المسألة (31): إذا تبدّل رأي المجتهد لا يجوز للمقلّد البقاء على رأيه الاوّل.

إذا تبدّل رأي المجتهد

المسألة (31): إذا تبدّل رأي المجتهد من رأي موافق للاحتياط إلى رأي مخالف للاحتياط، سواء كان تبدّلاً علمياً، أم بحجّة أُخرى غير العلم، فلا يجوز له نفسه العمل برأيه السابق، وهكذا لا يجوز للمقلّد أيضاً البقاء على رأيه الاوّل لسقوطه بالتبدّل، إذ حجّيته لم تكن ذاتية، وإنّما كانت مستندة إلى قيامه بهذا المجتهد، فإذا سقط القيام سقطت الحجّية.
نظير رجوع البيّنة عن شهادتها فإنّه لا يرتّب على تلك الشهادة بعد الرجوع عنها أيّ أثر، إذ هو انكشاف خطأ تنزيلي، فكما أنّه مع انكشاف الخطأ واقعاً لا يمكن الاعتماد على الرأي السابق، كذلك بانكشاف خطأ تنزيلي ناشئ عن حجّة على الخطأ.

تمهيدان

التمهيد الاوّل: لا إشكال في أنّ فرض المسألة في التبدّل إلى الاحوط، أمّا من الاحوط فهو ليس بقاءً بل احتياط.
التمهيد الثاني: هنا ثلاث مسائل: تبدّل رأي المجتهد، وإعلام المجتهد، وإعلام الناقل.
أمّا المسألتان: الثانية والثالثة فسيأتي بحث الثانية عند ذكر الماتن (قدس سره) لها في المسألة التاسعة والستين، ويأتي بحث الثالثة عند ذكره لها في المسألة الثامنة والخمسين، إن شاء الله تعالى.
وأمّا المسألة الاُولى فصورها أربع:
صور المسألة:
1. تبدّل من العلم إلى العلم.
2. تبدّل من الحجّة إلى الحجّة ـ غير العلمية فيهما ـ.
3. تبدّل من الظنّ إلى العلم.
4. تبدّل العلم إلى الظنّ.
والكلّ مورد البحث.
قال في المستمسك: « هذا ينبغي أن يكون من الواضحات، لاختصاص أدلّة جواز رجوع الجاهل إلى العالم بصورة عدم اعترافه بخطأ الواقع »(1).
وعمدة الدليل له: أنّه في مقام الاعذار لا عذر للمكلّف بعد رفع يد المجتهد عنه.


عدم الجواز وأدلّة غير وافية
الدليل الاوّل

واستدلّ لعدم جواز بقاء المقلّد على رأي المجتهد بعد تبدّله بأُمور غير خالية عن النقاش:
الاوّل: أنّ حجّية الفتوى الثانية حادثة الحجّية، ولكن متعلّقها: الواقع التنجيزي والاعذاري غير المختصّ بزمان دون زمان، فيكشف بها بطلان الفتوى الاُولى من رأس.
وفيه: الكلام في الفتوى الاُولى أيضاً كذلك، إلاّ إذا تمسّك بما ذكرناه: أنّه عمدة الدليل للمسألة.


الدليل الثاني

الثاني: ما يظهر من الشيخ (قدس سره) في المكاسب في مسألة اختلاف المتعاقدين ـ اجتهاداً أو تقليداً ـ في شروط الصيغة: من احتمال الصحّة بناءً على أنّ الاجتهاد بمنزلة الواقعية الاضطرارية كإشارة الاخرس، وصلاة المتيمّم إماماً بالنسبة لواجد الماء ونحوهما، لا عذرية كصلاة فاقد الطهور واقعاً ـ ويعلم به المأموم ـ المستصحب للطهارة (2).
وفيه: الظاهر أنّه في باب الاجتهاد مجرّد فرض، لا احتمال، وإن ذكره الشيخ (قدس سره) في المكاسب، ولذا لم أجد من ذكره غيره.


الدليل الثالث

الثالث: ما يظهر من تفصيل السيّد اليزدي (قدس سره) في حاشية المكاسب: من التفصيل بين تبدّله إلى العلم بالخلاف فلا يجزي الاوّل، وبين تبدّله إلى غير العلم فيجزي، بدعوى: عدم الفرق وعدم ترجيح للثاني على الاوّل (3).
وفيه: أنّ تبدّل الاجتهاد اضمحلال للاوّل، ولا أوّل حتّى يبقى حجّيته.


الدليل الرابع

الرابع: وهناك تفصيل بين كون الرأي الاوّل موافقاً لاعلم الاموات، أو الشهرة ونحوهما، ممّا ليس بنفسه حجّة، فيبقى حجّية الاوّل.
وفيه: مع ارتفاع العذر ـ وعدم كون أعلم الاموات أو الشهرة ونحوهما بنفسه عذراً ـ يكون الواقع المجهول منجّزاً بحقّه، فيكون الاحتمال من باب احتمال الضرر الواجب دفعه بحكم العقل: إمّا بالاحتياط أو تقليد الرأي الجديد.


الدليل الخامس

الخامس: احتمال عدم السقوط عن الحجّية ـ والظاهر كون ذلك فيما لم يكن الانكشاف بالعلم الوجداني بالخطأ ـ لتنزيل الرأيين لفقيه واحد بمنزلة رأيين لفقيهين، وكما يجوز اتّباعهما مع التساوي في العلم، يجوز هنا.
وفيه: عدم صحّة التنزيل بعد تفريق بناء العقلاء بين الامرين، وبما أنّ حجّية رأي الفقيه من باب بناء العقلاء فهو المتّبع فيها.
وخذ لذلك مثلاً: فلو أنّ مريضاً راجع طبيباً فوصف له دواءً، ثمّ راجع طبيباً آخر فوصف له خلاف ذاك الدواء، كان المريض عند العقل والعقلاء مخيّراً بالاخذ بأيّ الرأيين ما دام ليس لاحدهما مرجّح ملزم.
لكنّه إذا عدل الطبيب الاوّل عن الدواء الذي وصفه وقال: إنّه مضر، ثمّ وصف دواء ثانياً، هل يسمح العقل والعقلاء بالبناء على الدواء الاوّل ؟ كلاّ، وهكذا المجتهد والفتوى.


الدليل السادس

السادس: ما ربما يقال: من شمول إطلاقات التقليد للرأي الاوّل نظير شمولها للرأي الثاني.
وفيه: ـ مضافاً إلى عدم وجود إطلاق من رأس كما قيل، وإلى أنّ المتيقّن منها غير مثل الرأي الاوّل المعدول عنه، وإلى الانصراف عنه على فرض الاطلاق، وعدم المتيقّن له ـ أنّ مثل قوله (عليه السلام): « فللعوام أن يقلّدوه » لا يشمله أصلاً، لعدم كونه تقليداً، إذ التقليد: المتابعة، ولا تصحّ مع الرجوع عن الرأي الاوّل، وهكذا غيره.


إشكال وجواب

فإن قيل: فلماذا كان الفقهاء المتقدّمون يذكرون في كتبهم آراءهم الاُولى أيضاً بعد تبدّلها عندهم.
قلنا: إنّه لم يكن الذكر للمقلّدين والعمل، بل للمجتهدين والنظر، ويمكن توجيهه بأُمور على سبيل منع الخلو:
أحدها: وقوف المجتهدين المتأخّرين على كلّ الاراء وكلّ الادلّة.
ثانيها: أنّه شيء صدر وانتشر ولا يمكن محوه.
ثالثها: إثبات أنّ الفتوى الاُولى لم تكن اعتباطية، بل مستندة إلى دليل أيضاً لكنّه انكشف لهم عدم تمامية الدليل.
رابعها: ما عن فخر المحقّقين: من أنّه كان للاعلام إلى عدم انعقاد الاجماع على خلاف تلك الفتوى، ولغير ذلك.
هذا كلّه بالنسبة إلى الاعمال اللاحقة، وأمّا بالنسبة للاعمال السابقة فيأتي البحث عنها في مسألة أُخرى إن شاء الله تعالى.


(1) المستمسك: ج1، ص61.
(2) المكاسب: ج3، ص179.
(3) حاشية المكاسب: ج2، ص93.