المسألة (22): يشترط في المجتهد أُمور:....

ما هي شروط المجتهد ؟

المسألة (22): يشترط في المجتهد الّذي يرجع اليه العامي في أحكام الدين أُمور: وهذا القيد الّذي ذكرناه لاخراج المجتهد في عمل نفسه، فإنّه لا يحتاج إلى بعض الشرائط كالاعلمية والعدالة، وأن يكون مجتهداً مطلقاً ونحو ذلك، كما لا يخفى.
وربما يقال في المقام بالتفصيل بين المجتهد الّذي يؤخذ منه الاحكام الشرعية للعمل بها فقط، وبين المجتهد الّذي يعتبر مرجعاً للمسلمين في شؤون دينهم ودنياهم من الولايات، والقضاء، والمرافعات، ونفوذ حكمه على الجميع، ونحو ذلك باشتراط ما قيل من الشروط في الثاني وبعدم اشتراط غير الاجتهاد، والعقل، و الايمان، والوثوق في الاوّل.
مثلاً: لو أراد العامي أن يعرف الحكم الشرعي في عدد التسبيحات في الركعتين الاخيرتين، أو في جلسة الاستراحة، كفى أن يراجع مجتهداً عاقلاً موثوقاً به مؤمناً.
وذلك لانّ الدليل لا يدلّ على أكثر من ذلك في مثل المقام، والّذي يمكن الاستدلال به لذلك أُمور:


هنا أدلّة
الدليل الاوّل

الاوّل: أنّ التقليد طريقي، ومقتضى الطريقية كفاية سلوك كلّ ما يكون طريقاً عرفاً، ومثله طريق عرفي بلا إشكال، كما يكفي مثله في الطرق إلى فهم سائر العلوم، والاُمور.


الدليل الثاني

الثاني: الفرق بين حجّية الخبر وحجّية الفتوى: الحدس، وهو يتكفّل به الاجتهاد، وفي الخبر لا يشترطون غير العقل والوثاقة.


الدليل الثالث

الثالث: أنّ مراجعة الشخص الواجد لهذه الشروط الاربعة، استبانة عرفاً، فيدخل في اطلاق قوله (عليه السلام) ـ في موثّقة مسعدة بن صدقة: ـ « حتى يستبين لك غير ذلك ».
وتوهّم أن يكون الحرمة المفتى بها من هكذا إنسان موضع قبول، دون غيرها من الاحكام، لورود الرواية في ذلك، في غير محلّه ـ مضافاً إلى القطع بوحدة المناط بين ثبوت الحرمة لشيء وبين ثبوت سائر الاحكام الشرعية ـ لانّ بعضاً آخر من الاحكام كالحلّية أولى بالثبوت بما يثبت به الحرمة، لانّ الحل موافق للاصل أيضاً غالباً.

...البلوغ... .


الدليل الرابع

الرابع: بناء العقلاء فإنّهم لا يوجبون فيمن يؤخذ منه أىّ علم، أكثر من أن يكون عاقلاً موثوقاً به، والاجتهاد محقّق للموضوع، وغيرها يبقى خالياً عن الدليل عدى الايمان الّذي دلّت عليه النصوص.


الدليل الخامس

الخامس: أنّ الادلّة التي دلّت على سائر الشروط الاُخرى، كالرجولية والعدالة والحياة والحرية ونحوها، إمّا هي في خصوص المرجع العام في جميع أُمور الدنيا والدين، أو منصرف اليه بقرائن حاليّة أو مقالية، كما في مثل « فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله » ونحوه، فالاطلاق، والتنظير، يجعلانه خاصّاً بالمرجع العام.
هذا ولكنّه محل تأمّل، لشبهة الاجماع على خلافه ولو المركب.
نعم، يرد على هذا كلّه عدم معروفية هذا التفصيل، وعدم إحراز التزام أحد به، بل احتمال كونه خلافاً للاجماع البسيط، وهذا هو الّذي يوقف الفقيه في التزام مثل هذا التفصيل وإلاّ لم يبعد القول به. فالاحتياط ينبغي أن لا يترك في مثله.
وهنا نبدأ بذكر الشروط وما فيها من بحث ونقاش:


الشرط الاوّل: البلوغ

الاوّل ممّا يشترط في مرجع التقليد: البلوغ واستدلّ لاشتراطه بوجوه:


الاستدلال لاشتراط البلوغ بوجوه
الوجه الاوّل

الاوّل: الاجماع، صرّح به جمهرة كبيرة، قال في مفتاح الكرامة في كتاب القضاء: « إجماعاً معلوماً ومنقولاً حتى في المسالك، وفي الكفاية، والمفاتيح »(1) ولعلّ قوله: « حتّى » من أجل أنّ أصحاب هذه الكتب كثيراً مّا يناقشون في الاجماعات المنقولة، فمن عدم مناقشتهم قد يكشف قوّة الاجماع عندهم.
وقال المحقّق الملاّ عبدالرحيم تلميذ شريف العلماء (قدس سرهما) في حقائقه: « ولظهور الاجماع بل الاجماع حقيقة »(2).
وفي الضوابط: « ظهور عدم الخلاف فيه بين أصحابنا »(3).
وربما يظهر من كلام الشيخ الانصاري (قدس سره) حيث أنّه بعد ذكر البلوغ والعقل والايمان قال: « ولا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة » ولو احتمل خلاف ـ بله مسلميته ـ لم يجزم مثل الشيخ (قدس سره) بهكذا جزم، كما هو معلوم من حال الشيخ (قدس سره)وكيفية كتاباته.
ومع هذا لا مجال للخدشة في مثل هذا الاجماع موضوعاً ولا حكماً.
قال في التنقيح: « فإن كان عدم جواز التقليد من الصبي مورداً للتسالم الاجماع القطعي فهو... وحيث لا سبيل لنا إلى إحراز التسالم على عدم الجواز، فلا مانع من تقليد غير البالغ بوجه »(4).


نقاط ينبغي الالتفات إليها

أقول: ينبغي الالتفات إلى نقاط:
1. الاجماع موضوعاً.
2. الاجماع حكماً.
3. الاجماع المحتمل الاستناد.


النقطة الاُولى

الاُولى: وهي الاجماع موضوعاً، فالظاهر كشف نقل مثل هؤلاء عن تحقّق الاجماع خارجاً والاطمينان إليه ـ الّذي هو علم عرفي لا مجال للجعل معه إثباتاً ولا نفياً ـ بل حتى فى التنقيح الّذي كان بصدد ردّ الاجماع، ردّه بعدم الاطمينان اليه، ولو وجد قولاً بالخلاف لكان نقله أقوى في ردّ الاجماع من عدم الاحراز.


النقطة الثانية

الثانية: وهي الاجماع حكماً، فقد تقدّم مكرّراً منّا أنّه على فرض عدم إحراز اتّفاق الكل، فلا أقل من الاطمينان إلى شهرة عظيمة قديمة وحديثة، مع عدم العثور على الخلاف، وبناء العقلاء في طريقية مثله ليس بأقل من بنائهم على طريقية نقل الثقة، وكشفه عن قول المولى حسّاً، ولا أقل من طريقية الظواهر وكشفه عن مراد المولى في مقام التنجيز والاعذار فيكون حجّة ببناء العقلاء.
وحيث إنّ طرق الاطاعة والمعصية عقلائية، فلا حاجة معها إلى إحراز موافقة الشارع وعدم ردعه كما تقدّم مراراً.


النقطة الثالثة

الثالثة: وهي كون الاجماع محتمل الاستناد، فهو وارد في المقام بعد الاستدلال لعدم جواز تقليد الصبي بأدلّة مختلفة.
لكن القطع به لا يضرّ، فكيف بالاحتمال ؟ وذلك لما تقدّم أيضاً في شتّى المباحث السابقة مفصّلاً، وإجماله: أنّ اتّفاق أهل خبرة فنّ على حدس، منجّز ومعذّر عند العقلاء ـ بنفسه ـ وإن احتمل استناده إلى ما لم يحرز دلالته، بل إلى ما أُحرز عدم دلالته.
كيف والمشهور في الفقه ـ والمنصور عندنا فقهاً وأُصولاً ـ أنّ الاجماع المقطوع الاستناد إلى خبر لا دلالة له (وقد أُحرز ذلك) يوجب جبر الدلالة، عليه بنى المعظم فى الفقه ـ كما لا يخفى على المتتبّع ـ فكيف بهذا ؟
إذن: فهذا الاجماع على عدم جواز تقليد الصبي حجّة على عدم الجواز.
ومعها لا مجال لانكاره تارةً، ولا لعدم حجّيته موضوعاً أُخرى، ولا لاحتمال استناده ونفي حجّيته من هذه الجهة.


الوجه الثاني

الثاني: قول الامام الصادق (عليه السلام) في صحيح محمّد بن مسلم ـ على الاصحّ ـ: « عمد الصبي وخطأه واحد »(5)لشمول اطلاقه لاقوال الصبي وآرائه وفتاواه، فإذا نزّل عمد الصبي مطلقاً منزلة الخطأ، وقد ثبت أنّه لا حجّية للفتوى الصادرة خطاءً، فلا حجّية لفتوى الصبي بالحكومة.


إشكالات وأجوبة
الايراد الاوّل

وأُورد عليه تارةً: بأنّ مادّتي « عمد وخطأ » منصرفتان إلى مقام الجناية والدية، لا مطلق ما يصدر من الصبي من فعل أو قول، ولا أقل من انصراف مثل هذه الجملة إلى ذلك، فلا اطلاق لها، أو يشكّ في اطلاقها.
ويؤيّد ذلك ـ مضافاً إلى ذكر المحدّثين والفقهاء هذه الجملة في كتاب القصاص والديات ـ: أنّ العديد من نصوصها مذيّلة بما يخصّها بذلك:
ففي موثّق إسحاق بن عمّار عن الصادق عن أبيه أنّ علياً (عليهم السلام) ـ كان يقول « عمد الصبيان خطأ، يحمل على العاقلة »(6).
وفي خبر أبي البختري المروي في قرب الاسناد عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقول في المجنون والمعتوه الّذي لا يفيق والصبي الّذي لم يبلغ ـ: « عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم »(7).
وفي المستدرك عن الجعفريات باسناده عن علي (عليه السلام): ـ « ليس بين الصبيان قصاص، عمدهم خطأ يكون فيه العقل »(8).
ومرسل الدعائم عن علي (عليه السلام): « ما قتل المجنون المغلوب على عقله والصبي، فعمدهما خطأ على عاقلتهما »(9).
ومرسل الصدوق (قدس سره) في المقنع: « وليس على الصبيان قصاص، عمدهم خطأ، تحمله العاقلة »(10).


مناقشة الايراد

لكن قد يرد عليه: بأنّ ذلك كلّه ربما لا يخرجه عن الاطلاق ـ مضافاً إلى القاعدة المسلّمة: من أنّ المثبتين لا تقييد بينهما ـ وإن فهم الفقهاء الاطلاق قديماً وحديثاً يذهب بالشكّ، ولذا فإنّهم استدلّوا بهذه الجملة لبيان بطلان عقود الصبي وإيقاعاته، إلاّ ما خرج بدليل كالوصية، فتأمّل.
قال الشيخ في المكاسب ـ في اشتراط البلوغ لصحّة عقد الصبي ـ: « ويمكن أن يستأنس له أيضاً بما ورد في الاخبار المستفيضة من أنّ (عمد الصبي وخطأه واحد) كما في صحيحة ابن مسلم وغيرها، والاصحاب وإن ذكروها في باب الجنايات، إلاّ أنّه لا إشعار في نفس الصحيحة ـ بل وغيرها ـ بالاختصاص بالجنايات، ولذا تمسّك بها الشيخ في المبسوط والحلّي في السرائر، على أنّ إخلال الصبي المحرم بمحظورات الاحرام ـ التي تختصّ الكفّارة فيها بحال التعمّد ـ لا يوجب كفّارة على الصبي، ولا على الولي، لانّ عمده خطأ.
وحينئذ فكلّ حكم شرعي تعلّق بالافعال التي يعتبر في ترتّب الحكم الشرعي عليها القصد ـ بحيث لا عبرة بها إذا وقعت بغير القصد ـ فما يصدر منها عن الصبي قصداً بمنزلة الصادر عن غيره بلا قصد، فعقد الصبي وإيقاعه مع القصد كعقد الهازل والغالط والخاطىء وإيقاعاتهم »(11).
إنّ المثبتين لا تقييد بينهما كما حقّق في الاُصول، بل يحملان على مراتب الامر عملاً بظواهرهما، وحمل المقيّد على بيان بعض المصاديق، وفي موارد الاوامر حمل المقيّد على مراتب الاستحباب، ونحو ذلك ممّا طفحت به كتب الفقه في شتّى الابواب.


الايراد الثاني

وأُورد عليه تارةً أُخرى: بأنّ الملغى هو فعل الصبي بأن يعامل معه معاملة الخطأ، هذا لا يشمل آراءه وعلومه وأقواله.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الرأي إذا أظهره صاحبه عدّ من أفعاله عرفاً، وقد ورد في الحديث ما معناه: عدّوا أقوالكم من أفعالكم، إن لم نقل بأنّ مطلق القول فعل من أفعال الانسان كما هو مبحوث عنه في الفقه والاُصول في أصل الصحّة(12)ـ أنّه لا قرينة تقيّد إطلاق « العمد » بالفعل دون القول.


الايراد الثالث

وأُورد عليه ثالثه: بأنّ مناسبة الحكم والموضوع في « عمد الصبي خطأ » توجب انصراف الصبي إلى المتعارف من الصبيان الذين تصدر منهم عادةً أعمال غير عقلائية، أمّا الصبي الّذي صار مجتهداً وأفتى في أحكام الله تعالى، بحيث كان بصيراً في الاستنباط فهو صبي غير متعارف، تشمله الاطلاقات، وينصرف عنه « عمد الصبي وخطأه واحد » ولا أقل من الشك في الشمول، فتبقى الاطلاقات محكّمة.
وقد يجاب عنها ـ مضافاً إلى أنّ عهدة الانصراف على مدّعيه ـ هل مثل هذا الصبي الخارج عن المتعارف يكون (موضوعاً) عمدهُ غير خطأ مطلقاً حتى في الديات أم لا ؟ إذن فما الفارق ؟


الايراد الرابع

وأُورد عليه رابعة: بالنقض، كما في التنقيح(13) بأنّ عمد الصبي خطأ يخصّ الديات، وإلاّ فهل تكلّم الصبي في الصلاة له حكم الخطأ فلا تبطل، بناءً على شرعية عباداته ؟
وفي موضع آخر(14) نقض ببطلان الصوم بأكله، ثم قال: « للقطع ببطلان الصلاة والصوم في مفروض المثال ـ ثمّ قال: ـ للقطع بعدم إرادة الاطلاق ».
أقول: أوّلاً: هذا القطع هو دليل تقييد الاطلاق، لا أنّ الاطلاق في نفسه غير تامّ.
وثانياً: استثناء عباداته وشرعيتها من « عمد الصبي وخطأه واحد » ظاهر في أنّ عباداته بما لها من الاحكام في العمد والسهو وغيرها من الصبي شرعية، وإلاّ لم يكن استثناءً.


الايراد الخامس

وأُورد عليه خامسة: بما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) في موارد عديدة(15): من أنّ « عمد الصبي وخطأه واحد » له ظهور في خصوص ما كان لشيء عمد وخطأ، ولهما حكمان، كل غير الاخر، كما في القتل، والحجّ ونحوهما، و لا اطلاق للصحيحة.
ولو كانت الصحيحة هكذا: « عمد الصبي كلا عمد » أو « ليس بعمد » لكان لها عموم شامل لكلّ أفعاله وأقواله....
أقول: العدم لا يصحّ حقيقة جعله مسنداً أو مسنداً اليه، أو جزءاً أو شرطاً، أو مانعاً أو قاطعاً، لانّ العدم ليس شيئاً سوى العدم، فلا يوصف بأوصاف الوجود.
ولذا قالوا: إذا جعل للعدم مرتبة المسند أو المسند اليه، أو العلّة أو المعلول، فهو مجاز عن الملازم الوجودي لذاك العدم.
فإذا قال شخص: المشاغل صارت سبب عدم السفر، فالمراد: أنّها صارت سبب البقاء في البلد، وهكذا.
ولذا إن كان التعبير في الصحيحة « عمد الصبي كلا عمد » أو « ليس بعمد » كان اللازم حمله على الامر الوجودي، مثل « عمد الصبي خطأ » أو « عمد الصبي وخطأه واحد » ونحو ذلك.
مضافاً إلى أنّه أيّ مانع عرفي في مقام الاستظهار: من أن يراد بـ « الخطأ » غير العمد، للتقابل بينهما، نظير « العمد والسهو » و « العلم والجهل » ونحوهما ؟ فتأمّل.


الوجه الثالث

الثالث: الاصل، وهو عدم حجّية قول الصبي وفتواه لغيره، وقد استدلّ به صاحب الفصول لانّ الشكّ في الحجّية موضوع عدم الحجّية.
وأُورد عليه: ـ مضافاً إلى أنّ الاطلاقات والادلّة إذا شملت الصبي فالاصل يكون مقطوعاً، ولا أصالة للاصل مع الدليل ـ أنّ الاصل في الشكّ في الشرطية المانعية والناطقية، عدمها ـ كما حقّق في الاُصول ـ وبه يرتفع موضوع أصالة عدم الحجّية وهو الشكّ، لارتفاعه بالاصل السببي وقد تقدّم نظائره.


الوجه الرابع

الرابع: أنّ الصبي لا تقبل روايته الحسّية، فعدم قبول فتواه الحدسية إن لم يكن أولى فهو بمناط واحد.
وأُجيب: بالاشكال في المقيس عليه، وفي القياس.
أمّا في الاوّل: فلعدم ثبوت عدم قبول روايته إذا كان صبياً مميّزاً ثقة، سوى الاجماعات المنقولة، الشهرة المحقّقة، وهما غير حجّة، وبناء العقلاء على عدم الفرق بين البالغ وغيره.
نعم، إن كان دليل حجّية خبر الواحد التعبّد، لا بناء العقلاء، فربما يشكل، لاشتراط العدالة وكونها ملكة تقتضي البلوغ.
وأمّا في الثاني: فبأنّه قياس وهو غير حجّة، والقطع بالمناط أو الاولوية حجّة للقاطع لا لغيره، ولو فرض تمامية الدليل في الرواية، فخروج الرواية عن بناء العقلاء بدليل خاص، لا يوجب خروج فرد آخر وهو التقليد.
أقول: في كليهما إشكال بل منع:
أمّا عدم قبول روايته فهو المشهور شهرة عظيمة ومثلها حجّة ـ على ما بنينا عليه في الاُصول والفقه، تبعاً لمشهور المتقدّمين والمتأخرين في شتّى أبواب الفقه، لبناء العقلاء على طريقية مثل هذه الشهرة في مقام التنجيز والاعذار في مقابل الاصل المبني على الجهل بالواقع ـ.
وأمّا مناط عدم قبول الرواية في عدم قبول الفتوى التي هي رواية حدسية، فالظاهر كونه مسلّماً بل الاولوية في محلّها.
فالرواية الحسّية التي يقلّ خطأها إذا لم تقبل ـ مع الطريقية ـ تكون الفتوى الحدسية التي يكون خطأها أكثر قطعاً، لا تقبل بالاولى، فتأمّل.


الوجه الخامس

الخامس: قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) « رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم » بتقريب: أنّ اطلاق الرفع يشمل التكليف والوضع ـ ومنه حجّية قوله للمقلّد ـ والعقوبة وغيرها.
وأورد عليه الشيخ ـ في الرسائل والمكاسب تبعاً للجواهر وغيره وتبعهما من بعدهما ـ بأمرين:
أوّلاً: أنّه ظاهر في رفع قلم التكليف، لا الوضع.
وثانياً: أنّه العقوبة الدنيوية كالغرامات، والاُخروية من العذاب.
وكلاهما غير ما نحن فيه، إذ قبول قوله في الفتوى، ليس تكليفاً ولا عقوبة.


مناقشات
المناقشة الاُولى

أقول: أوّلاً: السياق في جعل الصبي مع النائم والمجنون يعطي وحدة الحكم فيهم جميعاً، والسياق قرينة عرفية يؤسّس الظهور ويهدم.
فكما أنّ المجنون والنائم مرفوع عنهما قلم المؤاخذة والتكليف والوضع جميعاً ـ إلاّ ما خرج بدليل كالضمانات ـ فكذا الصبي.
وقد صرّح الشيخ (قدس سره) بالسياق في شمول الرواية للصبية، بشمولها لها في المجنون والنائم.
قال في كتاب الصوم: « وتوهّم إرادة خصوص الذكر من الصبي، مدفوع بإرادة العموم من أخويه أعني: النائم والمجنون بلا إشكال »(16).


المناقشة الثانية

وثانياً: وممّا يؤيّد إرادة الاعم من الحكم الوضعي من اطلاق « القلم » في الحديث الشريف، التعبير في مستفيض الروايات ـ أو متواترها ـ بمادّة « الامر » الّذي قيل: ـ كما في حاشية المولى عبدالله على تهذيب التفتازاني ـ أنّه جنس الاجناس على الاطلاق، وأنّه أعمّ من مفهوم « الشيء » كما في صحيح عبدالله بن سنان وإن روي في الوسائل باسقاط عبدالله بن سنان إلاّ أنّه سهو، لوجود ابن سنان في المصدر (الخصال)(17) وعنه في جامع أحاديث الشيعة(18) وفي طريقه أبو الحسن الخادم بيّاع اللؤلؤ وهو آدم بن المتوكّل الثقة(19). « عن اليتيم متى يجوز أمره... قال إذا بلغ وكتب عليه الشيء جاز أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً »(20).
ومفهومه: إذا لم يبلغ لم يجز أمره ونحوه غيره وهو متعدّد.


المناقشة الثالثة

وثالثاً: أنّ الفقهاء (قدس سرهم) بمختلف أذواقهم العلمية استدلّوا بحديث رفع القلم ـ في شتّى أبواب الفقه ـ لرفع الحكم الوضعي، كما استدلّوا به لرفع المؤاخذة والتكليف، واليك نماذج منها:


أمثلة ونماذج

قال في المبسوط: « الناس في الاقرار على ضربين: مكلّفون وغير مكلّفين، فأمّا غير المكلّفين فمثل الصبي والمجنون والنائم، فهولاء إقرارهم لا يصحّ، لقوله (عليه السلام): (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه) ورفع القلم عنهم بقتضي أن لا يكون لكلامهم حكم... »(21).
وقال أيضاً في نفي صحّة جعل الصبي وصيّاً: « لا تصحّ الوصية إلاّ إلى من جمع صفات خمسة: البلوغ... وإنّما راعينا البلوغ لانّ الصبي لا يجوز أن يكون وصياً لقوله (عليه السلام): (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم) وفي بعضها حتى يبلغ وإذا كان كذلك لم يكن لكلامه حكم... »(22).
وقال أيضاً في نفي القذف عنه: « وإذا قال الصبي لزوجته يازانية لم يكن ذلك قذفاً، ولا يلزمه به الحدّ بلا خلاف، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم) فإن بلغ وأراد أن يلاعن لم يكن له ذلك، لانّ اللعان إنّما يكون لتحقيق القذف وقد بيّنا أنّه لا قذف له »(23).
وقال أيضاً في نفي القصاص عنه: « لا قصاص على الصبي والمجنون إذا قتلا، لما رواه علي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: « رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم... »(24).
وقال في السرائر في بطلان طلاق الصبي وعتقه وصدقته ووصيته مع ورود الرواية الخاصّة بصحته: « والاولى ترك العمل بهذه الرواية... ولقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم) ورفع القلم عنه يدلّ على أنّه لا حكم لافعاله »(25).
وقال أيضاً في مقام ردّ صحّة عتق الصبي: « وقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المجمع عليه يؤيّد ما قلناه وهو: (رفع القلم عن ثلاث) وذكر الصبي من جملة الثلاث »(26).
وقال في المعتبر: « البلوغ... شرط وجوب القضاء... ولقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ »(27).
وفي نفي زكاة المال قال: « ولا تجب زكاة العين على صبي ولا مجنون ـ ثمّ ذكر الخلاف في المسألة وأدلّة الطرفين ـ وقال: « لنا قوله (عليه السلام): رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ »(28).
ونحوه في نفي زكاة الفطرة عنه أيضاً(29).
وقال أيضاً في مقام نفي صحّة نيابته في الحج: « ولا يصحّ نيابة... الصبي غير المميّز... وفي الصبي المميّز تردّد... والاشبه أنّه لا يصحّ نيابةً... ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام): رفع القلم عن ثلاثة وذكر منهم الصبي حتى يبلغ »(30).
وقال الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسالة في قاعدة من ملك: « فلانّ جلّ الاصحاب... لبنائهم على خروج الصبي من حديث الاقرار، لكونه مسلوب العبارة بحديث: رفع القلم »(31).
وقال أيضاً: « إلاّ أنّه ـ أي الشارع ـ اكتفى عن ذلك في جميع الاسباب القولية والفعلية بحديث: رفع القلم »(32).
أي: أخرج الشارع الصبي والمجنون والنائم عن جميع الامارات الفعلية: كاليد، والقولية: كالاقرار، بحديث رفع القلم.
وقال السيد الخوئي (قدس سره) في كتاب النكاح في مسألة عدم صحّة عقد الصبي النكاح لنفسه في شرح قول الماتن: « يشترط في العاقد ـ المجري للصيغة ـ الكمال بالبلوغ والعقل سواء كان عاقداً لنفسه أو لغيره... فلا اعتبار بعقد الصبي ـ قال بعد ذكر بعض الروايات الخاصّة ـ ثم إنّ مقتضى اطلاقات هذه النصوص، وأدلّة رفع القلم، عدم الفرق في الحكم بين كون الفعل الصادر منه على نحو الاستقلال بإذن من المولى وعدمه، فيحكم فيهما معاً بالبطلان »(33).


أدلّة مخدوشة لاشتراط البلوغ
أوّل الادلّة

وهناك وجوه استدلّ بها لاشتراط البلوغ في مرجع التقليد وهي مخدوشة، أحدها: قوله (عليه السلام) في حسنة أبي خديجة ـ على الاصحّ ـ: « انظروا إلى رجل منكم » والصبي مقابل الرجل.
وردّ بأنّ الظاهر منه عدم خصوصية للرجولة في الحكم بل هو وارد مورد الغالب، كما له نظائر كثيرة في الفقه، مع أنّه إن قيل بكونه قيداً احترازياً وجب أن يكون احترازياً عن المرأة، لا عن الصبي، مضافاً إلى أنّه في مقام القضاء لا الافتاء، واِسراء مثله لا يخرجه عن القياس ـ كما قالوا ـ مع أنّ ظاهر « رجل » هو الشخص كما في نظائر كثيرة له في الروايات.
مثل « إيّاك أن تطأ أعقاب الرجال »(34).
ومثل « من أخذ دينه من أفواه الرجال أزالته الرجال »(35).
ومثل « إنّ دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحقّ »(36).
ومثل « إنّ الرجل إذا رضي هَديَ الرجل وعمله، فهو مثله »(37).
ومثل « إنّ الرجل ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبُه »(38).
ومثل « إنّ الرجل ليطلب الحاجة فيزويها الله عنه لما هو خيرٌ له »(39).
وغيرها وغيرها كثير.


ثاني الادلّة

ثانيها: عدم الوثوق بالصبي، إذ الصبي إذا بلغ رتبة الاستنباط فلا شكّ أنّه يعلم بأنّ تقصيره غير مأخوذ عليه لرفع القلم عنه، فيحلّل ويحرّم ولا يبالي.
وفيه: أوّلاً: لا نسلّم على مثل هذا الصبي المميّز جواز إتيان المحرّمات خصوصاً مثل الفتوى بغير ما أنزل الله التي هي من أشدّ المحرّمات، وخصوصاً فيما يبقى أثره إلى بعد بلوغه.
وثانياً: الكلام في الصبي الّذي يوثق بفتاواه وبعدم تقصيره، وإلاّ فعدم الوثوق يوجب عدم جواز التقليد حتى للبالغ.


ثالث الادلّة

ثالثها: أنّ اشتراط العدالة فحواه اشتراط البلوغ، لكونها ملكة لا تصدق مع عدم البلوغ.
وفيه: أوّلاً: لا مانع عن صدقها على غير البالغ، نعم الّذي قيل أو يمكن لقائل أن يدّعيه هو: عدم وجوب تحصيل العدالة على غير البالغ، ووجوبها على البالغين مقدمة لاجتناب المحرّمات، لا أنّ غير البالغ إذا وجدت فيه ملكة اجتناب المحرمات لا يسمّى عادلاً، إذ أدلّة العدالة أعمّ، مثل « أن تعرفوه بالستر العفاف » والعرف، واللغة، والشرع ببابك.
إن قلت: هل تطلق العدالة على المجنون.
قلت: لا، لانّ الظاهر أنّ العدالة والفسق من قبيل الملكة وعدم الملكة، فلا تشمل المجنون الستير العفيف إن لم نقل بانصراف الستر والعفّة عنه، فتأمّل.
وثانياً: سيأتي البحث والنقاش عن ضرورة العدالة في الشخص الّذي يؤخذ منه تقليداً مسائل الحلال والحرام، بل ربما يقال بكفاية الوثوق به دون اشتراط العدالة، ولذا نُقل عن المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه التنظّر في مسألة اشتراط البلوغ في إمام الجماعة.


رابع الادلّة

رابعها: قول أبي الحسن الثالث (عليه السلام) في جواب سؤال أحمد بن حاتم وأخيه وقد سألاه: « عمّن آخذ معالم ديني » فكتب إليهما: « فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبّنا وكل كثير القِدم في أمرنا »(40).
وهذا يشترط فيه البلوغ على الاقل.
وأشكل عليه سنداً ودلالة وإعراضاً:
أمّا السند: ففيه بعض المجاهيل.
وأمّا الدلالة: فبأنّ طول العمر غير شرط قطعاً، لعدم اشتراط كون المرجع معمّراً مسنّاً ـ مضافاً إلى أنّ تقييده بكلمة: « في حبّنا » يعطي السبق إلى التشيّع لا السبق في العمر، ويمكن السبق إلى التشيّع في الصبي على البالغ كما لا يخفى.
اللّهم، إلاّ أن يقال بأنّ سبق الصبي ليس بسبق لانّ « عمد الصبي خطأ »، فتأمّل.
وأمّا الاعراض: فالظاهر ـ المنقول أيضاً ـ أنّ الرواية غير معمول بها من قبل أحد من الفقهاء، إذ لم يشترط أحد ذلك، فلعلّها قضية خارجية، فأراد الامام (عليه السلام) توجيه السائل إلى شخص خاص ـ دون شخص آخر ـ لخصوصية في الطرفين.


خامس الادلّة

خامسها: أنّه محجور عن التصرّف في ماله، فكيف يجوز تقليده وهو تصرّف فى دين الناس الّذي هو أهمّ من المال قطعاً ؟
وفيه: مع أنّه من القياس الاولوي ـ وهو غير حجّة عندنا ـ لا نسلّم الحجر حتى في الصبي المميّز الرشيد.


سادس الادلّة

سادسها: أصالة تعيين البالغ عند دوران الامر بين التعيين والتخيير فيما لو كان فقيه آخر بالغ.
وفيه: أوّلاً: نفرض الكلام فيما لم يكن فقيه آخر بالغ، أو كان الصبي أعلم، أو أورع، أو ذا مزية أُخرى بحيث كان الدوران بين تعيين وتعيين، لا بين تعيين وتخيير.
وثانياً: أنّ الاصل مقطوع بالاطلاقات.
وثالثاً: بأنّ الاصل عندنا ـ تبعاً لجمهرة من الاعيان ـ التخيير لا التعيين، كما حقّق في الاُصول.


الاستدلال لعدم اشتراط البلوغ بأُمور
الامر الاوّل

واستدلّ لعدم اشتراط البلوغ بأُمور:
الاوّل: اطلاقات الادلّة اللفظية مثل: « أهل الذكر » و « من كان من الفقهاء » و « عرف حلالنا وحرامنا » ونحوها، فإنّها باطلاقها تشمل الصبي غير البالغ أيضاً.
وعمدة ما فيه تقييد هذه الاطلاقات بالصحيحين والاجماع، وإلاّ فما أشكل به عليه غير تامّ، وهي:
أوّلاً: بعدم الاطلاق الاحوالي لها، وإنّما لها اطلاق أفرادي، والّذي يفيدنا في المقام هو اطلاق يشمل حالتي البلوغ وعدمه، فكما لا تشمل هذه المطلقات حالتي الفسق والعدالة، ولا حالتي الكفر والايمان، كذلك لا تشمل حالتي البلوغ وعدمه.
وثانياً: بأنّ المطلقات في مقام بيان أصل التشريع وهو: رجوع الجاهل إلى العالم الّذي هو قاعدة عقلائية، بل عقلية، بل فطرية، ـ على ما قيل ـ ولا لسان لهذه الادلة اللفظية بل هي بلحاظ المرشد إليه دليل لبّي، فلا اطلاق لها رأساً أصلاً.
وثالثاً: على فرض الاطلاق فهي منصرفة إلى البالغ، أو عن غير البالغ.
وقد يجاب: بأنّ اللفظ إذا أطلق في مقام البيان وكان له شمول افرادي وأحوالي ـ بنفسه، بلا قرينة حالية أو مقالية ـ انعقد له الاطلاق الاحوالي كالاطلاق الافرادي سواءً بسواء، وعدم شمولها لحالتي العدالة والفسق، والكفر والايمان، ليس لعدم اطلاق يشملها، وإنّما لادلّة خاصّة أُخرى.
فلو لم يقم دليل على اشتراط العدالة لجوّزنا (بنفس هذا الاطلاق) تقليد الفاسق، وكذا لو لم يدلّ دليل على الايمان ـ كما نقول بمثل هذا الاطلاق في أهل خبرة التقويم وثبوت الموضوعات في الخارج في المنازعات بين المتعاملين، والاُروش، ونحوها ـ فنكتفي في بعض الموارد بتقويم الفاسق والكافر (على الاصح) مع الوثوق بكلامهما.
وقد صرّح الماتن وغيره (قدس سره) بذلك في موارد عديدة من الفقه، ودونك نماذج من ذلك:


نماذج وشواهد

1. قال في عروة الوثقى: « لا فرق في اعتبار قول ذي اليد بالنجاسة بين أن يكون فاسقاً أو عادلاً، بل مسلماً أو كافراً »(41).
وقال في المستمسك في شرطها: « لعموم دليل الاعتبار »(42).
وقال في التنقيح: « لانّ عدالة صاحب اليد وفسقه وكذلك إسلامه وكفره على حدّ سواء »(43).
2. وقال في العروة الوثقى أيضاً في بحث التيمّم: « الثالث: الخوف من استعماله... ويكفي الظن بالمذكورات... سواء حصل له من نفسه أو قول طبيب أو غيره، وإن كان فاسقاً أو كافراً... »(44).
وقال في المستمسك: « بلا خلاف ظاهر »(45).
وقال في « موسوعة الفقه »: « بلا إشكال ولا خلاف في الجملة »(46).
وفي العروة الوثقى: « إذا قصد الصبي مسافة ثم بلغ في الاثناء وجب عليه القصر وإن لم يكن الباقي مسافة... »(47).
3. وأمّا الانصراف عن الصبي فلا وجه له بعد عدم القرينة عليه، وظهور اللفظ في الاطلاق.
ثمّ ما ذكره جمع في الاُصول: من أنّ حجّية الاطلاق متوقّفة على إحراز كون المتكلّم في مقام البيان من تلك الجهة، فلم نتحقّقه.
بل اللازم عدم القرينة على أنّ المتكلّم ليس في مقام بيان هذه الجهة.
كما إذا طلب المولى الماء للشرب، فهو في مقام بيان عدم الاطلاق من حيث الحلاوة والحموضة والمرورة لانّه يريد الماء للشرب.
أمّا إذا أمر المولى بسقي الزرع بالماء فللماء اطلاق من هذه الجهة، وإن لم يحرز العبد كون المولى في مقام البيان من جهة طعم الماء، وذلك لعدم اشتراط العقلاء هذا الشرط في مقام التنجيز والاعذار.
ولذا اشتهر فقهاً وأُصولاً في موارد ادّعاء الانصراف، قولهم: الاصل عدم الانصراف وعهدة الانصراف على مدّعيه.
وأمّا إحراز كون المطلق في مقام بيان شيء لافادة حكم ذلك الشيء فلم نتحقّقه، بل الّذي يدلّ عليه العرف والعقل هو لزوم عدم إحراز كون المتكلّم في مقام عدم بيان هذا الشيء، وإلاّ فالاحراز المذكور لا يساعد عليه العرف ولا العقلاء، كما يتّضح ذلك بمراجعة الموالي والعبيد والاباء والابناء، والملوك الرعية، والقونين والناس....
وأمّا الانصراف فعهدة ذلك على مدّعيه، ولم نتحقّق نحن انصرافاً.


الامر الثاني

الثاني: عدم ذكره في شروط التقليد لا في آية ولا في رواية، ولو كان لبان.
وفيه: لعلّ عدم ذكره لعدم وجود مثله، كما لم يذكر كون المجتهد إنساناً، لعدم وجود مجتهد غير إنسان، أو لندرته جداً بحيث لا يستحقّ إضافة قيد لاخراج مثله، كما هو كثير النظير في الابواب المختلفة من الفقه لمن راجعها، فاعتمد الشارع على الانصراف الموجود فيه، وفي مثله لا تصحّ قاعدة: لو كان لبان.


الامر الثالث

الثالث: بناء العقلاء، فإنّ بناءهم على أخذ كلّ شيء ممّن هو أهل خبرته، دون تقيّد، بل ولا التفات إلى ضرورة كونه بالغاً البلوغ الشرعي، فلو وجد طبيب حاذق غير بالغ، أو مهندس حاذق غير بالغ، أو خيّاط حاذق غير بالغ، لراجعه الناس في أمراضهم، وبناء دورهم، وخياطة ألبستهم دون توقّف أو تروّي في أنّه بلغ السنّ الكذائي أم لا.
وحيث إنّ التقليد ليس سوى رجوع الجاهل إلى أهل خبرة الفقه وهو العالم بالحلال والحرام، وهو طريقي، ولم يرد عن الشرع ردع عن ذلك، فجاز الاعتماد على الصبي الفقيه في مقام التقليد.


إيرادات وأجوبة

وأُورد عليه أوّلاً: بالتشكيك في مثل هذا البناء.
وثانياً: بأنّه دليل لبي، والمتيقن منه البالغ.
ويردّ: بأنّ البناء مسلّم ليس قابلاً للشكّ، ويكفي لزوال الشكّ مراجعة العرف والعقلاء في استفاداتهم وأحوالهم في مختلف شؤونهم المهمّة وغيرها فإنّهم يراجعون أهل الخبرات لكونهم أهل خبرات فقط وفقط من دون مدخليه للعمر في نظرهم أبداً.
وما يرى من انتقاد بعض الناس طبيباً شاباً، أو مهندساً شاباً، ونحوهما بأنّه شاب فكيف بكونه صبياً ؟
فإنّه لعدم الوثوق بعرفان الشاب وعلمه، ولعلمهم بقلّة تجاربه فيما تكون التجارب كفيلة بزيادة العلم، أمّا لو وثقوا بشاب أو صبي في أمر، فإنّهم يعتمدون عليه بلا شكّ أو ارتياب.
وأمّا أنّه دليل لبّي، فالمتيقّن إنّما يبحث عنه إذا حصل الشكّ، وفيما نحن فيه لا شكّ بعد مراجعة أحوال العرف والعقلاء في مختلف شؤونهم، فلا نحتاج إلى المتيقّن.
وأما استبعاد أن يكون الصبي شاغلاً لمنصب الافتاء.
ففيه: أنّه ليس أعظم من منصب النبوّة والامامة وقد شغلهما مثل عيسى بن مريم، والامام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف مع كونهما صبيين.
والتفريق بينهما وبين المجتهد بأنّهما معلوم كمالهما التكويني بخلاف المجتهد.
ففيه: ـ مضافاً إلى أنّه يكفي ذلك لدفع الاستبعاد، إذ الاستبعاد ليس دليلاً، ولا يقاوم الدليل كالاطلاق ونحوه ـ أنّ في المجتهد الصبي أيضاً بنسبته كمال وإلاّ لم يبلغ (قبل البلوغ التكويني) درجة الاجتهاد.


حاصل الاشكال والجواب

والحاصل: أنّ عمدة الاشكال على بناء العقلاء كونه مردوعاً بالادلّة الشرعية وهي الصحيحتان والاجماع المنقول والشهرة العظيمة المحصّلة.
فتحصّل من جميع ذلك: اشتراط البلوغ في المقلَّد ـ بالفتح ـ حتى الّذي يؤخذ منه الاحكام فقط، بحيث يُقدِم الفقيه على الفتوى باشتراطه، والتزام كل التوالي الفاسدة الّتي تترتّب على الفتوى باشتراطه: من بطلان أعمال المقلّد الفقيه الصبي، ووجوب إعادتها أو قضائها أو كفّارتها، ووجوب الاستغفار عليه، وسقوط شهادته، وعدم جواز الاقتداء به، ونحو ذلك.
ومصير المشهور إلى ذلك يؤيّد الفتوى في المسألة.
وما دام الفرد المبحوث عنه قليل الوجود لندرته جدّاً، فلا يحتاج المقام إلى تطويل أكثر كما فعله بعض المؤلّفين.
هذا في المقلَّد ـ بالفتح ـ الّذي يؤخذ منه الاحكام الشرعية فقط باعتباره أهل خبرة الاحكام والاستنباط وأمّا في المرجع الّذي يكون وليّاً للمسلمين، يجري الحدود والاحكام، والقضاء والخصومات، ونحو ذلك، فالظاهر عدم الاشكال في اشتراط البلوغ فيه، لاشتراطه في بعض لوازم مثل هذا المنصب، أمّا النبوّة والامامة فهما خارقان كما لا يخفى.


تتمّة

ثمّ إنّه على تقدير اشتراط البلوغ، فهل يشترط حال الاستنباط، أم حال أخذ الحكم منه، أم حال عمل المقلّد ؟
ربما يقال باشتراطه في جميع الحالات الثلاث، لاطلاق النقل باشتراطه الشامل للحالات الثلاث.
وقد يفصّل بين ما لو كان دليل اشتراط البلوغ الادلّة اللفظية التي لها اطلاق فالاشتراط في الحالات الثلاث، وبين ما كان دليله الادلّة اللبّية من إجماع ونحوه، فعدم الاشتراط إلاّ في المتيقّن وهو حال العمل للمقدّمية المحضة في غيره ـ بناءً على البراءة في الشكّ في الحجّية ـ وإلاّ كان المقتضي الاشتغال، الاشتراط. وكذا لو كان الدليل مجموع ما ذكر من الادلّة من حيث المجموع لقصور كلّ واحد منهما في نفسه وتبعية النتيجة أضعف المقدّمات.
لكن التحقيق أن يقال بعدم اشتراطه في غير حال العمل مطلقاً، لانّه مع طريقية التقليد إلى العمل الصحيح، فالمقياس حال العمل لا غير، فلو استنبط غير البالغ حكماً شرعياً، ثمّ بلغ وبقي على ما استنبطه جاز تقليده في ذلك الحكم، كما أنّه لو أخذ العامي الحكم الشرعي عن فقيه بقي إلى بلوغه يوم واحد، ثمّ عمل به يوم غده حين بلغ، صحّ.
والاطلاق ـ إن كان في البين ـ فهو إمّا منصرف إلى ما ذكرنا أو لا أقل من عدم ظهور المطلق في الاطلاق من هذه الجهة، فلا تتمّ مقدّمات الحكمة، فتأمّل.


تأييد وتشديد

ويمكن تأييده بالراوي والشاهد حيث يصرّحون بكفاية اجتماع الشرائط فيهما حال النقل والشهادة دون حال التحمّل.
والتفريق بينهما بالحسّ والحدس غير فارق فيما نحن فيه.
وهل يختلف الامر على الخلاف في أنّ التقليد التزام أو أخذ أو عمل ؟
الظاهر: لا، لانّ العمل شامل لهما أيضاً.
وهل يجري الاستصحاب في مثله أم هو من قبيل تغيّر الموضوع لانتقاله من عدم البلوغ إلى البلوغ ؟
الظاهر: الاوّل لانّ تغيّر الموضوع عرفي، لا دليلي ولا عقلي ـ كما حقّق في الاُصول ـ والعرف لا يعتبر مثل ذلك تغيّراً في الموضوع، لكن الادلّة لم تدع مجالاً لتصل النوبة إلى الاُصول العلمية.


فرع

إذا تعلّم العامي مسائل المجتهد الصبي والتزم بتقليده ثمّ بلغ الصبي ومات، فعلى القول بكون التقليد هو الالتزام، كما صرّح به صاحب العروة في المسألة السابعة، فالظاهر جواز البقاء على تقليده، لانّه حال البلوغ كان له التزام فكان مقلّداً له. وعلى القول بكون التقليد العمل، لا يصحّ البناء إلاّ بعد العمل.


شروط المجتهد: العقل

و الثاني ممّا يشترط في مرجع التقليد العقل.
أمّا بالنسبة إلى العقل في وقت الاستنباط فلا خلاف ولا إشكال فيه، بل دعوى كونه من البديهيات الاوّلية في جميع أهل الخبرات في محلّها.
والاجماع مسلّم، وليس المجنون مصداقاً للصفات المذكورة في الرواة، مثل (أَهْلَ الذِّكْرِ) و « عرف حلالنا وحرامنا » و « الفقهاء » ونحو ذلك.
وأمّا بالنسبة إلى وقت عمل المقلّد ويسمّى باشتراط العقل استدامة أو بقاءً، بأن كان المجتهد حال الاستنباط عاقلاً ثمّ جنّ، فهل يجوز تقليده حال الجنون بالعمل بفتاواه التي استنبطها حال العقل أم لا ؟
والّذي يبدو للنظر: أنّ التقليد حيث إنّه طريقي محض وسيرة العقلاء هي الحاكمة في الطرق إلاّ ما وسّع الشارع وضيّق، فالعقلاء لا يفرّقون بين جامع الشرائط وفاقدها حال العمل وإنّما يشترطونها حال الاستنباط.
ولكن للاجماع المنقول والشهرة المحقّقة العظيمة، ورفع القلم بالبيان السابق في بحث البلوغ، نخرج عن بناء العقلاء.
وإذا وصلت النوبة إلى الاصل العملي فالاستصحاب بأنواعه الثلاثة (استصحاب الموضوع والحكمين: التكليفي والوضعي) أركانه تامّة، والشكّ في الرافع ظاهراً.
لكن المسألة بحمد الله تعالى نادرة الوجود أو عديمتها، لعدم وقوفي في ما رأيت في تواريخ العلماء وما عاصرت وعاشرت، على مرجع تقليد يجنّ وذلك لايمانهم القوي واستهانتهم بالدنيا وما فيها ـ جعلنا الله كذلك ـ.
وأمّا البحث الصناعي للمسألة: فالذي وقفت عليه في المسألة قولان:


في المسألة قولان
القول الاوّل

الاوّل: لبعض مراجع العصر، وهو الجواز.
ويدلّ عليه: أوّلاً: إطلاق الادلّة، خرج عنه الجنون حال الاستنباط بالضرورة والاجماع، وبقي الباقي.
ثانياً: بناء العقلاء، فإنّهم مطبقون على العمل برأي صادر عن العاقل وإن جنّ صاحب الرأي بعد ذلك، فالطبيب الّذي وصف دواءً حال العقل، ثمّ جُنّ لا يترك العقلاء ما وصفه من الدواء، والمقوّم الّذي قوّم داراً بقيمة حال العقل، ثم جُنّ لا يترك العقلاء قوله لعروض الجنون عليه، والمهندس الّذي صنع خريطة لبناء دار، ثم جُنّ يعمل العقلاء بخريطته، وهكذا دواليك.
ثالثاً: الاستصحاب بأنواعه الثلاثة: استصحاب الموضوع والحكمين الوضعي والتكليفي.
أمّا الموضوع للحجّية ولجواز التقليد بالمعنى الاعمّ وهو كون « هذا فتوى من يجوز تقليده » فإنّ هذا الموضوع كان ثابتاً قبل جنونه، والعقلاء يعتبرونه ممّا إذا ثبت دام ولا يغيّره الجنون والنسيان ونحوهما. ولكن إن شكّ في تغيّره فمقتضى الاستصحاب بقاؤه.
نعم، قد يقال بأنّه من الشكّ في المقتضي، إذ مرجعه إلى الشكّ في أنّ الفتوى إذا حدثت كم يكون دوامها ؟ لكنّه غير تامّ ظاهراً، بل هو من الشك في الرافع، إذ دوام الفتوى حتى يأتي ناقضها ـ وهو خلافها ـ واضح، فتأمّل.
وعليه: فإنّ رأيه كان حجّة حال الاستنباط، فنستصحب الحجّية إلى حال عروض الجنون.
كما يستصحب الحكم التكليفي بالنسبة للمقلّد، فإنّه كان لا تجب عليه جلسة الاستراحة فيستصحب، وكل ما دلّ على جواز البقاء على تقليد الميت ممّا سبق مفصّلاً.
وهذا القول هو الّذي اتّبعنا فيه الاخ الاكبر صناعةً، وإن أشكل فيه بعد ذلك فتوى.


القول الثاني

الثاني: عدم جواز تقليد المجنون الّذي كان حال الاستنباط عاقلاً، وذلك:
1. لعدم صدق العناوين المأخوذة شرعاً في مرجع التقليد، مثل: (أَهْلَ الذِّكْرِ) و « الفقيه » و « العالم » ونحوها على المجنون، لانّ ظاهرها لزوم كونه فعلاً أهل الذكر، وفقيهاً، وعالماً، لا كون الرأي فقط رأي فقيه، وفتوى عالم، وحكم أهل الذكر.
2. ولعدم اطلاق في الادلّة اللفظية يكون في مقام البيان الاحوالي.
3. ولعدم ثبوت بناء العقلاء، أو عدم اعتباره بعد صلاحية ما ذكر للردع عنه.
4. ولانقطاع الاستصحاب بالدليل الاجتهادي.


مناقشة الادلّة

وفي الكل نظر:
أمّا الاوّل: فلانّ الظاهر من « أهل الذكر » و « من كان من الفقهاء » و « العالم » ـ بمقتضى الطريقة المرتكزة في أذهان المتشرّعة، بل كل أهل اللسان، المستفادة عرفاً من أمثال هذه الكلمات ولو لمناسبة الحكم والموضوع على نحو الحيث التعليلي ـ كون الرأي والفتوى صادراً عن هؤلاء، لابقاء هؤلاء على هذه الاوصاف، ومراجعة العرف في الاستفادة من أمثال هذه الكلمات فى شؤون الناس الدنيوية تثبت ذلك.
وأما الثاني: فقد سبق أنّ الاطلاق شموله للافرادي وللاحوالي على قدم المساواة إلاّ فيما علم إرادة حالة خاصّة بقرينة لفظية أو غيرها، خصوصاً وقد ذكرت أوصاف مرجع التقليد في الادلّة من كونه « صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لامر مولاه » ونحو ذلك ولم يذكر فيه « بشرط أن لا يجنّ إلى آخر عمره » كما لم يذكر « بشرط لا يموت » ونحوه، فتأمّل.
وأمّا الثالث: فبناء العقلاء مسلّم، ويكفيك مراجعتهم في إفاداتهم واستفاداتهم من أوامر الموالي للعبيد، والحكومات للرعايا، ونحوها لاثبات المطلب.
ولم نجد، ولم يذكر المستدل ما عبّر عنه بـ « ما يصلح رادعاً » عن هذا البناء، اللهمّ إلاّ ما دلّ على اشتراط العقل في التكليف، وما دلّ على أنّ المجنون محجور عليه وما أشبه ذلك، وكل ذلك بمعزل عمّا نحن فيه.
وأمّا الرابع: فلانّه بعد عدم تمامية دليلهم الاجتهادي على مذهبهم، فلا قاطع للاستصحاب، هذا عمدة ما قيل في المقام.


احتمال التفصيل

ويمكن أن يقال بالتفصيل: بين المرجع الّذي يؤخذ منه الاحكام الشرعية فقط باعتباره أهل خبرة الفقه، وبين المرجع الّذي يتولّى عامّة أُمور المسلمين،
شروط المجتهد: الايمان
بالتزام اشتراط استمرار العقل في الثاني، لاحتياج مزاولة الاعمال المرجعية تولّي قيادة الاُمور العامّة إلى العقل، دون الاوّل لعدم الدليل المقنع فيه، ومع ذلك
... والايمان....
فالاحتياط بالقول باشتراط العقل مطلقاً في محلّه.
وأمّا المجنون الادواري، الّذي استنبط الحكم الشرعي حال العقل، ثمّ جُنّ، ثمّ عاد عقله، فهل يجوز تقليده حال إفاقته ؟
الظاهر نعم، ولم أجد فيه فتوى بالعدم فيما يحضرني من كتب، حتّى أنّ الذين استشكلوا في العمل حال جنون المقلَّد ـ بالفتح ـ أجازوا في الادواري.
قال في المستمسك: « ولا بأس به إن لم ينعقد الاجماع على خلافه »(48) وكأنّه مظنّة مخالفة الاجماع عنده، لكن لا يخفى عدم استقامة الاعتماد على مثل هذه الاطلاقات لمثل هذه الاجماعات.
ويأتي نفس الكلام على اشتراط العقل الاستمراري في مثل غلبة مرض، أو نسيان، أو كثرة السهو، أو نحو ذلك على المرجع بعد استجماعه للشرائط حال الاستنباط.
ولولا شبهة التزام ما لم يقل به أحد لتوجّه التفصيل الّذي ذكرناه.


الشرط الثالث: الايمان

و الثالث ممّا يشترط في مرجع التقليد الايمان بمعنى: كونه مسلماً شيعياً اثني عشرياً، وقد استدلّ لاشتراطه في مرجع التقليد بأدلّة:


أدلّة اشتراط الايمان في مرجع التقليد
الدليل الاوّل: السنّة

إنّ أدلّة اشتراط الايمان في مرجع التقليد هي: السنّة، والاجماع، والارتكاز.
أمّا السنّة فروايات:


أُولى الروايات وثانيتها

أُولاها مقبولة عمر بن حنظلة: « ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا »(49).
ثانيتها: حسنة أبي خديجة: « ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا »(50).
ونحوهما غيرهما أيضاً بتقريب: أنّ « منكم » في هذه الاخبار يعطي لزوم كون المرجع من أمثال أصحاب الائمّة من الامامية الاثنى عشرية.


مناقشة المقبولة والحسنة سنداً

وأُورد على ذلك سنداً ودلالةً:
أمّا مناقشتهما سنداً: فبأنّ المقبولة ليست مقبولة عندنا لانّها ضعيفة السند، وتلقّي جمع من الاصحاب لها بالقبول لا يخرجها عن الضعف، مضافاً إلى عدم إحراز كون الاصحاب تلقّوها بالقبول، إن لم يكن خلافه محرزاً (51).
وبأنّ أبا خديجة تعارض فيه التوثيق والتضعيف، فالنجاشي وثّقه، والشيخ ضعّفه تارة ووثّقه أُخرى، وفي الطريق أيضاً « الحسن بن علي » الراوي عن أبي خديجة وهو لم يوثّق(52).


المقبولة صغرى وكبرى

وفيه: أنّ كلتا الروايتين معتبرتان.
أمّا اعتبار المقبولة فلتمامية الصغرى والكبرى.
أمّا الصغرى: فلانّ جمعاً كثيراً من الاعيان استدلّوا بهذه الرواية في باب القضاء وهذا يكفي للتلقّي بالقبول، وإلاّ فهؤلاء يردّون الاخبار لمجرد جهل الراوي، وفيهم من يردّ الخبر الصحيح لكونه واحداً(53).
وقد صرّح في التنقيح في أكثر من مورد: أنّ الاصحاب تلقّوا هذه الرواية بالقبول. ففي بحث نجاسة الخمر من كتاب الطهارة قال: « إنّ رواية عمر بن حنظلة ضعيفة لعدم توثيقه في الرجال وإن عبّر عنها بالصحيحة في بعض الكلمات.
نعم، له رواية أُخرى قد تلقّاها الاصحاب بالقبول وعنونوها في بحث التعادل والترجيح ومن ثمّة سمّيت بمقبولة عمر بن حنظلة، إلاّ أنّ قبول رواية منه في مورد ممّا لا دلالة له على قبول جميع رواياته »(54).
وفي بحث التخيير بين القراءة والتسبيحات في الركعتين الاخيرتين نسب إلى الاصحاب تلقّي جميع رواياته بالقبول، قال: «... من جهة عدم ثبوت وثاقة علي بن حنظلة ولا أخيه عمر في كتب الرجال وإن تلقّى الاصحاب روايات الثاني بالقبول وأسموها: مقبولة عمر بن حنظلة »(55).
مع أنّه في باب التقليد شكّك في كون هذه الرواية الواحدة أيضاً مقبولة قال: « وإن سمّيت روايته هذه بالمقبولة وكأنّها ممّا تلقّته الاصحاب بالقبول، وإن لم يثبت هذا أيضاً »(56).
وأمّا الكبرى: فقد تقدّم سابقاً بناء العقلاء عليه، لعدم الفرق عندهم بين الوثاقة المخبرية والوثاقة الخبرية، بل الاولى لحجّيتها العقلائية لانّها من صغريات الثانية دون العكس.


مع حسنة أبي خديجة

وأمّا الحسنة فأمّا أبو خديجة: فقد وثّقه النجاشي، والشيخ ضعّفه تارةً ووثّقه أُخرى، فهو معتبر من وجهين:
1. أضبطية النجاشي، وبناء العقلاء على الاخذ بالاضبط ـ كما هو ثابت في شتّى موارد الفقه ـ إن لم نقل بالتخيير بين المتعارضين.
2. الشخص الواحد إذا تعارضت أقواله تسقط عن الاعتبار، فليس تضعيف الشيخ قابلاً للحجّية حتى يعارض به توثيق النجاشي.
وأمّا الحسن بن علي الراوي عن أبي خديجة فقد قال عنه النجاشي « خيّر » وهذا توثيق.
إذن: فالسند في كلتا الروايتين معتبر وإن أشكل فيهما بعض(57)، أو في خصوص عمر بن حنظلة (58) وقد تقدّم حجّية السندين مفصّلاً في بحث اشتراط الاعلمية في مرجع التقليد.


توثيق ابن حنظلة وأبي خديجة

بل صرّح جمع بوثاقة الرجلين ـ عمر بن حنظلة وأبي خديجة ـ تصريحاً، أو بتصحيح رواياتهما، وإليك نماذج من ذلك في هذه العجالة:
أمّا ابن حنظلة فقد وثّقه جمع وصحّحوا ما رواه، ومنهم:
1. الشهيدان وثّقا عمر بن حنظلة(59).
2. صاحب المستند نسب إلى المحكي عن النجاشي توثيقه قال: « وعمر ابن حنظلة وقد حكي عنه ـ أي النجاشي ـ توثيقه »(60).
وعدم وجدان التوثيق في رجال النجاشي لا ينافي حجّية نقل الثقة، فلعلّ النجاشي وثّقه شفهاً، أو في كتاب آخر له قد فُقِد، أو نحو ذلك، ومثله غير عزيز.
3. وصاحب الجواهر، فقد عبّر أحياناً عن رواية عمر بن حنظلة بالصحيحة قال في كتاب النكاح: « ومنها صحيح عمر بن حنظلة... »(61).
وأمّا أبو خديجة فقد كرّر صاحب الجواهر التعبير عن رواياته بالصحيحة في مسائل مختلفة، وإليك بعضها:
1. في قراءة الركعتين الاخيرتين قال: « ومنها صحيح أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام)... »(62).
2. في كمّية التسبيح في الاخيرتين قال: « كصحيح أبي خديجة سالم بن مكرم... »(63).
3. في استحباب النكاح قال: « وفي صحيح أبي خديجة عنه (عليه السلام)أيضاً... »(64).
4. وغير صاحب الجواهر أيضاً من عبّر عن رواية أبي خديجة بالصحيح، مثل: صاحب المستند، قال في كتاب القضاء: « وكصحيحة أبي خديجة... »(65).
5. والعلاّمة في المختلف في باب الخمس عدّ روايته من الصحاح(66).
6. وفي التنقيح في اعتبار العدالة في القاضي قال: « بل يمكن الاستدلال عليه بما ورد في صحيحة أبي خديجة... »(67).


مناقشة المقبولة والحسنة دلالة

وأمّا مناقشتهما دلالةً فمن وجوه:


الوجه الاوّل من مناقشة الدلالة

أوّلاً: بأنّهما في القضاء، وسحب حكمه إلى باب الافتاء، قياس.
وفيه: مضافاً إلى فهم الفقهاء قديماً وحديثاً وحدة البابين: القضاء الافتاء، وفهمهم جابر للدلالة وإن لم نفهم الوحدة، ككثير من موارد الجبر الدلالي الّذي تقدّم مكرّراً أنّ المعظم في شتّى أبواب الفقه ملتزمون به.
وإليك نماذج من العشرات بل المئات ممّا التزموا وأفتوا بالجبر الدلالي أو الكسر الدلالي السندي:


أمثلة ونماذج

1. في كتاب الصلاة تقرير المحقّق النائيني (قدس سره) في بحث الالتفات قال: « إنّه لو سلّم مفهوم الخبرين في دلالته على عدم البطلان بالالتفات إلى غير الخلف في الفريضة، فلا يمكن العمل بهما من جهة إعراض القدماء عن العمل بهما... »(68).
2. بعد ذكر خبر يدلّ على اشتراط الاستماع في وجوب سجدة التلاوة، قال: « لكن الّذي يوهنه احتمال إعراض القدماء عن العمل به وتحقّق الشهرة القدمائية على وجوب السجدة بالسماع... »(69).
3. المحقّق العراقي (قدس سره) في شرح التبصرة في مسألة تجديد النيّة في الصوم قبل الزوال بعد أن قال: « فأصالة البراءة عن دخل المشكوك من النيّة محكمة... » قال: « ولكن الانصاف أنّ كلماتهم لا تساعد على مرجعية مثل هذا الاصل في الباب، بل بناؤهم على إجراء حكم العبادية من الفساد بالاخلال بالنيّة في المقام... »(70).
4. وقال أيضاً في ردّ ظهور العلّة المذكورة في رواية الاكل في الصوم ـ بأنّه ليس بطعام ـ في ما لا يعتاد أكله: « لابدّ من رفع اليد عن ظهور العلّة بإعراض الاصحاب عن مثلها، لعدم بنائهم على كون المفطر ما يعتاد أكله »(71).
5. وقال أيضاً في ردّ من قال ببطلان الصوم بجلوس المرأة في الماء، أو قال بالكفّارة فيه أيضاً، انتصاراً للمشهور بالكراهة: « وإلى مثل ذلك أيضاً نظر الاصحاب ويكون فهم مثلهم ـ أيضاً ـ صالحاً للقرينية »(72).
6. وقال أيضاً في مسألة غسل الاحرام الّذي دلّت النصوص على وجوبه: « فالمسألة من جهة مخالفة النصوص مع الكلمات في غاية الاشكال »(73).
لكنّه في حاشية العروة الوثقى وافق المشهور من الاستحباب(74).
7. وفي اشتراط وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدم الضرر المالي وإن لم يكن حرجيّاً استناداً إلى فهم الفقهاء بعد استظهاره من الادلّة كون الملاك فيهما عدم الحرج، قال: « إنّ العناوين المأخوذة في النصوص السابقة آبية عن الشمول للضرر المالي غير البالغ حدّ الحرج في ارتكابه فلا تبقى في البين إلاّ دعوى جبر فتاويهم لعموم نفي الضرر حتى المالي منه في خصوص المقام »(75).
وفيه: مضافاً إلى ما ذكر ـ وحدة البابين مناطاً، إذ الملاك في القضاء: الفتوى باضافة الحكم والتطبيق، إضافةً إلى أنّ ظاهر « روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا » أنّ الملاك لحجّية القضاء الفتوى أيضاً، وصرّح بذلك في الحدائق(76) وفي غيرها أيضاً. وقد تقدّم تفصيله في شرح المسألة الاُولى.


الوجه الثاني من مناقشة الدلالة

وثانياً: بأنّ المراد من قوله (عليه السلام) « منكم » ـ بقرينة صدر وذيل الروايتين ـ أن لا يكون مرجع التقليد من العامّة لانّه يحكم بغير حكم الائمّة الطاهرين (عليهم السلام)للانصراف، هو أخصّ من المدّعى، إذ أنّ الخبرين ـ بمجموعهما صدراً وذيلاً ـ لا يشملان ما لو استخرج فقيه عامي الحكم الشرعي من آثار الائمّة الطاهرين مع فرض الوثوق باجتهاده، فلا خصوصية للايمان في شخص القاضي، بل الخصوصية للحكم بحكمهم (عليهم السلام) وإن كان الحاكم لا يعتقد عقيدتهم (عليهم السلام)، كالخبر الموثّق.
وقد يجاب: ـ مضافاً إلى قطعية اشتراط الايمان في القاضي الّذي هو مورد الرواية ـ أنّ الظاهر من الرواية اشتراط الشرطين مجتمعين:
1. الحكم بحكم أهل البيت (عليهم السلام).
2. وكون الحاكم مؤمناً.
ولا يصحّ رفع اليد عن أحدهما للاخر لظهورهما في قيدين، فإذا قيل: راجع طبيباً تثق به، هل يصح حمل أحدهما على الاخر ؟
كلاّ بل هما ظاهران في أنّهما قيدان.
مثلاً: هل يصحّ العكس: بأن يقال: المراد بقوله (عليه السلام): « فإذا حكم بحكمنا »: كون القاضي مؤمناً، سواء حكم بحكمهم أم لا ؟
مع أنّ المحكّم هو اطلاق المنع المستفاد من القيد « منكم »، والتعليل الاستنباطي الانصرافي ـ إن كان ـ يحمل على الحكمة لا على العلّة التامّة التي يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً ـ وليس ببعيد ـ.


إشكال وجواب

إن قلت: المقبولة والحسنة لا تصلحان مقيّدة لاطلاقات أدلّة التقليد مثل: « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم »(77).
فغير الشيعي إن روى حديث أهل البيت (عليهم السلام) وكان ثقة شمله هذا الاطلاق، وذلك لما تقرّر في الاُصول من عدم التنافي بين المثبتين حتّى يحتاج في الجمع بينهما إلى حمل المطلق على المقيّد.
قلت: إنّ صدري الروايتين فيهما تصريح بالنهي عن مراجعة غير الشيعة في أحكام الله تعالى، ففي المقبولة: « سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَين أو في ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحلّ ذلك ؟
فقال (عليه السلام): من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً لانّه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله عزوجل أن يكفر به.
قلت: كيف يصنعان ؟
قال (عليه السلام): انظروا إلى من كان منكم... »(78).
وفي الحسنة: « بعثني أبو عبدالله (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال: قل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو تدارى بينكم في شيء من الاخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلاً... »(79).
واطلاقهما قاض بعدم جواز مراجعة غير الشيعة حتّى ولو استنبط من أدلّة الشيعة.
وهاتان الروايتان إمّا هما نفس المقبولة والحسنة، أو غيرهما ولكن حيث إنّ الراوي فيهما، وكذا المروي عنه واحد، فيكونان ـ على فرض المغايرة ـ بحكم الرواية الواحدة كما لا يخفى.
وتصريح الصدر يكون قرينة على إرادة الذيل الحصر في مراجعة الشيعة.


كلام الشيخ الحائري

ثمّ إنّ شيخنا الحائري (قدس سره) ذكر أنّ المقبولة وأمثالها تصلح للتقييد، وإن كانت مع المطلقات مثبتين، إذ قد يلزم في المثبتين حمل المطلق على المقيّد كما إن كان مرجعهما إلى المتنافيين، وذلك يكون في موارد، وما نحن فيه منها.
الاوّل: إذا دلّ دليل القيد على دخالته في سنخ الحكم المستلزم لانتفاء سنخ الحكم عند الانتفاء، فيرجع بمفهومه إلى المتنافيين.
الثاني: إذا أحرز كون المطلق والمقيّد في مقام الانشاء واحداً مفهوماً، بأن يعلم أنّ الحكم المقيّد هو الّذي أُنشئ في كلا الدليلين، لكن القيد لم يذكر في المطلق في مقام التلفّظ لمصلحة: من وضوح ونحوه.
الثالث: إذا أحرز وحدة الحكم من الخارج، قال (قدس سره): وما نحن فيه من هذا القبيل، إذ لا يحتمل في المقام وجوب الرجوع إلى مطلق الراوي تارةً، ووجوب الرجوع إلى الشيعي أُخرى، فإنّ من الواضح أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل إلاّ رجوعاً واحداً فإنّه طريق إلى ثبوت الحكم، فإن ثبت بالرجوع الاوّل الحكم الواقعي على المكلّف فلا معنى للرجوع الثاني، فإنّ القيد وإن لم يدلّ على انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء القيد، لكن يعلم من الخارج انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء القيد بمقدّمتين:
الاُولى: دخالة القيد في تحصيل الحكم ـ أي: الحكمة المنبعثة عن المصلحة التي لاجلها أُنشئ الحكم ـ.
الثانية: عدم تمامية كون الحكم في الواقع معلولاً لمصلحتين، حتى يكون في الواقع حكمان أحدهما متعلّق بالمطلق والاخر بالمقيّد، فيرجع إلى المتنافيين بالعرض(80).


تدقيق وتحقيق

أقول: إنّ مقام استعلام الحكم الشرعي يكفي فيه عند ما يكون لنا مطلق، مثل « ارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » ومقيّد، مثل: « رجل منكم » في وجوب الرجوع إمّا إلى هذا المطلق، أو إلى المقيّد، لا إلى هذا تارةً وإلى الاخر أُخرى، حتى يتمّ ما ذكره (قدس سره) من أنّ الواقعة الواحدة لا تتحمّل إلاّ رجوعاً واحداً.
نعم، يمكن التزام كون ما نحن فيه من قبيل المورد الثاني الّذي ذكره (قدس سره): من إحراز كون المطلق والمقيّد في مقام الانشاء واحداً مفهوماً، ومرجعه إلى التزام انصراف المطلق إلى المقيّد أيضاً موضوعاً أو حكماً فقوله (عليه السلام): « فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا » يراد بذلك الرواة من الشيعة، لا مطلق الرواة لحديثهم، وإن كان من غير الشيعة، إمّا لعدم وجوده خارجاً وإمّا للانصراف إلى الشيعة لاجل المغروس في الاذهان من متواتر الروايات: إن مراجعة غير الشيعة غير مبرئ للذمّة، حتّى أصبح من الواضحات عند الشيعة، أو لغير ذلك.
والحاصل، أنّه يلزم حمل المطلقات على المقيّدات لبعض هذه الوجوه المذكورة أو لغيرها، والله العالم.
مضافاً إلى وضوح دلالة هذه الروايات بمجموعها على لزوم كون المرجع اثني عشرياً رغم المناقشات المتعدّدة في كلّ واحدة واحدة منها، ولا تنافي، فالجيش يفتح البلاد مع أنّ كلّ واحد واحد منهم لا يفعل شيئاً، والتواتر يورث العلم مع أنّ كلّ خبر خبر منه لا يوجبه، وهكذا دواليك.


ثالثة الروايات

ثالثتها: قوله (عليه السلام) « فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم... »(81).
فغير المؤمن الشيعي الاثني عشري لا تصدق عليه الصفات في هذا الحديث، فلا يقال عنه: إنّه صائن لنفسه، أو حافظ لدينه، أو مطيع لامر مولاه، فتأمّل.
مضافاً إلى تصريح الامام (عليه السلام) بكونه بعض فقهاء الشيعة، فغير الشيعي مسلّم عدم كفاية فتواه.


مناقشة الرواية سنداً ودلالة

ونوقش فيها: أوّلاً بضعف السند، لضعف نسبة التفسير إلى الامام العسكري (عليه السلام).
ويردّ بما مضى في أوائل الكتاب ـ في شرح المسألة الاُولى ـ مسهباً من تصريح بعضهم بحجّية التفسير، واعتماد أجلاء من الفقهاء عليه.
مضافاً إلى إمكان أن يقال: إنّ هذه القطعة من الرواية من قسم المعمول بها، المتلقّاة بالقبول من قبل الفقهاء (قدس سرهم).
مع أنّ متن المقبولة لا تخلو من الدلالة على أنّها كلام المعصوم (عليه السلام) ويعرف ذلك الخرّيت في هذا المجال ـ كما قيل ـ فتأمّل.
وثانياً: بضعف الدلالة: ووجهه أنّ الرواية إنّما وردت لبيان الفارق بين علماء اليهود، وعلماء الشيعة وتقليد العوام في الطائفتين لعلمائهم، فعوام اليهود مع معرفتهم علماءهم بالفسق مع ذلك قلّدوهم، وعوام الشيعة عرفوا علماءهم بالتقوى وقلّدوهم، وظاهر ذلك كفاية الوثوق وعدم خصوصية للايمان إلاّ كونه في الخارج مورد الوثوق مصداقاً.
وقد يجاب: بأنّ الحصر المستفاد من « لا وإلاّ » في قوله (عليه السلام): « وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم » له ظهور في نفي حجّية فتوى غير الشيعة مطلقاً، فتأمّل.
مضافاً إلى ما قيل: من أنّ فقهاء غير الشيعة لا تجتمع فيهم هذه الصفات خارجاً، فتأمّل.
وثالثاً: بأنّ الشيعة في الرواية أعمّ من الاثني عشري، للاطلاق على كل من قال بإمامة علي (عليه السلام) وإن لم يلتزم بإمامة كلّ الائمّة (عليهم السلام).
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ الشيعة منصرف في الروايات إلى الاثني عشري كما لا يخفى على من تأمّلها ـ أنّه قد يكون وجه التصريح بـ « بعض » لذلك وغيره، فتأمّل.


رابعة الروايات

رابعتها: خبر أحمد بن حاتم بن ماهوية، أنّ أبا الحسن الثالث (عليه السلام) كتب اليه وإلى أخيه « فاصمدا في دينكما على كل مسنّ في حبّنا، وكل كثير القِدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إن شاء الله تعالى »(82).


مناقشات سندية ودلالية

ونوقش أيضاً، بضعف السند، قال في التنقيح: « كما أنّ في سند الثانية جملة من الضعاف منهم: أحمد بن حاتم بن ماهويه »(83).
وبأنّ ما اشترط فيه من شدّة الحب، والثبات التامّ في أمرهم (عليهم السلام) هو فوق الايمان، ولم يقل به أحد، ولذا قال في المستمسك: « محمول على الاستحباب للاجماع القطعي على خلاف ظاهره »(84).
وقال في التنقيح: « وأمّا الرواية الثانية فهي غير معمول بها قطعاً، للجزم بأنّ من يرجع اليه في الاحكام الشرعية لا يشترط أن يكون شديد الحب لهم، أو يكون ممّن له ثبات تامّ في أمرهم (عليهم السلام)، فإنّ غاية ما هناك أن يعتبر فيه الايمان على الوجه المتعارف بين المؤمنين، إذاً لابدّ من حملها على بيان أفضل الافراد ـ على تقدير تماميتها بحسب السند ـ »(85).
ثمّ أكّد ذلك بأنّ أخذ معالم الدين كما يكون بالرجوع إلى المفتي، كذلك يكون بالرجوع إلى راوي الحديث، وحيث إنّ حجّية الرواية لا تتوقّف على الايمان ـ كما هو المشهور المنصور ـ فكذلك المفتي، لوحدة المناط.


جواب مناقشة السند

وقد يجاب عن ضعف السند: بجبره بالعمل، وتلقّي الفقهاء له بالقبول على الظاهر، للاستدلال به في كتبهم المعدّة لبيان أدلّة الاحكام، وهذه المناقشات السندية معظمها نشأ في العصور المتأخرة، كما هو واضح.
أمّا تصحيح الاسناد ـ مستقلاً ـ فالسند عبارة عن الكشي في رجاله، عن جبرئيل بن أحمد، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن أحمد بن حاتم بن ماهويه، عن الامام الهادي (عليه السلام).
فأمّا جبرئيل وأحمد فهما ممدوحان عند المشهور ـ كما في رجال العلاّمة المجلسي (قدس سره) ـ بل قال الوحيد البهبهاني (قدس سره) في التعليقة(86) بشأن جبرئيل بن أحمد الفاريابي « هو معتمد الكشي حتى أنّه يعتمد على ما وجد بخطه ».
لكن « موسى بن جعفر بن وهب » لم يوثّق ولم يمدح صريحاً فيما عثرت عليه، لكن هناك قرائن قد تدلّ على جلالته، قال المحدّث النوري (قدس سره) في الفائدة العاشرة من خاتمة الوسائل بعد ذكر قرائن على ذلك: « فالحقّ أنّه معدود من الاجلاّء »(87).
فالسند غير خال عن الاشكال وإن كان الميل فيه إلى الاعتبار أقرب والله العالم.


الجواب عن مناقشة الدلالة

وعن اشتراط شدّة الحب وكثرة القِدم في أمرهم: بأنّ هذا هو كناية عن الايمان، أو عبارة أُخرى عنه، لا أنّه أمر فوق الايمان حتى تسقط الرواية، لانّ أحداً لم يلتزم باشتراط درجة فوق أصل الايمان ـ كما أسلفنا نقله عن المستمسك والتنقيح ـ.
بل ربما يقال، بأنّ ظاهر مثل هذه العبارات: « مسنّ في حبّنا كثير القِدم في أمرنا » ـ كما يومي اليه نظائر كثيرة له في الروايات ـ هو طريقية مثل ذلك للايمان المستقرّ الّذي يكشف عن ثباته، مقابل الايمان اللساني غير الكاشف عن الاعتقاد القلبي، ممّن كانوا يؤمنون اليوم بالائمّة (عليهم السلام)، ويتراجعون غداً، فتأمّل.
أو أنّها ليست في مقام حصر الحجّة فيمن اجتمع فيه الوصفان « مسنّ في حبّنا، كثير القِدم في أمرنا » بل لبيان أنّ مجمع الوصفين يستطيع أن يجيب على كثير من المسائل التي هي محل الابتلاء، إمّا لكثرة روايته عنّا ونقله لمعظم المسائل، أو لكثرة ممارسته، فيستطيع أن يردّ الفروع على الاُصول ـ كما أمروا (عليهم السلام) بذلك ـ ويجتهد فيما ليس فيه نصّ خاص باستنباط حكمه من النصوص الواردة، ولعلّ جملة: « فإنّهما كافوكما إن شاء الله تعالى » تشير إلى هذا المعنى.
ثمّ إنّ ظاهر تقييد المسنّ بـ « حبّنا » وتقييد كثرة القِدم بـ « في أمرنا » ـ بعد عدم إرادة كثرة سنيّ العمر ـ قد يعطي الكيف لا الكم، فلو كان رجلان: أحدهما يرتاد مجالسهم (عليهم السلام) خمس سنوات ولكن كل يوم، وآخر له عشرون سنة في الارتياد لكن كل اسبوع مرّة، كان الاوّل هو المسنّ وكثير القِدم، فتأمّل.
وقول المستمسك: « للاجماع القطعي على خلاف ظاهره » فإنّه إن أراد به أنّ ظاهره درجة أقوى من الايمان ففيه: ما قلناه، وإن أراد به أنّ ظاهره كونه كثير العمر، فهو واضح الفساد.
وكذا قول التنقيح: « فهي غير معمول بها قطعاً ».


خامسة الروايات

خامستها: عن علي بن سويد، قال: كتب إليّ أبو الحسن الاوّل وهو في السجن:
« وأما ما ذكرت ياعلي ممّن تأخذ معالم دينك، لا تأخذنّ معالم دينك عن غير شيعتنا، فإنّك إن تعديّتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أماناتهم، إنّهم ائتمنوا على كتاب الله جلّ وعلا فحرّفوه وبدلّوه، فعليهم لعنة الله ولعنة رسوله ولعنة ملائكته، ولعنة آبائي الكرام البررة، ولعنتي، ولعنة شيعتي إلى يوم القيامة »(88).
بتقريب: أنّ من أظهر مصاديق أخذ معالم الدين التقليد، وإذا كان أعمّ من أخذ الرواية فإن دلّ دليل على جواز أخذ الرواية يكون خارجاً بالتقييد بالاظهر ويبقى التقليد تحت اطلاق نهي الاخذ.


مناقشة الرواية سنداً

ونوقش فيها: بضعف السند، لوجود محمّد بن إسماعيل الرازي، وعلي بن حبيب المدائني في السند، قال في التنقيح: « وكلاهما لم يوثّق في الرجال »(89).
أقول: هنا ملاحضات:
1. محمّد بن إسماعيل الرازي هو من رجال تفسير علي بن إبراهيم الّذي يرى جمع ومنهم السيد الخوئي (قدس سره)اعتبارهم.
قال في التنقيح بالنسبة إلى أبي الورد: « ولا يخفى أنّ الرجل وإن لم يوثّق في الرجال إلاّ أنّه ممّن وقع في أسانيد تفسير علي بن إبراهيم القمّي، فبناءً على ما عليه سيدنا الاُستاذ (قدس سره) من وثاقة كل من وقع في سلسلة أسانيد ذلك الكتاب أعني تفسير القمّي لابدّ من الحكم باعتبار الرواية »(90).
وإن كنّا لم نعتبر ذلك في محلّه.
2. وأمّا علي بن حبيب المدائني فلم أجد في هذه العجالة ما يدلّ على وثاقته، إلاّ أنّه جاء في كتاب « الجامع في الرجال »: « روى الكشي... عنه حديثاً جيّداً يدلّ على حسن اعتقاده وظاهر الكشي الاعتماد عليه »(91).
لكن هذا المقدار لا يكفي للدلالة على صدق اللهجة، الّذي هو مبنى العقلاء في الحجّية، ولا على العدالة التي هي مبنى الشرع على الحجّية.
3. ربما يقال، إنّ الرواية مقبولة لتناقل عدد من المتأخرين لها في مقام الاستدلال، فإن تمّ ذلك فبها، وإلاّ لم يتمّ سند الرواية.


مناقشة الرواية دلالة

وأمّا دلالة: فبأنّ المانع عن أخذ معالم الدين من غير الشيعة هو خيانتهم، فلو فرض الاطمينان بعدم خيانة أحدهم لجاز الاخذ من غير الشيعة، وبانصرافه إلى قضاة العامّة العاملين بالقياس ونحوه في قبال أخبار المعصومين (عليهم السلام)، فلا يشمل غير الشيعي الّذي يستنبط من رواياتهم (عليهم السلام).
وقد يجاب: عن أنّ مصبّ المنع هو الخيانة، والخيانة حكمة لا علّة، كما هو مبنى الفقهاء في التعاليل الواردة في مختلف الروايات بحملها على الحكمة لا العلّة التامّة التي يدور مدارها الحكم. والانصراف ممنوع، بل اطلاقه محكّم.


الدليل الثاني لاشتراط الايمان في مرجع التقليد
الاجماع

وأمّا الاجماع: فالظاهر عدم وجود خلاف في المسألة، وقد نقل عن مثل المحقّق الاردبيلي ظهور الاتّفاق، ومثله ممّن يخدش في أغلب الاجماعات، يُطمأن إلى نقله الاجماع.
قال في المستمسك: « نعم حكي عليه إجماع السلف الصالح والخلف، وهو العمدة فيه »(92).


إشكالات ثلاثة
الاشكال الاوّل

وأشكل على هذا الاجماع من وجوه كلّها غير تامّة:
أوّلاً: ما في التنقيح وغيره: من الاشكال عليه صغرى: بأنّه منقول، وكبرى: بأنّه محتمل الاستناد إلى بعض الوجوه المذكورة من الايات والروايات وغيرهما.
وفيه: أمّا الصغرى، فبأنّه وإن كان صحيحاً أنّه إجماع منقول، إلاّ أنّه قد يشرف الفقيه على القطع من عدم الخلاف في المسألة، ويكفي مثل هذا القطع في اطلاق « العلم » عليه عرفاً، ومع ذلك فليس مجرد كون الاجماع منقولاً مجوّزاً لردّه رأساً في كل مكان، لاكتنافه بقرائن مؤيّدة مثل نقل المحقّق الاردبيلي (قدس سره) له، فإنّه يبعث على الاطمئنان به، كما تقدّم آنفاً.
وأمّا الكبرى: فبأنّ الاجماع في مثل هذه المسألة التي ربما يعتبر من ضروريات الشيعة ـ إجمالاً ـ لو لم يمكن التعويل عليه، فأين يتحقّق في الفقه إجماع يصحّ التعويل عليه ؟
فمثل هذا الاجماع إن لم يقم دليل خاص عليه فلا أقلّ من كونه مصداقاً ظاهراً للاستبانة عرفاً، فيدخل في قوله (عليه السلام): « حتى يستبين لك غير هذا ».
مضافاً إلى ما مرّ منّا من عدم الاستبعاد لحجّية الاجماع المحتمل الاستناد، وذلك لبناء العقلاء، فلا يسقط لمجرد كونه محتمل الاستناد، نعم لا يكون من الاجماع المصطلح، لكنه غير ضائر بعد كونه إجماعاً وحجّة شرعاً.


الاشكال الثاني

وثانياً: أنّه دليل لبّي ولا اطلاق له حتى يستدلّ به على خصوصية الايمان في المفتي، إذ لو فرض أنّ غير مؤمن استنبط من طرق الائمّة الاطهار (عليهم السلام)، فهل هناك إجماع على عدم حجّية حدسه ؟
فلعلّ الاتّفاق من جهة أنّ غير المؤمن يعتمد في فتاواه ما ليس حجّة من قياس واستحسان ونحوهما.
وفيه: الظاهر من الاجماع أنّه بعد مفروغيته، عدم حجّية ما ليس عن طريق أهل البيت (عليهم السلام).
ولذا لم يتعرّضوا لاشتراط أن يكون استنباطه عن طرقهم (عليهم السلام)، كما لم يذكروا ذلك في القاضي.
فمصبّ الاجماع إمّا خصوص هذا الفرد أو الاعمّ منه.


الاشكال الثالث

وثالثاً: أنّ المسلّم من الاجماع إنّما هو في باب القضاء، لا الافتاء.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما تقدّم من وحدة البابين ـ إنّهم ذكروا الاجماع في باب الافتاء أيضاً.
نعم، إنّ جعل المستمسك له العمدة، محل مناقشة، بل هو أحد أدلّة المسألة بجنب الروايات والارتكاز.


الدليل الثالث لاشتراط الايمان في مرجع التقليد
الارتكاز

وأمّا الارتكاز: فالظاهر أنّ المرتكز في أذهان المؤمنين عدم جواز تقليد غير المؤمن، والاشكال عليه بمثل ما ورد على الاجماع غير تامّ:
1. إذ الصغرى مسلّمة ودونك المؤمنين فارتكازهم مسلّم.
2. والكبرى حيث إنّه يحتمل استناد الفقهاء منهم إلى الوجوه المذكورة، واستناد عوامهم إلى فتاوى الفقهاء فقد تقدّم الجواب عنه وأنّه حجّة عقلائية ولها طريقية ما لم يردع الشارع عنها كالقياس.
3. واللبّية أيضاً تقدّم الجواب عنها آنفاً، مضافاً إلى أنّ المرتكز خصوصية المؤمن لا مجرد كون أدلّة الفتوى مأخوذة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وفي الارتكاز هذه الخصوصية للمفتي أوضح منه في القاضي.
نعم، جعل الارتكاز الدليل الوحيد في المسألة بعد ردّ الادلّة الاُخرى ـ كما في التنقيح ـ(93) لا يخلو من مناقشة، وذلك لما تقدّم في بحث اشتراط العقل في المفتي: من انسحاب نفس الاشكالات المذكورة في الاجماع على الارتكاز.
هذه عمدة ما يصحّ الاستدلال به لاشتراط الايمان في المفتي.


أدلّة غير تامّة لاشتراط الايمان

وقد استدلّ أيضاً بأدلّة أُخرى، لكنّها قابلة للنقاش:


الدليل الاوّل: الكتاب
الاستدلال بآية الركون

الاوّل: آيات من الكتاب كقوله تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)(94).
بتقريب: أنّ التقليد نوع ركون بلا إشكال. بضميمة أنّ غير الشيعي الاثني عشري ظالم لنفسه، باعتقاده خلاف الواقع من أُصول الدين.
وفيه: إنّ ظاهر الاية الكريمة النهي عن الاعتماد عليهم في أُمور الدين على طريقتهم.
أمّا التقييد في أُمور الدين ـ فمضافاً إلى المقطوع به من جواز مراجعة المشركين فى أُمور الدنيا من طب وهندسة وغيرهما ـ فهذه قرينة التقييد.
وأمّا التقييد بكون الاعتماد على طريقتهم ـ ليخرج ما إذا نقل الظالم طريقتنا ـ فلقرينة أنّ تعليق الحكم على الوصف قد يكون ظاهراً في العلّية، وظاهر النهي عن الركون إلى الظالمين، أي: فيما هم ظالمون فيه وهو طريقتهم.
وإلاّ فأخذهم طريقتنا ليس ظلماً، ولذا يقولون بصحّة عمل المخالف إذا طابق الواقع عندنا.
ويؤيّد ذلك: ما في الروايات والتفاسير، ففي مجمع البيان: « روي عنهم (عليهم السلام) إنّ الركون: المودّة والنصيحة والطاعة »(95).
فإذا استنبط غير الامامي الحكم من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، فهل الاعتماد عليه مودّة ونصيحة وطاعة له، أو مودّة ونصيحة وطاعة لاهل البيت (عليهم السلام) ؟ هذا ما يبدو للنظر.


ردود وأجوبة

ويورد على الاستدلال بها أيضاً بما لا يخلو عن نقاش: أوّلاً: بأنّ الاية لا تدلّ على عدم جواز الركون إلى من ظلم نفسه، وهو يصدق على المعاند الّذي عرف الحقّ وأنكره، أمّا غير الشيعي، أو غير الاثني عشري من الشيعة الّذي كان قاصراً ـ غير مقصّر ـ في جهل الحقّ بسبب التقيّة الشديدة أو لشبهة حصلت له أو نحوهما فلا تشمله الاية الكريمة، فالدليل أخصّ من المدّعى.
وقد يجاب: بأنّ المقصود ليس الظلم الفعلي، بل الظلم مطلقاً وإن كان واقعياً، وغير أهل الحقّ أيّاً كانوا فهم ظالمون لانفسهم، سواء كان من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون.
لكنّه خلاف ظاهر كلمة « ظلموا » فقد قال أهل الادب: بأنّ ظاهر الافعال كونها صادرة ومتلبّس بها عن الاختيار والالتفات، فلو قيل: فلان قتل فلاناً كان ظاهره القتل العمدي، وإن كان القتل خطأ قد يمكن ولكنّه خلاف الظاهر، فتأمّل فإنّه محل إشكال.
وثانياً: بأنّ مبنى الفقهاء العمل بروايات أصحاب المذاهب الباطلة كالفطحية، والطاطريين، والناووسية، وبني فضّال، وغيرهم، كما ورد الحديث في جواز العمل بما روته العامّة عن علي (عليه السلام) عند إعواز النصوص، مع أنّ الاعتماد عليهم حتّى في نقل الخبر نوع من الركون.
ويجاب أوّلاً: أنّ نقل مجرد الرواية ـ مع الوثاقة ـ لا يسمّى ركوناً، بخلاف تقليده فإنّه نوع من الركون لانّه اعتماد واستناد إليه في الدين، وأي ركون أعظم من هذا ؟
وثانياً: الفارق الادلّة التي قامت على جواز أخذ رواياتهم، دون آرائهم في قوله (عليه السلام) في كتب بني فضّال: « خذوا بما رووا وذروا ما رأوا »(96).


الاستدلال بآية النبأ

وكقوله تعالى أيضاً: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(97) بضميمة أنّ غير الاثني عشري من الشيعة فاسق، فلا يجوز أخذ فتواه، كما لا يجوز أخذ روايته بطريق أولى.
ويورد عليه: أوّلاً: أنّ الاية لم تنف حجّية نبأ الفاسق مطلقاً، بل أوجبت التبيّن عنده، فهل يقال بجواز العمل بفتوى الفاسق بعد تبيّن أنّه لم يأل جهداً في الاستنباط ولم يكذب ـ لعدم التلازم بين الفسق والكذب ـ ؟ كلاّ.
وثانياً: الشكّ في صدق « الفاسق » على غير أهل الحقّ إذا لم تتم عليهم الحجّة بعد، كما هو محل خلاف بين الاعلام، فلا أقل من كونه تمسّكاً بالمطلق في الشبهة المصداقية.
وثالثاً: الاولوية غير مسلّمة، لجواز وجوب التبيّن في الخبر دون الفتوى، فلا قطع بالملازمة والمناط، حتّى يتعدّى به الحكم من التبيّن الخبري، إلى التبيّن الفتوائي، لكن الظاهر ثبوت الاولوية، إذ الخبر ليس سوى طريق إلى كشف مؤدّاه، والفتوى خبر وزيادة لتمام المدخلية للحدس فيها، فتأمّل.


الدليل الثاني: العقل

الثاني: العقل، وقد قرّر: بأنّ غير الامامي الاثني عشري لا وثوق باستنباطه عن أخبار أهل البيت (عليهم السلام) غالباً.
وفيه: أنّ الغرض أعمّ من ذلك، صحيح أنّه لا وثوق غالباً به، ولكن لو وثق لم يرَ العقل ولا العقلاء مانعاً من الاخذ بقوله.


الدليل الثالث: التلازم بين العدالة والايمان

الثالث: مقتضى التلازم بين العدالة والايمان اشتراط الايمان، بتقريب: أنّ العدالة شرط في مرجع التقليد، ولا تتحقّق بلا إيمان، فيشترط الايمان في مرجع التقليد.
وأُورد عليه: أوّلاً: بأنّ اشتراط العدالة في مرجع التقليد قد يناقش فيه، خصوصاً في الّذي يؤخذ منه الاحكام فقط ـ كما سيأتي ـ.
وثانياً: قيل بعدم التلازم، لامكان تحقّق العدالة بدون الايمان، إذ العدالة ملكة اجتناب المعاصي، فلو كان شخص له هذه الملكة ولكن لم تتمّ عليه حجّة الايمان كان عادلاً غير مؤمن، فلا تلازم بين اشتراط العدالة واشتراط الايمان، بل بينهما عموم من وجه.
قال في الضوابط: « لفظ الفاسق ينصرف إلى الفسق بالجوارح لا الاعتقاد، فالصالح بجوارحه الفاسق باعتقاده نمنع صدق الفاسق عليه، أو انصرافه إليه ».
أقول: أي: انصراف الفاسق إلى غيره.
هذا مضافاً: إلى أنّ المراد بالفاسق باعتقاده ما كان عن قصور، لا حتّى إذا كان فسقه في اعتقاده عن تقصير، إذ لا إنصراف عنه، بل الفسق الجوانحي عن تقصير أعظم من الفسق الجوارحي، فتأمّل.


الدليل الرابع: السيرة

رابعاً: سيرة المتديّنين على ترك تقليد غير الامامي.
وفيه: إن كان المراد به، الارتكاز فهو، وإلاّ فحيث إنّها دليل لبّي خارجي، يقتصر فيها على المتيقّن، وهو غير الامامي الّذي يستنبط من طرقهم، لا طرق أهل البيت (عليهم السلام).


الدليل الخامس: الاولوية

خامساً: ما في المفاتيح من أنّ غير المؤمن لا يصحّ الاقتداء به، ولا تقبل شهادته، فترك تقليده أولى بعدم الصحّة والجواز.
وفيه: نقضاً بالخبر الحسّي.
وحلاً: بالدليل في الموردين.
والحاصل: أنّه يشترط الايمان في مرجع التقليد، لكن لا بالايات والعقل والسيرة والاولوية ونحوها، بل للسنّة والاجماع والارتكاز، وفيما ذكرناه خصوصاً الاخبار والاجماع كفاية.


تتمّات
التتمّة الاُولى

الاُولى: قد تحصل أنّ الاقوى اشتراط الايمان بالمعنى الاخصّ في مرجع التقليد بكلا قسميه، سواء الّذي يؤخذ منه فقط الاحكام الشرعية، أم الّذي يعتبر مرجعاً عامّاً في جميع الاُمور.
وما احتملناه من الفرق بينهما في بعض الشرائط لا يأتي هنا للروايات الخاصّة التي كان اطلاقها يشملهما، وإن كان مقتضى القاعدة الاوّلية ـ وهي بناء العقلاء والاصل العملي ـ كون المرجع في أخذ الحكم فقط يكتفى فيه الوثوق كسائر أهل الخبرة، ولكنّها محكومة بالدليل الاجتهادي، لصلاحيته رادعاً عن بناء العقلاء، ومعه لا أصالة للاصل العملي أيضاً، كما هو واضح.


التتمّة الثانية

الثانية: إذا كان فقيه حال الاستنباط مؤمناً ثمّ انحرف عن جادّة الايمان، أو العكس، فهل يجوز الاخذ بفتاواه الّتي استنبطها حال الايمان أم لا ؟
فيه احتمالان:


هنا احتمالان
الاحتمال الاوّل

الاوّل: عدم الجواز لاطلاق اشتراط الايمان الشامل للاستدامة، واطلاق قول الامام العسكري (عليه السلام) في بني فضّال « خذوا بما رووا، وذروا ما رأوا »(98) ولا شكّ أنّه كانت لبني فضّال فتاوى وقت بصيرتهم. وإطلاقه يشملها أيضاً.
بل لو قلنا بأنّ المراد ترك فتاواهم وقت إنحرافهم فلا يبقى له مورد أصلاً، فإنّه ـ مضافاً إلى معلومية ذلك لدى الشيعة بحيث لا يحتاج إلى بيان ـ مقتضى تطابق الجواب للسؤال هو ذلك، إذ المسؤول عنه « كتب بني فضّال » الظاهر في الكتب التي كانوا قد ألّفوها قبل الانحراف وكانت عند الشيعة.
وقوله (عليه السلام): « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك »(99) الّذي هو ملاك لاصل الاحتياط إن وصلت النوبة إليه.


الاحتمال الثاني

الثاني: الجواز للمناط، وهو أنّ المقصود بترك فتاوى غير المستبصرين إنّما هو لمخالفتها للواقع، ومثل هذا الّذي استنبط حال بصيرته ثمّ إنحرف منصرف عنه الدليل.
واطلاق اشتراط الايمان منصرف ـ لمناسبة الحكم والموضوع الموجب للظهور العقلائي ـ إلى المؤمن حال الاستنباط.
واطلاق « وذروا ما رأوا » إمّا منصرف إلى آرائهم بعد فساد عقائدهم.
أو لاختلاطها مع آرائهم حال صحّة عقائدهم وعدم معلومية هذه عن تلك.
أو للنهي عن آرائهم في أُصول الدين الّتي إنحرفوا بسببها، أو غير ذلك.
وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال لمكان الاجمال، فلا ظهور يعتمد عليه، فتأمّل.
و « دع ما يربيك إلى ما لا يريبك » ـ مضافاً إلى كونه حكماً إرشادياً كما هو ظاهره على ما قيل، ويؤيده ذيله: « فإنّك لن تجد فقد شيء تركته لله عزوجلّ » مع ضعف السند بالارسال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إنّه من أدلّة الاحتياط الّتي لا تصل النوبة إليه في الشبهات البدوية غير المقرونة بالعلم الاجمالي، بل المسرح للبراءة ـ كما حقّق في البراءة من الاُصول ـ.
لكن مع ذلك كلّه فالاحوط قوياً إن لم يكن أقوى هو: عدم جواز الاستناد إلى قول المنحرفين حتّى إذا كان استنباطه في وقت صحّة عقائدهم، وذلك لما يستفاد من الايات والروايات في مختلف الابواب: من أنّ الشارع اشترط الايمان من قبيل المصلحة السلوكية، إن لم نقل بكون اشتراطه موضوعياً حتّى أصبح ذلك من مرتكزات المتشرّعة الّتي في مثله لا تقل حجّة عقلائية عن مثل خبر الثقة ونحوه، والفقيه يشرف على القطع بذلك إذا لاحظ في هذا المجال ـ مع هذا الارتكاز المتشرّعي الرصين ـ الاخبار الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) في مختلف الابواب والعمدة في المقام الاجماع.
قال في الضوابط: « أجمعوا على عدم اعتبار قول المجتهد إذا صار فاسقاً، لا بدواً ولا استمراراً ».
وصرّح بهذا الاجماع أيضاً شريف العلماء (قدس سره) في تقرير درسه(100).
والفارق بين هذه المسألة وبين مسألة عدم اشتراط العقل إلاّ بدءاً ـ على القول به ـ هو الدليل هنا وفقد مثله هناك.


التتمّة الثالثة

الثالثة: إذا عمل بقول المجتهد المؤمن ثمّ انكشف له الخلاف، وبالعكس.
فإن كان مقصّراً فالظاهر وجوب تحصيل المؤمّن في كلتا الصورتين.
أمّا إذا لم يكن مؤمناً، وكان يجهل ذلك مقصّراً، فلعدم الشرط الواقعي، عدم العذر في جهله، إلاّ على القول بجريان قواعد التجاوز والفراغ والصحّة ونحوها في حقّ المقصّر أيضاً، وهو محلّ إشكال.
وأمّا إذا كان مؤمناً واقعاً ولكن المقلّد يحسبه مخالفاً ـ لتقيّة المجتهد مثلاً ـ فلما تقدّم فيمن لم يقلّد مدّة وطابق عمله مع من كان تقليده له ـ حال العمل ـ صحيحاً.
حيث ذهب جمهرة من المتأخرين إلى عدم العذر، إذ حجّية الحجّة الظاهرية مقيّدة بالاستناد، لا مطلقاً.
لكن هناك وإن استشكلنا في هذا الاستدلال إلاّ أنّ المقصّر عقلاً ليس معذوراً مطلقاً إلاّ في صورة إحراز الواقع ـ لا الحجّة ـ وأنّى له بإحرازه ؟ إذ المقصّر ـ مطلقاً ـ لا مؤمّن له.
نعم، إذا دلّ دليل شرعي ـ ولو بعموم واطلاق ـ على معذورية الجاهل المقصّر، كان مؤمّناً.
... والعدالة....
فيقع البحث في ظهور بعض العمومات والاطلاقات مثل « لا تعاد » ونحوه في ذلك.
وإن كان قاصراً فتختلف الصورتان:
أمّا مع الايمان الواقعي، والجهل به، فالظاهر الصحّة، لوجود الشرط الواقعي، والجهل به معذور معه.
وأمّا العكس، مع عدم الايمان واقعاً، والجهل قصوراً بأنّه كان مخالفاً فيبنى على الخلاف في جريان تلكم القواعد مع العلم بعدم الالتفات حال العمل ـ كما لعلّه الاصحّ ـ صحّت أعماله السابقة حتّى إذا خالفت فتوى المجتهد الفعلي.
أو عدم جريان تلكم القواعد فلا مؤمّن له، فيجب عليه مراجعة المجتهد فعلاً والعمل بقوله.


الشرط الرابع: العدالة

و الرابع ممّا يشترط في مرجع التقليد العدالة وقد استدلّ لاشتراطها في مرجع التقليد بأدلّة:


أدلّة اشتراط العدالة في مرجع التقليد
الدليل الاوّل: السنّة

إنّ أدلّة اشتراط العدالة في مرجع التقليد كثيرة، وعمدتها: السنّة، والاجماع والارتكاز.
أمّا السنّة فروايتان:


الرواية الاُولى

الاُولى: المعتبر المرويّ في تفسير الامام العسكري (عليه السلام) « فأمّا من كان من الفقهاء... »(101).
بتقريب: أنّ ظاهر هذه الاوصاف هي العدالة، قال ابن العمّ (قدس سره) في حاشية العروة: « هذه الاوصاف عبارة أُخرى عن العدالة ».


إيرادات ثلاثة
الايراد الاوّل

وأُورد عليه أوّلاً: بضعف السند.
وفيه: أنّه سبق بتفصيل، البحث في سنده والميل إلى اعتباره.


الايراد الثاني

وثانياً: ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) في حاشية العروة قال: « إن هذا الخبر ليس في التقليد في الفروع » بأنّ مورده: اُصول الدين، ولا يجوز فيها التقليد، فهو خارج عن موضوع بحثنا، والخبر الّذي يخرج مورده عن حكمه كيف يصحّ الاعتماد عليه الاستدلال به في غير مورده ؟
وفيه: أنّ ملاحظة مجموع الرواية بطولها يظهر منها كونها في الاعمّ من أُصول الدين لا في خصوصه، وخروج أُصول الدين حينئذ بدليل آخر لا يسقط الرواية عن الحجّية.
أضف إلى ذلك ما ثبت في محلّه: من أنّه لا مانع من التقليد في أُصول الدين إذا أوجب العلم والاعتقاد الجازم للمقلّد ـ كما ذهب إليه جمع ـ.


الايراد الثالث

وثالثاً: ما ذكره السيّد الحكيم (قدس سره) أيضاً قال: « لا يدلّ على أكثر من الوثوق » بأنّ المستفاد من مجموع الرواية من أوّلها إلى آخرها: أنّ اعتبار هذه الصفات ـ صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لامر مولاه ـ ليست لها موضوعية بل طريقية محضة، وإنّما هي لحصول الوثوق معها، لا لخصوصية في العدالة الّتي قالوا بدلالة الرواية عليها.
وممّا يظهر منها ذلك هذه الفقرات: « فإنّ من ركب من القبائح والفواحش مراكب علماء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً ولا كرامة، وإنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لانّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الاشياء على غير وجهها لقلّة معرفتهم، آخرون يتعمّدون الكذب علينا... »(102) فإنّه (عليه السلام) علّل عدم القبول من الفسقة بالتحريف إمّا للجهل أو لتعمّد الكذب على أهل البيت (عليهم السلام).
فهذه الرواية لا تنفي تقليد غير العادل إذا كان موثوقاً بفهمه وبعدم تعمّده الكذب على أهل البيت (عليهم السلام).
وفيه: أنّ هذه الكلمات، مثل: الصون للنفس والحفظ للدين ومخالفة الهوى والطاعة لامر المولى، ظاهرة في العدالة.
مضافاً إلى أنّ اطلاق هذه الكلمات يقضي بمخالفة الهوى لا في صدق اللهجة فقط، والطاعة هكذا، وكذلك غيرهما.
وما أبعد ما بين هذا، وبين من قال: إنّ الرواية تدلّ على مرتبة أعلى من أقلّ مراتب العدالة، وعبّر عنها بالنفس القدسية.
لكن الظاهر كفاية العدالة بأقلّ مراتبها لصدق هذه الاطلاقات المذكورة في الرواية على ذلك.


الايراد الرابع

ورابعاً: بأنّ العدالة ـ كما يأتي تفسيرها ـ هي: الملكة الرادعة، والمستفاد من هذه الرواية هو الارتداع الفعلي، وهو أعمّ من أن تكون معه ملكة أم لا، لعدم التلازم بين فعلية الطاعة وبين كونها عن ملكة التقوى.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما يأتي في المسألة التالية: من أنّ الملكة ليست مورد اتّفاق لزومها في العدالة بل الامتثال الفعلي ـ أنّ التلازم العرفي موجود بين هذه الاوصاف بمجموعها مع ملكة التقوى وأنّ هذه الاوصاف إن لم تكن أعلى مرتبة من العدالة، فلا أقل من أنّها مظهر للعدالة، ولا يحتمل فيها أن تكون أقلّ من العدالة في الدلالة.


الايراد الخامس

وخامساً: بأنّ هذا الخبر على فرض دلالته على العدالة فلا يحصر جواز التقليد في ذلك، فتكون الادلّة الدالّة على كفاية الوثوق حاكماً عليه عرفاً.
اللّهم، إلاّ أن يقال بأنّ السياق في الرواية يدلّ على الحصر لا على مجرد إثبات شيء لا ينفي ما عداه، كما لا يخفى ذلك على من تأمّل الرواية بطولها.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ السياق يدلّ على الحصر ـ أنّ قوله (عليه السلام): « وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم » بعد ذكر الاوصاف لا يخلو من ظهور على الحصر، فيكون له عقد سلب أيضاً.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ الرواية سنداً ومتناً غير قاصرة ـ عرفاً ـ عن إفادة لزوم العدالة فى مرجع التقليد.
فالتفصيل بين المرجع الّذي يؤخذ منه الاحكام فقط باعتباره أهل خبرة الفقه، وبين المرجع العام في كلّ أُمور المسلمين ـ إن لم يكن خلاف إجماع أو دليل قطعي آخر باعتبار الايمان حدوثاً وبقاءً في الثاني وعدم اعتباره كذلك مطلقاً في الاوّل ـ ليس بذلك البعيد.
ويؤيّد هذا التفصيل: أنّ العديد من الفقهاء عندما يذكرون شروط مرجع التقليد يريدون به المرجع العامّ، لا مطلق من يؤخذ منه الاحكام الشرعية كخبير في الفقه.
قال في التنقيح: « إلاّ أنّ مقتضى دقيق النظر اعتبار العقل والايمان والعدالة في المقلَّد ـ بالفتح ـ بحسب الحدوث والبقاء، والوجه في ذلك: أنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة الواصل ذلك إليهم يداً بيد عدم رضى الشارع بزعامة من لا عقل له، أو لا إيمان، أو لا عدالة له، بل لا يرضى بزعامة كلّ من له منقصة مسقطة له عن المكانة والوقار، لانّ المرجعية في التقليد من أعظم المناصب الالهية بعد الولاية ـ إلى أن قال: ـ فإنّ المستفاد من مذاق الشرع الانور عدم رضى الشارع بإمامة من هو كذلك في الجماعة، حيث اشترط في إمام الجماعة العدالة، فما ظنّك بالزعامة العظمى ؟... »(103).
وهذا الكلام صريح في أنّ المقصود بالمرجعية الّتي ذكرت لها هذه الشروط هي المرجعية العامّة، لا من يؤخذ عنه مجرد مسائل الحلال والحرام بمنزلة خبير في الاحكام.
وقد يقال: بأنّه كما أنّ لكل ملكة أو خصلة مراتب تختلف كثيراً بالضعف والشدّة، كذلك هذة الصفات المذكورة في هذه الرواية « صائناً لنفسه... » لكلّ واحدة منها مراتب، والمتيقّن منها أضعف مراتب كلّ صفة صفة منها، والاضعف في جميعها أقلّ من أضعف مراتب العدالة، فتأمّل.


الرواية الثانية

الثانية: قوله (عليه السلام): « فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله »(104).
بتقريب: أنّ الحجّة لا يصحّ كونه فاسقاً، للمرتكزات المتشرّعية: من أنّ حجّة الحجّة لابدّ أن يكون كالحجّة، والعصمة غير ممكنة في غير المعصوم، فتبقى العدالة.
وأُورد عليه سنداً ودلالة:


الاشكال سنداً وجوابه

أمّا سنداً: فقد أشكل فيه، لانّه رواه الشيخ في « الغيبة » عن جماعة، عن جعفر بن محمّد بن قولويه وأبي غالب الزراري، وغيرهما، كلّهم عن محمّد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: « سألت محمّد بن عثمان العمري... ».
والسند كلّه صحيح سوى إسحاق بن يعقوب الذي قالوا فيه بعضهم: « مجهول لا نعرفه » ولم أجد له توثيقاً أو مدحاً صريحاً من غير طريقه هو، إلاّ أنّه ينبغي ـ على الاقل ـ عدّه في الحسن لما يلي:


أدلّة اعتبار السند

1. تلقّي الاصحاب هذه الرواية بالقبول، ونقلهم نصوصها في مقام الاستدلال على الحكم الشرعي، بل من أهمّ الاحكام التي تبتني عليه أحكام كثيرة، وهو: ولاية الفقيه العادل، ولعلّ المتتبّع لموارد استدلال الفقهاء ـ المتقدّمين منهم والمتأخرين من زمن الشيخ الطوسي حتّى اليوم ـ بهذه الرواية في مختلف الابواب يشرف على الاطمئنان بسكونهم إليها، وهذا المقدار يكفي عند من يكتفي في مقام حجّية الخبر بالوثوق الخبري ـ كما هو الاصحّ ـ.
2. قول الشيخ في رجاله: « ولا يضرّ كونه (إسحاق بن يعقوب) الراوي بعد اعتناء المشايخ به، ورواية جماعة من المشايخ له »(105).
3. نفس هذا التوقيع الرفيع مشتمل على ما لا يقلّ عن المدح في مقام الخطاب من الناحية المقدّسة إلى إسحاق بن يعقوب « أرشدك الله وثبّتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا »(106) وفي آخره: « السلام عليك ياأبا إسحاق وعلى من اتّبع الهدى ».
والاشكال بأنّ الاعتماد على مثله دوري لكون الطريق هو نفسه، في محلّه، لكن في غير مثل هذه الرواية التي تتوفّر فيها أمارات الصدق والصحّة، ويمكن الاطمئنان إلى عدم وضعه، ولعلّه مثله يكفي في المقام لدى العقلاء، والله العالم.


الاشكال دلالةً وردّه

وأمّا دلالةً: فأشكل أوّلاً: بأنّه لا يعلم المراد منه، للجهل بالحوادث المسؤول عنها، واحتمال كون اللام للعهد، فتكون حجّية الحجّة في أُمور دلّ الدليل على عدم لزوم العدالة فيها، فتكون كلمة « الحجّة » مجملة.
وثانياً: بأنّ الحجّة يكفي فيه كونه ثقة وإن لم يكن عادلاً.
وأُجيب عن الاوّل: بأنّ خصوص السؤال لا يقيّد عموم الجواب، والعبرة في العموم والخصوص، والاطلاق والتقييد بالجواب الّذي هو كلام الامام، لا بالسؤال الّذي هو كلام شخص غير حجّة.
وكون اللام للعهد خلاف الظاهر، بل الاصل العقلائي في اللام كونها للاستغراق.
واحتمال العهد لا يجعله مجملاً، إلاّ بقرينة وقد ذكروا ذلك في باب الاستصحاب « لا ينقض اليقين بالشكّ » ونحوه ممّا ورد في الجواب عن مسائل خاصّة، كالخفقة والخفقتين وغيرها، فتأمّل.
وعن الثاني: نقضاً بأنّه من أين دلّت « الحجّة » على الوثاقة، فلعلّ « الحجّة » الاعمّ من غير الثقة فإنّ « رواة حديثنا » أعمّ، نظير ما قالوا في قاعدة التسامح « من بلغه ثواب على عمل » ؟
وحلاً: بأنّ مناسبة الحكم والموضوع تعطي اشتراط العدالة لا مجرد الوثاقة، وفي الجوابين نظر ربما لا يخفى.


الدليل الثاني لاشتراط العدالة في مرجع التقليد
الاجماع

الدليل الثاني: الاجماع على اشتراط العدالة في مرجع التقليد، نقله جمع، مضافاً إلى الشهرة المحقّقة.
قال في الضوابط: « أجمعوا على عدم اعتبار قول المجتهد إذا صار فاسقاً لا بدواً ولا استمراراً »(107).
وقال الحسن بن كاشف الغطاء في شرح مقدّمة كشف والده: « فلا يجوز تقليد الفاسق إجماعاً، ولا غير الضابط لعدم الامن بقوله، ولا يجري التبيّن هاهنا كما في الرواية، بل لو علم بعدم كذب الفاسق في فتواه وفي إخباره عن رأيه وفي عدم تقصيره بالنظر، لم يجز الركون إليه وتقليده على الاظهر ـ إلاّ عند الاضطرار ـ لانّ التقليد منصب من المناصب يقتضي فيه على ما كان من أهله »(108).
وقال الشيخ الانصاري (قدس سره) في صفات القاضي ـ بعد إشتراط شروطه في مرجع التقليد إلاّ ما خرج بدليل على ما تقدّم غير مرّة ـ: « يشترط فيه البلوغ والعقل والايمان والعدالة وطهارة المولد بالاجماع المحقّق والمنقول في الجميع »(109).
وفي المفاتيح نقل الاجماع مع بعض عباراتهم عن: المبادئ والتهذيب والنهاية وشرح المبادئ لفخر الاسلام والروضة البهيّة وغيرها.
والظاهر: تحقّق الاجماع.


مناقشة الدليل الثاني

إلاّ أنّه أُورد عليه أوّلاً: بأنّه مخدوش صغرى وكبرى:
أمّا صغرى فلتجويز بعض تقليد الفاسق المأمون ـ كما في المستمسك رسالة تقليد الميّت للحاج الكلباسي (قدس سره) وعن الفصول ـ.
وأمّا كبرى: فلكونه منقولاً وعلى فرض كونه محصّلاً فهو غير حجّة، لاحتمال استناده إلى بعض الوجوه المذكورة ـ مضافاً ـ إلى أنّ تمسّك الحسن كاشف الغطاء (قدس سره) في ذيل كلامه إنّما هو بأصل التعيين، وسيأتي الكلام عنه قريباً إن شاء الله تعالى ـ.
أقول: أمّا الصغرى فالاشكال غير وارد من جهتين:
1. حجّية الشهرة العظيمة عندنا تبعاً للمعظم، بل المتسالم عليه في شتّى أبواب الفقه ـ على ما تقدّم غير مرّة ـ.
2. بعد انعقاد الاجماع في عدّة قرون من الصدر الاوّل حتّى اليوم، لا يكون مثل هذا الخلاف خرقاً للاجماع ـ خصوصاً ـ مع لحوقه بالاجماع أيضاً.
وأمّا الكبرى فقد تقدّم بتفصيل بيان أنّ احتمال الاستناد بل العلم به لا يضرّ بالحجّية العقلائية الطريقية، والمنجّزية والمعذّرية.
وثانياً: بما أنّ الاجماع دليل لبّي فلا يكون حجّة إلاّ في القدر المتيقّن منه وهو المرجع العامّ، أمّا المرجع في استعلام الحكم الشرعي فقط منه، فغير معلوم تحقّق الاجماع فيه وظاهر بل صريح بعض استدلالات الفقهاء في شروط مرجع التقليد هو المرجع الولي لا مطلق من يؤخذ الحكم الشرعي لخبرته في ذلك، إلاّ أن يلتزم بإطلاق معقد الاجماع، وهو محلّ إشكال وجوداً بل وحجّية على احتمال.


الدليل الثالث لاشتراط العدالة في مرجع التقليد
الارتكاز

الدليل الثالث: الارتكاز القطعي بين الشيعة فإنّهم يعتبرون العدالة في مرجع التقليد، حتّى إنّه إذا صدر عن مرجع التقليد معصية يعتبرونه ـ حسب المرتكز في أذهانهم ـ مخلاًّ بتقليدهم، وإن لم تخلّ بوثاقته في صدق لهجته وصحّة حدسه.
وقد استدلّ به هنا في المستمسك والتنقيح وغيرهما، تبعاً لعدد ممّن تقدّمهم، ففي المستمسك بعد نقله عن بعض عدم اشتراط العدالة قال: « ومخالف للمرتكز في أذهان المتشرّعة، بل المرتكز عندهم قدح المعصية في هذا المنصب على نحو لا تجدي عندهم التوبة والندم »(110).


مناقشة الارتكاز وردّها

وأُورد عليه أوّلاً: بمنع السيرة.
وثانياً: بعدم العلم باتّصالها بزمان المعصوم (عليه السلام) الّذي هو شرط حجّيتها، وباحتمال كونها نتيجة لفتاوى الفقهاء عصراً بعد عصر على اشتراط العدالة في مرجع التقليد فصار للشيعة هذا المرتكز الذهني.
وثالثاً: هذا لعلّه لزوال الوثاقة المنكشفة بعدم العدالة، لا مطلقاً، فتأمّل.
أقول: يمكن مناقشة الايرادات الثلاثة كلّها:
أمّا الاوّل: فلتحقّق السيرة فعلاً بين كلّ طبقات الشيعة علماءً وعواماً، فإنكارها في غير محلّه على الظاهر.
وأمّا الثاني: فقد ذكرنا في الاُصول: أنّ السيرة بما هي كاشفة عقلائية ـ وطرق الاطاعة والمعصية عقلائية، إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيّق ـ نعم، إذا أُحرز كونها على فتاوى الفقهاء ونحو ذلك، لم تكن حجّة، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل.
وأمّا الثالث: فدونك السيرة، فالظاهر أنّ المعصية بما هي منافية عند المتشرّعة، فتأمّل.


أدلّة غير وافية لاشتراط العدالة

وقد استدلّ له بوجوه أُخرى غير تامّة وهي:


الدليل الاوّل: الكتاب
الاستدلال بآية النبأ

الاوّل: آيتان من الكتاب، أُولاهما: قوله تعالى (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(111).
بتقريب: أنّ في الفتوى مناط الخبر، أو أنّها هي الخبر بعينه، لانّ الفتوى ليست سوى الاخبار عن الحكم الشرعي. لكن الظاهر أنّ الاية الكريمة بمعزل عن الادلّة على اشتراط العدالة في مرجع التقليد من جهات:
إحداها: ما اشتهر من أنّ « النبأ » لا يشمل الاخبار عن الحدس، ولذا أشكلوا على الاستدلال بهذه الاية لحجّية الاجماع المنقول. والفتوى إن صحّ صدق الاخبار عليه، فهو خبر عن حدس لا عن حسّ.
وثانيها: بأنّ الاية لا تأمر بردّ خبر الفاسق مطلقاً، بل تأمر بالتبيّن عنده، هذا أخصّ من المدّعى، إذ المدّعى عدم حجّية فتوى الفاسق مطلقاً، لا عدم حجّيتها قبل التبيّن عنها.
ودعوى أنّ لزوم تبيّن الفتوى مساوق لعدم حجّيتها، لانّ التبيّن عن الفتوى لا يصدق إلاّ بعد العلم بصحّتها، وما يحتاج إلى العلم بصحّتها فالمدرك هو العلم لا الفتوى. فيها: أن تبيّن الفتوى لا ينحصر في تحصيل العلم بمؤدّاها، بل إن كشف أنّ الفتوى صدر اعتماداً على المدارك الصحيحة كان ذلك تبيّناً حكماً بل وموضوعاً أيضاً لدى العرف الّذي هو المرجع في تفسير التبيّن وبيان مصاديقه دون أن يلزم مع ذلك حصول العلم بمؤدّاها.
ثالثها: أنّ التعليل بـ (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(112) يحصر ردّ خبر الفاسق فيما كان مظنّة الاصابة بالجهالة ثمّ الندم، وهذا أخصّ من المدّعى ـ كما ذكروا ذلك في حجّية الخبر الحسّي ـ إذ الفاسق الموثوق به في غير العادل لا يكون العمل بخبره إصابة قوم بجهالة، كما في سائر أهل الخبرة من الطبيب والمهندس والمقوّم وغيرهم.
رابعها: الاستدلال بالاية مبنيّ على عدم الواسطة بين العدالة والفسق وهو محلّ كلام بين الاعلام.


الاستدلال بآية الركون

ثانيتهما: قوله سبحانه: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)(113) بضميمة قوله تعالى: (فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)(114).
واستدلّ العديد من الفقهاء بالاية في موارد عديدة من الفقه، ففي الصلاة خلف الفاسق استدلّوا لبطلانها بالاية بضميمة أنّ النهي موجب للفساد كما في المعتبر(115). وكذا تبع المحقّق كاشف الرموز وغيره.
وذكر الاستدلال المحقّق الاردبيلي في مجمع الفائدة(116) وإن قال: « وفي الدلالة خفاء » ولكنّه ـ أي الاردبيلي ـ استدلّ على حرمة معونة الفاسق بالاية الشريفة(117).
وفيه: أنّه لا إشكال في الحكم وهو: حرمة الركون إلى الظالم، كما لا إشكال في أنّ الفاسق ظالم ـ إمّا لغيره، أو لنفسه ـ ولا إشكال أيضاً: في أنّ اعتبار الفاسق مرجعاً عاماً للمسلمين في جميع الاُمور أيضاً ركون إليه.
إنّما الكلام في أنّ مجرد أخذ الاحكام منه كخبير مثل سائر أهل الخبرة في فنونهم هل هو ركون ؟ الظاهر لا. ولذا لم يشترطوا العدالة في سائر أهل الخبرة كما تقدّم ودونك كلماتهم في الفقه من أوّله إلى آخره.


الدليل الثاني: أصالة التعيين

الثاني: أصالة التعيين، بتقريب: أنّ الاصل في الدوران بين تقليد العادل المسلّم الحجّية، وبين التخيير بينه وبين الفاسق المشكوك معه الامتثال بعد العلم بالاشتغال: التعيين.
وفيه أوّلاً: أنّه لا تصل النوبة إلى الشكّ والاُصول العملية بعد اطلاقات أدلّة التقليد، مثل: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(118) ونحوه.
وبناء العقلاء على عدم الفرق بين العادل وغيره في أهل الخبرة، بل الملاك: الوثاقة المجامعة مع العدالة وضدّها، لكونهما خلافين.
وثانياً: أنّ الاصل: التعيين، في الدوران بينه وبين التخيير، إذا كان المورد ممّا كان الشكّ فيه في الامتثال لا مطلقاً، والاصل التخيير فيما كان الشكّ فيه في الاشتغال وله موارد:
منها: ما إذا كان في المسألة دليل اجتهادي على التخيير، فلا مجال حينئذ للاصل المذكور، إذ لا شكّ مع الدليل حتّى يكون مسرحاً للاصل.
ومنها: ما إذا كان الشكّ في طريقية شيء، وكان بناء العقلاء على طريقيته من غير ظهور ردع عن الشارع فيه ـ فيما كان عدم الردع كاشفاً عرفاً عن التقرير الشرعي ـ فإنّ المتّبع هنا أيضاً أصل التخيير، إذ الشكّ حينئذ في الاشتغال. ومنها: غير ذلك.
والمقام من هذا القبيل، فاطلاقات الادلّة تشمل الثقة غير العادل، وهي دليل اجتهادي ولا مجال معه للاصل العملي (أي: أصالة التعيين).
وكذلك بناء العقلاء على اعتبار قول الثقة ـ من دون ثبوت عدالة ـ ولم يثبت ردع عنه شرعاً.


الدليل الثالث: العقل

الثالث: الدليل العقلي، بتقريب: أنّ الفاسق غير مأمون منه الكذب أو التقصير في الاجتهاد، ومَن هذا حاله لا يجوّز العقل الاعتماد عليه.
وفيه: أنّ العقل لا يدرك لزوم العدالة بما هي عدالة، بل إنّما يعرف الثقة في الاُمور الطريقية ويرتّب الاثر على قوله، وهو أعمّ من العدالة، فإن أُريد التلازم بين الفسق وعدم الوثاقة فهو ممنوع، وإن أُريد اشتراط شيء آخر غير الوثاقة (يعني: العدالة) فالعقل لا يشترطه.


الدليل الرابع: الاولوية

الرابع: أولوية مقام المرجعية من مقام الشهادة والقضاء ومجري الحدود وجابي الزكاة والخمس وغيرهما من الاموال، وإمامة الجماعة، وشاهد الطلاق، وناقل الخبر، والمقوّم، وغيرهم ممّن اشترطوا فيهم العدالة.
وفيه: أوّلاً: ما ذكر بعضها غير لازم العدالة فيه، كناقل الخبر والمقوّم حيث يكتفى فيهما ـ على المشهور ـ بالوثاقة وبعضها للنصّ الخاص كالطلاق، وبعضها مختلف فيه.
وثانياً: أنّه قياس، وعهدة العلم بالمناط، أو بالاولوية في ذلك على مدّعيها.
وثالثاً: الاولوية في المرجع العام صحيحة وأمّا في من يؤخذ منه الحكم الشرعي ـ كالخبير بالاحكام فقط ـ ففيه الكلام السابق.


الدليل الخامس: روايتان
أُولى الروايتين

الخامس: روايتان:
الاُولى: رواية علي بن المسيّب الهمداني عن الرضا (عليه السلام) وقد جاء فيها: « فممّن آخذ معالم ديني ؟ قال (عليه السلام): من زكريابن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا »(119).
وهي مُشعرة باشتراط كون من يؤخذ عنه معالم الدين مأموناً على الدين والدنيا، ومثل هذه الكلمة إن لم تدلّ على نفس قدسيّة أكثر من العدالة فلا أقل من دلالتها على العدالة.
وفيه: أنّه إشعار وليس دليلاً حتّى يكون حجّة شرعاً، لانّه من قبيل اللقب، بل هو من أضعف أنواعه، فلا مفهوم له ينفي الحجّية عن كلّ من لا يصدق عليه « المأمون على الدين والدنيا ».
مضافاً إلى عدم اعتبار هذا الشرط في مورد الرواية الغالبي وهو: نقل الحديث، فكيف يحمل على معنى يخرج منه غالب أفراده ؟ وهو مستهجن.
وأمّا الاشكال فيه سنداً فهو في محلّه، إذ السند كما يلي:
« محمّد بن قولويه، عن سعد، عن محمّد بن عيسى، عن أحمد بن الوليد، عن علي بن المسيّب الهمداني ».
فابن قولويه وسعد وعلي بن المسيّب معلوم صحّتهم بلا إشكال.
ومحمّد بن عيسى وإن كان مشتركاً بين الثقة وغيره، ومعه لا إحراز لكونه هو المعتبر، لكن خبيراً بالرجال مثل الكاظمي ـ الّذي نكتفي بحدس مثله خصوصاً في مثل الرجال ـ شهد في مشتركاته على أنّ محمد بن عيسى إن كان الراوي عنه سعد بن عبدالله، فهو محمّد بن عيسى بن عبيد، وهو ثقة، فلا يبقى إشكال من هذه الجهة.
إنّما الاشكال في « أحمد بن الوليد » حيث إنّه لم يوثّق صريحاً، ولم يذكره أكثر الرجاليين، ولم أجده في التوثيقات العامّة لا في شيوخ الثلاثة: صفوان، ابن أبي عمير، والبزنطي، ولا في شيوخ جعفر بن بشير، ولا في شيوخ ابن قولويه في كامل الزيارات، ولا علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره، ولم يذكره الحرّ في خاتمة الوسائل، ولم أجده في خاتمة المستدرك، نعم ذكره السيد الخوئي في: « معجم رجال الحديث » مجرّداً عن توثيق أو مدح، وكذا صاحب « الجامع في الرجال » إلاّ أنّ الاخير قال في حقّه: « أحمد بن الوليد بن برد وقع في طريق النجاشي إلى محمّد بن جعفر ديباجة، وروى محمّد بن عيسى عن أحمد بن الوليد عن علي بن المسيّب، والظاهر الاتّحاد، وأعدّه في الصحيح ».
لكنّه لم يذكر وجه تصحيحه فلذلك فلا محرز لصحّة رواية علي بن المسيّب هذه والله العالم.


ثانية الروايتين

الثانية: حسنة إسماعيل بن جابر ـ بعلي بن محمّد بن فيروزان القمّي ـ عن الصادق (عليه السلام) قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد »(120).
بتقريب: أنّ « عدول » يدلّ على أنّ مرجع التقليد يجب أن يكون عادلاً.
لكنّه قد يخدش الاستدلال بها من جهات ـ بعد اعتبار سندها ـ:
1. إنّ هذه قضية خارجية، وهي أنّ العدول ينفون عن الدين ما يعرضه من المشكلات، وهذا لا عقد سلب له بمفهوم المخالفة، حتّى يدلّ على أنّ غير العدول لا يفعلون ذلك، فكيف بالدلالة على أنّ غير العدول لا يجوز تقليدهم وإن كانوا ثقات ؟
2. قد يراد بـ « عدول » ؟ الائمّة المعصومون (عليهم السلام)، لا أيّ عادل كان، بقرينة صحيح أبي البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال في حديث ـ: « فإنّ فينا أهل البيت في كلّ خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين »(121) وقد يحسبان حديثاً واحداً.
3. قد يستفاد من سياق الحديث في الغالين والمبطلين، أنّ المراد به: أُصول الدين بذكر أدلّتها، وتعليمها للشيعة، لا فروع الدين وتقليد الشيعة فيها، والله العالم.
هذه عمدة ما استدلّ به لاشتراط العدالة في مرجع التقليد.


استدلّ لعدم اشتراط العدالة بأُمور
الامر الاوّل

وقد استدلّ لعدم اشتراط العدالة في مرجع التقليد ـ وإن كان هذا مجرّد بحث علمي لا عملي، كما تقدّم في بيان الاجماع على اشتراط العدالة وإنّه ليس في المقام مخالف محرز سوى ما ذكره الحاج الكلباسي (قدس سره) من قوله المتقدّم (122): « جوّز بعض تقليد الفاسق المأمون » ـ بأُمور أيضاً كلّها غير تامّة:
أحدها: الاطلاقات والعمومات في الايات والروايات الدالّة على التقليد، فعدم ذكر العدالة فيها دليل عدم اشتراطها، فإنّه يصدق على العالم غير العادل « العالم » و « أهل الذكر » و « المنذر » و « رواة حديثنا » ونحو ذلك.
وفيه: أنّ ما تقدّم من الروايات الدالّة على اشتراط العدالة والاجماع والارتكاز مقيّدة لها.


الامر الثاني

ثانيها: بناء العقلاء على كفاية كون أهل الخبرة موثوقاً به في فهمه وفي عدم تعمّده الكذب، ومرجع التقليد ليس سوى أهل خبرة الاحكام الشرعية.
وفيه: طريقية بناء العقلاء مقيّدة بما إذا لم يقيّده الشارع، والادلّة الثلاثة المذكورة تقيّد بناء العقلاء.


الامر الثالث

ثالثها: الاخبار الكثيرة الارجاعية، الّتي اكتفى الراوي فيها بذكر الوثاقة فقط وقرّره الامام (عليه السلام) على ذلك، وبني الجواب عليه، أو ذكر الامام نفسه الوثاقة فقط، فلو كانت مرتبة العدالة ـ وهي فوق الوثاقة ـ تجب فيمن يؤخذ عنه الاحكام لبيّنه الامام (عليه السلام)، وحيث لم يبيّن يظهر منه عدم اشتراط شيء أكثر من الوثاقة، ليس هذا أصلاً عمليّاً، وإنّما هو دليل لكونه ظهوراً عقلائياً.
ونذكر هنا بعض تلك الروايات:
منها: ما عن رجال الكشي من التوقيع الوارد للقاسم بن العلاء، وقد جاء فيه: « لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يؤدّيه يرويه عنّا ثقاتنا »(123).
ومنها: صحيح الحسن بن علي بن يقطين عن الرضا (عليه السلام) وجاء فيه: « أفيونس بن عبدالرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ فقال (عليه السلام): نعم »(124).
ومنها: صحيحة أحمد بن إسحاق عن الهادي (عليه السلام): « قلت: من أُعامل ؟ وعمّن آخذ ؟ وقول مَن أقبل ؟ قال (عليه السلام): العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع فإنّه الثقة المأمون »(125).
ومنها: رواية إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل إليّ كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) ـ إلى أن قال ـ « وأمّا محمّد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي وكتابه كتابي »(126).
ومنها: رواية الحارث بن المغيره عن أبي عبدالله (عليه السلام): « إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلّهم ثقة، فموسع عليك حتّى ترى القائم فتردّه عليه »(127).
فهذه وغيرها تدلّ ـ عرفاً ـ على أنّ مناط حجّية قول المفتي هو الوثاقة فقط.
وعمدة الايراد على الاستدلال بهذه الروايات أنّ اطلاقها مقيّد بما تقدّم من الادلّة الثلاثة.


إيرادات مردودة

وقد أُورد عليها بإيرادات أُخرى غير تامّة وهي:
أوّلاً: بضعف إسناد بعضها.
وفيه: أنّ استفاضتها في أنفسها ممّا يشرف على القطع بصدورها إجمالاً، مثله كاف في مقام الحجّية، مضافاً إلى اعتبارها في أنفسها أيضاً.
أمّا التوقيع الرفيع الوارد إلى القاسم بن العلاء، فهو معتبر لانّ طريقه: الكشي، عن علي بن محمّد بن قتيبة، عن أبي حامد أحمد بن إبراهيم المراغي. الكشي ثقة، والاخران ممدوحان على الاقل، فالخبر حسن.
وأمّا صحيح الحسن بن علي بن يقطين، فطريقه: الكشي، عن محمّد بن مسعود، عن محمّد بن نصير، عن محمّد بن عيسى، عن عبدالعزيز بن المهتدي الحسن بن علي بن يقطين جميعاً ـ كما في الوسائل ـ وهؤلاء كلّهم ثقات، والخبر صحيح.
وأمّا صحيحة أحمد بن إسحاق فطريقها: الكليني، عن محمّد بن عبدالله، ومحمّد بن يحيى جميعاً عن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن إسحاق. والطريق صحيح، إذ « محمّد بن عبدالله » هو محمّد بن عبدالله بن جعفر الحميري الثقة، لتصريح بعض محقّقي الرجال بأنّه الوسيط بين الكليني ووالده، « محمّد بن يحيى » هو أبو جعفر العطّار الثقة، وعبدالله بن جعفر الحميري، أحمد بن إسحاق ثقتان.
وأمّا التوقيع الرفيع الوارد إلى إسحاق بن يعقوب، فطريقه: الشيخ الطوسي، عن جماعة عن جعفر بن محمّد بن قولويه، وأبي غالب الزرادي وغيرهما، عن الكليني (قدس سره) عن إسحاق بن يعقوب. والطريق كلّه صحيح، أمّا إسحاق بن يعقوب فهو محلّ إشكال، لكنّه عندي ممدوح ـ تبعاً لجمع من الاعلام ـ فهو أيضاً معتبر، وإن أشكل فيه بعض المدقّقين.
وثانياً: بعدم دلالتها على أكثر من الوثاقة، وقد مرّ ما فيه.
وثالثاً: بأنّها في مقام الخبر الحسّي، لا الفتوى وهي الخبر الحدسي.
فيه: ـ مضافاً إلى أنّ الفقهاء استدلّوا بنفس هذه الروايات على بعض شروط باب التقليد بل على أصل جوازه، فليستفد عدم اشتراط العدالة في مرجع التقليد منها أيضاً ـ إطلاق بعضها كصحيح ابن يقطين « آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني » فإذا سأل ابن يقطين يونس عن مسألة فأجابه بالحكم بدون نقل حسّي عن المعصوم (عليه السلام) أليس مصداقاً ـ سؤالاً وجواباً ـ لمعالم الدين ؟


الامر الرابع

رابعها: أصالة عدم اشتراط العدالة في مرجع التقليد، ولا يرد عليها سوى ما ذكر سابقاً من الوجوه لاشتراطها، وحيث كانت كلّها مدخولة يبقى الاصل بلا حكومة شيء عليه، ولا يعارضها أصل الاشتغال لما حقّق في محلّه: من حكومة البراءة على الاشتغال أو ورودها ـ على اختلاف التفاسير لها بل المباني أيضاً ـ في الشكّ في الشرطية في الشبهة البدوية.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ مقتضى الصناعة الفقهية هو: القول بالتفصيل في اشتراط العدالة فى مرجع التقليد العام، الّذي يمارس الرتق والفتق في كلّ أُمور المسلمين العامّة والخاصّة، وذلك لتضمن هذه المرتبة أعمالاً كالقضاء، وتعيين القضاة، وإمامة الجماعة، ونحوها ممّا يستلزم العدالة شرعاً، بل وأولوية العدالة فيها منها في غيرها ـ كما مرّ ـ.
ولا تشترط في المرجع الّذي يؤخذ منه الاحكام الشرعية فقط فيكتفي باشتراط الوثاقة فيه، وذلك لاطلاق بعض الادلّة، ونصّ بعض آخر منها على كفاية الوثاقة.
وقد مال صاحب الجواهر في كتاب الصلاة إلى عدم اشتراط العدالة في مرجع التقليد، الظاهر منه: من يؤخذ فتواه لمجرد العمل، لا المرجع العام لادارة كلّ شؤون المسلمين المنصوب من قبل الله تعالى مطلقاً على لسان وليّه الاعظم عجّل الله تعالى فرجه الشريف.
قال: « بل لعلّ الامر كذلك ـ أي: يكتفى بالوثاقة ولا يحتاج إلى العدالة ـ في المفتي أيضاً فيصحّ له الافتاء الجامع للشرائط مع علمه بفسق نفسه، إذ لا دليل على اشتراط حجّية ظنّه بالعدالة تعبّداً كالشهادة، بل مقتضى إطلاق آية الانذار وغيرها خلافه، فإطلاقهم اعتبار العدالة فيه يراد منه بالنسبة للمستفتي باعتبار
... والرجولية....
عدم وثوقه بما يخبر به من ظنّه الجامع للشرائط، وإلاّ فلو فرض اطّلاعه عليه جاز له الاخذ به وإن كان فاسقاً »(128).
ولكن احتمال كون التفصيل مخالفاً للاجماع، ومخالفاً للشهرة القطعية، وكون الاحتياط حسناً على كلّ حال كما يقال وغير ذلك، يوجب القول باشتراط العدالة مطلقاً احتياطاً لا فتوى، إذ مقتضى الاحتياط في ترك الفتوى بغير علم، عدم التجرّي على الفتوى باشتراط العدالة مطلقاً.


استنتاج

وبالجملة: فالفتوى بجواز تقليد الفاسق الثقة مشكل، ولكن الفتوى ببطلان تقليده مطلقاً إن لم يكن أشكل فهو مشكل أيضاً، لاحتمال كونه فتوى بغير علم.
ثمّ إنّه لو كان المجتهد عادلاً حال الاستنباط، ثمّ طرأ عليه الفسق بعد ذلك فهل يجوز تقليده حال الفسق في الفتاوى الّتي استنبطها حال العدالة أم لا ؟
مقتضى القاعدة جواز تقليده بمعنى: أخذ الاحكام الّتي استنبطها فقط، وعدم جواز تقليده، بمعنى: جعله مرجعاً لعامّة أُمور المسلمين، وذلك لاختلاف أدلّتهما، وقد مرّ وجه ذلك فلا نعيد، بل ينبغي تركه لاوامر الاحتياط.


الشرط الخامس: الرجولية

و الخامس ممّا يشترط في مرجع التقليد الرجولية واستدلّ لها بأُمور:


رجولية مرجع التقليد وأدلّتها
الدليل الاوّل

الاوّل: الكتاب كقوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)(129) ومقتضاها عدم جواز تقليد الرجل للمرأة، لمنافاته عرفاً للقيمومة المطلقة، ويتمّ الامر في تقليد المرأة للمرأة بالاجماع المركّب.


مناقشة الدليل الاوّل

وفيه: أوّلاً: الاطلاق ليس في مقام بيان هذا الحكم.
وثانياً: ليس المقصود من القيمومة في الاية إلاّ قيمومة مثل التأديب والضرب التأديبي عند المخالفة ونحو ذلك، وقد وردت الاية في قصّة لطم رجل زوجته، ثمّ إرادة الاقتصاص منه ـ كما في مجمع البيان ـ.
والانصاف: دلالتها على طبيعة جعل القيمومة للرجل على المرأة، لا العكس، وسكوت الاية عن قيمومة المرأة للمرأة، كما هي ساكتة عن قيمومة الرجل للرجل.


الدليل الثاني

الثاني: السنّة: كالخبر المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « لن يفلح قوم ولّوا أمرهم إمرأة »(130).
وكما في نهج البلاغة من خطبة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذمّ أهل البصرة بعد إنقضاء حرب الجمل وجاء فيها:
« كنتم جند المرأة »(131).
وليست اللام للعهد، لظهورها في الجنس، مضافاً إلى إردافها بـ « وأتباع البهيمة » الّتي ليست اللام فيها قطعاً للعهد، لعدم احتمال خصوصية في تلك البهيمة المعيّنة.
وكخطبة أُخرى له (عليه السلام) في ذمّ النساء وقد جاء فيها: « فاتّقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهنّ في المعروف حتّى لا يطمعن في المنكر »(132).
بتقريب: أنّ تقليد المرأة ينافي الكون في حذر من خيار النساء، فكيف بشرارهنّ ؟


مناقشة الدليل الثاني

وفيها: أمّا النبوي فضعيف السند، مضافاً إلى أنّ معنى « الولاية » هو إدارة الشؤون العامّة والخاصّة، وهذا يستدلّ به لعدم صلاحية المرأة لكونها مرجعاً عامّاً ورئيسة للمسلمين في أُمورهم العامّة والخاصّة، ولا يستدلّ به لاخذ الحكم الشرعي فقط منها.
وأمّا العلوي الاوّل: فبضعف السند ـ كما قيل: إنّ نهج البلاغة لا يعدو أن يكون بمنزلة مراسيل أرسلها الشريف الرضي (قدس سره)، والمراسيل ليست بحجّة ـ ولكن فيه نظر واضح.
وبأنّ الذمّ لا يدلّ على الحرمة مطلقاً فما أكثر الذمّ في روايات الكراهة وترك المستحبّات، بل ربما قيل بقرينية الذمّ والمدح على الكراهة والاستحباب، وإن كان لنا تأمّل فيه.
وبأنّ الذمّ على مجموع أُمور متعدّدة هي في قوله (عليه السلام): « كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فهربتم، أخلاقكم دقاق، وعهدكم شقاق، ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق... بلادكم أنتن بلاد الله تربة، أقربها من الماء وأبعدها من السماء »(133).
ومثل هذا الكلام الّذي بني فيه الذمّ على عدّة أُمور معاً لا يستفاد الذمّ لكلّ واحد منها مستقلاً، فكيف أن يستفاد الحرمة منه ؟
فهل كون الارض قريبة من الماء، وبعيدة عن السماء ذمّ يدلّ على الحرمة ؟
وأمّا العلوي الثاني: فغاية ما يدلّ عليه: هو كون النساء عاطفيات بطبيعتهن وفطرتهن، وهذا لا ينافي الثقة بعقل امرأة وفقهها، فتصبح أهل خبرة في الاحكام الشرعية، كما يمكن أن تصبح أهل خبرة في تقويم الدور والعقارات، وأهل خبرة في الطب والهندسة ونحو ذلك.
وهناك روايات كثيرة في أوصاف النساء، وكونهن منساقات وراء عواطفهنّ وأهوائهنّ مثل قوله (عليه السلام): « النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول »(134) وغير ذلك، ولا يستفاد منها عدم جواز أخذ الحكم الشرعي منهنّ إذا أصبحن أهل خبرة فى الفقه، لعدم التلازم بينهما لا عقلاً ولا عرفاً، ولذا كان الناس يأخذون الاحكام من الصالحات من نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا إنكار من واحد.


الدليل الثالث

الثالث: الشهرة القطعية على عدم جواز تقليد المرأة، بل الاجماع المنقول نسبته إلى الشهيد الثاني (قدس سره) ـ كما في الفصول وحقائق الاُصول وغيرهما ـ وإن كانت عبارته في الروضة غير صريحة في ذلك.


مناقشة الدليل الثالث

وفيه: ما في غالب الاجماعات من الخدشة صغرى وكبرى كما لا يخفى، والشهرة لا تكون دليلاً شرعياً كما بيّن في الاُصول.
مضافاً إلى أنّه على فرض تمامية الاجماع، فبما هو دليل لبّي قدره المتيقّن: تحريم تقليد المرأة جميع أُمور المسلمين الكبيرة والصغيرة، لا مطلقاً حتّى أخذ الحكم الشرعي منها بصفتها أهل خبرته.
بل لانصراف التحريم من معقد الاجماع إلى التقليد العمومي الشامل لكلّ شيء.


الدليل الرابع

الرابع: وحدة المناط في بابي: الافتاء والقضاء، مع مسلّمية عدم صحّة صيرورة المرأة قاضياً، للاجماع والروايات الخاصّة.
وفيه: أنّه قياس، ومن أين علم المناط القطعي ؟ فتأمّل.


الدليل الخامس

الخامس: أصالة التعيين في الدوران بين التعيين والتخيير.
وفيه: أنّه إذا تمّ ـ كما سنذكر ـ بناء من العقلاء على عدم الفرق بين المرأة والرجل في أخذ الحكم الشرعي منه، أو تمّ اطلاقات الادلّة ونحو ذلك، فلا مجال لاصل التعيين، لانّه أصيل حيث لا دليل. وإلاّ كان الاصل محكماً.


الدليل السادس

السادس: ما ورد في باب الحكومة والقضاء من ذكر: « الرجل » كقوله (عليه السلام): « انظروا إلى رجل منكم »(135) و « اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا »(136) نحوهما.
وكونها واردة في باب القضاء لا يقدح بعد وحدة المناط، وعدم القول بالفصل.
وفيه: أوّلاً: ظاهر الرجل هنا ليس مقابل المرأة، وإنّما هو وارد مورد الغالب، وما أكثر نظائره في القرآن والسنّة:
كقوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)(137).
وقوله سبحانه: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ)(138).
وقوله عزوجل: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)(139).
إلى غير ذلك.
وثانياً: تعدّي الحكم من باب القضاء إلى باب الافتاء يحتاج إلى دليل، أو علم بوحدة المناط، ولا يوجد شيء منهما في المقام، فلعلّ في باب القضاء خصوصية ليست في باب الافتاء.
كما أنّ المعروف أنّ عدم القول بالفصل لا يحرز القول بعدم الفصل، حتّى يكون علماً بالاجماع المركّب وحجّة.


الدليل السابع

السابع: أولوية المقام من عدم تصدّي المرأة لامامة الرجال في صلاة الجماعة.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ المرأة تؤمّ النساء في الصلاة ولا يصحّ في باب التقليد ـ لا أولوية تطمئن إليها النفس حتّى يخرجها عن القياس.


الدليل الثامن

الثامن: السيرة المستمرّة إلى زمان المعصوم (عليه السلام) في أنّ المؤمنين يقلّدون الرجال ولا يقلّدون المرأة، ولم يرد دليل على جواز تقليد المرأة يصحّ رادعاً لهذه السيرة.
وفيه: أنّ السيرة حجّة فيما إذا كانت لها دلالة نافية أيضاً تنفي الطرف المقابل، وفيما يمكن تحقّق السيرة لكونها احتياطاً لا تدلّ على بطلان خلافها، كذلك فيما يمكن كون السيرة إنّما صارت لاجل عدم وجود الطرف المقابل أو عدم اجتماع الشرائط فيه، لا تدلّ هذه السيرة على إنحصار الحكم فيما قامت عليه.
وما نحن فيه يحتمل فيه الامران، إذ يمكن أن تكون السيرة إنّما تحقّقت على تقليد الرجل احتياطاً في الدين لا من جهة عدم جواز تقليد المرأة، وكذلك يمكن أن يكون تحقّقها إمّا لاجل أنّه لا يوجد في النساء فقيهات يمكن الرجوع إليهنّ، وإمّا لاجل عدم اجتماع الشرائط فيهن ـ كما هو كذلك غالباً حتّى في عصرنا وزماننا ـ.


عدم اشتراط الرجولية وأدلّته
أوّل الادلّة

وأمّا أدلّة من لم يشترط الرجولية في مرجع التقليد فأُمور أيضاً:
أوّلها: اطلاقات الادلّة من الكتاب والسنّة كقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)(140) وقوله (عليه السلام): « فأمّا من كان من الفقهاء »(141) ونحوهما، لصدق (أَهْلَ الذِّكْرِ) على الرجل والمرأة على السواء، وعموم « من » الموصولة لهما أيضاً.
وما يقال: تارةً من عدم الاطلاق في هذه المطلقات، وأُخرى بانصرافها إلى الرجل فقط.
ففيه: أنّه مرّ مراراً أنّ الاطلاق في كلّ الاطلاقات موجود إلاّ ما خرج بالدليل، وأنّ الانصراف إن كان فهو بدوي لجهة كثرة الوجود، أو عدم وجود امرأة فقيهة، ومثله لا يحصر الدليل في الرجل خاصّة.


ثاني الادلّة

ثانيها: بناء العقلاء على عدم الفرق بين الرجل والمرأة ـ من حيث كونهما رجلاً وامرأة ـ في استنباط الاحكام الشرعية وجواز الرجوع إلى ما استنبط كلّ واحد منهما، فالتقليد ليس سوى رجوع الجاهل إلى العالم، ونرى العقلاء يراجعون العالم في مجال علمه ـ وإن كان امرأة ـ في الطب، والهندسة، والخياطة، والطبخ ونحوها، وذلك لطريقية التقليد لدى العقلاء.
ولم يرد عن الشرع ما يصلح كونه رادعاً، سوى ما ذكر من الادلّة الثمانية الّتي لا يخلو واحد منها عن الخدشة.


ثالث الادلّة

ثالثها: وجود ملاك تقليد الرجل ـ وهو كونه: « يعلم شيئاً من قضايانا »(142) و « العالم بالحلال والحرام » ونحوهما ـ في المرأة.


رابع الادلّة

رابعها: أصالة عدم اشتراط الرجولية في مرجع التقليد إذا وصلت النوبة إلى الاُصول العملية.
وما يقال: من أنّها محكومة بأصل التعيين.
ففيه: أنّه إذا سلّم، صحّ. ولكن أصل التعيين كان مبتنياً وجوده على عدم الاطلاق، وعدم بناء من العقلاء على عدم الفرق، وقد ذكرنا سابقاً: عدم صحّة المبنى، فتبقى أصالة عدم اشتراط الرجولية سالمة ومحكمة.
ولعلّه لهذه الادلّة وغيرها قال في المستمسك: « أفتى بعض المحقّقين بجواز تقليد الاُنثى والخنثى »(143).


نتيجة الكلام

أقول: لعلّه يمكن أن يقال هنا بالتفصيل الّذي ذكرناه سابقاً:
شروط المجتهد: الحرّية
من الفرق بين التقليد في أخذ الاحكام الشرعية فقط، فيقال فيه بجواز
... والحرّية على قول... .
أخذ الاحكام الشرعية من المرأة إذا جمعت العلم والوثاقة، لانّها كسائر أهل الخبرة الّذي لا يشترط فيه كونه رجلاً.
وبين التقليد في جميع الاُمور العامّة والخاصّة كتنفيذ قضائه، والحكم في الاُمور الدولية العامّة، وإقامة الوكلاء والقضاة في البلاد وغير ذلك، فيقال فيه باشتراط الرجولية، لكون مثل هذا المقام يشترط في بعض بنوده وأعماله كون القائم بها رجلاً.
ولعلّه بذلك يمكن الجمع بين القولين، وطرح الخلاف من البين.
إلاّ أنّ شبهة الاجماع على الاشتراط، واشتهار القول بالاشتراط قطعاً، وقيام السيرة على تقليد الرجل دون المرأة، ونحوها ممّا يوقف الفقيه المتأنّي، عن الفتوى بالتفصيل المذكور، وإن كان التفصيل هو مقتضى ما تقدّم من الصناعة الفقيهة.


الشرط السادس: الحرّية

و السادس ممّا يشترط في مرجع التقليد: الحرّية على قول وعن الفصول نسبة الشهيد الثاني (قدس سره) القول به إلى الشهرة، وعمدة ما يمكن الاستدلال به للاشتراط، أو استدلّ به أُمور ضعيفة كلاً:


حرّية مرجع التقليد وأدلّة اشتراطها
الدليل الاوّل

الاوّل: قوله تعالى: (عَبْداً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْء)(144).
بضميمة: أنّ الافتاء شيء وليس أقلّ من الطلاق الّذي قال الامام (عليه السلام) فيه: « أفشئ الطلاق ؟»(145).
وفيه: ـ مضافاً إلى الفرق بين الافتاء والطلاق، بكون الطلاق غالباً تصرّفاً في شؤون المولى، وليس كذلك الافتاء ـ إنّا نفرض الكلام فيما لو أجاز المولى لعبده بممارسة الافتاء مع أنّ المدّعى أعمّ.


الدليل الثاني

الثاني: الروايات الواردة على أنّ العبد ليس بيده شيء.
وفيه: ـ مضافاً إلى إنصرافها إلى ما يعدّ تصرّفاً في شؤون المولى، بقرينة جواز التفكير، وجواز الذكر، والنظر، والاستماع ونحوها له ـ إنّا نفرض الكلام أيضاً فيما أجاز المولى له الافتاء.


الدليل الثالث

الثالث: قصور العبد ذاتاً عن هذا المنصب لانشغاله بحقّ المولى.
وفيه: ما تقدّم في سابقيه.


الدليل الرابع

الرابع: أصالة التعيين.
وفيه: بعد تحقّق الاطلاق وشموله للعبد لا يبقى مورد لاصالة التعيين.


الدليل الخامس

الخامس: السيرة فإنّه لم ولن نسمع يوماً مّا عبداً مرجعاً للتقليد.
وفيه: ما مرّ من عدم دلالتها على النفي بل الايجاب فقط.


القول بعدم اشتراط الحرّية وأدلّته

أمّا القول بعدم اشتراط الحرّية في مرجع التقليد: فقد استدلّ أو يستدلّ له بأُمور:
1. الاطلاقات الشاملة للعبد وغيره على السواء، وما يقال من إنكار الاطلاق أو إنصرافه.
ففيه: ما سبق من عدم استقامتهما.
2. أصالة عدم الاشتراط، بعد عدم تمامية أصالة التعيين.
3. عموم بناء العقلاء للعبد وشموله له، من دون ما يصلح رادعاً سوى ما ذكر ممّا لم يسلم عن المناقشة والخدشة شيء من ذلك.
4. وحدة الملاك في العبد وغيره إذا كانا فقيهين.
وغير ذلك.
ولعلّه يمكن القول بالتفصيل المذكور هنا أيضاً، وإن كان اشتراط الحرّية في المرجع العامّ أيضاً محلّ تأمّل حسب الادلّة والصناعة.
ولذلك كلّه لم يُفت صاحب العروة باشتراط الحرّية، بل ولا احتاط، وإنّما نقل القول به دون إبداء فتواه فيه، ولذلك أيضاً كان المعلّقون على العروة بين من لم يعلّق على هذه الفقرة، دليلاً على عدم الذهاب إلى القول به، وبين من علّق بكون القول ضعيفاً كالسيد البروجردي (قدس سره) وغيره.
قال في « موسوعة الفقه »: « ثمّ المؤيّد لعدم الاشتراط: رقّية بعض الرواة المعتمد عليهم فى الاخبار »(146).
... وكونه مجتهداً مطلقاً، فلا يجوز تقليد المتجزّئ....
ثمّ إنّه على القول بعدم اشتراط الحرّية في مرجع التقليد، يكون المدبَّر والمهايا والمبعَّض من أقسام العبد أولى بعدم الاشتراط كما لا يخفى.


الشرط السابع: الاجتهاد المطلق

و السابع ممّا يشترط في مرجع التقليد كونه مجتهداً مطلقاً فلا يجوز تقليد المتجزّيء والمقصود بالمجتهد المطلق: من كانت له ملكة مطلقة سيّالة في جميع أبواب الفقه، بحيث يتمكّن من استنباط أيّ حكم في أيّ باب من الفقه من مداركها.
وليس المقصود بالمجتهد المطلق من كان مستحضراً لجميع المسائل الشرعية كلّها عن أدلّتها، حتّى يستشكل بعدم إمكان ذلك غالباً لغير المعصوم (عليه السلام)فضلاً عن وقوعه.
وما نسب إلى بعض من الذهاب إلى نفي إمكان الاجتهاد المطلق، فعلى فرض صحّة النسبة، فالمنفي ـ بلا ريب ـ هو استحضار عامّة المسائل كلاً لا ملكة الاستنباط، وهذا مقابل المتجزّيء الّذي يقال اصطلاحاً فقهياً على الشخص القادر على استنباط بعض المسائل من مداركها وليست له أهلية استنباط كلّ المسائل.


أقوال المسألة

والاقوال في المسألة ـ كما تحضرني الان ـ هي ثلاثة:
الاوّل: لزوم الاجتهاد المطلق في جواز التقليد.
الثاني: كفاية معرفة مقدار معتد به من الاحكام عن مداركها في جواز تقليده.
الثالث: كفاية معرفة قليل من الاحكام ولو مسألة واحدة عن أدلّتها في جواز تقليده في تلك المسألة.


القول الاوّل وأدلّته

أمّا القول الاوّل: وهو لزوم الاجتهاد المطلق في جواز التقليد، فهو المعروف بين المراجع المعاصرين ومن تقدّمهم ممّن لم يعلّقوا على هذه الفقرة من المتن وغيرهم، وعمدة ما استدلّ به لهم أُمور:


الدليل الاوّل

الاوّل: الاجماع، ادّعاه بعض ونقله المستمسك.
وفيه: أنّه مخدوش صغرى وكبرى، كما لا يخفى.


الدليل الثاني

الثاني: عدم تمامية أدلّة القول بصحّة تقليد المتجزّيء، فيتعيّن اطلاق المجتهد.
وفيه: ستأتي الادلّة، وسيتّضح تماميتها ـ ولو في الجملة ـ إن شاء الله تعالى.


الدليل الثالث

الثالث: أصل التعيين عند الدوران بين المطلق والمتجزّيء، فالمجتهد المطلق تقليده مبريء للذمّة قطعاً، وتقليد المتجزّيء غير معلوم الكفاية، فيتعيّن تقليد المطلق.
وفيه: ـ مضافاً إلى ما مرّ غير مرّة: من أنّ الاصل عند الدوران ليس التعيين مطلقاً، إن لم نقل بأنّه مطلقاً ليس التعيين (كما قيل) وربما لم يكن بعيداً لحكومة، أو ورود البراءة الشرعية على الاشتغال بقسميه: الشرعي والعقلي ـ أنّ الاصل أصيل حيث لا دليل، واطلاقات أدلّة التقليد الشاملة للمتجزّيء واردة على أصل التعيين.


الدليل الرابع

الرابع: أنّ ظاهر أدلّة التقليد كونه مجتهداً مطلقاً، فقوله (عليه السلام): « نظر في حلالنا وحرامنا »(147) ظاهره عامّة الحرام والحلال.
وقوله (عليه السلام): « فأمّا من كان من الفقهاء »(148) ظاهره كونه بقول مطلق من الفقهاء وفي كلّ أبواب الفقه.
وقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ)(149) أي: من يكون أهل الذكر في كلّ سؤال، ونحوها غيرها.
وفيه: إن قصدتم من الظهور الانصراف فعهدته على مدّعيه، وإن قصدتم أنّ الادلّة لا تشمل غير المجتهد المطلق، فاستخبر ذلك بالقاء هذه الالفاظ: « الفقهاء » و « أهل الذكر » ونحوهما على العرف الخالي الذهن، ليظهر أنّ المتفاهم عرفاً منها ليس سوى الفقاهة أو أهلية الذكر إجمالاً وعلى نحو اللاّبشرط.
نعم، فيما يرجع إليه من المسائل يلزم كونه ناظراً فيها وفقيهاً فيها، وأهل الذكر بالنسبة إليها، وذلك لمناسبة الحكم والموضوع المغروس في الارتكاز لزومها.
أترى لو قال المولى لعبده: إذا احتجتَ إلى النجارة فراجع النجّارين المنصفين في أُجرتهم، هل معنى ذلك الرجوع إلى النجّار الّذي يعرف صنع كلّ أنواع الخشب، أم يكفي ـ عرفاً ـ معرفة النجّار بما يحتاج إليه العبد من النجارة، وإن كان يجهل الانواع الاُخرى من النجارة الّتي لا يحتاجها العبد ؟
فالادلّة مطلقة، وإطلاقها يقتضي شمولها لغير المجتهد المطلق أيضاً.


الدليل الخامس

الخامس: مقبولة عمر بن حنظلة ـ أو صحيحته ـ وفيها: « عرف أحكامنا »(150) وبما أنّ الجمع المضاف يفيد العموم، لزم معرفة جميع الاحكام، المعبّر عنه بالاجتهاد المطلق اصطلاحاً.
والجواب أوّلاً: إن كان المقصود لزوم معرفة جميع ما هو في الواقع أحكامهم (عليهم السلام) فالاحاطة بها متعسّر بل متعذّر.
وإن كان المقصود لزوم معرفة جميع ما بأيدينا من أحكامهم ـ فمضافاً إلى أنّه لا مقيّد لذلك ـ إنّه إذا تنزّلنا عن المعنى الحقيقي للّفظ لمانع، فمراتب المجاز ـ من حيث المجازية ـ متساوية بالنسبة للمعنى، فكما أنّ المتجزّيء لا يعرف أحكامهم بقول مطلق، كذلك المجتهد المطلق لا يعرف أحكامهم بقول مطلق، ومجرد أنّ المجتزّيء يعرف مائة مسألة، والمطلق يعرف عشرة آلاف ـ مثلاً ـ لا يوجب حصر اللفظ في الثاني دون الاوّل.
وإن كان المقصود معرفة ما يحتاج إليه المقلّد من الحكم فكلاهما فيه سواء على الفرض.
وثانياً: أنّ ظاهر « عرف أحكامنا » عرفاً: هو معرفة ما يرفع به حاجة المحتاج، لما هو المرتكز في الاذهان من كون أمثال هذه التعبيرات واسطية لا هدفية.
أو بعبارة أُخرى طريقية لا موضوعية، بقرينة مقابلته لمن يحكم بغير حكم الائمّة الطاهرين (عليهم السلام).
فالمراد بأحكامنا ـ كما يساعد عليه الفهم العرفي وملاحظة الرواية بكاملها ـ هي: أحكامهم لا أحكام غيرهم، وليس المراد أحكامهم جميعاً لا بعض أحكامهم.


الدليل السادس

السادس: أنّ عمدة أدلّة حجّية قول المجتهد للمقلّد هو: الاجماع والضرورة، وكلاهما في بيان أصل التقليد ولا اطلاق لهما، والقدر المتيقّن منهما هو المجتهد المطلق، فيبقى قول المتجزّيء بلا دليل.
والجواب: ـ مضافاً إلى أنّ الدليل اللبّي إذا كان لمعقده اطلاق أخذ به، كما هو المعروف في كتب الاُصول، وليس مجرّد كون الدليل لبّياً موجباً لعدم اطلاقه ـ أنّ الدليل لم يكن منحصراً فيهما، فالايات والروايات فيها اطلاق كما أسلفنا، اطلاقها يشمل المتجزّيء كما يشمل المطلق.
مضافاً إلى أنّ السيرة ربما يمكن ادّعاؤها أيضاً مطلقاً، وإن كان قد خدش فيها البعض.


الدليل السابع

السابع: حصول الدور في حجّية فتوى المتجزّيء: بأنّ حجّية فتوى المتجزّيء متوقّفة على حجّية فتواه.
بيانه: حصول العلم للمتجزّيء بحجّية فتواه، متوقّف على حصول العلم له بأنّ المتجزّيء فتواه حجّة، وإذا سقطت الحجّية بالنسبة إلى نفسه سقطت بالنسبة إلى الغير بطريق أولى.
وأُجيب عنه نقضاً: بالمجتهد المطلق، فإنّ حصول العلم للمجتهد المطلق بحجّية فتواه، متوقّف على حصول العلم له بأنّ المطلق فتواه حجّة، قال: ولا يصلح للفرق كون حجّية المطلق مسلّمة وحجّية المتجزّيء مشكوكة، بعد كون الدور ـ إذا لزم ـ لا يوجب البطلان الشرعي فقط بل الاستحالة العقلية أيضاً، الّتي لا يصلحها الفرق ونحوه، فتأمّل.
وحلاً: بأنّ الموقوف عليه غير الموقوف عليه، إذ صحيح أنّ حصول العلم للمتجزّيء بحجّية فتواه متوقّف على حصول العلم له بأنّ فتوى المتجزّيء حجّة، لكن الثاني لا يتوقّف على الاوّل ليتمّ الدور، بل يتوقّف على الادلّة الدالّة عليه من الكتاب والسنّة والسيرة ونحوها.


الدليل الثامن

الثامن: استصحاب عدم حجّية فتوى المتجزّيء بوجوهه المتعدّدة:
منها: استصحاب حجّية فتوى الغير، للمتجزّيء نفسه، ومن هذا حاله لا يجوز تقليده.
ومنها: استصحاب جريان الاحكام الفرعية عليه، كما كانت سابقاً.
ومنها: استصحاب عدم جواز تقليده.
ومنها: استصحاب عدم حجّية قوله إذ الشكّ في الحجّية موضوع لعدم الحجّية، إلى غير ذلك من وجوه تقريرات الاستصحاب.
والجواب: ـ مضافاً إلى الخدشة في جريان بعض هذه الوجوه ـ: أنّ الاستصحاب مقطوع بالادلّة المذكورة في الباب.
إلى غير ذلك ممّا ذكر في الباب ممّا لا محصّل له، أو يرجع إلى ما ذكرناه.


القول الثاني والادلّة عليه

وأمّا القول الثاني: فهو الّذي ذهب إليه عدد من المراجع المعاصرين في كتبهم الاستدلالية، وإن كانت حواشيهم على العروة الوثقى خالية عن ذلك، وهو: التفصيل بين المتجزّيء الّذي اجتهد في شيء معتدّ به من الاحكام فيجوز تقليده، و بين المتجزّيء الّذي لم يجتهد إلاّ في بعض المسائل فلا يجوز تقليده.
وقد مال إليه بعض المعاصرين أيضاً بتردّد وإن كان استقرب القول الثالث كما سيأتي.
واستدلّ لذلك: بأنّ العناوين المذكورة للمجتهد في الادلّة لا تشمل المتجزّيء الّذي استنبط مسألة واحدة أو مسألتين فقط، فـ « الفقيه » و « أهل الذكر » و « عرف حلالنا وحرامنا » و « عرف أحكامنا » ونحوها لا تصدق إلاّ على من استنبط جملة معتداً بها من الاحكام.
وفيه: إن أُريد عدم الشمول لفظاً فغير صحيح، ألا يصحّ أن يقال لمن استنبط مسألة حكم صلاة الجمعة: « إنّه فقيه في حكم صلاة الجمعة » ؟
وإن أُريد الانصراف صحّ، ولكنّه يبدو بدوياً، لقلّة مثل هذا الفرد، لا لانصراف الذهن لاجل المرتكزات العقلائية.


إشكال وجواب

إن قيل: إنّه وإن صحّ اطلاق بعض مشتقات هذه العناوين على المتجزّيء القليل الاستنباط، ولكن نفس الالفاظ بقول مطلق لا تشمل عرفاً لمثله.
قيل: إنّه وإن لم يكن جزافاً، لكن القطع بكون الاستنباط طريقاً إلى معرفة الاحكام والعمل بها ولا موضوعية له، وهو لا يختلف فيه الواحد عن الالف، يوجب التعدّي عنه إلى غيره بالمناط المقطوع به، كما ربما يكون واضحاً بأدنى تأمّل.


نقض وإبرام

وإن قيل: دفاعاً عن هذا القول: إنّ معرفة قليل من الاحكام ولو مسألة واحدة أو مسألتين، كانت متوفّرة عند معظم الشيعة في عصر الائمّة الطاهرين: فلا حاجة معه إلى تشريع التقليد، وتعيين أفراد للرجوع إليهم بالخصوص، كيونس وغيره، أو بالعموم، مثل: « يعلم شيئاً من قضايانا » و « من كان من الفقهاء » ونحوهما.
قيل أوّلاً: التشريع غالباً في مقابل الفقهاء الذين لم يكونوا يستقون من مناهل العترة الطاهرة علومهم، كما هو صريح بعض الاخبار، وظاهر بعضها، ومنصرف طائفة ثالثة منها.
وثانياً: التشريع بالنسبة للاحكام الّتي كان الشيعة يجهلونها، وهي لكلّ واحد منهم غالباً أكثر ممّا كان يعلمها، فغالب الشيعة كانوا يجهلون غالب الاحكام، فورد الاخذ من « الفقهاء » ومن « عرف أحكامنا » ونحوهما بالنسبة إلى تلك، وليس هذا دليلاً على عدم جواز الاعتماد على من عرف حكماً واحداً أو حكمين، لوحدة المناط قطعاً.


القول الثالث ووجوه الاستدلال له

وأمّا القول الثالث: وهو كفاية استنباط ولو مسألة واحدة في جواز تقليده فيها. فهو الّذي قوّاه الاخ الاكبر في: « موسوعة الفقه » ويظهر تقويته من « المستمسك » أيضاً حيث قال: « وأمّا كونه مجتهداً مطلقاً فاعتباره هو المعروف المدّعى عليه الوفاق أو الاجماع، فلا يصحّ تقليد المتجزّئ، لكنه غير ظاهر الدليل... »(151).
وربما يؤيّده قوله في حاشيته هنا على المتن عند اشتراط كونه مجتهداً مطلقاً: « في اطلاقه نظر ».
وإليه ذهب بعض آخر من مراجع التقليد، وبعض أهل التصانيف المعاصرين.
واستقربه العلاّمة الروحاني أيضاً قال ـ في تقريراته ـ: « لكن الانصاف إنّ دعوى الاطلاق في مثل آية النفر، الّتي ستعرف دلالتها على جواز التقليد، قريبة جدّاً » ولعلّه هو الّذي يساعد عليه الادلّة، واستدلّ لهذا القول بوجوه:


الوجه الاوّل

الاوّل: بناء العقلاء على الرجوع إلى العالم فيما يجهله الجاهل، سواء كان ذلك العالم عالماً بغير تلك المسألة أم لا.
وهذا البناء لم يخدش فيه أحد ممّن يحضرني فتاواهم وكتبهم الاستدلالية، قال في المستمسك: « لعموم بناء العقلاء »(152).
وقال في التنقيح: « وعلى الجملة لا فرق بحسب السيرة العقلائية بين المجتهد المطلق والمتجزّيء بوجه، ومقتضى ذلك جواز تقليده فيما استنبطه من الاحكام وإن كانت قليلة، غير مصحّحة لاطلاق الفقيه عليه، وهذا لعلّه ممّا لا كلام فيه »(153).
نعم يظهر من الاخ الاكبر وبعض آخر خدشة البعض في هذا البناء صغرى، لكنّه ليس بشيء بعد ظهوره ووضوحه علماً وعملاً، عقلاً وخارجاً.
قال الاخ الاكبر: « والاشكال بأنّ بناء العقلاء حيث إنّه دليل لبّي، يلزم الاخذ بقدره المتيقّن، غير تامّ، إذ لا شكّ لاحد من العقلاء بالنسبة إلى سائر أهل الخبرة، فليكن المتجزّيء أحدهم »(154).


أمران رادعان

إنّما الكلام في أنّ هذا البناء من العقلاء هل هو مردوع عنه شرعاً أم لا ؟
وعمدة ما يقال في مقام الردع عن هذا البناء هو أمران:
الامر الاول: ظاهر آيات الكتاب وبعض الاخبار لزوم كون المجتهد من يعرف شيئاً معتداً به من الاحكام الشرعية، قضاءً لصدق عناوين « أهل الذكر » و « التفقّه » ونحوهما، إذ الظاهر تشريعه على وجه التعيين، لا على وجه التخيير بينه وبين من استنبط مسألة أو مسألتين.
الامر الثاني: بعض روايات الباب ظاهرها الحصر فيمن يرجع إليه في الاحكام أن يكون صادقاً عليه العناوين المذكورة، كرواية الاحتجاج: « من كان من الفقهاء »(155) ومقبولة ابن حنظلة: « من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا »(156).


مناقشة الامرين

لكن كلا الامرين غير قابلين للردع عن بناء العقلاء لما قيل أو يمكن أن يقال فيهما:
أوّلاً: أنّها في مقام أصل التشريع لا في مقام الحصر.
وثانياً: أنّ روايات الباب في مقابل من كان يأخذ الدين عن غير العترة الطاهرة، كما ربما يطمئن إليه من راجع الروايات بدقّة، ومن أوّلها إلى آخرها في الوسائل والمستدرك.
وثالثاً: وحدة المناط القطعي في حجّية الاستنباط ممّن استنبط مسألة واحدة، أو استنبط مسائل كثيرة، توجب إلغاء احتمال الردع لهذه الايات والروايات عن بناء العقلاء.
ورابعاً: أيّ ردع هذا الّذي لا يتبادر إلى الاذهان الفارغة عن شوائب الاستدلالات ؟ والعرف ببابك: فأعرض هذه الايات والروايات على العرف العربي الفاقه لمعاني الالفاظ، فإنّك لا تكاد تجده يفهم هذا الردع منها.


الوجه الثاني

الثاني: اطلاق الايات والروايات، وقد مرّ غير مرّة: تقريبها، وبيانها، والخدشة فيها بضعف دلالتها، وإسناد بعضها، وقد مرّ أيضاً الاجوبة عليها، فلا نعيد.


الوجه الثالث

الثالث: استقرار طريقة المعاصرين للائمّة الطاهرين (عليهم السلام) على أخذ الاحكام الشرعية من كلّ من علم بها، ومعظمهم كان ممّن ليس له من معرفة الاحكام إلاّ القليل القليل، أو لم يكن عنده إلاّ حكم واحد، أو حكمان، وكما كانوا يأخذون العلم عن الفقهاء أمثال: يونس بن عبدالرحمن، وزرارة، وأبي بصير، وأضرابهم، كذلك كانوا يأخذون العلم عمّن عرف مسألة واحدة.
وكان المعصومون (عليهم السلام) لا ينكرون عليهم ذلك بل يقرّونهم على هذه السيرة.
وهذا واضح لمن راجع كتب الرجال المفصّلة، وأحوال الرواة ومقادير ما كان عند كل راو من العلم.


الوجه الثالث بتقرير آخر

وقد يقرّر هذا الوجه بصورة أُخرى، وإن كانت تعتبر ـ أحياناً ـ وجهاً برأسه مقابل الوجه الثالث: وهو أنّه لا إشكال في أنّ أصحاب الائمّة (عليهم السلام) لم يكن لكلّهم، بل ولا لجلّهم الفقاهة المطلقة، بل ربما يقال بعدم وجود فقيه مطلق فيهم إلاّ نادراً من بين الاُلوف واحداً مثلاً أو إثنين، ومع ذلك كان المعصومون (عليهم السلام)يرجعون الشيعة إلى نفس هؤلاء الرواة من دون تقييد أن يكونوا فقهاء مطلقين، لا في الاسئلة ولا في الاجوبة، بل كلّ ما كان يسأل الناس الائمّة (عليهم السلام) عنه هو الوثاقة، كان الائمّة يجيبون عنها دون تعرّض لمقدار العلم. ولو كان الاجتهاد المطلق شرطاً لورد في رواية واحدة، وعدم الوجدان في مثل المقام دليل عدم الوجود.


إيرادات وإشكالات
الايراد الاوّل

ويؤخذ على هذا الوجه إيرادات:
أوّلاً: إنكار هذه السيرة.
وفيه: مراجعة أحوال الرواة كفيل ببعث الاطمينان إلى وجود هذه السيرة.


الايراد الثاني

وثانياً: لو ثبت ذلك لزم جواز العمل لمن ظفر برواية واحدة من دون البحث عن المعارض ونحوه.
وفيه: ـ مضافاً إلى أنّ هذا الاشكال في الاخذ بالرواية لا التقليد، إذ في التقليد لا يضرّ وجود العلم بفتوى معارضة لفقيه آخر (كما هو المشهور) وإلى أنّ وجه عمل أصحاب الائمّة (عليهم السلام) برواية واحدة كانوا يظفرون بها إنّما هو: لحصول العلم لهم بالحكم منها والاطمينان إلى عدم وجود معارض معتبر لها، ونحن في هذه الازمنة لا يحصل لنا مثل هذا العلم، ولو حصل (على سبيل الفرض) العلم بذلك فلا نضائق في حجّيته لنا ـ أنّ ورود إشكال كهذا لا يبطل أصل السيرة صغرى، ولا حجّيتها كبرى، ولو فرض (من جهة الضرورة أو غيرها) العلم بعدم جواز الاخذ برواية واحدة والعمل بها لمثلنا، فإنّ ذلك لا يوجب عدم حجّية فتوى المتجزّيء، و لا إثبات اشتراط الاجتهاد المطلق في مرجع التقليد، فتأمّل.
مع أنّ بعض المراجع المعاصرين الذين يرجع إليهم في الفتوى والتقليد، كان كما سمعتُ منه لا يضائق من أن يأخذ الرجل الفاضل ـ الفاهم للكلمات العربية ـ مثل كتاب: وسائل الشيعة، ويعمل بها ويفتي عليها ما لم يساوره الشكّ المعتبر في الدلالة، أو وجود المعارض أو نحو ذلك، وإن كان هو نفسه لم يكن يفتي بذلك، بل في مسرح البحث والنقاش العلمي كان يقول ذلك.


الايراد الثالث

وثالثاً: بالفرق بين عصرنا وعصر الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) فإنّ الاجتهاد في زمن المعصومين (عليهم السلام) لم يكن يحتاج إلاّ إلى الفهم العرفي للدلالات، وكان ذلك ميسوراً لغالب الناس، وصدور الرواية عن المعصوم كان إمّا مقطوعاً به قطعاً حقيقياً، أو مطمأناً إليه.
بخلاف زماننا وما قاربه من الازمنة، فإنّ الاجتهاد فيها يتوقّف على معرفة صدور الرواية، وجهة الصدور، وحجّية قول اللغوي، ومعنى الالفاظ، وإجراء أصالة عدم النقل، وتمييز الرواة بعضهم عن بعض، والتقاط الموثّق، والثقة، والحسن، عن غيرهم، وحجّية جميعها أو بعضها، إلى غير ذلك من الاُمور الكثيرة الّتي يتوقّف على جميعها ـ ككل ـ معرفة حكم واحد، فكيف يقاس زماننا بعصر الائمّة المعصومين (عليهم السلام) ؟
والجواب: أنّ الفرق بين العصرين والزمانين في معرفة اللغات ونحوها، لا يوجب الفرق بين حجّية فتوى المتجزّيء وعدمها.
فهل يجد الانسان الفرق لو فرض وجود أعجمي في زمان المعصومين (عليهم السلام) غير عارف باللغات، والمصطلحات، وصدور الروايات، ووجه صدورها ونحو ذلك ثمّ سمع عن زرارة رواية، وفحص عن معنى ألفاظ الرواية، وحقّق عن وثاقة الراوي، وعن وجه صدورها، وبعد ما تم عنده الصدور، ووجهه، ودلالة الرواية، هل يكون فرق بين عمل هذا الاعجمي بهذه الرواية وبين أبي بصير الّذي سمع نفس هذه الرواية من زرارة ؟


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ السيرة قائمة بلا إشكال، وهذا الفرق بين زماننا وزمانهم غير واضح وبلا فارق.
والايراد: بأنّ في عصور الائمّة (عليهم السلام) لم يكن اجتهاد أصلاً، وإنّما كان عمل بالروايات، بخلاف هذه الازمنة والعصور.
ففيه: ـ مضافاً إلى وجود الاجتهاد (إجمالاً) في تلك العصور كما سبق منّا ـ أنّ هذا يرجع إلى الايراد الثالث تقريباً، والجواب الجواب.
وما قيل: من أنّ الاتّفاق على جواز العمل برواية واحدة يسمعها الرجل من الامام المعصوم (عليه السلام) والاختلاف في جواز العمل باجتهاد المتجزّيء في عصرنا كافيان في الفرق بين الحكمين.
فإنّه يقال: هذه مصادرة، إذ الفرق إنّما هو عند من يقول بعدم حجّية فتوى المتجزّيء، وليس الفرق مسلّماً حتّى يكون دليلاً على عدم حجّية فتوى المتجزّيء، مع أنّ زيادة وجود الاجماع في جانب لا تنفي الحجّية عن الجانب الاخر الثابتة بدليل آخر غير الاجماع.


الوجه الرابع

الرابع: رواية أبي خديجة(157) المشهورة المروية عن المحدّثين الثلاثة (قدس سرهم): في الكافي، والتهذيب، ومن لا يحضره الفقيه، بأسانيدهم عن أبي خديجة: سالم ابن مكرم الجمّال قال: قال لي أبو عبدالله (عليه السلام): « إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا قضائنا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه »(158).
وهذه الرواية تدلّ بظاهرها على كفاية علم القاضي بشيء من قضائهم (عليهم السلام)أو قضاياهم، وهو مساوق لكونه متجزّياً.


إشكالات وأجوبة
الاشكال الاوّل

وقد أُورد عليها بأُمور استقصاها بعضهم إلى أكثر من عشرة إيرادات نذكر المهمّ منها:
الاوّل: ضعف السند بمعلّى بن محمّد، المحكي عن النجاشي فيه: بأنّه مضطرب الحديث والمذهب، وبأبي خديجة لاشتراكه بين سالم بن مكرم الّذي وثّقه النجاشي وبين سالم بن سلمة وهو ضعيف.
واستقرار الشهرة الفتوائية على خلاف مضمونها باشتراطهم الاجتهاد المطلق في مرجع التقليد وهو كاسر آخر.
وفيه أوّلاً: ليست ضعيفة السند، فإنّ طريق الصدوق في هذا الحديث معتبر، ولذا سمّاها الجواهر: « المقبولة » وفي تقريرات بعض مراجع العصر سمّاها بالحسنة، وفي كتاب آخر من المراجع المعاصرين سمّاها بالصحيحة.
مضافاً إلى أنّ التصريح بأنّ أبا خديجة: سالم بن مكرم الجمّال، يخرجه عن الاشتراك والاشتباه بالضعيف، فالسند في نفسه ليس ضعيفاً.
وثانياً: ضمان الكليني والصدوق (قدس سرهما) لحجّية ما أودعاه في كتابي: الكافي والفقيه، يقضي بحجّية ما فيهما ـ على رأي بعض المحقّقين المعاصرين تبعاً لجمع من الاسلاف الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين ـ خلا ما علم من الخارج أو من دليل خاصّ عدم حجّيته.
نظير حجّية الخبر الواحد الّذي لا ينافيه عدم حجّية المئات بل الالاف من الخبر الواحد لمعارضتها للعقل، أو لنقل أقوى، أو لمحكوميته وموروديته، أو لغير ذلك من أسباب الطرح رأساً، أو بعضاً. خصوصاً والحديث مروي في الكتب الثلاثة جميعها، وتفصيل البحث عن ذلك موكول إلى محلّه.
وثالثاً: المحكي عن المسالك الاتّفاق على العمل بمضمونها.
ورابعاً: لم يثبت تحقّق الاعراض المسقط للحجّية في هذا الحديث، كيف وقد عمل به المحقّق الاردبيلي، ونقل عن المسالك الاتّفاق على العمل بمضمونها ؟
فالظاهر كون الحديث حجّة شرعاً من جهة السند.


الاشكال الثاني

الثاني: أنّ « العلم » أخذ فيمن يرجعون إليه، ولا نضائق لو حصل العلم، إنّما الكلام في حجّية ظنّ المتجزّيء.
وفيه: أنّ الحجج الشرعية، والطرق، والامارات، ـ الّتي يحكم المتجزّيءالمطلق بها سواء بسواء ـ هي امتداد للعلم، أو سمّها بالعلم التنزيلي، وليس المقصود بـ « العلم » العلم الفلسفي. ولذا استدلّ الفقهاء بهذه الرواية، وبمقبولة ابن حنظلة على جواز القضاء والافتاء في زمن الغيبة، مع أنّ كليهما ـ غالباً ـ لا يكون عن علم فلسفي وإنّما يكونان عن الحجج الشرعية.


الاشكال الثالث

الثالث: أنّ المسألة مسألة أساسية يبتني عليها أحكام كثيرة، ولا يفيد فيها إلاّ ما يوجب القطع، والروايات لا توجب ذلك.
وفيه: إن كان المقصود بالقطع: الفلسفي منه فلا نسلّم الكبرى، وإن كان المقصود به: الاعمّ من الحجّة المعتبرة شرعاً فلا نسلّم الصغرى.


الاشكال الرابع

الرابع: أنّ الرواية في باب القضاء وتعميمها لباب الافتاء بلا مستند.
وأُجيب عنه أوّلاً: بأنّ القضاء إنّما هو في موارد النزاع، وكما يكون النزاع في الشبهة الموضوعية الخارجية كذلك يكون في الشبهة الحكمية، كما لو تنازعا في وجوب النفقة على الزوجة المتمتّع بها أم لا، فالرواية أعمّ من باب الافتاء.
وفيه: أنّ الشبهات الحكمية إذا وقع الخلاف فيها بين الجاهلين بالحكم الشرعي، وأفتاهم الفقيه فيها، لا يسمّى ذلك قضاءً ومحاكمة حتّى تشمله أدلّة القضاء كلّها.
ويؤيّده: أنّ الفقهاء يعدون بابي: القضاء والافتاء بابين لا باباً واحداً، ولا يسرون الحكم من أحدهما إلى الاخر إلاّ بدليل.
وثانياً: بأنّ الحكم غالباً يشتمل على الافتاء إن لم يكن دائماً، فإذا جعل الامام (عليه السلام) القضاء حجّة، وهي مبتنية على شقّين: الحكم، والافتاء، فيكون ذلك جعلاً للحجّية لكليهما.
ويورد عليه: بأنّ الحجّية المجعولة للافتاء بشرط شيء لا تعمّم للافتاء اللاّبشرط الّذي هو مورد الكلام، وكما يقول القوم في الاُصول: « المقيّد لا يدلّ على المطلق ».
اللّهمّ، إلاّ أن يلتزم باستفادة حجّية الفتوى عرفاً، أو مناطاً، كما ليس بالبعيد، لفهم الذهن العرفي الركينة الاهمّ لهذا الخبر، وهوالفتوى دون الحكم، مناسبة للحكم والموضوع المستفادين من: « يعلم شيئاً من قضايانا » فيدلّ على أنّ علمه بشيء من قضاياهم (عليهم السلام) هو المهمّ في الباب.
وثالثاً: يستدلّ الفقهاء لمسائل الاجتهاد والتقليد ببعض روايات باب القضاء، كمقبولة عمر بن حنظلة وغيرها، فلتكن مشهورة أبي خديجة من هذا الباب.
ويورد عليه: بأنّ العمل مجمل، ولا اطلاق له، فلعلّه كان لوجود دليل على التعميم في مقبولة ابن حنظلة غير متوفّر مثله في المشهورة.
اللّهم، إلاّ أن يقال بعدم وجود دليل خاص على التعميم في المقبولة.


الاشكال الخامس

الخامس: أنّ « من » في « يعلم شيئاً من قضايانا » يحتمل كونها بيانية لا تبعيضية، فيكون المعنى: « يعلم شيئاً هو قضايانا » والجمع المضاف وضع للعموم فيدلّ على ضرورة كون مرجع التقليد مجتهداً مطلقاً، لعدم إمكان القول بلزوم استحضار جميع المسائل كما هو مقتضى بيانية « من » فلا مناص من المصير إلى أقرب المجازات وهو المجتهد المطلق.
وقرّر هذا الايراد بعض من كتب تذييلاً على كتاب أحد المراجع المعاصرين وأيّده بأمرين:
أحدهما: أنّ « شيئاً » مبهم، وبعد الكلمة المبهمة يكون البيان لا التبعيض.
ثانيهما: أنّ الامام (عليه السلام) كان في مقام نصب القاضي نصباً عامّاً، ومجرّد العلم ببعض القضايا لا يناسب هذا المنصب.
ويورد عليه أوّلاً: أنّ الظاهر من جملة « يعلم شيئاً من قضايانا » هو إرادة التبعيض، ولو عرضت هذه العبارة على العرف لفسرها بـ « يعلم بعض قضايانا »، والعرف ببابك.
وثانياً: « قضايانا » يفيد العموم، فإذا لم يكن هذا العموم مراداً لعدم وجود من يعلم مستحضراً كلّ قضايا الائمّة الطاهرين (عليهم السلام)، فالمصير إنّما يكون إلى المعنى المجازي الّذي يساعد عليه الظهور اللفظي، وبما أنّه لا قيد عرفي في باب هذا الظهور فالمجتهد المطلق، والمجتهد المتجزّيء، سواء في شمول « يعلم شيئاً من قضايانا » لكليهما، غاية الامر: المطلق يعلم أكثر ممّا يعلمه المتجزّيء، ومجرد الاكثرية، وكونه أقرب المجازات لا يوجب الحصر إذا لم يساعد عليه الظهور العرفي.
وثالثاً: أنّ « من » التبعيضية كثيراً ما تأتي بعد كلمة مبهمة مثل: « أخذت شيئاً من الدراهم » و « أكلت شيئاً من الخبز » و « شربت شيئاً من الماء » و « سمعت شيئاً من هذا الكلام » و « قرأت شيئاً من هذا الكتاب ».
كيف وقد قيل: إنّ « المبهم » إذا وقع بعده « من » لا تكون إلاّ تبعيضية ؟
ورابعاً: إذا كان المتجزّيء عالماً بالمسألة الّتي يفتي بها ـ كما هو المفروض ـ فلماذا لا يناسب له هذا المنصب ؟ وهل المنصب إلاّ للعالم بالحكم من طرق الائمّة الطاهرين (عليهم السلام). وقد بنى العقلاء على الرجوع إلى العالم فيما يحتاجون إليه، سواء كان عالماً في غيره من الاُمور أم لا ؟


الاشكال السادس

السادس: ما ذكره جمع من المراجع المعاصرين ومن المؤلّفين الحاضرين وجزم به بعضهم من أنّ « شيئاً » وإن كانت بنفسها ظاهرة في الاعمّ من القلّة والكثرة، أو فى القلّة فقط، ولكن سياق هذه الرواية يدلّ على إرادة الكثرة من « شيئاً » لانّ علومهم (عليه السلام) بمنزلة البحر المحيط، فلا يقال للاخذ قطرة من البحر أنّه أخذ « شيئاً من البحر » ولذلك قيل بأنّه لو قيل: « فلان عنده شيء من الثروة » كان معناه ما يكون كثيراً فى نفسه وقليلاً بالنسبة إلى مجموع الاموال والثروة الموجودة في الدنيا.
وأُجيب: بأنّ المتبادر ـ عرفاً ولو بمناسبة الحكم والموضوع وكون الامر يرتبط بالحاجة ـ من « يعلم شيئاً من قضايانا » شموله للمتجزّيء أيضاً، وهذا الظهور العرفي متّبع وحجّة، والتنظير بـ « شيئاً من البحر » غير صحيح، للاشكال في المقيس عليه، إذ كيف لا يصدق لمن اغترف من البحر غرفة: أنّه أخذ شيئاً من ماء البحر ؟ وأمّا عدم صدق ذلك على القطرة الواحدة، لانصراف الماء عنها عرفاً، فلو قال أحد شربت قليلاً من الماء لا يصدق على قطرة واحدة إنصرافاً، وإن كان الوضع اللفظي يعمّه.
والتشبيه بـ « شيء من الثروة » في غير محلّه، إذ لفظة « الشيء » إذا أُطلقت يراد بها القليل من مصاديق ما بعده من المجرور « بمن » فلو قيل: « ملكت شيئاً من الارض » يجب أن يصدق على المملوك أنّه « أرض » أو قيل « آجرت شيئاً من الدور » يجب صدق « الدار » عليه، وهكذا لو قيل: عندي « شيء من الثروة » يجب صدق الثروة على ما عنده، وكلمة « الثروة » وضعاً أو انصرافاً لا يقال إلاّ على المال الكثير. فلا يقال لمن يملك ديناراً أو دينارين « مُثر » و « ثروة » ونحوهما.
وهكذا قوله (عليه السلام): « يعلم شيئاً من قضايانا » يجب أن يكون ما يعلمه يصدق عليه قضاياهم، لا قضايا غيرهم، والقلّة والكثرة لا دخل لها في المفهوم العرفي.


تحقيق وتدقيق

وليعلم أنّ الرواية مروية في الكافي والفقيه: « من قضائنا » وفي التهذيب « من قضايانا » والظاهر إرادة معنى واحد من كليهما لانّ قضاياهم هي قضاؤهم، وقضاءهم هو قضاياهم، وإن كان بين الكلمتين فرق لغوي فليس مراداً لعدم الظهور، بل يتبادر معنى واحد منهما.
فما دفع به بعض المراجع المعاصرين إشكال كون « شيئاً » بمعنى الشيء الكثير، لكثرة قضاياهم، بأنّ نسختي: الكافي والفقيه أصحّ، والطريق فيهما معتبر بخلاف نسخة التهذيب، وقضاء الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) قليل منه وصل إلينا وليس كثيراً في حدّ نفسه، فكيف بأن يراد من « شيئاً » الكثير ؟ غير واضح.
لعدم وضوح فرق عرفي بين كلمتي: « قضائنا » و « قضايانا » فالمراد بكليهما هو ما ورد عنهم لا في القضاء فقط، بل في كلّ الابواب وكلّ الاحكام.
وليس المراد بـ « قضايانا » جميع رواياتهم وبـ « قضائنا » ما ورد عنهم في فصل الخصومات ـ كما فهم هذا المرجع المعاصر ـ.
وفي الجواهر(159) نقل حكاية عن الاردبيلي، الاستدلال بصحيحة أبي بصير مضافاً إلى الاستدلال بخبر أبي خديجة أيضاً لصحّة تقليد المتجزّيء.
فإنّه أثبت جميع أحكام المجتهد المطلق للمتجزّيء، فليراجع.
إذن: فالظاهر أنّ هذه الرواية معتبرة سنداً، ومعمول بها إجمالاً غير معرض عنها، وواضحة دلالة، فهي تدلّ على كفاية أخذ الاحكام الشرعية من العالم بها سواء كان عالماً بغيرها أيضاً وهو المطلق، أم لا وهو المتجزّيء.


تقييد المسألة بقيد لا محمل له

ثمّ إنّ بعض المراجع المعاصرين في حاشيته على العروة علّق على الكلمة: « فلا يجوز تقليد المتجزّيء » بقوله: « مع وجود المجتهد المطلق » وهذا القيد لا محمل له ـ بل لعلّه في مقابل الاحتياط مع عدم المطلق ـ إلاّ التوضيح، إذ الكلام في ظرف وجوده، بل وفي ظرف التمكّن من تحصيل فتاواه، بل وفي ظرف عدم الحرج بل وعدم الضرر عليه في ذلك، إلى ما هنالك من الشروط العامّة للتكليف، أو الاحكام الثانوية.


منشأ اختلاف المسألة بنظر البعض

وقال بعض: بأنّ الاختلاف في حجّية فتوى المتجزّيء وعدمها إنّما هو مبني على القول بعدم وجوب تقليد الاعلم، وأمّا على القول بوجوب تقليد الاعلم فلا مجال لهذا الكلام، لمفروغية أنّ المجتهد المطلق أعلم من المجتهد المتجزّيء.
وفيه: إن كان المراد من « الاعلم » هو الاكثر إحاطة بالاحكام الشرعية الاكثر استنباطاً للمسائل صحّ ذلك، وإن كان المراد بـ « الاعلم » الادقّ نظراً والافهم للادلّة والاذكى في كيفية الاستنباط ـ كما هو الظاهر الّذي سبق منّا في بحث مسألة تقليد الاعلم إثباته ـ فبينهما عموم من وجه، لتصادقهما في الافهم الاكثر استنباطاً، وتفارقهما في الافهم الاقل استنباطاً، وغير الافهم الاكثر استنباطاً.
فعليه: تكون مسألة جواز تقليد المتجزّيء، مسألة برأسها في مقابل مسألة وجوب تقليد الاعلم.


المتجزّي الادقّ والمطلق غير الادقّ

ثمّ إنّه لو دار الامر بين الافهم، أو الاذكى والادقّ المتجزّيء، وبين غيرهم المطلق كما قد يتّفق، فأيّهما يقدم ؟
الجواب: بناءً على القول بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً، وبناءً على تفسير الاعلم بأنّه الافهم، أو الاذكى، أو الادقّ لا الاكثر استنباطاً فقط، فيتعيّن تقليد المتجزّيء الافهم، والاذكى والادقّ ونحوهم لانّه الاعلم، ولحكومة أدلّة وجوب تقليد الاعلم على أدلّة وجوب تقليد المطلق، إن لم نقل بورودها عليه، وإنّه معه لا يبقى مجال لادلّة وجوب تقليد المطلق.
... والحياة، فلا يجوز تقليد الميّت ابتداءً، نعم يجوز البقاء كما مرّ وأن يكون أعلم، فلا يجوز على الاحوط تقليد....
وإن قلنا بوجوب تقليد الاعلم مطلقاً، ولكن فسّرنا الاعلم بأنّه الاكثر استنباطاً وإن كان أقل إدراكاً ـ كما هو ظاهر كلمة « أعلم » قضاءً لصيغة افعل التفضيل على أن يكون المراد « بالعلم » الاستنباط، والاحاطة بالجزئيات للمسائل، لا أن يكون المراد به الفهم والذكاء والادراك ـ فالظاهر حينئذ وجوب تقليد المطلق وإن كان أقلّ فهماً وذكاءً من المتجزّيء.
وإن قلنا بعدم وجوب تقليد الاعلم فالظاهر التخيير ـ من باب الاجماع على عدم الاحتياط في التقليد وإلاّ فالشكّ في الامتثال ومعه الاحتياط واجب ـ بين المتجزّيء الافهم، والمطلق غير الافهم، للدوران بين تعيين وتعيين، لا بين تعيين وتخيير.
نعم، لو قلنا بأنّ تقليد المجتهد المطلق لا دليل عليه أصلاً حتّى من الاُصول العملية، كان القول بتقدّم تقليد المتجزّيء الافهم لاصل التعيين ـ بناءً على أصالته في الدوران بينه وبين التخيير ـ في محلّه.
وعلى هذا يقاس بعض الفروع الاُخرى الّتي لم نذكرها.


الشرط الثامن: الحياة

و الثامن ممّا يشترط في مرجع التقليد: الحياة، فلا يجوز تقليد الميت ابتداءً، نعم، يجوز البقاء كما مرّ مفصلاً في المسألة التاسعة، فليراجع هناك.


الشرط التاسع: الاعلمية

و التاسع ممّا يشترط في مرجع التقليد: الاعلمية، أي: أن يكون
أعلم من المجتهدين الاخرين فلا يجوز ـ على الاحوط ـ تقليد
... المفضول مع التمكّن من الافضل، وأن لا يكون متولّداً من الزنا....
المفضول مع التمكّن من الافضل والاحتياط هنا وجوبي، وقد مرّ الحديث عن ذلك مفصّلاً في شرح المسألة الثانية عشرة، ولطالبها الرجوع إليها.


الشرط العاشر: طهارة المولد

و العاشر ممّا يشترط في مرجع التقليد: طهارة المولد، أي: أن لا يكون متولّداً من الزنا بأن يكون ولد نكاح صحيح، أو ولد شبهة، لانّ ولد الشبهة حكمه حكم الولد عن نكاح صحيح، بل قال بعض المراجع: إنّه لم يجد فرقاً حكمياً بين ولد الشبهة وولد النكاح في أي باب من أبواب الفقه، وإنّما الفرق بينهما موضوعي، فهذا متولّد عن غير نكاح لشبهة، وذاك متولّد عن نكاح.


الاستدلال لطهارة المولد بأُمور
الامر الاوّل

واستدلّ لهذا الشرط (طهارة المولد في مرجع التقليد) بأُمور:
أحدها: الاجماع المحكي عن الفصول نقله عن الشهيد الثاني (قدس سرهما) واعتبره المستمسك هو المعتمد في الحكم.
وأشكل عليه التنقيح بأنّه: « على تقدير ثبوته ليس من الاجماع التعبدي »(160).
أقول: إن تمّ الاجماع كان معتمداً، وليس احتمال استناده إلى بعض الوجوه المذكورة مسقطاً له عن الحجّية كما أسلفنا مراراً، لكونه حينئذ طريقاً عقلائياً إلى تحصيل ومعرفة أوامر المولى غير مردوع عنه، نظير الاستفادة من ظواهر الالفاظ، وقول الثقة، والاطمينان المعبّر عنه بالعلم العادي ونحوها.


الامر الثاني

الثاني: أصالة التعيين.
وفيه: بعد شمول اطلاقات الادلّة لولد الزنا كغيره لا مجال لهذا الاصل، اللهمّ إلاّ أنّ تعارض الاطلاقات بالادلّة الخاصّة، أو ينفى الاطلاق فيها لورودها لغير بيان ذلك.


الامر الثالث

الثالث: طوائف من الاخبار، جمعها الاخ الاكبر من الوسائل، والبحار، وطهارة الهمداني، نذكرها فيما يلي:


أخبار المسألة في باب الشهادات

منها: ما ورد في باب الشهادات وهذه جملة منها:
فعن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ولد الزنا، أتجوز شهادته ؟ فقال: لا »(161).
وفي حديث آخر قال أبو عبدالله (عليه السلام): « لا تجوز شهادة ولد الزنا »(162).
وفي حديث آخر قال أبو عبدالله (عليه السلام): « لو أنّ أربعة شهدوا عندي بالزنا على رجل وفيهم ولد الزنا لحدّدتهم جميعاً، لانّه لا تجوز شهادته »(163).
وعن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « سألته عن شهادة ولد الزنا، فقال (عليه السلام): لا »(164).
ومنها: ما يدلّ على أنّه أسوأ حالاً من الكلب والخنزير:
فعن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) وساق الحديث إلى أن قال: « لم يحمله ـ أي ولد الزنا ـ نوح في السفينة وقد حمل فيها الكلب الخنزير »(165).
وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) قال: « إنّ نوحاً حمل الكلب في السفينة ولم يحمل ولد الزنا »(166).


روايات المسألة في صلاة الجماعة

ومنها: ما يدلّ على عدم جواز الاقتداء به في الصلاة: فعن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: « خمسة لا يؤمّون الناس على كلّ حال ـ وعدّ منهم المجنون وولد الزنا ـ »(167).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: « لا يصلّين أحدكم خلف المجذوم... وولد الزنا »(168).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « خمسة لا يؤمّون الناس ولا يصلّون بهم صلاة فريضة في جماعة ـ وعدّ منهم ولد الزنا ـ »(169).


أخبار المسألة في أبواب متفرّقة

ومنها: ما يدلّ على نجاسته، بل نسب إلى الصدوق والسيد والحلّي القول بكفره.
فعن أبي عبدالله (عليه السلام): « إنّه كره سؤر ولد الزنا وسؤر اليهودي، والنصراني، المشرك »(170).
وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « لا تغتسل من البئر الّتي تجتمع فيها غسالة الحمّام، فإنّ فيها غسالة ولد الزنا وهو لا يطهر إلى سبعة آباء »(171).
وعن أبي الحسن الاوّل (عليه السلام) قال: « ولا تغتسل من البئر الّتي يجتمع فيها ماء الحمّام، فإنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب وولد الزنا والناصب لنا أهل البيت »(172).
ومنها: ما ورد أنّ ديته كدية اليهودي ثمانمائة درهم(173).
ومنها: ما يدلّ على أنّه أسوأ حالاً من الكفّار.
فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « لبن اليهودية، والنصرانية، والمجوسية أحبّ إليّ من ولد الزنا »(174).
ومنها: ما ورد من نفي الخير فيه.
فعن الباقر (عليه السلام) قال: لا خير في ولد الزنا، ولا في بشره، ولا في شعره، ولا في لحمه، ولا في دمه، ولا في شيء منه...»(175).
ومنها: ما ورد في أنّه لا يدخل الجنّة.
فعن أبي عبدالله (عليه السلام): « إنّ الله عزّوجلّ خلق الجنّة طاهرة مطهّرة، فلا يدخلها إلاّ من طابت ولادته »(176).
وعنه (عليه السلام) ـ فيما يخاطب الله به عزّوجلّ ولد الزنا ما لفظه: « وأنت رجس ولن يدخل الجنّة إلاّ طاهر »(177).
وعنه (عليه السلام) قال: « لو كان أحد من ولد الزنا نجى، نجى سائح بني إسرائيل »(178).
وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: « لا يدخل الجنّة إلاّ من خلص من آدم »(179).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « من طهرت ولادته دخل الجنّة »(180).
وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « خلق الله الجنّة طاهرة مطهّرة، لا يدخلها إلاّ من طابت ولادته »(181).


روايات صريحة في المسألة

وممّا هو أصرح في المطلب ما ورد في باب أنّه يدعى الناس بأسماء أُمّهاتهم ممّا يدلّ على أنّ ولد الزنا ليس بشيعة: فعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: « فإذا كان يوم القيامة دُعِي الناس بأسماء أُمّهاتهم سوى شيعتنا فإنّهم يُدعون بأسماء آبائهم لطيب مولدهم »(182).
وعن أبي عبدالله (عليه السلام): « إذا كان يوم القيامة يدعى الناس جميعاً بأسمائهم أسماء أُمّهاتهم ستراً من الله عليهم إلاّ شيعة علي (عليه السلام) فإنّهم يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم، وذلك أنّ ليس فيهم عهر »(183).
وعن علي (عليه السلام) قال: « إذا كان يوم القيامة يدعى الناس بأسمائهم إلاّ شيعتي ومحبّي فإنّهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مواليدهم »(184).
إلى غير ذلك، انتهى ما نقلناه عن « موسوعة الفقه ».
وهناك روايات كثيرة أُخر في الباب نذكر بعضاً آخر منها عن كتاب سفينة البحار(185).
منها: النبوي: « ولد الزنا شرّ الثلاثة » أي: شرّ من أبيه الزاني، وأُمّه الزانية.
ومنها: الاحاديث الكثيرة البالغة حدّ التواتر الواردة في أنّ بغض علي (عليه السلام)من علامات ولد الزنا، كقول أنس ـ في خبر طويل ـ: « كان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه، ثمّ يقف على طريق علي (عليه السلام) فإذا نظر إليه، أومأ باصبعه يابني تحبّ هذا الرجل ؟ فإن قال: نعم، قبّله، وإن قال: لا، خرق به الارض وقال له: إلحق بأُمّك »(186).
وكحديث الامام الصادق (عليه السلام) قال: « إنّ لولد الزنا علامات، أحدها: بغضنا أهل البيت، وثانيها: أن يحنّ إلى الحرام الّذي خلق منه، وثالثها: الاستخفاف بالدين، ورابعها: سوء المحضر للناس ولا يسيء محضر إخوانه إلاّ من ولد على غير فراش أبيه، أو حملت به أُمّه في حيضها »(187).
والنبوي: « ياعلي لا يحبّك إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضك إلاّ ولد زنية أو حيضة »(188).


خبر أبي دُلف وولده

ولا بأس هنا بإيراد قصّة ولد أبي دلف لمناسبته للمقام وإن كان خارجاً عن الاستدلال الفقهي: ـ كما في سفينة البحار عن العلاّمة (قدس سره) قال: كان أبو دلف سيّد أهله كبير عشيرته، وكان كريماً، وشجاعاً، ومعروفاً، وكان شيعياً، وكان له ولد يبغض علياً (عليه السلام) فتحادث أصحابه في حبّ علي وبغضه، فروى بعضهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: « ياعلي لا يحبّك إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضك إلاّ ولد زنية أو حيضة ».
فقال ولد أبي دلف: ما تقولون في الامير (يقصد أباه) هل يؤتى في أهله ؟
فقالوا: لا.
فقال: والله إنّي لاشدّ الناس بغضاً لعلي بن أبي طالب (عليه السلام).
فخرج أبوه وهم في التشاجر، فقال: والله إنّ هذا الخبر لحقّ، والله إنّه لولد زنية وحيضة معاً، وذلك: إنّي كنت مريضاً في دار أخي في حمى ثلاث، فدخلت عليّ جارية لقضاء حاجة فدعتني نفسي إليها فأبت وقالت: إنّي حائض، فكابرتها على نفسها فوطئتها، فحملت بهذا الولد فهو لزنية وحيضة معاً.
ثمّ قال في سفينة البحار: ونقل العلاّمة أيضاً حكاية عن والده (رحمهما الله) أنّه رأى في بعض دروب بغداد صبيين أحدهما كان يحبّ علياً (عليه السلام) والاخر يبغضه، ثمّ انكشف أنّهما اخوان: المحبّ ولد طهر، والمبغض حملت به أُمّه في الحيض(189).


خلاصة الكلام

والخلاصة: أنّ هذه الروايات وغيرها وإن لم يكن فيها تصريح ولا تلميح إلى عدم صلاحية ولد الزنا لمرجعية التقليد، ولكنّها بمجموعها يستشعر بل يستفاد منها ذلك من باب مناسبة الحكم والموضوع، أو طعم الفقاهة على حدّ تعبير صاحب الجواهر في غير هذا المورد.
فما ربما يورد على هذه الاخبار من أنّها جميعاً أو جلاًّ مأوّلة، لعدم التزام الفقهاء بالعمل بظواهرها، فإنّهم لا يلتزمون بنجاسة ولد الزنا، ولا كون ديته كدية اليهودي، ولا بكفره وترتيب أحكام الكافر عليه، إلى غير ذلك، فكيف يستفاد منها حكم آخر هو عدم جواز تقليده إذا اجتمعت فيه سائر شرائط المرجعية ؟
ففيه: أنّ الاشكال وإن كان وارداً في كلّ واحد واحد منها، ولكنّها بمجموعها لا تقصر عن الدلالة على ذلك، نظير ما يقوله الشيخ الانصاري (قدس سره) في: الرسائل، في حجّية الخبر الواحد من أنّ أدلّتها مخدوشة كلاً، ولكنّها بمجموعها تدلّ دلالة عرفية على الحجّية، وما نحن فيه هكذا، كما لا يخفى لمن لاحظ هذه الاخبار وغيرها مع صحّة إسناد كثير منها، وروايتها في المجاميع المعتبرة، وبقيّة أحكام ولد الزنا.
وعليه: فالفقيه من هذا المجموع ـ مضافاً إلى الاجماع المدعى مكرّراً، وعدم معلومية خلاف في البين ـ يشرف على القطع بالحكم.


القول بعدم اشتراط طهارة المولد وأدلّته
أوّل الادلّة

وربما يذكر أدلّة كلّها غير سليمة على عدم اشتراط طهارة المولد.
الاوّل اطلاقات الادلّة اللفظية، الشاملة لولد الزنا أيضاً.
وفيه: ـ مضافاً إلى الخدشة في أصل الاطلاق فيها لكونها في مقام أصل التشريع لا في خصوصياته وشروطه وإن لم نقتنع بها ـ أنّ الروايات والاجماع يدلاّن على اشتراط طهارة المولد، وهما كافيان في الخروج عن الاطلاقات نظير سائر الشروط الّتي ثبتت بالادلّة الاُخرى.


ثاني الادلّة

الثاني: بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم من دون قيد أن يكون طاهر المولد، كما هو كذلك في كلّ أهل خبرة.
وفيه: أنّه مردوع بالروايات المذكورة آنفاً والاجماع المذكور.


ثالث الادلّة

الثالث: التنظير بعدم اشتراط طهارة المولد في الراوي، فليكن المجتهد كذلك، لوحدة المناط فيهما.
وفيه: ـ مضافاً إلى الخدشة في التنظير، وإلى أنّه من القياس ووحدة المناط في المقام غير محرزة، وإلى أنّ الحكم في الرواية غير مسلّم ـ أنّ الروايات المذكورة آنفاً والاجماع يدلاّن على اشتراطها في مرجع التقليد.


رابع الادلّة

الرابع: جعل الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) زياد بن أبيه والياً يدلّ على جواز الولاية، والولاية تشمل الفتوى، والدليل على العام يكون دليلاً على الخاص.


أجوبة وردود

وأُجيب عنه بأُمور:
أوّلاً: بأنّ زياداً لم يثبت كونه ولد زنا، لانّ أُمّه وإن كانت زانية ولكنّها كان لها زوج، ومقتضى: « الولد للفراش وللعاهر الحجر » كونه لابيه زوج أُمّه، لا لمن ادّعوه.
وقول الامام الحسين (عليه السلام) في عبيدالله بن زياد: « الدعي بن الدعي » لا يدلّ على كونه ولد زنا، بل لانّه ادّعاه أبو سفيان وغيره نظير قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)(190)، فتأمّل.
وثانياً: أنّه لم يكن والياً من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإنّما كان عاملاً لعبدالله بن عبّاس الّذي كان والياً من قبل أمير المؤمنين (عليه السلام).
وأُورد عليه: بأنّ ظاهر كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى زياد رضاه بولايته، وإلاّ عزله، فتأمّل.
وثالثاً: بأنّ قاعدة: « الاسلام يجبّ ما قبله » يشمل حتّى مثل هذا المورد، وليس بالبعيد.
ورابعاً: بأنّ الاحكام ظهرت تدريجاً، ولم يعلم ثبوت هذا الحكم وظهوره في عهد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام).
وأُورد عليه: بأنّ بعض الروايات المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعن علي (عليه السلام) في ذلك يستفاد منها ثبوت الحكم من ذلك الزمان.
وخامساً: لم تثبت وحدة المناط فكيف بالاولوية بين بابي: الولاية والتقليد ؟ خصوصاً مثل هذه الولاية الّتي هي العاملية من قبل الوالي.
وسادساً: فلتكن قضية في واقعة، لا نعلم وجهها، كما يقال ذلك في معظم قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام).
وفيه: أنّ إطلاق التأسّي بالمعصوم هو الاصل، وكونه قضية في واقعة يحتاج إلى دليل خاص مخرج.


خامس الادلّة

الخامس: قد استدلّ ـ كما قيل ـ على عدم اشتراط طهارة المولد في مرجع التقليد بالاصل، لانّه شرط زائد ينفى بالبراءة.
وأُورد عليه: بأنّ الاصل الحاكم على هذا الاصل هو: أصل عدم الحجّية، لسبقه عليه ـ لكنه محل إشكال لسبق أصل عدم الاشتراط على أصل عدم الحجّية ـ نعم، لو كان يتم اطلاق في الادلة شامل لولد الزنا، ولم تتمّ دلالة الروايات والاجماع على الاشتراط، كان الثابت عدم الاشتراط.


مناقشة الاصفهاني في المسألة

ثمّ إنّه ينقل عن الشيخ محمّد حسين الاصفهاني (قدس سره) المناقشة في المسألة بأنّه: « لا نصّ على اشتراطها في المفتي ولا في القاضي، وإنّما ورد في إمامة الجماعة والشهادة، فإن أمكن الاستدلال بالفحوى فهو، وإلاّ فملاك قبول رأي الغير كونه عالماً، وملاك قبول الخبر كونه ثقة ».
وفيه: أنّ هذا لا يكون خدشاً في الاجماع، لعدم كونه رأيه، فالمناقشة العلمية أعمّ من الفتوى، والّذي يخدش في الاجماع هو الفتوى المخالفة، مضافاً إلى سبق ولحوق الاجماع له، والفحوى غير بعيدة، بالاضافة إلى الاستفادة العرفية من مجموع روايات الباب الّتي ذكرنا قسماً منها، ومثل هذه الاستفادة حجّة ظاهراً، وكافية في مقام التنجيز والاعذار، فلا تقصر مثلها عن سائر الادلّة العقلائية العرفية، كظواهر الالفاظ، وحجّية قول الثقة، ونحوهما.


التفصيل في المقام

وربما: يفصّل في المقام: بالاشتراط في مرجع التقليد الّذي يكون مرجعاً عاماً لجميع أُمور المسلمين، وتكون له الولاية العامّة في جهات الحسبة وغيرها، وعدم الاشتراط في مرجع التقليد الّذي يؤخذ عنه معالم الدين فقط ويعتبر أهل خبرة الاحكام الشرعية.
وجه التفصيل: أنّ الادلّة المذكورة في المسألة كلّها إمّا واردة في المرجع العام، أو منصرفة إليه، أو كالاجماع لبّي يكون هو المتيقّن منه، فيبقى من يؤخذ منه الحكم الشرعي فقط للعمل به، غير مشمول للادلّة، والاصل عدم الاشتراط بالنسبة إليه.
وهذا التفصيل إن لم يتم إجماع على خلافه، ولم يكن التوجّس من الانفراد بالرأي، كان المصير إليه غير بعيد عن قواعد الفن، ولكن الاحتياط لا ينبغي تركه خصوصاً في مثل المقام الّذي ربما يعتبر من الانفراد بالفتوى، وإن كان قد نقل القول به عن بعض ومال إليه بعض آخر.

... وأن لا يكون مقبلاً على الدنيا وطالباً لها، مكبّاً عليها، مجدّاً في تحصيلها، ففي الخبر: « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه ».


استدراك

ثمّ إنّه لا إشكال ـ كما لم نعرف خلافاً ـ في أنّ ولد الزنا عمله لنفسه صحيح، فلو اجتهد متجزّياً أو مطلقاً جاز له العمل بفتياه، بل وجب عليه ذلك ولم يجز له التقليد ـ على المعروف من عدم جواز التقليد على المجتهد مطلقاً، سواء اجتهد فعلاً أم لا.
وذلك: لانّ الشروط المذكورة في مرجع التقليد ـ غير الاجتهاد ـ كلّها إنّما هي في مقام رجوع الغير إليه، وأمّا عمله لنفسه فمشمول لادلّة الطاعة لله والرسول وأُولي الامر، ووجوب العمل بالكتاب والسنّة وأقوال العترة، ونحوذلك.


الشرط الحادي عشر: الاعراض عن الدنيا

و الحادي عشر ممّا يشترط في مرجع التقليد: أن لا يكون مقبلاً على الدنيا وطالباً لها، مكبّاً عليها، مجدّاً في تحصيلها ففي الخبر المروي في تفسير
الامام العسكري (عليه السلام) « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لامر مولاه، فللعوام أن يقلدوه »(191).
وهذا الخبر مرّ سابقاً الاستدلال به، وما أُورد عليه سنداً، وكونه في الاُصول لا الفروع الّذي هو محطّ البحث، وكونه غير دالّ على أكثر من العدالة، الّتي أغنى ذكرها في شروط مرجع التقليد سابقاً عن تكرار ذكرها بهذه الرواية.
ففيه: أنّه سبق في شرح المسألة الاُولى اعتباره، وملاحظة مجموع الخبر من أوّله إلى آخره شاهد على اطلاقه للاُصول والفروع، دون اختصاصه بالاُصول فقط.
نعم، دلالته على أكثر من العدالة غير ظاهر، ولذا علّق كثير من مراجع العصر وغيرهم على هذه الفقرة من العروة بأنّه كان مستغنى عنها، لذكر العدالة في جملة شروط المرجع سابقاً.
وما في حاشية السيّد الحكيم (قدس سره): من أنّها لا تدلّ على أكثر من الوثوق.
ففيه: تأمّل واضح.
وما أبعد ما بينها وبين حاشية السيّد الاصطهباناتي (قدس سره) تارةً وبعض آخر من دلالة الرواية على أكثر من العدالة، وإليه مال الوالد والاخ الاكبر وقال الثاني « والانصاف أنّه لو لم يكن المستفاد منه اشتراط ما فوق العدالة فلا أقل من استفادة اشتراط العدالة »(192).


تتمّة

ذكر البعض شروطاً أُخرى لمرجع التقليد هي في الواقع ليست شروطاً كلية يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، وإن كان بعضها شرطاً غالبياً بحيث يكون غالباً الفاقد له فاقداً لاهلّية التقليد، وسنذكرها بإجمال استقصاءً للكلام.


شروط أُخرى غير تامّة
الشرط الاوّل: عدم السفاهة

الاوّل: أن لا يكون سفيهاً، والسفه هو ـ كما في أقرب الموارد ـ: « الخفّة والحركة والاضطراب » وفي سفينة البحار عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « إنّ السفه خُلق لئيم يستطيل على من دونه ويخضع لمن فوقه »(193).
قال المحدّث القمّي: بيان: السفه خفّة العقل والمبادرة إلى سوء القول، والفعل بلا رويّة، وبعبارة أُخرى: التسرّع إلى القول القبيح أو الفعل القبيح، والسفيه: الجاهل، وفي النهاية السفه في الاصل: الخفّة والطيش، انتهى عن السفينة(194).
فقد قيل باشتراط كون مرجع التقليد غير سفيه، واستدلّ له بقصور الادلّة عن شمول مثله، أو انصرافها عنه. إذ عمدة أدلّة وجوب التقليد ـ الّذي هو رجوع الجاهل إلى العالم ـ إنّما هي: بناء العقلاء والاجماع والادلّة اللفظية.
أمّا الاوّلان: فهما في غير السفيه قطعاً، لبناء العقلاء على الرجوع إلى العالم غير السفيه والاجماع لبّي والمتيقّن منه غير السفيه. وأمّا الادلّة اللفظية: فهي منصرفة عن مثله.
أقول: الكلام كلّه متين، لكن الّذي يؤخذ عليه هو أنّ السفه له درجات، فبعضها الخفيف ولا يقدح قطعاً، وبعضها الشديد ويقدح قطعاً، وشبهات بين ذلك.
ومتى شكّ في فرد أنّه ممّن تشمله الادلّة أم لا ؟ فمقتضى الاطلاقات الشمول له، إلاّ إذا علم خروجه.
اللهمّ إلاّ أن ينكر وجود الاطلاق رأساً في الباب، فيكون الاصل ـ حينئذ ـ عدم جواز تقليده، إلاّ إذا علم كون سفهه من الدرجة الخفيفة الّتي لا تقدح.
نعم، السفه بالمعنى الوسيع الّذي وردت به بعض الروايات غير قادح، كالحديث المذكور آنفاً عن أبي عبدالله (عليه السلام): « يستطيل على من دونه ويخضع لمن فوقه »(195) فهذا بنفسه غير قادح في أهلّية الفقيه لتقليده إذا لم يناف العدالة.
ويمكن أن يفصّل في المقام: بعدم قدح السفه مطلقاً بالنسبة لمن يؤخذ منه الاحكام فقط للعمل بها، وقدحه في المرجع العام للمسلمين الّذي يدير دفّة أُمور المسلمين، وليس ذلك بعيداً عن قواعد الفنّ، إن لم يكن تفصيلاً من غير قائل سابق.


الشرط الثاني: الضبط

الثاني: الضبط، بمعنى أن لا يكون سهوه غالباً على حفظه،الانصاف إنصراف الادلّة عن كثير السهو والنسيان، واشتراطه في مرجع التقليد خصوصاً المرجع العام.
استدلّ له بأُمور:
أحدها: أولوية اشتراط الضبط في باب التقليد من باب نقل الرواية، الّذي أجمعوا على اشتراطه فيه.
ثانيها: قصور الادلّة عن الشمول لكثير السهو، أو انصرافها إلى غيره.
ثالثها: عدم الاطمينان إلى قول مثله.
رابعها: فحوى مقبولة عمر بن حنظلة: « أصدقهما في الحديث » الدالّة على اشتراط أصل الصدق، وكثير السهو لا يصدق عليه أنّه صادق بالحمل الشايع، على ما هو الصحيح المنقول: من أنّ الصدق هو المطابقة للواقع، دون مجرد المطابقة للاعتقاد.
خامسها: أصل التعيين في الدوران بينه، وبين الضابط.
أقول: الادلّة كلّها قابلة للخدشة، غير أنّ ثانيها متين.
ثمّ إنّ كثير السهو والنسيان ليس فيه مجال للتفصيل المذكور بين المرجع العام، ومرجع الاحكام فقط، للانصراف عن مثله فيهما معاً.


الشرط الثالث: معرفة الكتابة

الثالث: معرفة الكتابة، فلا يجوز تقليد من لا يعرف الكتابة.
استدلّ له بأُمور:
1. الاجماع المدّعى.
2. بأنّه لا يمكنه ضبط فتاواه إلاّ إذا كان كاتباً.
3. لاصل التعيين.
أقول: أمّا الاجماع فمردود صغرى وكبرى.
وأمّا ضبط الفتاوى: فيمكن بالحفظ، أو بآلة التسجيل، أو بوجود من يحفظها ويكتبها غير نفس الفقيه.
ثمّ إنّه لم يضبط الفتوى، فهل يقدح ذلك في حجّية ما ضبط منها بعد تمام شروط التقليد الاُخرى ؟ الظاهر: عدم القدح.
وأمّا أصل التعيين: فلا مسرح له لا صغرى ولا كبرى.
وما قيل: دليلاً على عدم الاشتراط بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أُمّيّاً، فكيف بالفقيه ؟
ففيه: أنّ أُمّية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما دلّت الاخبار معناها: النسبة إلى أُمّ القرى لحذف المضاف إليه في النسبة، كما يقال: « عبدي » في النسبة إلى « عبد شمس » أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرأ ويكتب، وما ظاهره أنّه لم يكن يكتب أو يقرأ مأوّل إلى ما قبل البعثة، جمعاً بين طائفتي الاخبار.
مضافاً إلى أنّ عدم كتابة النبي لا يضر، لانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) معصوم عن النسيان لقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى)(196)والفقيه إذا لم يكن كاتباً ينسى.
أقول: هذا صحيح غالباً، لكن ليس دائمياً يدور الحكم مداره، نعم في مثل هذه الازمنة غير عادي أن يصبح رجل فقيهاً دون أن يعرف الكتابة أبداً.
نعم، ينقل عن المقدّس المرحوم الحاج آقا حسين القمّي (قدس سره): أنّه لم يكن يحسن من الكتابة غير توقيعه، ومع ذلك كان مرجعاً مسلّماً وفقيهاً مقلَّداً. لكنّه نادر وليس ذلك معنى الاشتراط الكلّي.


الشرط الرابع: البصر

الرابع: البصر، فلا يجوز تقليد الاعمى، لما تقدّم في الكتابة.
وفيه: ما أوردناها في الكتابة.
وقد قيل: للاستدلال على عدم اشتراط البصر بأنّ بعض الانبياء كانوا فاقدين لابصارهم، كشعيب، ويعقوب، وإسحاق وإذا لم يضرّ العمى بالنبوّة، فلا يضرّ بالمرجعية بطريق أولى.
وفيه: مناقشة صغرى وكبرى.
أمّا الصغرى: فلعدم مسلّمية كون هؤلاء الانبياء فاقدين للبصر، بل يصرّ بعض مراجع العصر تبعاً لجمع من المحقّقين والحكماء على أنّ العمى نقص لا يمكن وجوده في الانبياء، وتأويل الادلّة اللفظية الّتي ظاهرها ذلك.
وأمّا الكبرى: فبالفرق بين النبي والفقيه: بالعصمة في النبي المانعة عن مخالفة الواقع، دون الفقيه.
وربما استدلّ له أيضاً: بأنّ العمى مناف للاعلمية لاحتياج الاعلمية إلى كثرة المراجعة والتتبّع والفحص والبحث في مختلف الكتب والفتاوى والروايات ونحوها ممّا لا يتأتّى مع كون الانسان أعمى.
وفيه: أنّه قيد غالبي وصحيح، ولكن لا كلّية له، إذ عمدة مناط الاعلمية هو حدّة الذهن وقوّة الذكاء، فعدم ذكره أولى.


الشرط الخامس والسادس: عدم الصمم والخرس

الخامس والسادس: أن لا يكون أصمّ، أو أخرس، لعدم فهم الفتوى منه، وعدم فهمه السؤال حتّى يجيب عليه.
وفيه: أنّه لا يتوقّف على ذلك على نحو الاطلاق، لامكان التفهّم بالكتابة والقراءة والاشارة ومكبّرات الصوت ونحوها في مختلف أقسام الاصمّ والاخرس.


الشرط السابع: القوّة القدسية

السابع: ذكر بعض الشرّاح سبعة أُمور أُخرى اعتبرها في مرجع التقليد جعلها شرطاً آخر متضمّناً لهذه الاُمور السبعة، وأسمى ذلك الشرط بالقوّة القدسية، الّتي جعلها بمعنى تلك الاُمور السبعة، وهي:
1. أن لا يكون مرجع التقليد مُعوجّ السليقة.
2. أن لا يكون مجادلاً، في قلبه محبّة البحث والاعتراض.
3. أن لا يكون لجوجاً حقوداً.
4. أن لا يكون في حال قصوره مستبّداً برأيه.
5. أن لا يكون بليداً لا يتفطّن المشكلات والدقائق ويقبل كلّما يسمع ويميل مع كلّ قائل.
6. أن لا يكون جريئاً غاية الجرأة في الفتوى.
7. أن لا يكون مفرطاً في الاحتياط.
ثمّ أعقب ذلك بقوله: « ولا يخفى أنّ المهم من شرائط الاجتهاد هو اعتبار هذا الشرط ».


مناقشة الشرط السابع

وفيه: أنّ هذه الاُمور السبعة إن أضرّت بشيء من الشروط المسلّمة المذكورة سابقاً، فلا حاجة إلى ذكرها مستقلاً، كالجرأة في الفتوى بمرتبة تنافي العدالة، وكاللجاجة الّتي تصل إلى الحرام، ونحو ذلك، وإن لم تكن بتلك المرتبة فلا دليل على اشتراطها بعد شمول الادلّة والاطلاقات لمن فيه ذلك.
وهكذا « البلادة » إن كانت كثيرة بحيث لا يصدق عليه « المجتهد » فلا حاجة إلى اشتراطه برأسه، وإن لم تضر بـ « الاجتهاد » وصدقه عليه، فلا دليل على اشتراطه.
وكذلك الافراط في الاحتياط إن كان لجهله باستخراج بعض المسائل فهو ليس بمجتهد مطلق، وذكره يغني عن ذكره، وإن كان الافراط في الاحتياط في مقام العمل والفتوى، فلا مانع من تقليده بعد صدق « المجتهد المطلق » عليه.
وهكذا دواليك:
ولو أُريد فتح هذا الباب لما اقتصرت الشروط في هذه السبعة، بل وجب أن نضيف إليها شروطاً أُخرى، بل العشرات من الشروط.
منها: أن يكون صادق اللهجة ليطمئن إلى قوله.
ومنها: أن لا يكون شديد الغضب، فإنّه يمنع انفتاح القلب لفهم الحقّ.
ومنها: أن لا يكون في قلبه محبّة الرئاسة.
ومنها: أن لا يكون ذهنه مشوباً بالفلسفة والحكمة كثيراً.
ومنها: أن لا يكون قاطعاً لارحامه، إلى غير ذلك ممّا لو أحصيت لبلغت العشرات.


تنبيه

هنا مسائل في شروط مرجع التقليد لم يتعرّض لذكرها صاحب العروة ذكرها بعض من تأخّر عنه، وقد أوردها بعض في آخر كتاب التقليد ولكن حيث إنّها ملحقة بهذه المسألة نذكرها هنا.


مسائل في شروط مرجع التقليد
المسألة الاُولى

المسألة الاُولى من مسائل شروط مرجع التقليد: لا يشترط في مرجع التقليد أن يكون انفتاحياً، بل يجوز تقليد المجتهد الجامع للشرائط وإن كان قائلاً بالانسداد.


أقوال المسألة الاُولى
القول الاوّل

في المسألة أقوال ثلاثة أو احتمالات:
الاوّل: لصاحب الكفاية وهو عدم الجواز واستدلّ لذلك بأنّ رجوع الجاهل إلى المجتهد الانسدادي ليس من رجوع الجاهل إلى العالم، بل إلى الجاهل، لادّعائه انسداد باب العلم عليه وجهله بالاحكام الشرعية، ودليل الانسداد ـ بما هو حكم ثانوي اضطراري ـ إنّما يكون دليلاً لنفس المجتهد الّذي شعر بانسداد باب العلم عليه، ولا يتعدّى حجّيته إلى غيره، فيكون استناد العامي إلى مثل هذا المجتهد خالياً عن الدليل.
وفيه: أنّ جوابه يعلم من أدلّة القول الثاني، وهو القول بالجواز، وإنّي لم أجد موافقاً لصاحب الكفاية، ولم أسمع عن الاساتيذ من وافقه في ذلك.


القول الثاني

الثاني: الجواز، وهو لجمع من الفقهاء.
استدلّ لذلك بأمرين:
أحدهما: أنّ المجتهد الانسدادي حكمه حكم الانفتاحي في استخراج الاحكام الشرعية من الطرق المأثورة عن النبي والائمّة الطاهرين (عليهم السلام).
وإنّما الفرق بينهما فقط في الاعتقاد، ووجه حجّية هذه الاخبار لا أصل حجّيتها، فالمجتهد الانفتاحي يعمل بالاخبار المأثورة لكونها تورث العلم أو العلمي، والانسدادي يعمل بنفس هذه الاخبار المأثورة وهو يعتبرها غير مورثة للعلم أو العلمي ولكنّه يرى حجّيتها ووجوب العمل بها نفسها، ومجرد الفرق في الاعتقاد لا يوجب الفرق فى حجّية ما أمرنا بالعمل به وأخذه، فلا يكون الرجوع إلى الانسدادي من رجوع الجاهل إلى مثله بل من رجوعه إلى العالم.
ونظير هذا الفرق في الاعتقاد متوفّر كثيراً في مختلف أبواب الفقه، كاختلاف فقيهين في العمل بالبراءة الشرعية أو بالبراءة العقلية في مسألة واحدة، وكاعتبار أحد المجتهدين الاستصحاب من باب الاخبار، والاخر من باب العقل أو بناء العقلاء، وكعمل أحد المجتهدين بالبراءة في مورد مع تضعيف الرواية الدالّة على براءة الذمّة فيه، وعمل المجتهد الاخر بنفس تلك الرواية لاعتبارها عنده، وهكذا دواليك.
ثانيهما: لا قصور لادلّة التقليد عن شمول المجتهد الانسدادي، فاطلاقات الايات والروايات قد أخذ فيه عناوين « أهل الذكر » و « الفقه » و « الافتاء » و « الفقيه » و « العالم » ونحوها ممّا هي متوفّرة في المجتهد الانسدادي، ومنطبقة عليه كانطباقها على المجتهد الانفتاحي.
وهكذا الاجماع معقده عام أو مطلق شامل للمجتهد الانسدادي، وكذلك السيرة إن ادّعينا الاطلاق فيها من جهة عدم توجه المتديّنين في مختلف العصور عند عملهم بقول فقيه إلى أنّ مدرك قوله هو الانسداد أو الانفتاح.
وأمّا بناء العقلاء فلا إشكال في عدم الفرق فيه من أجل ذلك.


القول الثالث

الثالث: المنقول عن بعض ـ ولعلّه مجرّد احتمال لا قول ـ التفصيل بين أن يقول المجتهد الانسدادي بالكشف فيجوز تقليده، وبين أن يقول بالحكومة فلا.
وجهه: أنّ القائل بالكشف عامل بالاخبار المأثورة والادلّة السمعية فقط، والقائل بالحكومة عامل بالادلّة العقلية غالباً والمتيقّن ـ في باب التقليد ـ الّذي خرج عن حرمة العمل برأي الغير من دون علم: هو العمل بقول من يعمل بالاخبار المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام).
وفيه: أنّ التفصيل لا وجه له، إذ كلاهما يقولان بحجّية الظنّ المطلق، وأمّا عمل أحدهما بالادلّة العقلية غالباً فمضافاً إلى أنّه ليس كذلك، أنّ هذا لا يوجب الحجّية وعدمها بعد شمول الادلّة لمثلهما جميعاً.
نعم، لو كان القائل بالحكومة عاملاً بالادلّة العقلية بما هو خارج عن المتعارف بحيث يعدّ تركاً للادلّة المأثورة، فسيأتي الكلام على الاشكال فيه في مسألة قادمة إن شاء الله تعالى، وأنّه ليس المنع من جهة كونه انسدادياً، بل من جهة: الافراط في العمل بالادلّة العقلية، والتفريط في العمل بالمأثور عن نبي الاسلام وآله المعصومين (عليهم السلام).


المسألة الثانية

الثانية من مسائل شروط مرجع التقليد: هل يشترط في مرجع التقليد أن يكون أُصولياً عالماً بكلّيات وجزئيات علم أُصول الفقه، أم يجوز تقليد المجتهد الاخباري ؟


الاستدلال لجواز تقليد الاخباري بأُمور
الامر الاوّل

استدلّ بعض الاخباريين على الثاني بأُمور:
الاوّل: أنّ العلوم العربية تغني عن علم الاُصول، فالعربي يعرف الكلام العربي، ويفهم معاني الكلمات في الكتاب والسنّة، ومثل ذلك كاف في تصدّيه لاستنباط الاحكام الشرعية، بلا حاجة إلى المباحث المعمّقة والمفصّلة من علم الاُصول.
وأُورد عليه: بأنّ العلوم العربية لا تغني عن علم الاُصول.
كيف وقد توجد مسائل فى الفقه تبتني على علم الاُصول ممّا لا يبحث عنها في غيره من العلوم: كمباحث اجتماع الامر والنهي، ومباحث حجّية الادلّة نفياً وإثباتاً، ومقدار حجّيتها، والارجح من المتعارضين منها ؟
وإنّ الطرق، والامارات، والاُصول التنزيلية، والاُصول العملية: العقلية منها والشرعية، كيف تتعارض في المئات بل الاُلوف من مسائل الفقه ؟ ويحتاج في وجه الترجيح بينها وتقديم بعضها على بعض إلى علم الاُصول.
إلى غير ذلك ممّا يقف عليه الناظر في علم الاُصول المبتلى بأسئلة الناس المختلفة الكثيرة فى مختلف أبواب الفقه.


الامر الثاني

الثاني: أنّ العبد لو ترك الطاعة لله والرسول وللعترة الطاهرة بعذر أنّه جاهل بعلم أُصول الفقه عدّ في العرف ولدى العقلاء عاصياً، ولو كان علم الاُصول شرطاً فى استنباط الاحكام الشرعية لما ذمّ لتركه العمل بالمشروط بعذر فقدان الشرط.
وأُورد عليه أوّلاً: بأنّ معرفة علم الاُصول شرط وجود، لا شرط وجوب، فالاجتهاد واستنباط الاحكام لا يوجد ولا يتحقّق بدون معرفة علم الاُصول، لا أنّه يوجد الاجتهاد ويحتاج إلى شرطية معرفة علم الاُصول، فهو نظير وجوب السير مع القافلة إلى مكّة لمن استطاع الحجّ الّذي يجب تحصيله على المستطيع، لا نظير الاستطاعة الّتي لا يجب تحصيلها.
فبدون علم الاُصول لا يميّز حكم الله تعالى عن غيره، إذ بدون معرفة علم الاُصول كيف يمكن للشخص تمييز أنّ حكم الله في العبادات جريان أصل الصحّة، وحكم الله في المعاملات جريان أصل الفساد، أو أنّ القضاء بأمر جديد، أو اقتضاء الامر للاجزاء، أو نحو ذلك، فليس الجاهل بعلم الاُصول ـ الّذي لا طريق له إلى معرفته لا اجتهاداً ولا تقليداً ـ تاركاً للطاعة حتى يترتّب عليه صدق العصيان لدى العرف والعقلاء.
نعم، هناك أحكام في الشريعة مسلّمة يجب الاتيان بها بكلّ الوجوه الممكنة وبالمقدار الممكن منها لا يعذر الشخص على تركها بوجه من الوجوه، كالصلاة، والصيام، والحج، ونحوها، ولا يلتزم أحد من الاُصوليين ـ أبداً ـ ترك مثل هذه الاحكام للجهل بعلم الاُصول.
وثانياً: وجوب معرفة علم الاُصول عيناً فرع وجوب الاجتهاد، فحيث لا يجب الاجتهاد عيناً ـ كزماننا هذا الّذي توفّر فيه المجتهدون ولله الحمد ـ لا يجب تعلم علم الاُصول، وحيث يجب الاجتهاد يجب تعلّم علم الاُصول.


الامر الثالث

الثالث: أنّ علم الاُصول هو ممّا أحدثه العامّة، فتسرّى منهم إلى علماءنا الابرار، فإنّ علمائنا كانوا يعملون بمجرد الاخبار، إلى زمان العماني (قدس سره) وبعد ذلك حدث تدوين الاُصول بين علماء الشيعة، فلولا أنّه غير لازم لما تركه أصحاب الائمّة (عليهم السلام) والعلماء الاسبقون.
وأُورد عليه أوّلاً: أنّ « الاُصول » بهذه اللفظة نقلت عن الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) فلا يتوجّس خيفةً منها.
كما فيما روى محمّد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن كتاب هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: « إنّما علينا أن نلقي إليكم الاُصول وعليكم أن تفرّعوا »(197).
ونقل في السرائر أيضاً من كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: « علينا إلقاء الاُصول وعليكم التفريع »(198).
فالاُصول من مبتكرات الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) لا من مبتدعات العامّة، نعم العامّة أخذوها وزادوا ونقّصوا عليها وفيها.
وثانياً: أنّ أوّل من ألّف في علم الاُصول هم أصحاب الائمّة والرواة الاقدمون، ففي ما يحكى عن النجاشي: أنّ هشام بن الحكم وهو من أعاظم أصحاب الصادق (عليه السلام) صنف كتاب: « الالفاظ » ومباحثها وهو من أهمّ بحوث علم الاُصول. وأنّ يونس بن عبدالرحمان من أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام)صنّف كتاب: « اختلاف الحديث ومسائله » ورواه كلاً عن الامام الكاظم (عليه السلام)وليس هو إلاّ مباحث التعادل والتراجيح.
نعم، لم يكتب أصحاب الائمّة (عليهم السلام) مباحث أُصول الفقه بهذا الجمع والتبويب الموجودين عليهما الان، وهذا لا يضرّ شيئاً.
كما لم يجمع أصحاب الائمّة (عليهم السلام) الاحاديث الشريفة بتبويب وجمع الكتب الاربعة، وغيرها.


المصنّفون في علم الاُصول

وممّن صنّف في علم أُصول الفقه من الشيعة الاقدمين: أبو سهل النوبختي، وهو ممّن عاصر الامام العسكري (عليه السلام) له في أُصول الفقه كتاب: « الخصوص والعموم » وكتاب: « إبطال القياس » وكتاب: « نقض اجتهاد الرأي » وهو من مباحث علم الاُصول.
ومنهم: الحسن بن موسى النوبختي، ابن أُخت أبي سهل الانف الذكر، له في أُصول الفقه كتاب: « خبر الواحد والعمل به » وكتاب: « الخصوص والعموم ».
إلى غيرهم ممّن كتبوا في أُصول الفقه قبل أن يتعلّم العامّة أُصول الفقه بله أن يكتبوا فيه، وكتاب: « تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام » للمغفور له السيّد حسن الصدر (قدس سره) زاخر بأمثال هؤلاء، من إراده فليراجعه.
وثالثاً: هل مباحث علم الاُصول إلاّ بحوث عن قواعد عامّة أسّسها الائمّة الطاهرون (عليهم السلام)، فجاء الفقهاء وبحثوا شؤونها المختلفة، وتعارضاتها، ومعانيها، وظاهرها، وموارد تخالفها، وغير ذلك ممّا يرتبط بها، أو يتوقّف العلم ببعض الاحكام الشرعية عليها، كمباحث الامر والنهي، ونحوها.
ورابعاً: أنّ عدم تصنيف علم لا يدلّ على عدم وجوده، فإنّ مسائل كلّ علم هي قضايا واقعية مرتكزة في الاذهان، تتنبّه لها العقول فتدوّن شيئاً فشيئاً، ثمّ يضمّ بعضها إلى بعض حتّى يكون علماً برأسه.


حاصل الكلام

والحاصل: أنّ علم الاُصول ـ بواقعه ـ كان موجوداً في عصور الائمّة الاطهار (عليهم السلام)، وعدم وجوده بهذا الاُسلوب الحديث وبهذه الكيفية الخاصّة في ذاك الزمان لا يكون سبباً لعدم لزوم معرفته، نظير علم الفقه، وعلم الحديث اللذين لم يكونا في تلك العصور بهذه الكيفية وبهذا الاُسلوب اللذين هما عليهما الان، ولا يقدح ذلك في ضرورة مراجعة نفس هذا الفقه، ونفس هذا الحديث الموجودين الان.
فتحصّل من جميع ذلك: أنّ الجاهل بعلم الاُصول إجمالاً، جاهل بكيفية استنباط الاحكام الشرعية عن مصادرها الاصلية، ولا يمكن للجاهل بالاُصول الفتوى في الاحكام الشرعية، فكيف يجوز تقليده ؟ وهل الرجوع إليه إلاّ من رجوع الجاهل إلى مثله ؟
نعم، لا يجب معرفة علم الاُصول إلاّ بالمقدار الّذي يتوقّف عليه الاستنباط من معرفة مباحث الالفاظ إجمالاً، ومعرفة أدلّة حجّية الظواهر، والاجماع، والشهرة، والخبر الواحد، والاُصول، والامارات، ومباحث التعادل والتراجيح ونحو ذلك.
أمّا التعمّق الكثير، ودرج مسائل فلسفية وحِكمية، واتعاب النفس في تحصيلها وتنقيحها، والاجتهاد فيها، فلا يتوقّف الاستنباط عليها غالباً.
فالعالم الاخباري إن كان نظير الصدوقين، والمجلسيين، وأصحاب الحدائق، والوسائل وأمثالهم (رحمهم الله)، الذين كانوا عارفين بموازين الاحكام الشرعية وكيفية الاستنباط، ولهم معرفة اللغات المستعملة في الكتاب والسنّة وغير ذلك، فلا شكّ في جواز تقليدهم والعمل بفتاواهم، وإن لم يعرفوا بعض التدقيقات العقلية والمباحث المعمّقة من أُصول الفقه.
وإن كان المراد بالعالم الاخباري الّذي يأخذ الوسائل وكتب الحديث ويفتي عليها بمجرّد عثوره على رواية من دون تحقيق في سندها، أو معارضتها لغيرها، أو مخالفتها للكتاب والسنّة وعدمها، أو مخالفتها للاجماع وعدمها، فمثل هذا الشخص لا يجوز تقليده ولا يجوز لنفسه العمل برأيه وفتواه، لانّه آخذ ببعض ما ورد عن الائمّة الطاهرين (عليهم السلام) تارك البعض الاخر الّذي أيضاً ورد عنهم (عليهم السلام)(199).


استنتاج

إذن: فلا يجب في مرجع التقليد أن يكون أُصولياً بالمعنى المعمّق الّذي يراد به معرفة كلّ التدقيقات العقلية، كالمعنى الحرفي وبعض مباحث القطع والظنّ والشكّ، كما لا يكفي في مرجع التقليد أن يكون عالماً بروايات الوسائل ونحوه فقط من دون معرفة ولو بإجمال عن مباحث الطرق والامارات والاُصول والتعارضات ونحوها. ولعلّ هذا هو مراد الشيخ الانصاري (قدس سره) في رسالته العملية المسمّاة بـ « سرور العباد » حيث قال ما ترجمته: « العامي الّذي لا يميّز كما ينبغي إذا قلّد مجتهداً اخبارياً أو أُصولياً بتشخيص أهل الخبرة أعلميته لا إشكال فيه » ووافقه المجدّد الشيرازي (قدس سره) بالسكوت عليه.


المسألة الثالثة

المسألة الثالثة من مسائل شروط مرجع التقليد: هل يجوز تقليد المجتهد في موارد الاُصول العملية، أم يقتضي التقليد للمجتهد بالنسبة لموارد الطرق والامارات، والادلّة الاجتهادية فقط ؟


هنا إشكالان
أوّل الاشكالين

وجه ذكر هذه المسألة هو: احتمال أن يكون التقليد في موارد الاُصول باطلاً لسببين:
أحدهما: أنّها من تشخيص الموضوع الخارجي، ولا تقليد في الموضوعات الخارجية، فكما أنّ الماء المشكوك طهارته يحكم فيه بأصل الطهارة، ولا تقليد فيه، بل ـ على ما قيل: ـ لو أقسم المجتهد العادل على كونه نجساً بالوجدان لم يجب، بل لا يجوز متابعته مع بقاء شكّ المقلّد في طهارته ونجاسته ـ إذا لم نقل بكفاية العدل الواحد في الاخبار عن الموضوعات ومعه فليس تقليداً اصطلاحياً ـ كذلك يكون موارد الاُصول، المجتهد والمقلّد فيها سواء.


ثاني الاشكالين

ثانيهما: أنّه من رجوع الجاهل إلى مثله إذ ليس للفقيه فيها علم وجداني، ولا علم تنزيلي، ولا أمارة أو دليل خاصّ بالفقيه، فيكون المقلّد والمجتهد فيها متساويين.
وبعبارة أُخرى ـ كما قيل ـ: إنّ الاُصول العملية ليست سوى وظائف فعلية في مقام العمل، يتحقّق موضوعها بالشكّ من أي شاكّ كان، فلا يجب على العامي التقليد فيها، بل لا يجوز.
هذا إجمال الشبهة في المقام.
لكن الحقّ جواز التقليد في موارد الاُصول العملية، كما يجوز التقليد في موارد الطرق والامارات، وذلك لعدم ورود الاشكالين، وصدق « الفقيه » و « العالم » و « أهل الذكر » ونحوها على المجتهد في تلك الموارد أيضاً.


مناقشة الاشكال الاوّل

أمّا عدم ورود الاشكال الاوّل: فلانّ المجتهد والمقلّد سواء في شيء، ويختلفان في شيء، أمّا ما هما فيه سواء فهو وجوب طاعة ما علما كونه حكم الله في حقّهما فهما فيه سواء، وأمّا ما يختلفان فيه فهو كون هذا حكم الله لا غيره، ففي بعض الاُصول يميّز المقلّد حكم الله، وفي بعضها لا يميّز للاشكال في متن الدليل، أو في سنده، أو في وجه صدوره، أو لمعارضته مع ما هو أقوى بنظر الشرع منه، أو لغير ذلك، فإنّه كيف يتسنّى للمقلّد تحقيق هذه الاُمور وإخراج حكم الله من بينها ؟
وبهذا يُفرّق بين أصل الطهارة، وأصل الحلّ، لجريان الاوّل مطلقاً وفي كل مسألة، بخلاف الثاني فإنّه يجري في بعض الموارد، ولا يجري في بعضها الاخر مثل اللحوم، والشحوم، والجلود، أو يجري بشروط وقيود كما عليه البعض.
وهكذا يُفرّق بين استصحاب الحكم الجزئي، وبين استصحاب الحكم الكلّي، لسهولة إجراء الاوّل على العامي، وصعوبة تشخيص موارد الثاني عليه.
فليس كلّ أصل يجري في مورد تشخيص موضوع خارجي صرف بحيث لا يجوز للعامي التقليد فيها، بل هناك أُصول وقواعد لا يمكن العامي من تشخيص مواردها ليجريها هو بنفسه، فيجب عليه التقليد فيها لتحصيل الحجّة على التكليف الشرعي ـ بسبب التقليد ـ.
وما أبعد ما بين هذه الشبهة، وبين احتمال بعض مراجع اليوم جواز اعتماد المقلّد على رأي المجتهد في تشخيص الموضوعات الخارجية الصرفة كالقبلة، والارض، وطهارة مثل « الاسبرتو » ونحو ذلك لا لانّ المقلّد يطمئن إلى تشخيص المجتهد، نظير اطمينانه إلى فحصه شخصاً وبنفسه، بل لاحتماله دخول حتّى مثل ذلك في اطلاقات أدلّة التقليد مثل: « فللعوام أن يقلّدوه » ونحوه من المواضيع الّتي كان لها نوع خفاء.


مناقشة الاشكال الثاني

وأمّا عدم ورود الاشكال الثاني: فإنّه ليس من رجوع الجاهل إلى مثله وجداناً، كيف والمجتهد ما لم يكن عالماً به لا يفتي فيه ؟ وكون الاُصول ليست إلاّ وظائف مقام العمل صحيح، ولكن تشخيص أنّ المورد لاصل الاحتياط، أو لاصل البراءة، وأنّ أصل الصحّة تجري أين وأين لا تجري ونحو ذلك، فإنّه ممكن وسهل على المجتهد، صعب أو غير ممكن للعامي كما لا يخفى.
أمّا صدق العناوين المأخوذة في أدلّة المرجع من: « الفقيه » و « العالم » و « أهل الذكر » لمثله فهو غير خفي أيضاً، إذ المجتهد الّذي يميّز موارد جريان الاستصحاب عن البراءة، أو العكس، والّذي يميّز موارد جريان التخيير عن الاحتياط، والّذي يفرّق بين موارد أصل الصحّة وأصل الفساد، والّذي يعرف موارد قاعدة الفراغ عن قاعدة التجاوز ونحو ذلك، هو: « فقيه » و « عالم » و « أهل الذكر » وقد أُمر الناس بمراجعة من صدقت عليه هذه العناوين.
وما في تقريرات بعض مراجع العصر من الفرق في الرجوع إلى المجتهد بين كبريات الاُصول، وبين صغرياتها، موضوعاً لا حكماً، بكون الاوّل من الرجوع إلى الفقيه المأمور به شرعاً، والثاني من الرجوع إلى أهل الخبرة الّذي جرت عليه السيرة العقلائية، غير ظاهر كونه فارقاً.
إذ الفقيه أُمر الناس بالرجوع إليه في كلّ ما شأنه أن يُسأل الفقيه عنه، لعجزه عن دركها، كذلك يكون حال الصغريات الّتي عجز العامي عن دركها.
ومجرّد إمكان فهم العامي الصغريات عن غير طريق الفقيه، غير فارق أيضاً بعد عدم فرق الفهم العرفي بين الامرين في مراجعة المجتهد، فتأمّل.
فلو قيل للمريض: راجع الطبيب في مرضك واعمل بما يقوله لك، فهم العرف من ذلك وجوب أخذ كلّ ما من شأنه أن يُسأل الطبيب عنه حتّى ولو أمكن في بعضها الاستفادة من غير الطبيب.
والحاصل: أنّ الظاهر كون الرجوع إلى الفقيه في موارد الاُصول العملية جائزاً نظير الرجوع اليه في موارد الطرق، والامارات بلا فرق فارق.


المسألة الرابعة

المسألة الرابعة من مسائل شروط مرجع التقليد: هل يشترط في مرجع التقليد استنباطه الاحكام الشرعية عن الطرق المتعارفة المألوف استنباط الاحكام عنها، وهي الكتاب والسنّة والاجماع والعقل وكلّ دليل أو أصل يرجع إلى أحدها، أم يجوز تقليده حتّى إذا استنبط الاحكام من غير الطرق المتعارفة كالجفر والرمل والعلوم الغريبة والرياضات النفسية وغيرها ؟
الظاهر، هو الاوّل لادلّة:
الاوّل: انصراف الادلّة إلى من استنبط الاحكام عن الطرق المقرّرة لها في الشريعة.
الثاني: عدم صدق العناوين المأخوذة لمرجع التقليد على غيره مثل: الفقهاء، والناظر في الحلال والحرام، والعارف بأحكامهم (عليهم السلام).
الثالث: استقرار سيرة العقلاء على الرجوع في كلّ علم وفنّ إلى من هو عالم بذلك الفنّ من أُصوله ومعادنه.
الرابع: الروايات المتواترة الّتي تحصر طريق الفوز في مراجعة الكتاب والسنّة، أو الكتاب والعترة ونحوهما.
وحيث إنّ المسألة ليست محلاً للابتلاء غالباً فالضرب عن التفصيل فيها أولى، وإن كان النقاش في كلّ واحد من أدلّته وارداً.


(1) مفتاح الكرامة: ج10، ص9.
(2) حقائق الاُصول: مبحث الاجتهاد والتقليد.
(3) ضوابط الاُصول: مبحث الاجتهاد والتقليد.
(4) التنقيح: ج1، ص216.
(5) الوسائل: الباب11 من أبواب العاقلة، ح2.
(6) الوسائل: الباب11 من أبواب العاقلة، ح3.
(7) الوسائل: الباب36 من أبواب القصاص في النفس، ح2.
(8) المستدرك: الباب33 من أبواب القصاص في النفس، ح2.
(9) المستدرك: الباب26 من أبواب القصاص في النفس، ح1.
(10) المستدرك: الباب8 من أبواب العاقلة، ح5.
(11) المكاسب: ج3، ص281.
(12) فرائد الاُصول: ج3، ص381.
(13) التنقيح: ج1، ص216.
(14) التنقيح: كتاب الطهارة ج3، ص235.
(15) انظر: كتاب الطهارة: ج4، ص209 وكتاب الاجارة: ص30 وكتاب مصباح الفقاهة: ج3، ص253.
(16) من تراث الشيخ الاعظم: ج12، ص214.
(17) الخصال: ج2، ص89.
(18) جامع أحاديث الشيعة: الباب11 من المقدمات، ح7.
(19) التنقيح: كتاب النكاح، ج2، ص186.
(20) جامع أحاديث الشيعة: الباب11 من المقدّمات، ح2 و6 و8 و10 وغيرها.
(21) المبسوط: ج3، ص3.
(22) المبسوط: ج4، ص51.
(23) المبسوط: ج5، ص194.
(24) المبسوط: ج7، ص15.
(25) السرائر: ج2، ص693.
(26) السرائر: ج3، ص18.
(27) المعتبر: ج2، ص403.
(28) المعتبر: ج2، ص486.
(29) المعتبر: ج2، ص593.
(30) المعتبر: ج2، ص766.
(31) من تراث الشيخ الاعظم: ج23، ص192.
(32) من تراث الشيخ الاعظم: ج23، ص199.
(33) كتاب النكاح: ج2، ص158.
(34) الوسائل: الباب 10 من أبواب صفات القاضي، ح6.
(35) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح22.
(36) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح32.
(37) كلمة الرسول الاعظم: ص423.
(38) كلمة الرسول الاعظم: ص423.
(39) كلمة الرسول الاعظم: ص423.
(40) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح45.
(41) العروة الوثقى: فصل في طريق ثبوت النجاسة، م12.
(42) المستمسك: ج1، ص464.
(43) التنقيح كتاب الطهارة: ج2، ص193.
(44) العروة الوثقى: في مسوغات التيمّم، الثالث.
(45) المستمسك: ج4، ص328.
(46) موسوعة الفقه: ج19، ص93.
(47) العروة الوثقى: صلاة المسافر، م11.
(48) المستمسك: ج1، ص42.
(49) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(50) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(51) التنقيح: ج1، ص219.
(52) راجع التنقيح والمستمسك ومباني منهاج الصالحين: ج1، ص24.
(53) راجع السرائر: ج3، ص539، والمعتبر: ج1، ص62.
(54) التنقيح كتاب الطهارة: ج2، ص96.
(55) التنقيح كتاب الصلاة: ج3، ص516.
(56) التنقيح: ج1، ص143.
(57) مباني المنهاج: ج1، ص26.
(58) التنقيح: ج1، ص115.
(59) طرائف المقال للسيد علي البروجردي تلميذ الشيخ الانصاري: ج1، ص544.
(60) المستند: ج2، ص516.
(61) الجواهر: ج30، ص192.
(62) الجواهر: ج9، ص327.
(63) الجواهر: ج10، ص37.
(64) الجواهر: ج29، ص12.
(65) مستند الشيعة: ج17، ص71.
(66) مستند الشيعة: ج17، ص81.
(67) التنقيح: ج1، ص643.
(68) كتاب الصلاة تقرير المحقّق النائيني: ج2، ص269.
(69) كتاب الصلاة تقرير المحقّق النائيني: ج2، ص233.
(70) شرح التبصرة للمحقّق العراقي: ج4، ص245.
(71) شرح التبصرة للمحقّق العراقي: ج4، ص253.
(72) شرح التبصرة للمحقّق العراقي: ج4، ص294.
(73) شرح التبصرة للمحقّق العراقي: ج5، ص132.
(74) العروة الوثقى، الاغسال المندوبة، الاوّل.
(75) شرح التبصرة للمحقّق العراقي: ج6، ص539.
(76) الحدائق الناضرة: ج13، ص259.
(77) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(78) جامع أحاديث الشيعة: الباب7 من المقدّمات، ح122.
(79) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح6.
(80) شرح العروة الوثقى للشيخ الحائري: ص52، مخطوط.
(81) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(82) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح45.
(83) التنقيح: ج1، ص219.
(84) المستمسك: ج1، ص42.
(85) التنقيح: ج1، ص220.
(86) تعليقة البهبهاني: ص80.
(87) المستدرك: ج3، ص852.
(88) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح42.
(89) التنقيح: ج1، ص219.
(90) التنقيح كتاب الطهارة: ج4، ص235.
(91) الجامع في الرجال: ج2، ص520.
(92) المستمسك: ج1، ص42.
(93) التنقيح: ج1، ص385.
(94) هود: 113.
(95) مجمع البيان: ج5، ص344.
(96) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح13.
(97) الحجرات: 6.
(98) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح13.
(99) جامع أحاديث الشيعة: الباب8 من المقدّمات، ح27.
(100) تقرير درس شريف العلماء: ج2، ص388.
(101) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(102) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(103) التنقيح: ج1، ص223.
(104) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح9.
(105) نقله الاعيان في إسحاق بن يعقوب عن الشيخ: ج3، ص281.
(106) الغيبة للشيخ الطوسي (قدس سره): ص290.
(107) آخر الضوابط: الاجتهاد والتقليد.
(108) شرح مقدّمة كشف الغطاء (مخطوط): ص86.
(109) كتاب القضاء: ص29.
(110) المستمسك: ج1 ص43.
(111) الحجرات: 6.
(112) الحجرات: 6.
(113) هود: 113.
(114) البقرة: 59.
(115) المعتبر: ج2، ص306.
(116) مجمع الفائدة: ج3، ص246.
(117) مجمع الفائدة: ج8، ص64.
(118) النحل: 43.
(119) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح27.
(120) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح43.
(121) الوسائل: الباب8 من أبواب صفات القاضي، ح2.
(122) كتاب القصاص: ص206.
(123) الوسائل: الباب2 من أبواب مقدّمة العبادات، ح22.
(124) جامع أحاديث الشيعة: الباب الخامس، ح24.
(125) جامع أحاديث الشيعة: المقدّمات: الباب الخامس، ح1.
(126) جامع أحاديث الشيعة: الباب5 من أبواب المقدّمات، ح2.
(127) جامع أحاديث الشيعة: الباب5 من المقدّمات، ح21.
(128) الجواهر: ج13، ص278.
(129) النساء: 34.
(130) البحار: ج32، ص194.
(131) نهج البلاغة: ج1، ص44.
(132) نهج البلاغة: ج1، ص129.
(133) نهج البلاغة: ج1، ص44.
(134) نهج البلاغة: ج1، ص129.
(135) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(136) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح6.
(137) الاحزاب: 4.
(138) الزمر: 29.
(139) الكهف: 37.
(140) النحل: 43.
(141) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(142) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(143) المستمسك: ج1، ص43.
(144) النحل: 75.
(145) الوسائل: الباب45 من أبواب مقدّمات الطلاق، ح1.
(146) موسوعة الفقه: ج1، ص220.
(147) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(148) الوسائل: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(149) النحل: 43.
(150) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(151) المستمسك: ج1، ص43.
(152) المستمسك: ج1، ص44.
(153) التنقيح: ج1، ص229.
(154) موسوعة الفقه: ج1، ص238.
(155) وسائل الشيعة: الباب10 من أبواب صفات القاضي، ح20.
(156) الوسائل: الباب11 من أبواب صفات القاضي، ح1.
(157) ذكرنا إجمالاً الاستدلال باطلاقات الروايات، ولكن أفردنا هذه الرواية بالذكر لما فيها من بحوث ومناقشات مفيدة تنفع في غيرها من الروايات أيضاً.
(158) الوسائل: الباب1 من أبواب صفات القاضي، ح5.
(159) الجواهر: ج12، ص401.
(160) التنقيح: ج1، ص235.
(161) الوسائل: الباب31 من كتاب الشهادات، ح1.
(162) الوسائل: الباب31 من كتاب الشهادات، ح3.
(163) الوسائل: الباب31 من كتاب الشهادات، ح4.
(164) الوسائل: الباب31 من كتاب الشهادات، ح6.
(165) الوسائل: الباب31 من كتاب الشهادات، ح9.
(166) الوسائل: الباب31 من كتاب الشهادات، ح10.
(167) الوسائل: الباب14 من أبواب صلاة الجماعة، ح1.
(168) الوسائل: الباب15 من أبواب صلاة الجماعة، ح6.
(169) الوسائل: الباب14 من أبواب صلاة الجماعة، ح4.
(170) الوسائل: الباب3 من أبواب الاسئار، ح2.
(171) الوسائل: الباب11 من أبواب الماء المضاف، ح4.
(172) الوسائل: الباب11 من أبواب الماء المضاف، ح1.
(173) الوسائل: الباب15 من أبواب ديات النفس، ح1 و2.
(174) الوسائل: الباب75 من أبواب أحكام الاولاد، ح2.
(175) الوسائل: الباب14 من ما يحرم بالمصاهرة، ح7.
(176) البحار: الباب12 من أبواب العدل، ح4، ج5، ص285.
(177) البحار: الباب12 من أبواب العدل، ح5، ج5، ص285.
(178) البحار: الباب12 من أبواب العدل، ح7، ج5، ص285.
(179) البحار: الباب12 من أبواب العدل، ح9، ج5، ص287.
(180) البحار: الباب12 من أبواب العدل، ح10، ج5، ص287.
(181) البحار: الباب12 من أبواب العدل، ح11، ج5، ص287.
(182) الامالي: المجلس السادس عشر، ح25.
(183) البحار: الباب9 من أبواب المعاد، ح7، ج7، ص240.
(184) البحار: الباب9 من أبواب المعاد، ح9، ج7، ص241.
(185) سفينة البحار: باب الزاي بعده النون.
(186) البحار: ج39، ص263.
(187) الوسائل: الباب49 من أبواب جهاد النفس، ح15.
(188) البحار: ج39، ص287.
(189) سفينة البحار: باب الزاي بعده النون في مادّة « زنى ».
(190) الاحزاب: 4.
(191) تفسير الامام العسكري (عليه السلام): ص300.
(192) موسوعة الفقه: ج1، ص255.
(193) الوسائل: الباب70 من أبواب جهاد النفس، ح4.
(194) سفينة البحار: باب السين بعده الفاء، ذمّ السفه.
(195) الوسائل: الباب70 من أبواب جهاد النفس، ح4.
(196) الاعلى: 6.
(197) الوسائل: الباب6 من أبواب صفات القاضي، ح51.
(198) الوسائل: الباب6 من أبواب صفات القاضي، ح52.
(199) تقدّم أنّه قد أجازه بعضهم.