، فكلّما تجدّد هذا الاحتمال تجدّد وجوب الفحص ـ بناءً على وجوب العدول عن الحي إلى الاعلم الحي ـ فإذا فحص عن الاعلم، وشخّصه في زيد وقلّده، ثمّ بعد مدّة احتمل أعلمية عمرو فهنا مسألتان:
إحداهما: الشكّ الساري، بأن احتمل عدم أعلمية زيد في وقته، وأعلمية عمرو حين ذاك لحصول بيّنة معارضة لبيّنة أعلمية زيد مثلاً، ونحو ذلك، فمقتضى عدم حجّية قاعدة اليقين: وجوب إعادة الفحص، وقد صرّح بذلك الماتن (قدس سره) في المسألة الثانية والاربعين حيث قال: « إذا قلّد مجتهداً ثمّ شكّ في أنّه جامع للشرائط أم لا، وجب عليه الفحص »، وسيأتي بحثه هناك إن شاء الله تعالى.
ثانيتهما: الشكّ الطاري، بأن احتمل تجدّد الاعلمية لعمرو، بأن كان ابتداءً زيد هو الاعلم، ولكن الان صار الاعلم هو عمرو، فمقتضى حجّية الاستصحاب: البناء على بقاء أعلمية زيد، وبقاء الاحكام التكليفية السابقة عليه، وبقاء التنجّز والتعذّر كالسابق، وبقاء الاحكام الوضعية لشمول أدلّة الاستصحاب ـ كما حقّق في الاُصول ـ للانواع الاربعة من اليقين السابق، الموضوع الخارجي، والحكمين: التكليفي والوضعي الشرعيين، والحكم العقلي.
ولكن الكلام في وجوب الفحص، فبناءً على وجوب الفحص عن موضوع الاعلم كان مقتضى القاعدة: وجوب إعادة الفحص، بدليل وجوب الفحص عن أصل الاعلمية مع أنّه موضوع. فالجمع: بين وجوب الفحص في المسألة الثانية عشرة، وعدم وجوبه في هذه المسألة.


صياغة المسألة بعبارة ثانية

وبعبارة أُخرى: في ابتداء التقليد عند احتمال أعلمية شخص كان إجراء أصل البراءة مقيّداً بالفحص، فكيف صحّ إجراء الاستصحاب هنا بدون فحص ؟
فما علّقه هنا جماعة من الاعاظم: من تقييد المسألة بما إذا كان شكّاً سارياً، دون ما إذا كان طارياً ـ كالمحقّقين: النائيني، وآل ياسين، وابن العم (قدس سرهم) ـ غير واضح الوجه.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ ملاك الفحص في بناء العقلاء هو في المرّة الاُولى، دون بعد ذلك، لكنّه محل إشكال بل منع، مضافاً إلى أنّ وجوب الفحص ـ كما تقدّم ـ ربما يؤخذ عقلياً، أو شرعياً، فتأمّل.
وبناءً على وجوب الفحص ـ سواء في الشكّ الساري فقط، أو حتى في الشكّ الطاري ـ ينبغي تكرار الفحص كلّما تجدّد الاحتمال، لتحقّق المعلول بوجود علّته، وهو الاحتمال.


التتمّة الثالثة

الثالثة: بناءً على وجوب تقليد الاعلم، فالظاهر كونه واجباً مطلقاً يجب تحصيل مقدّماته، ما لم يؤدّ إلى العناوين الثانوية الرافعة للتكاليف من ضرر وحرج وعسر وغيرها، وليس واجباً مشروطاً كالحجّ لا يجب إلاّ عند حصول المقدّمات.


التتمّة الرابعة

الرابعة: بعد الفحص واليأس واحتمال أعلمية أحد المجتهدين ـ دون الاخر ـ فهل يجب الاحتياط مع عدم العسر والحرج، أم التخيير ؟
المباني مختلفة، وعليه يختلف الحكم فيما نحن فيه:
1 ـ فإن قلنا ببناء العقلاء، فربما يقال: باختصاصه بصورة حصول العلم بالاعلمية عن الفحص، وإلاّ فلا يجب، فتأمّل.
2 ـ وإن قلنا بأصل التعيين العقلي، فهو باق ما دام الشكّ، لانّ أصل التعيين أثر الشكّ وهو باق، ولا فرق في جريان أصل التعيين بين كون المعيّن مشخّصاً، أم لا، إذ الملاك في أصل التعيين الشكّ في حجّية كلّ واحد.
3 ـ وإن قلنا بالروايات الدالّة على تقديم الافقه في الروايات المتعارضة، وشمولها لمرجع التقليد، فأصل البراءة ـ عقلية وشرعية ـ يرفع وجود الاعلم، فيرتفع الوجوب.


التتمّة الخامسة

الخامسة: إذا كان الاعلم، أعلم في جميع العلوم المبتني استنباط الاحكام عليها من العلوم العربية: من صرف، ونحو، ولغة ونحوها، والكلام، والتفسير، والرجال، والاُصول وغيرها، فبها، وإلاّ فإن اختلفا، بأن كان أحدهما ـ مثلاً ـ أعلم بالفقه، والاخر بالاُصول، والثالث بالرجال ونحو ذلك.
فربما يقال: بسقوط الوجوب عند العقلاء، وهو أمارة، فلا مجال لشيء من الاُصول معها، فإن تمّ هذا، وإلاّ فمقتضى الشكّ في المكلّف به: الاحتياط بما أمكن ولم يكن عسراً ولا حرجاً، وإلاّ فالضرورة تقدّر بقدرها.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ الاطلاقات تشمل الجميع، خرج منها ما لو أُحرزت ـ ولو بالفحص الواجب ـ الاعلمية المطلقة لفرد، وبقي الباقي، فتأمّل.
واختار السيد المجاهد (قدس سره) في المفاتيح التخيير فيما إذا تفاوتوا في غير الفقه وتساووا في الفقه(140) أمّا إذا تفاوتوا في الفقه فإنّه يتعيّن تقليده.
أقول: ينبغي إضافة الاُصول إلى الفقه، بأن تفاوتوا في الاُصول والفقه، وفي غيرهما، فيجب الاعلم في الفقه والاُصول، دون الاعلم في غيرهما.
أمّا إذا كان أحدهم أعلم في الفقه، والاخر أعلم في الاُصول، فبناءً على وجوب تقليد الاعلم وجب الاحتياط بينهما، لمدخلية كلّ من الفقه والاُصول في كثير من المسائل.
اللّهم إلاّ على القول بالتخيير، لبناء العقلاء عليه في أمثاله.


التتمّة السادسة

السادسة: هل العبرة في الاعلمية بزمن الاستنباط، أو بزمن الفتوى، أو بزمن التقليد والعمل ؟ فإذا كان زيد أعلم زمان استنباطه، وعمرو أعلم زمان الفتوى (أي: فتوى عمرو بما استنبطه) ومحمّد أعلم زمان تقليد العامي وإرادته العمل، فأيّهم يجب على العامي تقليده ؟
صرّح صاحب الجواهر (قدس سره) في مجمع الرسائل المنسوبة إليه: بأنّ الملاك حال الاستنباط دون زمن الفتوى، ولم يذكر حال التقليد، ولعلّه باعتبار توافقهما زمناً، فحال الفتوى هو حال التقليد والعمل غالباً.
ووافقه على ذلك ـ بدون حاشية وتعليق ـ جمهرة من الاعاظم والمحقّقين كالشيخ الانصاري، والشيرازيين، والكاظمين، والنائيني، والعراقي، والحائري الشيخ عبدالكريم، وآخرين (قدس سرهم)(141).
مثلاً: إذا استنبط المسألة في السنة الاُولى، وأفتى عليها في سنة ثانية، وأراد المقلّد العمل بها في سنة ثالثة.
فإن كان المجتهد أعلم في جميع السنوات الثلاث فلا إشكال.
وإلاّ، بأن كان كل مجتهد أعلم من الاخرين في واحدة دون الاُخريين، فمقتضى ما ذكره هؤلاء الاعاظم: وجوب تقليد الاعلم حال الاستنباط حتى في السنة الثانية والثالثة.
ولعلّه لانّ وقت الاستنباط هو وقت استقرار الرأي والنظر، والفتوى إنّما تكون نتيجة الاستنباط، وأمّا حال عمل المقلد فلا دخل له بأعلمية المجتهد.
وإن شكّ في أنّ الملاك للاعلمية أيّها ؟ كان شكّاً في المكلّف به ويجب الاحتياط ـ مع القدرتين: العقلية والشرعية ـ ومع عدم أيّة واحدة منهما، يخيّر بينها، إلاّ على القول بوجوب ترجيح محتمل الاهمية ـ حتى في المقام ـ فيجب تقديم الاعلم حال الاستنباط، فتأمّل.


أقسام وجوب الفحص وعدمه

ثمّ إنّه ينبغي تشقيق أقسام وجوب الفحص وعدمه كما يلي:
انّ المجتهدين إمّا يعلم تفصيلاً اختلافهما في الفتوى، أو يعلم ذلك إجمالاً، أو لا يعلم أصلاً، أو يعلم عدم اختلافهما في الفتوى.
وعلى التقادير إمّا أن يعلم أعلمية أحدهما تفصيلاً، أو إجمالاً، أو يحتمل ذلك من دون علم إطلاقاً، أو يعلم عدم الاعلمية بينهما.
فالشقوق الاوّلية ستّة عشر، ولكن لتداخل بعضها موضوعاً، أو حكماً، لا نطيل المقام بذكر الشقوق كلّها، وإنّما نذكر الشقوق التي قيل أو يحتمل اختلاف الانظار من أجلها، وهي أربعة:
1 ـ العلم بعدم اختلاف المجتهدين فيما هو محلّ ابتلائه.
2 ـ العلم تفصيلاً باختلافهما فيما هو محلّ ابتلائه.
3 ـ العلم الاجمالي باختلاف المجتهدين في فتاواهما.
4 ـ احتمال اختلافهما في ذلك، من دون علم تفصيلي أو إجمالي.


أقسام أربعة
القسم الاوّل

1 ـ إذا علم المقلّد عدم اختلاف المجتهدين في الفتوى بالنسبة للمسائل التي هي محلّ الابتلاء، فالظاهر: عدم وجوب الفحص عن الاعلم، بل عدم وجوب تقليده في الصور الاربع كلّها: سواء علم بالاعلم تفصيلاً، أم إجمالاً، أم احتمالاً، أم علم بعدم الاعلمية بينهما.
ووجهه: إنّ التقليد لمّا كان طريقياً كان المطلوب فيه درك الواقع، وما دام المجتهدان متّفقين في الفتوى فالواقع منكشف للمقلّد، وسلوك الطريق ـ على الطريقية ـ لا مصلحة زائدة فيه.
بل قد سبق وأن قلنا بعدم وجود الدليل على تعيين المقلَّد ـ بالفتح ـ لا تفصيلاً ولا حتّى إجمالاً، لقضاء الطريقية نفسها.
نعم، أصل الاستناد واجب عقلاً، ولا يكفي مجرّد مطابقة عمله خارجاً للفتويين مع جهله بالمطابقة وعدمها، لانه لو خالفت الحجّة الواقع لم يكن المكلّف معذوراً، لانّه لم يأت بالواقع كي يسقط عنه، ولم يتّبع حجّة ظاهرية حتّى يكون معذوراً.
اللهمّ إلاّ إذا كان عمله موافقاً للاحتياط فإنّه يعذر، سواء استند في عمله إلى حجّة ظاهرية أم لا.
لكن ربما يقال: بلزوم الاستناد إلى مجتهد معيّن، وكذلك يقال: بلزوم تقليد الاعلم تعبّداً، احتياطاً أو فتوى، استناداً إلى بعض أدلّته.
فعليه: يجب تقليد الاعلم منهما، بمعنى: عقد القلب على متابعة الاعلم وتطبيق أعماله وفق فتاوى الاعلم ـ وإن لم يكن لهذا التقييد أثر عملي خارجي ـ.
لكن في المبنى إشكال ويتبعه الاشكال في البناء أيضاً، وقد ظهر وجه الاشكال من بعض ما قدّمنا وسيأتي لذلك تمام بحث عند تعرض الماتن له في المسألة الثامنة عشرة، وننقل هناك أيضاً تفصيل الماتن في بعض حواشيه على « مجمع الرسائل » إن شاء الله تعالى.


القسم الثاني

2 ـ وإذا علم المقلّد تفصيلاً باختلاف المجتهدين في الفتوى بالنسبة لمسائل محل الابتلاء، فهذا الشقّ له أربع صور:


صور القسم الثاني
أُولى الصوَر

الصورة الاُولى: أن يعلم المقلّد بتساويهما في الفضيلة، والظاهر: جواز تقليد أيّهما شاء، للاجماع المدّعى على جواز العمل بفتوى كل واحد منهما حينئذ، ولما احتملناه بل قوّيناه: من شمول الادلّة لموارد التعارض أيضاً.
وقد أشكل في ذلك بعض المراجع المعاصرين، فأوجب على المقلّد حينئذ الاحتياط بين الفتويين، لعدم تمامية الاجماع عنده أوّلاً، ولعدم شمول الادلّة لموارد التعارض ثانياً، فيبقى هذا التخيير بلا دليل على البراءة، والاحتياط صحيح مطلقاً، فيجب عليه الاحتياط.
وفيه: ما أوردناه عليه في بعض المباحث السابقة وسيأتي في المسألة الاتية إن شاء الله تعالى.


ثانية الصوَر

الصورة الثانية: أن يعلم المقلّد تفصيلاً أعلمية أحدهما، وهذه هي الصورة المسلّم تقليد الاعلم فيها عند القائلين بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً، وقد مرّ البحث عنه مفصّلاً.


ثالثة الصوَر

الصورة الثالثة: أن يعلم المقلّد إجمالاً أعلمية أحدهما دون يقين، بأن يعلم أنّ هذين المجتهدين المختلفين في الفتوى أحدهما أعلم من الاخر، ولكن لا يعلم الاعلم بالتفصيل هل هو هذا أو ذاك ؟
ففي هذه الصورة إن لم يكن العلم الاجمالي منجّزاً، بأن كان الاختلاف في المسائل غير الالزامية كالمستحبات والمكروهات والمباحات، أو في المسائل التي ليست محلاً لابتلاء هذا المقلّد، أو كون أطراف العلم غير محصورة، أو محصورة منحلّة، فيختلف حسب الطريقية وغيرها:
أمّا بناءً على الطريقية فلا يجب تقليد الاعلم، وعليه: فلا يجب الفحص عنه.
وأمّا إن قيل بالتعبّدية في وجوب تقليد الاعلم، فإنّه يأتي احتمال وجوب تقليده معيّناً ويتبعه وجوب الفحص عنه.
وإن كان العلم الاجمالي منجّزاً، للعلم بأنّ اختلافهما في المسائل التي هي محل الابتلاء من الالزاميات، وكانت الاطراف محصورة غير منحلّة، فمقتضى القاعدة فيها: وجوب تقليد الاعلم، لانّ العلم الاجمالي منجّز كالتفصيلي على المشهور.
نعم، إن استشكل في وجوب أصل العمل بالعلم الاجمالي كان هذا من فروعه أيضاً، وبحث هذا الموضوع مفصّلاً موكول إلى الاُصول.
وإذا وجب تقليد الاعلم وجب الفحص عنه حينئذ.


رابعة الصوَر وأخيرتها

الصورة الرابعة: أن يحتمل المقلّد أعلمية أحدهما، ولا يعلم بها لا إجمالاً ولا تفصيلاً، فالظاهر: وجوب الفحص عن الاعلم حينئذ ـ في مورد وجوب تقليده ـ لتوقف الواجب عليه ممّا يوجب عدم الفحص عنه، الوقوع في مخالفة الواقع كثيراً وإن كانت الشبهة موضوعية.


القسم الثالث

3 ـ وإذا علم المقلّد إجمالاً باختلاف المجتهدين في الفتوى، ولكن هل هذا الاختلاف في المسائل التي هي محلّ الابتلاء أم في غيرها ؟ وهل أطراف الخلاف محصورة أم غير محصورة ؟ وهل الخلاف في الالزاميات أم في غيرها ؟ فذلك ما لا يعلم به المقلّد تفصيلاً.
ففي هذا الشقّ يجب الفحص ـ وإن كانت الشبهة أيضاً موضوعية، لما تقدّم آنفاً ـ حتى يظهر له أحد أمرين: إمّا أنّ الخلاف معيّن، ومحل ابتلاء، وفي الالزاميات ونحو ذلك، فيلحق هذا الشقّ بصوَره الاربع بالشقّ الثاني، وإمّا أنّ الخلاف في غيرها فيلحق بالشقّ الاوّل.


القسم الرابع

4 ـ وإذا احتمل المقلّد اختلافهما في الفتوى ـ دون علم لا تفصيلي ولا إجمالي بذلك ـ فإن قلنا بأنّ أدلّة الحجّية لا تشمل المختلفين ثبوتاً ـ كما قال به بعض المراجع المعاصرين ومال إليه آخرون ـ فالظاهر: وجوب الفحص عن الاختلاف لعدم العلم بحجّية كليهما، والشكّ في الحجّية مجرى لعدم الحجّية.
وإن قلنا بأنّ الاختلاف مانع عن نفوذ مقتضى الحجّية ـ كما قال به بعض آخر من المعاصرين ومال اليه آخرون ـ بأنّه مثلاً: « فللعوام أن يقلّدوه » يشمل جميع الفقهاء العدول، فإن ظهر اختلاف إثنين منهم في الفتوى كان هذا الظهور مانعاً عن إمكان الاخذ بالدليل، فمقتضى القاعدة: عدم لزوم الفحص عن الاختلاف.
ويؤخذ حكم الصور الاربع لهذا الشقّ ممّا أسلفنا، وهي: ما إذا علم الاعلم تفصيلاً، أو اجمالاً، أو احتمالاً، أو علم التساوي في الفضيلة، فلا نعيد.
وربما يقال: إنّ بناء العقلاء على الفحص عن الاعلم في المرّة الاُولى لا بعد ذلك. لكنّه محل إشكال بل منع، مع أنّ وجوب الفحص قد يكون عقلياً أو شرعياً.
وظهر ممّا ذكرنا: أنّ وجوب الفحص ليس لازماً مطلقاً، أو أنّه مطلقاً ليس لازماً.
والّذي لا يوجب تقليد الاعلم مطلقاً، ولا يرى الاختلاف مانعاً عن شمول الادلّة للاطراف، فمقلّدوه في فسحة كبيرة مقتبسة من الشريعة السمحاء، خصوصاً في مثل هذه الايّام التي كثر فيها الاختلاف في الفتاوى، والله سبحانه العالم.


بقي شيء

بقي هنا شيء: وهو كم يكون مقدار الفحص ؟
لا دليل خاص في المقام فتكون الادلّة هنا مصداقاً لها، ولذا فالظاهر: كفاية حصول الاطمينان الوجداني، وكذا التعبّدي مثل: البيّنة بأحد الطرفين، كأيّ واجب شرعي أو عقلي يجب الفحص عنه بلا فرق.
وعدم كفاية مطلق الظنّ، لانّ الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئاً، والاصل عدم حجّيته إلاّ ما خرج وليس المقام منه.
وعدم وجوب حصول العلم القطعي، لانّ العلم الفلسفي غير لازم، لصدق وجود الاختلاف، أو عدم الاختلاف، مع الاطمينان إلى أحد الطرفين.
نعم، فحيث أنّه لا دليل خاص في المقام، فيكون ـ كما قلنا ـ مجرى للادلّة العامّة، فالاطمينان الوجداني، واليأس الوجداني، هما الملاك للطرفين، وكذا التعبّدي منهما مثل: البيّنة، والعدل الواحد على الاصحّ، بل مطلق الخبير الثقة.
أمّا الخبير: فلما تقدّم ويأتي من بناء العقلاء على لزوم الخبرة في ما يحتاج علمه إلى الخبرة ـ على خلاف ـ.
وأمّا الوثاقة: فلظهور كفايته فلا حاجة إلى العدالة.
كل ذلك لتحقّق موضوعات الاحكام: بالاطمينان إيجاباً وسلباً كما لا يخفى.
ثمّ إنّ مقدار حصول الاطمينان لا حدّ شرعي له، ولا عرفي أيضاً، ولا عقلي، لاختلاف الاذهان فراغاً وانشغالاً بالشبهات، واختلاف الافراد في سرعة الاطمينان وبطئه، وغير ذلك ممّا يوجب اختلاف الناس في حصول الاطمينان وعدمه.
وذلك لصدق عناوين: الاختلاف، الاعلمية، وعدمهما، ونحو ذلك، بالاطمينان إليها.


أساس التقليد على المباني المختلفة

ثمّ إنّه قد يقال: إن كان بناء أساس التقليد على كونه تكليفاً أصلياً ذاتياً ابتدائياً، من غير نظر إلى طريقيته إلى الواقع وكونه بدلاً عنه، بحيث يكون حكم أهل زمن الغيبة غير حكم أهل الحضور، فيكون الخطاب بالتقليد، مثل الخطاب بوجوب اعتاق الرقبة وسائر الخطابات الذاتية المتوجهة إلى المطلقات، فلا ريب إنّ الامر يدور حينئذ بين الاطلاق والتقييد، والتعيين والتخيير بالنسبة إلى قيود المكلّف به، ومقتضى الاُصول المقرّرة في محلّها: الاقتصار على القدر المعلوم منه.
فالواجب من المكلّف به، هو: تقليد المجتهد في الجملة، فيتخيّر بين افراده، إذ تقييده بالافضل خلاف أصلي: الاطلاق والبراءة، وأيّ فرق بين المقام وبين ما إذا ورد الامر باعتاق الرقبة وشكّ في تقييدها بالمؤمنة ؟
وإن كان أساسه على الطريقية، والاقربية النوعية، والاضطرار في الوصول إلى الواقع المطلوب بقدر المقدور، عند تعذّر العمل بالعلم التفصيلي والاجمالي، كما هو المشهور بين الفقهاء والاُصوليين، المنصور بوجوه من الادلّة والشواهد المحرّرة في محلّه، فلا يخفى قوة القول بتعيين الافضل الافقه الاصدق في مقام الترافع وفصل الخصومة والتقليد ونصب الامام (عليه السلام)، من غير فرق بين زماني: الحضور والغيبة، وبين العلم بالخلاف بينهما وعدمه، والعلم بأفضلية الاخر وعدمه، فيجب عليه الفحص في تعيين سلوك أقرب الطريقين.


وجوب الفحص ووجوهه الثلاثة

وإنّما يجب ـ على ذلك ـ الفحص في تعيين سلوك اقرب الطريقين لوجوه تالية:
الاوّل: أصل الشغل بالواقع المعلوم بقاعدة الاشتراك المجمع عليها والمدلول عليها بمجموعة من الاخبار الناطقة به، ولا ريب في اقتضائه: البراءة اليقينية الحاصلة بالعمل بالعلم بأحد قسميه، أو بأقرب الاُمور إليه في إصابة الواقع، وليس إلاّ ظن أعلم المجتهدين وأورع العالمين.
وحاصله: أنّ ظنّ الاعلم أقرب وأقوى وأرجح، فلابدّ من سلوكه الموجب ليقين المكلّف بالوصول إلى الواقع، والصغرى وجدانية، والكبرى عقلية ملزمة، لا محسّنة غير مقبّحة عند المخالفة.
الثاني: الاجماع المحكي نقله عن السيّد في الذريعة، والمحقّق الثاني في حاشيته على الشرائع في بحث الجهاد، والشهيد الثاني في المنية، والشيخ البهائي في الزبدة.
وهو معتضد بالشهرة المحصّلة والمحكية، إلاّ أنّه لابدّ من ملاحظة عبارات الناقلين، وله محل في الاُصول.
الثالث: الاخبار المعتبرة، مثل المقبولة، ورواية ابن الحصين، وما في نهج البلاغة ونحو ذلك، وهي مصرّحة باعتبار: الاعلمية والاصدقية والافقهية.


مناقشة الوجوه الثلاثة

لكنّه يرد على الاوّل: بأنّ الاُصول العقلية، لا تقاوم الاطلاقات الواردة في الامر بالقضاء، والافتاء، والرواية، واطلاق أدلّة المراجعة بالسؤال والجواب.
وعلى الثاني: بأنّ نقل الاجماع: بنفسه ليس بحجّة، ولا هو كاشف عن رأي الامام (عليه السلام) ولا عن الحجّة المعتبرة، فإنّ المسألة نظرية إجتهادية، والخلاف فيها صراحة وحكاية معروف.
بل الاقوال فيها أربعة: الاثبات والمنع المطلقان، والتفصيل بين العلم بالخلاف وعدمه، وبين زمن الحضور والغيبة.
بل هي غير مستقرة، فيجوز تجدّد القول الخامس، بل الازيد.
وعلى الثالث: بأنّ الاخبار تفيد الترجيح عند اختلاف المترافعين في أصل الترافع، فأُمرا بالرّفع إلى الاعلم، وعند اختلاف الحاكمين في الحكم بعد تراضي كلّ منهما على أن يكون كل منهما حاكمين ناظرين في أمرهما، فلا يمنع جواز الرجوع إلى الادون ابتداءً إذا تراضيا به، أو رجع الاخر فرضي بحكمه قبل حكم الاعلم، مضافاً إلى أنّ الاخبار وردت في اعتبار الاعلمية في القضاء دون الفتوى، أو في القضاء المستند إلى الحديث والرواية، دون ما كان مستنداً إلى الاجتهادات الحدسية، وفي اعتبارها مع اعتبار الاورعية، فلا ينفرد كل منهما في مقام الترجيح.
وأشكل على ذلك، بأنّ الاطلاقات إن تمّت بوصف الاطلاق المسوغ لتعميم المرجع مع الاختلاف في مراتبهم بحسب الاعلمية والاورعية والاشهرية ونحو ذلك من المرجّحات النوعية العارضة للرواية والفتوى ممّا كانت معهوداً فيها، كانت واردة على الاُصول العقلية، إلاّ أنّه يبقى مجال تقييد هذه الاطلاقات حينئذ بالاخبار الواردة في الاخذ بالارجح، فإنّما يتمشّى القول بالتسوية بينه وبين المرجوح بمجموع الامرين: وصف الاطلاق في الادلّة وسلامته عن معارضة المقيّدات، كما أنّ القول بترجيح الاعلم إنّما يتمشّى بأحد الامرين: من إهمال المطلقات، أو تقييدها.


تنقيح الكلام في مقامين
المقام الاوّل

وعليه: فينبغي تنقيح الكلام في مقامين:
الاوّل: في إهمالها وإطلاقها، فنقول: هذه الاخبار التي جمعها شيخنا الحرّ العاملي في وسائله(142) في باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى إلى رواة الحديث من الشيعة فيما رووه عن الائمّة (عليهم السلام) من أحكام الشريعة، لا فيما يقولونه برأيهم، على طوائف:


الاخبار الناهية عن التحاكم إلى الطاغوت

منها: ما دلّ على النهي عن التحاكم إلى السلطان الجائر، وقضاتهم والطاغوت، وكل وليجة غير الائمّة، وهؤلاء الفسّاق، والرجوع إلى غير الائمّة، ومن تعلّم منهم علومهم، والامر المقابل لهذا النهي بالرجوع إلى من ينظر في حلالهم وحرامهم ويروي أحاديثهم.
ولا ريب أنّ المقصود من هذه الطائفة: مقابلة الصنف بالصنف، وإنّ أحدهما المرجع دون الاخر، ولا يساق معها مثلها في بيان عموم الحكم لافراد الصنف، خصوصاً مع وجود الاختلاف بينهما بالقرب والبعد في مقام الطريقية وتعارضها في الكشف عن الواقع، ومع التصريح بأنّ أحد الصنفين كثير الخطأ في إصابته، وإنّهم ليسوا في شيء من الحنيفيّة، وإنّ دين الله لا يصاب بعقولهم، وإنّهم لا يعلمون من علم الكتاب شيئاً، وبالجملة: جعل العنوان مرجعاً في مقابل العنوان الاخر يفيد مجرد نفي التسوية بينهما، لا إفادة مساواة جميع أفراد العنوان، ويكون صورة الاختلاف مسألة أُخرى، فلذا سأل عنها الراوي.


الاخبار المادحة للفقه والفقاهة

ومنها: ما ورد في مدح الفقيه، وخصائص الفقاهة، مثل ما دلّ على الامر بمعرفة منازل الناس على قدر رواياتهم عن الائمّة (عليهم السلام)، وإنّ من حفظ أربعين حديثاً بعثه الله يوم القيامة فقيهاً كاملاً، ونحو ذلك، ومثل ذلك يشبه الاخبار الواردة في خصائص الصلاة وإنّ مقدار ثوابها كذا، حيث لا يمكن التمسّك باطلاق ذكر الماهية على نفي ما شكّ في اعتباره فيها، فإنّ ذلك بيان ما هو مفروغ الصحّة والاجزاء، لا لبيان الصحّة وتمييز الصحيح عن الفاسد.


الاخبار المؤيّدة لمرجعية أشخاص معهودين

ومنها: ما ورد في مرجعية الاشخاص المعهودين، لوفور فضلهم وورعهم وكونهم ثقات مأمونين في موافقة أحكامهم لاحكام الائمّة (عليهم السلام) وأنّهم عنهم يؤدّون، كلّه في شأن زرارة، وأبي بصير، والعجلي، ومحمّد بن مسلم، وزكريا ابن آدم، ويونس بن عبدالرحمن، ونظائرهم، وأمثال ذلك من القضايا في الوقائع الخاصّة، فلا تفيد إلاّ كون المناط نفس الوثوق والاطمينان بأحكام الائمّة (عليهم السلام)، دون كونه مجرد الفقاهة والرواية والقضاء، فضلاً عن تسوية الافراد عند الاختلاف.


الاخبار الدالّة على مسؤولية العلماء

ومنها: ما دلّ على أنّ العلماء ورثته، خلفاء، أُمناء، حجج عن حجّة الله عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأنّهم المسؤولون المعلّمون، ومثل ذلك أيضاً مسوق لدفع الاوهام الفاسدة الطارئة عند غيبة الامام (عليه السلام)، أو تعذّر الوصول من سقوط التكاليف عن الناس، أو وجوب العمل بالاحتياط الكلّي، أو جواز العمل بالاراء المستحسنة والامارات العامّية، أو الرجوع إلى علماء العامّة، فقد كشف بذلك عن بقاء التكاليف الواقعية، بوجود الوسائط المرشدين اليها، وهم: العلماء المتّقون، ومن المعلوم: أنّ أقرب الوسائط متعيّن، أو أنّ صورة اختلافهم غير ملحوظة.


المقام الثاني

الثاني: إنّه قد ادّعي ورود المقيّدات لو سلّم نهوض الاطلاقات. ففي المقبولة: « فإن كان كلّ رجل اختار رجلاً من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الاخر »(143).
وروى محمد بن على بن الحسين باسناده، عن داود بن الحصين، عن أبي عبدالله (عليه السلام): « في رجلين اتّفقا على عدلين، جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم ؟ قال: ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا، وأورعهما، فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الاخر »(144).
وروى موسى بن اكيل عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: « سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ له منازعة في حقّ، فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما، قال: وكيف يختلفان ؟ قال: حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان، فقال: ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله، فيمضي حكمه »(145).
ويؤيدها بعد نفي المساواة بين العالم وغيره، ذيل الرواية الهاشمية المروية في باب الجهاد « قال أبو عبدالله (عليه السلام): فإنّ أبي حدّثني وكان خير أهل الارض وأعلمهم بكتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من ضرب الناس بسيفه ودعاهم إلى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه، فهو ضال متكلّف »(146).


دفع إيهام

ولا يتوهّم اختصاص ذلك بالرئاسة في الجهاد، وأنّها للامام (عليه السلام)، دون غيره، بل يعمّ كل رئاسة دينية داعية إلى النفس، لوضوح المناط، وعدم الفرق بين الاحكام، وعدم القول بالفصل فيها، ولا الايراد السابق، فهو نظير ما أُورد على هذه النصوص بأنّها: « في المتنازعين في حقّ، وقد حكما في أمرهما رجلين دفعة، فحكم كلّ واحد منهما لكلّ واحد منهما، ولا وجه للتخيير هنا، كما في أصل المرافعة والتقليد، ضرورة تحقّق فصل الدعوى بقول أحدهما، لاتّفاق النصوص على ذلك، وإنّه لا يبطل حكم كلّ منهما بحكم الاخر، فليس حينئذ إلاّ الترجيح للحكم في كلّي الواقعة بالمرجّحات التي ذكرها الامام (عليه السلام) وقال: إنّه مع فرض فقدها أجمع، يقف حتّى يلقى الامام. وهذا غير أصل التخيير في الترافع والتقليد المستفاد من اطلاق أدلّة النصب المعتضد بالعمل في جميع الاعصار والامصار، بل لعلّ أصل تأهّل المفضول وكونه منصوباً، يجري على قبضه وولايته مجرى قبض الافضل من القطعيات »(147).
هذا كلّه مؤيّداً باشتراك الجميع في أصل الوصف المقتضي لنصبهم. وإلاّ فينبغي أن يقول: فإنّي قد جعلت أفضلهم قاضياً، وباطلاق الاجماع المحكي على شرعية قضاء التحكيم، حيث لم يعزلوا المفضول عنه.


عمدة الايرادات هنا

ثمّ إنّ عمدة الايرادات على أخبار الترجيح، دعوى اختصاصها بتعارض القضائين مع سبق تراضيهما بهما، أو اختلافهما، وعدم دلالتها على وجوب الاخذ بالارجح وترك قضاء المرجوح الصادر منه وحده، بدون قضاء الراجح وإن اختلفا في أصل الفتوى، فيبقى أصل جواز الترافع والقضاء والتقليد ابتداءً بدون قضاء الفاضل، مندرجاً تحت الاطلاقات، السليمة عن معارضة اطلاق الترجيح.
فلابدّ من الاخذ به في كلّ مورد تعارضت فيه أفراد الجنس المحكوم بالاعتبار، لاجل الطريقية أو المصلحة الاُخرى، فهو من هذا الباب ـ غيره من باب اختصاص أصل الاعتبار والحجّية الشأنيّة بأرجح الافراد، وإنّه لا عبرة بقول الادون من أصله بعد غيبة الامام (عليه السلام) ـ فيشترك افراد الجنس على اختلافها في أصل الحجّية، وإن لزم الترجيح في بعض صور التعارض.


كلام الشيخ حسن كاشف الغطاء

ثمّ إنّ المنقول عن المحقّق الشيخ حسن بن كاشف الغطاء (قدس سرهم) ردّ ذلك: بأنّه متى أطلق الحكم في الكتاب والسنّة لبيان أحكام القضاء والفتوى والرواية، فالمراد به: الواقع المجعول أوّلاً، المتّحد في نفس الامر، وإنّما يعرض التعدّد الظاهري المختلف باختلاف الطرق والانظار. والعمل بكل من القضاء والفتوى والرواية من هذا الباب، فمتى حصل الترجيح، وأوجب الشارع العمل به، فهو إرشاد إلى الاخذ به على كل حال، وتعاضد للعقل بالنقل، وسلوك أقرب الطرق مركوز في نفس العقلاء عند الخبر، كشف الامام (عليه السلام) عنه باعتبار الطرق المرجّحة النوعية، بحيث لا يحتاج السائل إلى مجرد التنبيه عليها، فلذا لم يفرّق الاصحاب في كتبهم الفقهية والاُصولية بين هذه الثلاثة في لزوم الاخذ بالمرجّحات، مع أنّ عمدتها قد وردت في ترجيح تعارض الحكمين في فصل الخصمين، ولم يقتصروا على خصوص الترجيحات المنصوص عليها عند تعارض الروايتين، وإن كان التعدّي إلى غيره محل نظر.


تفسير وتبيين

قال: وحيث عرفت ذلك، فمعنى قوله (عليه السلام): « الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما »(148): إنّ الحكم الواقعي الّذي تنجّز على المتخاصمين في الظاهر بمقتضى أقرب الطرق، منحصر في حكم الارجح الاقرب إلى الواقع، ولازم ذلك الرجوع إليه من غير فرق بين كون الطريق: قضاءً أو فتوى أو رواية، وحرف التعريف في المسند اليه والاشارة إلى الحكم الواقعي الّذي كانت أنظار الفقهاء طرقاً اليه، أو للجنس المفيد للعموم، بمعنى أنّ كل حكم يعرض في الذهن، فهو منحصر في حكم الارجح، فإنّ مثل ذلك الحمل يفيد الحصر باعتبار المواطاة والتعريف، وحمل العهد على خصوص الحكم النافع لاحد الخصمين الرافع للخصومة، بعيد، لما فيه من التزام نوع من التقييد، ولانّ الظاهر تفريع خصوص الترجيح على عمومه.
وقال (قدس سره): ثمّ إنّ دعوى كون الترجيح لاجل عدم المحيص عنه ـ لانّ المفروض حكم كل واحد منهما لكل واحد منهما، ونصب الجنس الشامل لهما، فليس بعد بطلان الجمع والاسقاط إلاّ لترجيح ـ من غرائب الكلام، إذ مع فرض تسوية أفراد الجنس، وعدم اعتبار الترجيح بذاته على وجه الاطلاق، وعدم اختصاص الحجّية الشأنية بذي الترجيح، أمكن إلغاء حكم الثاني بناءً على بطلان نقض القضاء الاول بالثاني، فينبغي أن يقول: الحكم ما حكم به الاول، فحمل الاخذ بالترجيح على اعتباره بذاته على وجه الاطلاق مع كونه فاقداً، مهملاً بذاته، سواء تقدّم أم تأخّر، قارنه الحكم بالخلاف أم سكت الافضل عنه مع مخالفته في أصل الرأي، أولى من اعتباره في خصوص صدور الحكمين المتخالفين في باب اختصاص الحجّية العقلية بذي الترجيح، إذ ليس في الاول نقض لقاعدة صورة بطلان نقض القضاء، بخلاف الثاني، مع أنّ عموم ما دلّ على حرمة النقض آب عن التخصيص.
أقول: فيما أسلفنا من المناقشات غنىً عن تكرارها هنا، والله العالم.


تنبيهات

ثم إن هنا تنبيهات ينبغي التعرّض لها، لانّها مكمّلات لهذه المباحث.


التنبيه الاوّل

الاول: إنّ ظاهر الاصحاب، اختصاص الترجيح بتعارض الروايتين، ولا يرجّحون بها تعارض القضائين والفتويين، مع أنّها منصوص عليها في المقبولة، وفي المرجّحات النوعية، وقوة الظن بالواقع منها ـ نوعاً ظاهرة ـ وظاهرهم قصر الترجيح في القضاء والفتوى على الاعلمية والاورعية، ويمكن التزام الترجيح بها في المقامات الثلاثة، وعدم بلوغ الظاهر منهم حدّ الاجماع إذا كان خلاف مقتضى العقل والنقل، من غير نصّ منهم ومن الادلّة على الخلاف، ولعل ظهور التخصيص من باب المثال، أو تكرّر ذكر خصوص الاعلمية في الاخبار.
أو يقال: تحصيل الشهرة في جميع فتاوى الاحياء والاموات لعامة العوام، غير ميسّر بنظره وتتبّعه، أو بطرق النقل، بخلاف الاعلمية والاورعية في خصوص الاحياء، حيث بطل تقليد الاموات ابتداءً، وأمّا توهين الشهرة في حقّ مقلّد أحد المتساويين بنظر مجتهده النائب عنه فهو معارض بمثله.
أو يقال: إنّ الترجيح بالاشهرية في خصوص المقبولة، وكلمة الموصول فيها تختص بتعارض الروايتين عند من يتلقّاهما ابتداءً، مع أنّ معنى المشهور ما يعرفه الشاذّ الّذي لا يعرفه المشهور، فيختص بتعارضها.


التنبيه الثاني

الثاني: أنّ وجوه الترجيح ـ كما ذكره الشيخ الانصاري (قدس سره) في الرسائل ـ بين القضائين المتعارضين غير منحصرة في الاربعة المذكورة في الاخبار، إذا كان بناؤها على الطريقية الكاشفة، فكم من ترجيح يستحسنه العقلاء بأنظارهم المبنية على الاراء والاقيسة، ووجوه الاستحسان والمصالح المرسلة، وكبر السن، وحسن التدبير والسياسة، وموافقة بعض أهل العصر، وظاهر السيرة، ونحو ذلك ممّا يفيد الظنون الشخصية ويرجّح رأي أحد المجتهدين على الاخر، فما الوجه في اختصاص النصّ والفتوى بالترجيح بالاربعة المذكورة فيها ؟
ومن هنا قيل: إنّ التقليد مبني على التعبّد دون الوصف، حتّى أنّه مكلّف بالرجوع إلى الاعلم وإن حصل الظن بخلاف قوله، من جهة موافقة قول الادون للشهرة ونحوها، فإذا أمكن إسقاط اعتبار هذه الترجيحات الشخصية، فليسقط اعتبار الاربعة، فإن اعتبر البعض فليعتبر الجميع، بل الظاهر المصرّح به في كلام البعض، الاستدلال بذلك على عدم تعيين الاعلم.


التحقيق في المقام

والتحقيق في هذا المقام: إنّ المرجحات الشخصية العوامية، كالاقيسة والاستحسانات والاعتبارات التي لا تستقصى في أنظار العوام، إمّا راجعة إلى المرجّحات النوعية، المنصوص عليها قطعاً أو ظنّاً، فلا إشكال في المقام، وإمّا مغايرة لها معارضة أو غير معارضة، ولا ينبغي الاشكال أيضاً في الثالث، إذ يمكن القول بوجوب مراعاتها والاخذ بها بعد حصولها، والفحص والتحرّي عنها قبل حصولها، لقضية أصل الشغل، وبناء الطريقية، وعدم اطلاق الادلّة النقلية يساق للتعميم مع فرض وجود مطلق المرجّحات، ولم يظهر منهم إجماع على عدم مراعاتها، واعتبارها في الاخذ بالطرق، كاعتبار أصل القطع واليقين لا يختصّ ببعض دون بعض، ولم ينكر أحد من العلماء اعتبار قطع القاطع في حقّه، وإن احتمل كونه جهلاً مركّباً في نفس الامر، ولا يعتبرون الامارات الشرعية الظنّية في مقابله في نفس الامر، لا بحسب الاعتقاد والظنون المرجّحة لاحد الطريقين على الاخر من أيّ سبب حصلت عند العلماء والعقلاء من هذا الباب.
ومن قال من بعض المتأخرين: بأنّ التقليد من باب الوصف، فالظاهر أنّه أراد هذه الصورة. وهو غير بعيد، لقوة الوصف عقلاً وشرعاً، وعدم ورود المنع الشرعي في خصوص المقام. ولا الثاني، فالحقّ فيه عدم رفع اليد عن المرجّحات النوعية المنصوص عليها، كالاعلمية والاورعية والاشهرية ومخالفة العامة وموافقة الكتاب والسنّة، بمزاحمة ظنون العوام ووجوه الاستحسانات منهم، لعدم حصرها وعدم انضباطها المؤدّي إلى الهرج والمرج أوّلاً. وكون المرجّحات النوعية المعتبرة في النص والفتوى أقرب إلى الواقع ثانياً.


نموذج ومثال

مثلاً: إذا اختلف الاعلم والادون في ضمان الغاصب بالجهل إذا ترتّبت يده على أيدي العالمين بالغصب، ويرى الاعلم ضمان الجاهل لعموم أدلّة اليد المؤيّد بالاستقراء، والعامي يستحسن عدمه من جهة الجهل المسقط للعقوبة، فهل يسوغ للفقيه المتتبّع في الادلّة وأسباب الضمان، التوقّف على ترجيح الاعلمية على هذا الاستحسان، مع أنّها المدار في الكشف المطلوب من الطرق دونه.
وأغلب موارد الظنون العامية من هذا القبيل المنافي لمذاق الادلّة الشرعية، بل الانصاف أنّ المرجّحات النوعية التي تنفع في مقام تعارض القضاء أو الفتوى أو الرواية، وتكون أقرب إلى الواقع، مقصورة على هذا القدر المذكور في الفتوى ورواية عمر بن حنظلة وغيرها، وإلحاق غيره بها يحتاج إلى اجتهاد بليغ يعرف به المساواة بينهما، وطرق الاحكام الشرعية ما هو المأنوس من الادلّة المعهودة عند الفقهاء، فإنّ طريق كلّ شيء بحسبه، فتكون الاحالة في تشخيص المرجّحات النوعية وأشباهها إلى أنظار الفقهاء وظنونهم، ومنشأ ذلك كلّه عدم المؤانسة بين حكم الاحكام وعقول الناس التي لا يصاب بها.


التنبيه الثالث

الثالث: قد يقال: إنّ وجوب الاخذ بالارجح في القضاء والفتوى والرواية مطلق لا مشروط، لاطلاق الادلّة على تنجّز الواقع في حق المتمكّن من الوصول اليه، فتكون المقدّمة أيضاً واجبة مطلقاً، فيتفرّع عليه وجوب الفحص والتحرّي عن الاعلم، إلى أن يحصل العلم به أو الظن، أو يحتاط في المسألة الفرعية أو الاُصولية، كما هو الشأن في كل مورد حصل العجز عن الواقع، أو عن الطريق اليه.
ولو دار الامر بين الاعلم والاورع، تعيّن الاعلم، لانّ المؤثّر في إصابة الواقع، هو العلم، والمفروض وجود العدالة المانعة عن ترك الواجب من مقدار الفحص، وزيادة الورع إن كانت في غير الفحص، فهي أجنبية عن قرب الوصول إلى الواقع، وإن كانت في زيادة الفحص عن الادلّة والمعارض، أو إمعان النظر فالظاهر أنّه لا يؤثّر أيضاً، إلاّ في تطويل الوقت. ورجحان نظر الاعلم موجود في كلّ وقت.
ولو دار الامر بين من يحتمل أنّه أعلم، ومن لا يحتمل فيه إلاّ المساواة، أو الادونية، أخذ بالاول، فإنّ احتمال المرجّح كوجوده عقلاً بالنسبة إلى فاقده.
ولو عجز عن العلم بالمرجّحات، أخذ بالظن في كلّ مقام، إذ لولاه لزم إمّا تجويز الرجوع إلى الادون، أو الالزام بالاحتياط الكلّي، وفسادهما بعد البناء على إعمال المرجّحات ظاهر.


التنبيه الرابع

الرابع: نقل عن بعض المحقّقين أنّه قال: إنّ عمدة أدلّة وجوب تقليد الاعلم قضية أصل الشغل، المعتضد بالوجوه العقلية، والنقلية، وعمدة الادلّة على عدم الوجوب: اطلاقات الكتاب والسنّة، وأنّها معتضدة بسيرة الصحابة والمتشرّعة، ولا يخفى وهن الاطلاقات أوّلاً بالاهمال، وثانياً بإمكان التقييد، وكون السيرة مجملة، بل الظاهر أنّها مبنية على زعم عدم الاختلاف، واتّحاد لسان الطرق في الكشف عن الواقع.


التمسّك بالاصل

وقد يتمسّك لهذا القول بالاصل. فإن أُريد استصحاب التخيير بين المتساويين قبل حدوث الاعلمية لاحدهما، ففيه: أنّ هذا التخيير حكم عقلي مبنيّ على عدم المرجح بعد بطلان الطرح، وعدم إمكان الجمع، فإذا حدث المرجّح، ارتفع حكم العقل بارتفاع موضوعه فكان له حكم آخر عند حدوث أقرب الطرق إلى الواقع، إذ لا فرق في وجوب مراعاته بين وجود الاعلم ابتداءً، أو حدوثه بعد التساوي. ومن هنا أمكن القول بوجوب العدول إلى الاعلم بعد حدوثه أو بعد تبيّنه، وجواز تقليد الميّت ابتداءً فضلاً عن استصحابه إذا كان أعلم من الاحياء، وجواز تقليد الادون إذا وافق قوله قول الاعلم في الازمنة السابقة، وليس ذلك من تقليد الميّت ابتداءً، إذ أصل الاستناد إلى قول الحي لاجل رجحانه بموافقة الاعلم الميّت، وإن كان للكلام في جميع ذلك مجال واسع.
وإن أُريد أصالة البراءة عن تعيين الاعلم، ففيه: إنّ ذلك إنّما يتمّ لو قلنا بعدم تكليف المقلّدين بالواقع ابتداءً، وإنّهم مكلّفون بمحض الرجوع إلى العلماء، وإنّه واقعة جديدة كلّفوا بها على وجه دار الامر فيه، بين الاطلاق والتقييد في المكلّف به، وهذا وهم فاسد جدّاً، وإن مال إليه بعض متأخري المتأخرين، ضرورة الفرق بين الادلّة الامرة بالاخذ بالطرق إلى الاحكام الواقعية، وبين الادلّة الكاشفة عن جعل الاحكام، التي هي مدلولات تلك الطرق، فإنّ الحكم في الثاني أصلي ابتدائي، وفي الاول إرشادي، فيكون الظنون والروايات للمجتهد، واعتبار أقوال المجتهدين للمقلّدين، واعتبار البيّنة ونحوها في الموضوعات على حدّ سواء.
وكما أنّ المجتهد إذا شكّ في اعتبار الخبر الموثّق، بعد قطعه باعتبار الخبر الصحيح، فلا يسوغ له أن يقول: الاصل عدم اعتبار صحّة السند، أو الاصل البراءة عن تعيين خصوص الصحيح، فكذا المقلّد إذا شكّ في اعتبار قول الادون بعد قطعه باعتبار قول الاعلم، فلاوجه لاجراء الاصلين.


سرّ هذا المقال

والسرّ في ذلك: أنّ الشكّ في كل من المقامين راجع إلى حجّية بعض الطرق دون الاخر، بعد القطع بشغل الذمّة بالواقع، فلابدّ من تعيين البدل المبرئ لها قطعاً بحكم العقل أو النقل، فلا مسرح للاصل المزبور في إثبات ذلك قطعاً، وكذا الكلام في أدلّة الموضوعات في البيّنة وغيرها، ومن لوازم الحكم الارشادي: أنّه إذا تعارضت الطرق بعضها مع بعض وتعادلت أو ترجّح البعض على الاخر، لم يمكن التمسّك بنفس الاطلاق على التخيير، فإنّ غاية ما يستفاد من التخيير في الافراد إذا اتّحد لسانها في الكشف عن الواقع، أو مع الجهل بالحال دون التخيير في الاحوال، وإن كان الاطلاق في الاحوال ينفع في سائر الادلّة.
ووجه الفرق: أنّ الحكم المسوق لاجل الطريقية، إنّما ينظر إلى ما هو طريق مرشد إلى الواقع، وهذا في صورة التعادل، وفي الفرد المرجوح مفقود.
نعم، العقل يحكم بالتخيير في صورة التعادل، كما يحكم بالاخذ بالراجح، وليس ذلك من مفاد الاطلاق، وإلاّ لزم استعماله في التعيين والتخيير والتعميم، ومفاده مجرد بيان طريقية كل لايصال الواقع، مثل قوله (عليه السلام): « أهل بيتي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم، اهتديتم »(149).


هنا مناقشات

وإن أُريد أصالة عدم مرجّحية الاعلمية، ففيه ما يلي:
أوّلاً: إنّ هذا الاصل لا يثبت اعتبار قول الادون عند التعارض.
وثانياً: إنّه معارض بأصل عدم اعتبار قوله في مقابل قول الاعلم المعتبر قطعاً.
وثالثاً: إنّه لا مسرح لهذا الاصل في إثبات الطريق الفعلي عند اشتباهه ومزاحمته الطرق، فإنّ المرجّح فيه، القوة العاقلة، وبناء العقلاء، المطّلعان على مصلحة وصول الواقع في جعل الطرق، والاُصول الشرعية تنفع في الاحكام الشرعية المختفية المصالح.
ورابعاً: إنّ هذا الاصل واستصحاب التخيير السابق، معارضان باستصحاب تعيين الاعلم، وحرمة العدول عنه إذا وجد الادون، لتسافله بعد التساوي، أو لحدوثه بعد عدمه، فإذا تعيّن الاعلم في هاتين الصورتين، تعيّن عند وجوده مع الادون في زمان واحد، لعدم القول بالفصل، كما إنّه لو تم التخيير بسبب الاصل في بعض الصور، تمّ مطلقاً، لعدم الفصل بينهما.


تحقيق المقام

وتحقيق هذا المقام: إنّ استصحابي: التخيير والتعيين، كدعوى عدم القول من الجانبين معارضان، فالمرجع حينئذ قضية أصل الشغل، بناءً على طريقية الفتوى كما هو المشهور المنصور، أو أصل البراءة عن التعيين.
ولو فرض التعارض بين استصحاب التخيير وأصل الشغل، فالاوّل حاكم على الثاني، ولا ينفع قلب دعوى عدم القول بالفصل لو أخذ بالثاني، إذ فيه طرح للاصل الحاكم بمقابلة الاصل المحكوم عليه، كما لا ينفع مثل هذا القلب في كل مورد استلزم طرح الدليل الاجتهادي الوارد في بعض افراد المدّعى، كما في نجاسة بعض الاعيان بأصالة الطهارة في بعض افراده الاُخرى.
ولكن قد عرفت: إنّ المحل قد تمحّض لاصل الشغل، وإنّه لا مجرى لاستصحاب الحكم العقلي، وإنّ مدار الامر على وصف الاعلمية على كل حال، من غير فرق بين الابتداء والحدوث، وحالتي: الحياة والموت، والعلم والجهل، إذ هو أقرب الطرق إلى الواقع المقصود بالذات، بل يمكن أن يقال: قول الادون في مقابله ليس طريقاً بالذات.
نعم، لو كان الاعلم ميتاً وهو أعلم العلماء من الاموات والاحياء، ولم يوافقه أحد من الاحياء، فلو قلّده كان من تقليد الميّت الّذي قد نقل عدّة: الاجماع على أنّه لا يحلّ، فإن تمّ وإلاّ فمقتضى الطريقية تعيّنه، ولعلّ هذا الاجماع مع مخالفته لها هو من جهة العجز عن إحراز أعلم الاموات السالفين أو إحراز رأيه الّذي مات عليه، ويمكن الاكتفاء بمثل هذا الاجماع المتكرّر نقله في عدم البراءة عن الواقع بالرجوع إلى أعلم العلماء، الميّت ابتداءً، إذ لا ملازمة بين الظن بالواقع والظن بالبراءة الظاهرية، على تأمّل في هذا الكلام، وإن وافقه أحد من الاحياء أمكن تجويز الرجوع وإن كان أدون، لامكان القول: بأنّه تقليد الاعلم الميّت حقيقة، وإن ذلك لا يندرج في معاقد الاجماعات.
كما يمكن أن يقال: إنّه تقليد الادون من الاعلم الحي، وإنّه جائز في صورة رجحانه على تقليده بموافقة رأي أعلم الاحياء والاموات. ولا يحضرني ثمرة في استناد التقليد إلى أحدهما، إلاّ في وجوب العدول عند موت الادون، وهو أيضاً موضع تأمّل.


جملة الكلام

وجملة الكلام في الجواب عن الاطلاقات، والاُصول التي تمسّك بها لعدم وجوب تقليد الاعلم هي: أنّ الاوامر الواردة في الاخذ بطرق الاحكام الشرعية كالروايات بالنسبة إلى المجتهدين، وفتاواهم بالنسبة إلى المقلّدين، إرشادية مبنية على مصلحة الطريقية، وأنّها العمدة، وإن كان الشارع قد يستدركها عند الخطأ مع انكشافه، أو بدونه بالتعويض بمصلحة البدل أو العذر والانقياد.
ويدلّ على ذلك الاصل بعد ظهور نفس تلك الاوامر والادلّة المرشدة إلى بعض الطرق، وقضية مذهب التخطئة، ظهور الاجماع وسيرة المتشرّعة، مضافاً إلى صريح الاخبار الواردة في أنّ الرجوع إلى علماء الامامية دون المخالفين، من جهة أنّهم يحكمون بأحكام الائمّة (عليهم السلام) وينظرون في حلالهم وحرامهم، وإنّهم إلى الحنيفية دون غيرهم ممّن يحكمون بأحكام الجاهلية، وقد يتفرّع على ذلك أُمور:


هنا أُمور
الامر الاوّل

منها: إنّ تعادل الخبرين يوجب تساقطهما، والرجوع إلى الاصل الثالث، إذا لم يتّفقا على فساده، والتخيير بينهما إذا اتّفقا عليه.


الامر الثاني

ومنها: عدم الاطلاق في الادلّة، وكون التخيير بين الافراد عقلياً، سواء توافقت في المؤدّى أم تعارضت مع استوائها في مرتبة الكشف، وعدم إمكان الخروج عنها، لمخالفة العلم الاجمالي.


الامر الثالث

ومنها: جواز التعدّي عن المرجّحات المنصوص عليها، إلى غيرها للاشتراك في الرجحان المتّبع في باب الطرق، وفي بعض أخبار العلاج إشارة إلى ذلك، وإنّ ذلك من باب تعاضد العقل.


الامر الرابع

ومنها: عدم الفرق بين المجتهد والعامي في التعدّي إلى غير المنصوص عليه، والاخذ بمطلق أسباب الرجحان إذا تعارضت الادلّة والفتاوى، ولكن قد سمعت إنّ الشرط في إجتهاد العامي في فتاوى العلماء عدم معارضة الظنون الشخصية الحاصلة بأسباب عامّية، للظنون النوعية الحاصلة من الاسباب المنصوص عليها، فإنّ هذا أقرب في نفس الامر من تلك إلى الواقع، وإن كان مسرح نظر المجتهد أدلّة الاحكام، ومسرح نظر المقلّد فتاوى العلماء، والنوعي مقدّم على الشخصي في المقامين.


الامر الخامس

ومنها: وجوب الرجوع إلى الاعلم، كما أنّه مطلق بالنسبة إلى الفحص واتّفاق حصول العلم به، فيكون مطلقاً بالنسبة إلى سائر الاحوال أيضاً، كما إذا تصاعد أحد المتساويين، أو تسافل، أو مات الاعلم، أو اطّلع عليه بعد جهله به، أو كان ميتاً وقلّده ابتداءً مع موافقة أدون الاحياء، أو بدونها، إن لم يقم إجماع على المنع في هذه الصورة.


الامر السادس

ومنها: إنّه إذا تعسّر الوصول إلى الاعلم، لبعد البلد أو نحوه، أو لم يكن له في حكم الواقعة رأي، كان مقتضى القاعدة الاحتياط، فإنّ انسداد باب الرجوع إلى الاعلم كانسداد باب العلم بالواقع، فإنّه لو لم يجب الاحتياط على وجه الكلّية، فلا أقل من التبعيض خصوصاً في الوقائع الخطيرة، مثل الاكتفاء بالعقد الفارسي في الفروج ونحوها، لا سيّما بالنسبة إلى من سهل عليه الاحتياط من جهة العلم والعمل، فان بطل وجوب الاحتياط ولو في الجملة من جهة دعوى الاجماع، أو العسر النوعي الّذي يصلح حكمة لتشريع حكم المطلق، باطلاق الدليل، لا دليلاً على نفي الحكم أيضاً في المورد الميسور النادر، اتّجه الحكم حينئذ بوجوب تقليد الاعلم فالاعلم الميسور، وقد قضى بذلك جملة من علماء العصر. ولكن إبطال الاحتياط في كل واقعة وفي حق كل أحد محل الريب، خصوصاً إذا علم رأياً مخالفاً لرأي الادون الميسور، ولم يمكن العلم تفصيلاً، ولا يبعد جواز تقليد غير الاعلم بدون لزوم الاحتياط، إذا لم يكن للاعلم رأي في الواقعة، وأمّا إذا علم وجود رأيه المخالف إجمالاً، أو احتمل ذلك، فلا وجه لرفع اليد عن مقتضى الاحتياط.


الامر السابع

ومنها: إنّه قد يورد على المقبولة ونحوها، بقصر دلالتها على ترجيح الخبرين، اللذين هما مستند الحكمين في فصل الخصومة الواقعة في دَين أو ميراث، فلا وجه للتعدّي إلى ترجيح المجتهد لاحد الامارتين من الخبرين أو غيرهما، ولا لترجيح أحد الفتويين على الاخر، بل ولا بترجيح أحد القضائين على الاخر، إذا كان مستندهما الاجتهاديات والظنون الحدسية، بل قد يقال: إنّ المستفاد من بعض أخبار الترجيح، كون محلّه خصوص الحديث، وإنّ حصوله موقوف على مجموع الامرين: الافقهية والاورعية، فكيف يمكن مع ذلك كلّه تعيين الاعلمية وحدها من أيّ جهة كانت، وأيّ مورد كان ؟
لكن لا يخفى عليك المناقشات في ذلك كلّه بما أسلفناه، والله العالم.


التنبيه الخامس

الخامس: بناءً على وجوب تقليد الاعلم يكون السببب المسوّغ للتقليد هو: نفس رأي الاعلم، سواء اختصّ به أم وافقه الادون أيضاً، واحداً أم أزيد.
وعليه: فإذا قلّد العامي الجاهل بالحكم، أو بالموضوع، الادون، بأن أسند عمله اليه وعزم اتّباعه، فهو في الحقيقة تقليد الاعلم الموافق أيضاً، وإضافة التقليد إلى المتوافقين في الرأي لا ينافي صدق تقليد الاعلم الحاصل من موافقة العمل لرأيه، ولا يتوقّف على العزم على الاستناد اليه، ولا يشترط في صحّته، ولا السبب المسوّغ للقضاء وارتكاب الحكم، فهو نفس الرأي، وهو في الادون ينتهي إلى مجرد العذر، لو ارتكبه بينه وبين الله تعالى، وليكن السبب الّذي يوجب فصل الخصومة بين المترافعين، فليس إلاّ إنشاء الحكم، فإن صدر من الادون الموافق للاعلم في الحكم وطرق الشبهات الموضوعية، فهل يوجب فصلها من جهة الاتّحاد في الرأي، وتحقّق السبب في الجملة، ووضوح المناط، أم لا ؟ من جهة أنّ الادون بمعزل عن المنصب بعد تخصيصه في الاخبار بالاعلم، فكان انشاؤه كالانشاء الصادر من غير الاهل.
وكذا القضاء، فإنّ قضاء الادون مع الموافقة كتقليده معها وانعزاله الثابت بالنصّ والفتوى، مختص بصورة العلم بالمخالفة، أو مع احتمالها أيضاً، فيكون قضاؤه مع احراز الموافقة مندرجاً في العموم العقلي، الثابت بنصب الجنس بعد ضمّ قضية الطريقية، أو في الاطلاق الشرعي إن قلنا به في أدلّة النصب، مع أنّ قضاءه حينئذ قضاء الاعلم، إلاّ أنّه لم يباشره، والاصل قاض بعدم اعتبار مباشرته، وكون الادون كالوكيل المأذون بعد اعتبار الاصلين: العقلي والشرعي.
ولا تولية الادون في الانفس والاموال، بمعنى إرجاع العامي أُموره اليه، مثل دفع الحقوق، ونكاح الصغير، والتصرف في كسبه وماله، فإن علم الموافقة بينه وبين الاعلم في الفتوى أو العمل، فلا ينبغي الاشكال في جوازها، وإلاّ فهو محله، فإنّ المفروض وجوب تطبيق العامي كل واقعة واقعة بما يندرج على رأي الاعلم، والبراءة عن ذلك مشروط بالعلم بوقوعه، فيرجع الامر حينئذ مع الرجوع إلى الادون المخالف في الواقعة المشكوكة إلى تقليده.


البحث بعبارة أُخرى

وبعبارة أُخرى: تقليد الاعلم شرط في البراءة عن الواقع ولم يُعلم، فلم تُعلم، فلو دفع الخمس مثلاً إلى الادون القائل بجواز صرفه في غير السادة، والاعلم يرى وجوب صرفه فيهم، فلم يعلم به الادون، فلم يوافق عمل العامي رأي الاعلم، وهذا ظاهر وإن خفي على بعض المعاصرين، فهي إلى جواز تولية الادون مع إيجابه تقليد الاعلم، نظراً إلى عموم أدلّة الولايات، وإنّ اشتراط الاعلمية مختصّ بالفتوى والقضاء، وأنت خبير بأنّ التولية ترجع إلى الاستفتاء حيث طابق مرجع عمل العامي دون الادون.


التنبيه السادس

السادس: يظهر من بعضهم: إنّ من أوجب الرجوع إلى الاعلم، فقد جوّز تقليده حتى في مسألة جواز تقليد الادون، فإذا أجازه بعد الرجوع اليه ابتداءً، جاز وإن خالف هذا الاعلم المجوّز أو غيره في المسألة الفرعية، لكنّه قيل باستثناء هذه المسألة الكلّية عن المسائل العملية التي يجب فيها تقليد الاعلم، بمعنى: إنّه لا يجوز تقليده في جواز تقليد الادون، إذا خالف رأيه رأي الاعلم في المسألة الفرعية، سواء كان الاعلم من أوجب تقليد الاعلم، أم من جوّز تقليد الادون، أم ثالثاً لا رأي له في هذه المسألة، وإن كان له رأي مخالف في الفرعية، وذلك لما تقدّم: من تقديم الظن الممنوع في المسألة الفرعية على الظن المانع في المسألة الاُصولية، ورجحان إدراك مصلحة الواقع على تحصيل الظن بتفريغ الذمّة، والعلّة في وجوب تقليد الاعلم القرب إلى الصواب، فينتفي بانتفائه، مع أنّ الاعلم إذا خطّأ الادون في أدلّة المسألة الفرعية، فكيف يجوز تقليده، من غير فرق بين الموجب والمجوّز ؟ نعم، يعقل ذلك فيما لم يكن فيها رأي، فينحصر تقرير وجه المنع الزائد على هذا الوجه في تقليد الادون المقابل للثالث، الّذي له رأي في تقليد الاعلم. ولقد طال الحديث في تقليد الاعلم ولكنّه كان يتضمّن فوائد كثيرة خصوصاً وقد اشتهر في عصرنا الاصرار عليه من بعض الاكابر، فكان ينبغي بسط البحث عنه، والله العالم.
التخيير عند تساوي المجتهدين


(1) منية المريد: ص167.
(2) مخطوط في مكتبة آية الله المرعشي ـ قم برقم ( 19543 ) أوائله.
(3) الجواهر: ج40، ص45.
(4) جامع الشتات: ج2 ص680.
(5) مفتاح الكرامة: ج10 ص4.
(6) النساء: 11.
(7) تقرير بحث شريف العلماء: ج2، ص382 (مخطوط).
(8) المكاسب: ج5، ص405.
(9) منهاج الصالحين: كتاب التجارة، ص160.
(10) أُنظر مصباح الفقاهة: ج7، ص293، وعمدة الطالب: ج3، ص544.
(11) العروة الوثقى: فصل في ثبوت التطهير، م1.
(12) الجواهر: ج40، ص425.
(13) تكملة المنهاج: ج1، ص61، م64.
(14) موسوعة الفقه: ج1، ص121.
(15) الوسائل: الباب12 من أبواب الماء المطلق، ح1.
(16) الوسائل: الباب64 من أبواب النجاسات، ح1.
(17) المستدرك: الباب7 من أبواب ما يكتسب به، ح1.
(18) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(19) معجم رجال الحديث: ج14، ص32.
(20) عدة الاُصول: ج1، ص154.
(21) الجواهر: ج16، ص109.
(22) الجواهر: ج20، ص257.
(23) الجواهر: ج20، ص175.
(24) عدة الاُصول: ج1، ص387.
(25) صلاة الشيخ الانصاري: ج1، ص46.
(26) صلاة الشيخ الانصاري: ج1، ص47.
(27) المستمسك: ج5، ص156.
(28) المصابيح: ص26.
(29) الوسائل: الباب5 من أبواب المواقيت، ح6.
(30) رجال الكشي: ص283.
(31) معجم رجال الحديث: ج14، ص32.
(32) معجم رجال الحديث: ج14، ص32.
(33) مفتاح الكرامة: ج10، ص4.
(34) كتاب الزكاة للشيخ الانصاري: ص356.
(35) كتاب القضاء والشهادات للشيخ الانصاري: ص30.
(36) كتاب القضاء والشهادات للشيخ الانصاري: ص231.
(37) كفاية الاُصول: ص292.
(38) كفاية الاُصول: ص303.
(39) كتاب القضاء والشهادات: ص53، طبعة جديدة.
(40) فرائد الاُصول: ص773 من الطبعة الجديدة.
(41) المسالك: ج1 ص285 الطبعة القديمة.
(42) كتاب القضاء والشهادات: ص53.
(43) الجواهر: ج40، ص97.
(44) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(45) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح45.
(46) نهج البلاغة: ج3، ص94، طبعة بيروت.
(47) الوسائل: الباب26 من أبواب صلاة الجماعة، ح1.
(48) نهج البلاغة: ج2، ص86، رقم الخطبة 173، طبعة بيروت.
(49) نهج البلاغة: ج4، ص21 تحت رقم96.
(50) المكاسب: ج2، ص29.
(51) كتاب الزكاة للشيخ الانصاري: ص361.
(52) نهج البلاغة: ج3، ص94.
(53) كتاب القضاء والشهادات: ص54.
(54) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح27.
(55) البحار: ج2، باب15، في ذمّ علماء السوء، ح16.
(56) البحار: ج5، ص99، الباب الخامس، ح12.
(57) التنقيح: ص146.
(58) كتاب القضاء والشهادات للشيخ: ص54.
(59) القضاء والشهادات: ص55، وأُنظر المسالك للشهيد الثاني (قدس سره): ج2، ص285، طبعة قديمة، ومجمع الفائدة للمحقّق الاردبيلي (قدس سره) ج12، ص21، طبعة جديدة، ومستند الشيعة للنراقي (قدس سره) ج2 ص522، طبعة قديمة، والجواهر ج40، ص44 وغيرها.
(60) التنقيح: ج1، ص151.
(61) الوسائل: الباب12 من أبواب صفات القاضي، ح28.
(62) المستدرك: الباب 12 من أبواب مقدّمات الحدود، ح4.
(63) فرائد الاُصول: ج2، ص357.
(64) نهاية الافكار: ج4، ص249.
(65) نهاية الافكار: ج4 ص248.
(66) رسائل فقهية: ج23، ص330، من تراث الشيخ الاعظم (قدس سره).
(67) نهاية الافكار: ج4، ص256.
(68) نهاية الافكار: ج4، ص248.
(69) التنقيح: ج1، ص150.
(70) القضاء والشهادات: ص56.
(71) فرائد الاُصول: ج2، ص359.
(72) كتاب النكاح: ص77.
(73) التنقيح: ج1، ص150.
(74) مصباح الاُصول: ج2، ص225.
(75) نهاية الافكار: ج4 ص186.
(76) نهاية الافكار: ج4، ص212.
(77) جامع الشتات: ج2، ص680.
(78) الجواهر: ج21، ص402.
(79) الجواهر: ج40، ص46 ـ 44.
(80) مستند الشيعة: ج17، ص46.
(81) مفتاح الكرامة: كتاب القضاء، ج10، ص5.
(82) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح23.
(83) عدّة الاُصول: ج1، ص343.
(84) نهاية الافكار: ج4، ص247.
(85) أي: كتاب إرشاد الاذهان للعلاّمة الحلي (قدس سره).
(86) القضاء والشهادات: ص41.
(87) القضاء والشهادات: ص42.
(88) القضاء والشهادات: ص44.
(89) القضاء والشهادات: ص44.
(90) و (91) و (92) التنقيح: ص215 و216 و218.
(93) التنقيح: ص227.
(94) موسوعة الفقه: ج1، ص127.
(95) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(96) نهاية الافكار: ج4، ص245.
(97) الجواهر: ج40، ص46.
(98) الجواهر: ج40، ص44.
(99) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح42.
(100) الجواهر: ج40، ص45.
(101) في حاشية منتخب الرسائل: للسيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره)، المسألة الحادية عشرة، ص76، طبعة جديدة.
(102) العروة الوثقى: التقليد، م18.
(103) نهاية الافكار: ج4، ص247.
(104) مستمسك المسائل المنتخبة: ج1، ص272.
(105) العروة الوثقى: التقليد، م18.
(106) كشف الغطاء: ص42.
(107) مجمع الرسائل: ص14، طبعة جديدة.
(108) مجمع الرسائل: ص14.
(109) العروة الوثقى: التقليد: م18.
(110) العروة الوثقى: التقليد، م18.
(111) المستمسك: ج1، ص30.
(112) العروة الوثقى: فصل في الماء الراكد، م7.
(113) التنقيح: ج1، ص160.
(114) مجموعة رسائل: ص81.1
(115) فرائد الاُصول: ص526، الطبعة الجديدة.
(116) كتاب الطهارة: ص223، الطبعة القديمة.
(117) بحر الفوائد: ج2 ص216، البراءة والاشتغال.
(118) بحر الفوائد: ج2 ص216، البراءة والاشتغال.
(119) العروة الوثقى: كتاب الحجّ، الاستطاعة، م21.
(120) العروة الوثقى: صلاة المسافر، م5.
(121) مستند العروة: كتاب الصلاة، ج8، ص39.
(122) كتاب الحجّ: ج1، ص127، م21.
(123) أُنظر مصباح الفقه للفقيه الهمداني (قدس سره): ج1، ق1، ص183 و357، وأُنظر مقالات الاُصول الاُصول للمحقّق العراقي: ج2، ص410.
(124) فرائد الاُصول: ص252.
(125) الكفاية: ص361، طبعة آل البيت.
(126) كفاية الاُصول: ص222.
(127) نهاية الافكار: ج4، ص247.
(128) نهاية الافكار: ج4، ص248.
(129) مجمع الرسائل: ص14، الطبعة الجديدة.
(130) مجمع الرسائل: ص14.
(131) الرسالة العملية للشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدس سره): ص5.3
(132) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح21.
(133) سؤال وجواب: للسيّد محمّد كاظم اليزدي (قدس سره)، فصل في التقليد، ص8.
(134) وممّن ادّعى الاجماع: الشيخ في الرسائل في مبحث الاشتغال، ج2، ص441، من الطبعة الجديدة قال: « أمّا إجراء الاصل في الشبهة الموضوعية، فإن كانت الشبهة في التحريم فلا إشكال ولا خلاف ظاهراً في عدم وجوب الفحص... وإن كانت الشبهة وجوبية فمقتضى أدلّة البراءة ـ حتّى العقل، كبعض كلمات العلماء ـ عدم وجوب الفحص أيضاً » ولكن قد صرّح الشيخ وكذا غيره في موارد عديدة من كتبه الفقهية بوجوب الفحص في الشبهات الموضوعية: منها: في اشتباه القبلة عند التخلّي، قال: « لو اشتبهت القبلة وجب الفحص، لثبوت النهي عن الاستقبال والاستدبار، ولا يحصل الاجتناب عن المنهي عنه إلاّ بالفحص... » ـ كتاب الطهارة: ج1، ص69 من الطبعة القديمة ـ والشاهد في تعليل كلام الشيخ (قدس سره) لوجوب الفحص، وإلاّ فإنّ أصل المسألة باعتبار العلم الاجمالي المنجّز مورد أصل الاشتغال. ومنها: في تردّد المستحاضة بين كونها قليلة أو كثيرة أو متوسطة، حيث إنّ المسألة مورد البراءة، لانحلال العلم الاجمالي إلى العلم التفصيلي بالاقل وهو: أحكام القليلة، والشكّ البدوي في الاكثر، قال: « ثمّ إنّ دم الاستحاضة ينقسم بحسب قلّته وكثرته وتوسّطه إلى ثلاثة مختلفة في الاحكام، وحيث لا طريق عادةً إلى معرفتها إلاّ بالفحص والاعتبار، وجب على المستحاضة اعتبار الدم لتعرف كونه من أيّ الثلاثة ـ كما في المنتهى والذكرى وجامع المقاصد ـ وإن كان من الشبهات الموضوعية التي يجوز العمل فيها بالاُصول قبل الفحص والاعتبار، فلو لم تعتبره فسدت عادتها، لعدم علمها بما يجب عليها من الطهارة » ـ كتاب الطهارة: ج1، ص246. من الطبعة القديمة ـ ومنها: غير ذلك وهو كثير في كلمات الشيخ وغيره (قدس سرهم).
(135) بشرى الوصول للمامقاني: ج6، ص553، مخطوط.
(136) الجواهر: ج14 ص205.
(137) كتاب الصلاة: ص390.
(138) بحر الفوائد: ص216، الاشتغال.
(139) المستمسك: ج1 ص31.
(140) مفاتيح الاُصول: ص362.
(141) مجمع الرسائل: ص10، وص21.
(142) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي.
(143) الكافى: ج1، ص67.
(144) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ح45.
(145) الوسائل: الباب9 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(146) الوسائل: الباب9، من أبواب جهاد العدو، ح2.
(147) الجواهر: ج40، ص44.
(148) الكافي: ج1، ص67.
(149) عوإلى اللئالي: ج4، ص86.