:: (التنبيه الرابع)
الإقدام على الضرر

في كون الاقدام على الضرر مانعاً عن شمول (لا ضرر).
قال الشيخ في رسالته في لا ضرر:
(لو اقدم على التضرر، كالاقدام على البيع بدون ثمن المثل عالماً، فمثل هذا خارج عن القاعدة لأن الضرر حصل بفعل الشخص لا من حكم الشارع).
أقول: من المتسالم عليه عند بعضهم: ان الاقدام على الضرر يوجب عدم شمول (لا ضرر) له، إنما الكلام في دليله الذي يوسع ويضيق مدار الحكم، وقد ذكر له وجوه:
أحدها: ما ذكره الشيخ: من ان الضرر حصل بفعل الشخص لا بفعل الشارع، فالشارع لم يلزم عليه البيع الضرري، وإنما هو الزم نفسه عليه.
ثانيها: ان الأموال وما كان من سنخها من الحقوق، جعل الله تعالى أمرها بيد الإنسان يفعل فيها ما يشاء ـ إلاّ ما خرج بدليل كبيع الخمر، وقطع الرحم، ونحو ذلك ـ.
فكما يصح للشخص هبة أمواله، أو ابراء ذمم مديونيه، أو وقف أمواله،... كذلك يصح للشخص الاقدام على المعاملات الضررية، وذلك لتقدم (الناس مسلطون) في مثلها على (لا ضرر).
ثالثها: ان كون (لا ضرر) امتنانياً، ينافي شموله لموارد الاقدام على الضرر، لمنافاة الامتنان مع سلب قدرة الشخص على اضرار نفسه مالياً.
وقد اشكل على جميع الوجوه:
أما الأول: وهو ان التضرر حصل بفعل الشخص لا بفعل الشارع، فاورد عليه: بأنه حصل بفعل الشارع، إذ لو لا شمول (اوفوا بالعقود) لمثله لما تضرر هذا المقدم على الضرر، نعم، المكلف اوجد الموضوع الضرري، لكن كان للشارع ان لا يلزمه بما التزم به فلا يتضرر، كما لو يمض الشارع بعض الالتزامات المالية، مثل: بيع الخمر، والخنزير، وآلات القمار، ونحو ذلك ـ، فتأمل.
وأما الثاني: وهو أن الأموال، وما كان من سنخها من الحقوق مقدم فيها (الناس مسلطون) على (لا ضرر) للمستفاد من الأدلة.
فقد يورد عليه: بأنه أول الكلام، فإن استفيد ذلك فلا مناقشة، مضافاً إلى عدم وضوح حدود هذا المستفاد من الأدلة: هل هو في الاضرار القليلة المتعارف الاغماض عنها، خصوصاً لذوي المروّات، أم مطلقاً حتى في الاضرار الكبيرة؟ فينبغي التفصيل، ثم ما حدود هذا التفصيل بحيث يمكن نسبته إلى المستفاد من الأدلة؟
وأما الثالث: وهو كون (لا ضرر) للامتنان ينافي شموله لمثله.
ففيه: ان الامتنان ان كان علة (لا ضرر) صح ما ذكر، لكنه غير واضح، والمقدار المسلّم من الامتنان كونه حكمة لرفع الضرر، وبعبارة أخرى: انه علة لتشريع (لا ضرر) لا علة للحكم، نظير امتنانية الافطار أو القصر في السفر، الظاهرة من قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر...)(1) وقوله صلى الله عليه وآله: (ان الله عز وجل اهدى إليّ وإلى أمتي هدية... الافطار في السفر والتقصير في الصلاة...)(2).
أقول: لا يبعد التزام انصراف (لا ضرر) عن مثل الاقدام على الضرر المالي، ولا أقل من الشك في ظهور (لا ضرر) ظهوراً شاملاً لمثل المقدم على الضرر، والشك في الظهور شك في الحجية، وهو مجرى أصل عدم الحجية، وعدم الظهور.
أما الاقدام على الضرر البدني، أو العرضي، فالتفصيل محكّم ـ بين ما كان الاضرار بالبدن والعرض رخصة، كالأكل على الشبع، ودخول مداخل التهمة، وبين ما كان عزيمة كالتعرض للقتل والزنا ـ والله العالم.

(تتمات ـ الأولى)

:: التفصيل بين الرخصة والعزيمة

قد يقال: بالتفصيل في الاقدام على الضرر، بين ما لو قلنا: بأن (لا ضرر) رخصة أو في موارد الرخصة، فالاقدام على الضرر، موجب لعدم شمول (لا ضرر) له.
وبين ما لو قلنا: بكون (لا ضرر) عزيمة، أو في موارد العزيمة، فالاقدام على الضرر لا يرفع شمول (لا ضرر) له.
مثلاً: لو أراد قتل نفسه، فلا ضرر يمنعه عزيمة، واقدامه على خلاف العزيمة لا اثر له، حتى مع كون لا ضرر امتنانياً، إذ لا منافاة بينهما، وذلك مثل التقصير والافطار في السفر حيث لا شبهة في كونهما امتنانيان لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وروايات: (هدية الله تعالى) ومع ذلك الاقدام على الصوم والتمام لا يرفع وجوب الافطار والتقصير.
أما لو أراد الأكل على الشبع، فحيث ان (لا ضرر) في مثله رخصة، كان الاقدام على الضرر رافعاً له.
إلا أن يقال: بأن لا ضرر ـ ان قلنا بكون علته الامتنان ـ ظاهر في رفع الحكم عن الضرر الواقعي، سواء اقدم عليه المكلف أم لا، بل مادام المكلف مقدماً على الضرر ـ فيما اجاز له الشارع الاقدام على الضرر ـ يكون (لا ضرر) غير شامل له لمخالفة الامتنان، أما الآثار التي لا تنافي الامتنان فتبقى، مثلاً: لو اقدم المكلف على الغبن عالماً، جاز له ذلك، لأنه ضرر لا يحرم تحمله، أما الخيار فلا يسقط، فلو ندم جاز له الأخذ بالخيار.
فهذا من ناحية (لا ضرر) أما من ناحية الأدلة الخاصة، فإنها تنفي الخيار عن المغبون العالم بالغبن.
فالمنافي للامتنان، هو عدم جواز اقدامه على الغبن، وأما ثبوت الخيار له حتى مع العلم بالغبن، فليس منافياً للامتنان، فتأمل.

(التتمة الثانية)

:: الصور الأربع للإقدام

صور الاقدام على الضرر أربع، وهي كما يلي:
أحدها: العلم بالضرر، ولا اشكال كما لا خلاف فيه على الظاهر.
ثانيها: الاطمينان، وقد صرح به وانه لا يشمله (لا ضرر) المحقق النائيني في حاشية المكاسب(3) على ما نقله مقرره الخوانساري.
ثالثها: الشك ونحوه، قال المحقق النائيني: (إنما الاشكال في صورة الشك وما يلحق به من الظن غير المعتبر، فهل هو ملحق بالغبن مطلقاً، أو ملحق بالعلم بعدمه مطلقاً، أو التفصيل بين صور الشك؟).
ولعل مراده من التفصيل بين صور الشك، اختلاف المراتب والموارد في الصدق العرفي عليه، انه مقدم على الضرر أم لا؟
رابعها: الحجج الشرعية، من بينة، وقول عدل واحد ـ على اعتباره، أو فيما هو معتبر فيه ـ وقول أهل الخبرة ـ على اعتباره غير مقيد بالعدد والعدالة ـ وأصل: من اشتغال، واستصحاب، ونحو ذلك.
والحاصل: ان ملاكه الصدق العرفي، فكلما صدق عرفاً انه بنفسه اقدم على الضرر، فلا يشمله لا ضرر، وإلا فلا.

(التتمة الثالثة)

:: الشك في صدق الاقدام

إذا شك في صدق الاقدام على الضرر، فإنه حيث لم يرد لفظ الاقدام على الضرر في لسان دليل حتى ندور مداره، كان علينا تشخيص ملاك المنع عن شمول (لا ضرر) ليتضح منه حكم الشك
والملاك كما قالوا: أحد أمرين:
أ ـ عدم كون نفي الضرر منّة، لاستلزامه اللغويّة.
ب ـ كون نفي الضرر خلاف المنّة لنقض الضرر وظهور خلافه.
ولو شك في أنه خلاف المنّة أم لا؟ لأجل الشك في مفهوم المنّة، فمقتضى الأصل اطلاق لا ضرر حتى يثبت المانع، والله العالم.
ومن ذلك يظهر أحكام الصور الأربع التي ذكرها المحقق النائيني، في منية الطالب(4).
قال بتلخيص مني: لا يخفى ان صور الاقدام على الضرر أربع:
الأولى: ان يقدم على ما يتسامح به، فبان انه ازيد ـ مما لا يتسامح بالمجموع منه ومن المعلوم ـ كالاقدام على غبن ـ 10 % فظهر انه 20 % ـ.
الثانية: هذه الصورة مع كون الزائد بنفسه مما لا يتسامح به، كالاقدام على غبن ـ 10 % فبان انه 40 % ـ.
الثالثة: الاقدام على الغبن الذي لا يتسامح به، فبان ان الغبن أزيد، والزيادة مما يتسامح بها منفردة، كما لو اقدم على غبن20 % فبان انه25 % ـ.
الرابعة: الاقدام على ما لا يتسامح، فبان ازيد والزيادة أيضاً مما لا يتسامح بها منفردة كالاقدام على غبن ـ 20 % فبان ان الغبن 40 % ـ.
ثم قال المحقق النائيني: في الصورتين الأوليين لا يسقط الخيار، وفي الثالثة: يسقط وفي الرابعة: الأقوى عدم السقوط.
أقول: أما في الثالثة: ففيه تأمل، وأما في الرابعة، فإنه كلما حصل شك فيه، فالأصل اطلاق (لا ضرر).

(التتمة الرابعة)

:: الاقدام على ضرر فبان آخر

لو أقدم على ضرر فبان ضرر آخر مختلف جنساً أو نوعاً مع الضرر المقدم عليه فمثال اختلاف الضررين نوعاً كما لو اقدم على المعيوب، فبان الغبن دون العيب، أو العكس.
فمقتضى القاعدة شمول (لا ضرر) وترتيب كل آثاره من خيار وغيره، حتى ولو كان مالم يقدم عليه من الضرر أقل مما كان اقدم عليه، قيمة أو عرفاً.
فلو اشترى المتاع بظن انه معيوب بعيب ينقص القيمة 30 % فاشتراه بقيمة الصحيح ثم بان انه ليس عيباً، ولكنه غبن فيه بنسبة 20 % فله الخيار، لأنه تضرر بما لم يكن يقدم عليه.
أو ظن أن العيب قصر الثوب، فبان انه مثقوب، وان كان قيمه المثقوب أكثر من قيمة القصير، فله الخيار أيضاً وهكذا العكس فيهما، كما لو ظن الغبن فبان عيباً.
ومثال اختلاف الضررين جنساً، كما لو اقدم على ضرر عرضي، فبان مالياً، أو بالعكس كما لو اشترى بدينار قنينة بظن انها كانت معدة للخمر، وفي شرائها ضرر عرضي له، فبان انها ليست كذلك، ولكنها اقل من دينار بما لا يتسامح به، أو بالعكس.
فالظاهر أيضاً شمول (لا ضرر) له، لأنه لم يقدم على هذا الضرر، ولا منافاة لـ (لا ضرر) مع الامتنان، ولو شك في الاقدام، فاطلاق (لا ضرر) محكم كما سبق.

(التتمة الخامسة)

:: الاقدام على ضرر فبان عدمه

لو اقدم على ضرر فظهر عدم ذلك الضرر، وله أقسام:
أحدها: لو اقدم على ضرر فبان عدم ذلك الضرر من أول الأمر، وانه كان جهلاً مركباً، ووقت التسليم كان ضررياً.
ثانيها: لو اقدم على ضرر، فانتفى الضرر وقت التسليم، وكان وقت العقد ضررياً.
ثالثها: لو اقدم على ضرر، لكن لم يكن في البين ضرر لا وقت العقد، ولا وقت التسليم.
الظاهر: ان الضرر أمر اعتباري خارجي لدى العقلاء في الاضرار المالية ـ مقابل الاضرار البدنية ـ ويراعى فإن كان ضرر واقعاً، كان مشمولاً لـ (لا ضرر)، وإلا فلا.
ففي الصورة الأولى: لا يشمله (لا ضرر) لعدم الضرر واقعاً، وإنما كان قد تخيل ضرراً، وقت التسليم لا عبرة به، لكونه بعد الانتقال.
وفي الثانية: محل اشكال من: ان العقد كان ضررياً فيشمله (لا ضرر) فله الخيار ومن: عدم الاثر لهذا الخيار أثراً عقلائياً؟ فينتفي.
وفي الثالثة: لا اشكال في عدم شمول (لا ضرر) لعدم الموضوع الضرري واقعاً.

(التتمة السادسة)

:: الخلاف في الاقدام وعدمه

لو اختلفوا في الاقدام على الضرر وعدمه، فالغار يقول: اقدمت أنت على الضرر، والمغرور يقول: لم اقدم على الضرر، ولا بينة، فالأصل عدم الاقدام على الضرر، يعني عدم ترتيب آثار الاقدام على الضرر، من سقوط الخيار ونحوه، وحينئذٍ يكون المغرور منكراً لموافقة قوله مع الأصل، فيقدم قوله بعد الحلف وعدم البينة للمدّعي.
وهكذا لو اختلفا في مقدار الضرر هل هو مما يتسامح به أم لا؟ ـ بعد عدم ثبوت شيء منهما بالمحرزات الوجدانية والتعبدية ـ كما لو اتفقا على أن الضرر 7 % ولكنّهما اختلفا في انها يتسامح بها أم لا؟ وهكذا غيرهما.

(التتمة السابعة)

:: ادعاء العذر في الاقدام

لو ادعى العذر في الاقدام على الضرر، من اكراه، أو عدم قصد، أو سهو، ونحو ذلك لم يسمع إلاّ ببيّنة، أو اطمينان الطرف لصدقه، وهو واضح.

(التتمة الثامنة)

:: إذ أقدم ثم ندم

لو اقدم على الضرر، ثم ندم، لا اثر لندمه، لعدم شمول (لا ضرر) له باقدامه، فلا يتجدد (لا ضرر) لندمه، لعدم الدليل الناقض لـ (اوفوا بالعقود) والاستصحاب في الشك، ولأن (لا ضرر) حق، يسقط بالاسقاط، وإذا سقط فلا يعود للظهور.
ولو انعكس: بان لم يقدم على الضرر، ثم بان له الضرر ورضي به، فهل هذا الرضا بحكم الاقدام على الضرر، فلا يشمله (لا ضرر) أم لا؟
وتظهر الثمرة فيما لو ندم بعد الرضا، فهل يكون له الفسخ في المعاملات أم لا؟
احتمالان: من انه لا خصوصية للاقدام السابق، بل العلة هو الرضا بالضرر، فمتى حصل الرضا بالضرر، لا يشمله (لا ضرر) ومن: ان انعقاد المعاملة كان ضررياً، فشمله (لا ضرر) ويحتاج رفع (لا ضرر) إلى محرز اكيد قوي، وهو الرضا من دون استتباعه لندامة، ولعل الاقرب هو الأول والله العالم.

(التتمة التاسعة)

:: الاقدام المطلق والاقدام المشروط

الاقدام على الضرر موجب لعدم شمول (لا ضرر) إذا كان الاقدام مطلقاً، أما إذا كان مقيداً أو مشروطاً بشرط، فمع انتفاء القيد والشرط لا اقدام، فيشمله لا ضرر، فمثلاً: لو اقدم المشتري بشراء كتاب قيمته مائة، بمائة وخمسين بشرط أن يجلّده البائع فلم يجلّده، كان خسارة خمسين من غير اقدام، فيشمله لا ضرر، فيثبت له الخيار لصدق (لا ضرر) وعدم كونه غير منة، ولا خلاف المنة.
نعم، لو كان بنحو الداعي للاقدام على الضرر، فتخلفه لا يوجب شمول (لا ضرر) كما لو اشترى متاعاً بأكثر من قيمته لضيوفه، فظهر ان الضيوف سافروا قبل عقد البيع، فلا خيار له.

وهنا فوائد: الأولى

:: انقسام الاقدام على الأحكام الخمسة

الاقدام على الضرر ينقسم إلى الأحكام الخمسة: الواجب، والحرام، والمستحب، والمكروه، والمباح، باعتبار انطباق عناوينها عليه، أو اللوازم والآثار المترتبة عليه.
فأصله: مكروه، لما ورد في مستفيض الحديث: (المغبون لا محمود ولا مأجور)(5) ونحوه غيره، وملاكه يشمل كل اقدام على الضرر بما هو هو.
والواجب منه: ما كان سبباً لحفظ نفس محترمة، يجب حفظها، كما لو اشرف على الهلاك من العطش، وكان الماء يباع بأضعاف قيمته، فيجب عليه مقدمته، وهو الاقدام على هذا الضرر المالي.
والحرام منه: كالقاء مال ـ قليل أم كثير ـ في النهر، لانطباق عنوان الاسراف عليه ـ بناءً على حرمة مطلق الاسراف إلاّ ما خرج بدليل كما لعله غير بعيد، أو في مورد حرمته ـ.
والمستحب: كادخال السرور على المؤمن الفقير بالشراء منه غالياً، وبيعه رخيصاً.
والمباح: عدم مرجحات الفعل، ولا مرجحات الترك، كالبيع بأقل من رأس المال للكافر فيما لم يترتب عليه أثر حسن أو سيء خاص.
ونحو ذلك: الضرر البدني، والعرضي، فالاقدام عليهما أيضاً ينقسم إلى الأحكام الخمسة باعتبار ما ينطبق عليهما من كليات محسنة أو مقبحة ـ إلى حد المنع من النقيض وعدمه ـ أولاً، وهي كما يلي:
1. فالواجب: كالاقدام على ضرر بدني أو عرضي ـ كالهتك ـ لدفع الخطر عن أصول الإسلام.
2. والحرام: كاقدام وتعريض النفس لقطع عضو، أو الزنا كرهاً، أو نحو ذلك دون وجود أهمية شرعية في البين
3. والمستحب: كالعبادات، والأمر بالمعروف مع التعرض للأذى، أو ورم الرجل والاعياء ونحو ذلك ولعل من ذلك قوله: تعالى: (طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى)(6) وما ورد في تفسيرها.
4. والمكروه: كالاقدام على الضرر البدني والعرضي من أجل المال.
5. والمباح: غير ذلك، كالعبث غير المكروه والحرام.
وفي كلّ أنواع الاقدام على الضرر يمنع شمول (لا ضرر) له، نعم إذا كان الاقدام حراماً فقد تقدم في التتمة الأولى بعض البحث عنه.
وأيضاً: لو كان الاقدام على الضرر في المعاملة، وكان تحمل الضرر حراماً، بطلت المعاملة للنهي عنها، وإلا لو كان النهي عن أمر خارج عن المعاملة، وصحت المعاملة، كان الاقدام على الضرر مانعاً عن شمول (لا ضرر) فلا يترتب آثار (لا ضرر) من خيار ونحوه.

الفائدة الثانية

:: الاقدام على السبب الشرعي لحكم ضرري

هل من الاقدام على الضرر، الاقدام على تصرف حرام لم يأذن به الشارع قد رتب عليه أثراً كان ذلك الأثر ضررياً، فهل لا يشمله (لا ضرر) لاقدامه، أم يشمله؟
ومثاله: من غصب شيئاً عالماً عامداً، فإن كان ارجاعه، أو تعجيل ارجاعه ضررياً، فهل يشمله (لا ضرر) فلا يجب الارجاع أو تعجيل الارجاع، أم لا يشمله (لا ضرر) لأنه اقدم على سبب الضرر؟
عنون الشيخ هذه المسألة في رسالة (لا ضرر) في التنبيه الخامس، ونقل عن بعضهم: عدم شمول (لا ضرر للغاصب لاقدامه على الضرر باتيان سبب الضرر، وقال فيه الشيخ: لا يخلو من نظر.
وفي (الفقه): انه قال المحقق الرشتي الميرزا حبيب الله ـ قده ـ: (الظاهر: ان رد المغصوب واجب مطلقاً، حتى الفلس فيما لو توقف رده على صرف آلاف الكرور، فضلاً عن غيره)(7).
وفيه أيضاً انه قال في الجواهر: (ودعوى سقوط المقدمة لقاعدة الضرر ونفي الحرج، واضحة السقوط بعد أن كان هو السبب في ادخالهما عليه)(8).
وعن الجواهر أيضاً: (وان كانت ـ أي السفينة المشتملة على لوح مغصوب في اللّجة ـ وخيف من النزع غرق حيوان محترم آدمي (يعني عبد أو أمة) أو غيره، أو مال كذلك لغير الغاصب الجاهل بالغصب ففي القواعد: ... عدم وجوب النزع... جمعاً بين الحقين، ولاحترام روح الحيوان.
وفيه: امكان الزام الغاصب ومن بحكمه ذبح الحيوان مقدمة لايصال مال الغير الواجب عليه فوراً ودعوى حرمة ذبحه لغير الأكل ممنوعة...)(9).
(أقول) أما قول الشيخ: (لا يخلو من نظر) في محله، وتفصيله كما يلي:

:: صور الاقدام على الضرر
إن صور الاقدام على الضرر أربع:

الأولى: اقدام على نفس الضرر، كالمقدم على الغبن والعيب، وهذا لا إشكال في عدم شمول (لا ضرر) له على تفصيل ذكرناه.
الثانية: الاقدام على ملازم الضرر عرفاً، كالصلح ـ مثلاً ـ والكفالة، والضمان، ونحوها فلا يشملها (لا ضرر) لما ذكر في الأول، من انصراف (لا ضرر) عن مثله، وغير ذلك.
الثالثة: الاقدام على أمرٍ حكم الشارع فيه حكماً، يلزم من اطلاق حكم الشارع الضرر ـ أحياناً ـ كالاقدام على الغصب الذي حكم الشارع فيه بوجوب رد المغصوب فوراً، واطلاق الضمان على الغاصب قد يلزم منه الضرر.
وهذا القسم ليس اقداماً على الضرر، والا كان الزواج، والبيع، والسفر، وغيرها اقداماً على الضرر، لأن الزواج اقدام على وجوب الانفاق على الزوجة، ووجوب القسم، وغير ذلك، وقد يكون ذلك كله ضررياً، والبيع اقدام على وجوب تسليم المبيع فوراً، وقد يكون ذلك ضررياً، والسفر اقدام على الصلاة مع الغسل أو الوضوء في الصحراء، وقد يكون ضررياً.
فهل يمكن التزام عدم شمول (لا ضرر) لهذه الموارد، لأن المكلف أقدم فيها على أسباب الضرر؟ فليكن الغصب من هذا القبيل.
والفرق بحرمة الغصب، وحلية الزواج، والبيع، والسفر، ونحوها، من غير فارق:

 أولاً: لأن الضمان حكم وضعي لا يختلف فيه الحل والحرام في الأسباب.
وثانياً: لنفرض الزواج الحرام، والبيع الحرام، والسفر الحرام، فهل سفر المعصية يستلزم وجوب الوضوء والغسل والصلاة من قيام وغيرها، إذا كانت ضررية؟
وهل الزواج لمن يضره ضرراً بالغاً، يوجب وجوب النفقة والقسم وغيرهما، حتى إذا كانت ضررية، وهكذا.
مضافاً إلى أن الغصب ليس اقداماً على الضرر، بل هو اقدام على النفع بزعم الغاصب، لكن الشارع حكم فيه بوجوب الرد فوراً، وهذا الرد قد يوجب الضرر على الغاصب.
هذا: مع أن (لا ضرر) حكم ثانوي ناظر إلى جميع الأحكام الالزامية الأولية، ومنها حرمة الغصب، ورد المغصوب، وفوريته، ونحو ذلك. وسيأتي ـ انشاء الله تعالى ـ بيان حكومة (لا ضرر) على المحرمات أيضاً.
هذا مقتضى القاعدة، إلاّ أنه نسب بعضهم(10) ظهور الاجماع على عدم جريان قاعدتي (لا ضرر ـ ولا حرج) في الغصب.
أقول: ان تم ذلك فيها وإلا فللتأمل فيه مجال والله العالم.

:: الاقدام على الغصب أنواع

ثم إن الاقدام على الغصب أنواع، موضوعاً أو حكماً:
1. مع العلم والعمد.
2. مع الجهل بالغصب ثم العلم به.
3. بالمعاملات الفاسدة التي حكمها حكم الغصب.
وأحكام الغصب أربعة:
1. الحرمة.
2. وجوب الرد.
3. فورية الرد.
4. الضمان.
وواضح، انه ليس كل الأنواع الثلاثة من الغصب، لها كل الأحكام الأربعة، فالغصب مع الجهل، ثم العلم به، وكذا المعاملات الفاسدة التي حكمها حكم الغصب، يجب فيها الرد، والفور فيه، والضمان، ولكنها ليست حراماً.
كما لا اشكال في أن (لا ضرر) يشملهما، ففي الغصب قصورياً، لو كان فورية الرد ضررية تسقط الفورية، وكذا في المعاملة الفاسدة قصوراً.
الصورة الرابعة من صور الاقدام على الضرر: الاقدام على ما حكم الشارع فيه بالخصوص حكماً ضررياً، مثل: (الغاصب يؤخذ باشق الاحوال) فالاقدام على الغصب اقدام على هذا الضرر.
وهذا لا مانع من التزام كونه اقداماً على الضرر كلياً، إلاّ أن كون الغصب من هذا القبيل محل اشكال، لعدم ثبوت (الغاصب يؤخذ بأشق الاحوال) لا نصاً ولا فتوى، ولذا عبر عنه بعضهم: (بالقاعدة عند القوم) وقال في المهذب: (ولم يبين أنه حديث معصومي أو كلام من غير المعصوم، وعلى الأول هل له سند يعتنى به أو لا؟ ثم نقل عن المحقق المتتبع الشيخ محمد جواد البلاغي (قده) انه ليس من فقه المسلمين)(11).
مضافاً إلى اجماله، إذ لعل المراد به الكم لا الكيف، يعني يجب على الغاصب رد المثل أو القيمة مهما كان الثمن، لا أنه يجب عليه رد المثل والقيمة وان سبب هلاكه مثلاً، فتأمل.

:: استدلالان لعدم شمول (لا ضرر) للغاصب

ثمّ ان هنا أمرين استدل بهما لعدم شمول (لا ضرر) للغاصب ـ غير الاقدام على الضرر ـ:
أحدهما: ما ذكره بعضٌ: من ان (لا ضرر) امتناني، ولا امتنان على الغاصب، وأشار إليه في الجواهر من: (انه لا يناسبه التخفيف)(12) وكذا الشيخ في رسالة لا ضرر.
وفيه: هذا هو أول الكلام: ان الغاصب لا امتنان عليه، إذ وجهه (ان) كان اقدامه على الضرر، فقد اسلفنا انه اقدم على النفع بزعمه، لا الضرر...
(وان) كان لعصيانه فمضافاً إلى انه قد يكون معذوراً، لاشتباه أو اكراه، أو نحوهما، ولا عصيان مع ذلك إذ النسبة بينهما العموم من وجه ـ فلا دليل على أن العصيان مانع عن شمول (لا ضرر) نظير سائر المعاصي والتي هي أهم من الغصب، كقتل النفس المحترمة ونحوه، ومع ذلك يشملها (لا ضرر).
(وان) كان من أجل تعارض ضرر الغاصب مع ضرر المغصوب منه، بتأخير رد ملكه إليه، أو بتبديل ملكه بقيمته في مثل الخشبة في البناء ونحو ذلك.
ففيه: ان العلاج علاج تعارض الضررين ـ بما فيه من ابعاد وتفصيل ـ لا اطلاق القول باضرار الغاصب دائماً وفي كلّ حال.
ثانيهما: ما ذكره المحقق النائيني: من ان الهيئة الحاصلة من نصب اللوح المغصوب في السفينة ليست مملوكة للغاصب، فرفعها ليس ضرراً على الغاصب، لأن الضرر عبارة عن نقص ما كان واجداً له.
وربما يؤخذ عليه أولاً: هذه دقة عقلية لا مسرح لها في الشرعيات المبتنية على العرف.
وثانياً: الكلام ليس في رفع الهيئة الحاصلة من نصب اللوح في السفينة بل فيما يحدث من الاضرار في غرق السفينة والمحمولات الأخر التي فيها.
وثالثاً: ماذا يقول رحمه الله في الغصب الذي رده، أو فورية رده يستوجب ضرراً آخر؟ كما لو غصب كتاب زيد، وجاء به إلى بلد آخر، فالرجوع بالكتاب إلى صاحبه يستوجب صرف أموال طائلة، أو التعرض للخوف والرعب ونحو ذلك؟

:: تفصيلات ثلاثة في المقام

ثم إن الشيخ والنائيني وغيرهما ـ قدهم ـ اختلفوا بتفصيلات ثلاثة في المقام(13) ففي مسألة وجوب رد المقبوض بالعقد الفاسد فوراً ـ ويشمل ما نحن فيه من الاقدام على الضرر الناتج عن فورية الرد، لأنه غاصب واقعاً أما بعصيان أو بعذر، على أن الرد حكم وضعي لايختلف فيه العصيان وعدمه.
1. ففصل الشيخ (قدس سره) بين المؤنة القليلة للرد والكثيرة، فالأولى على القابض، والثانية على المالك، سواء كان بمقتضى طبع الرد أم أكثر.
ولا وجه لكون الكثيرة على المالك، إلاّ (لا ضرر).
2. ـ وفصل المحقق النائيني ـ قده ـ بين المؤنة التي يقتضيها طبع الرد، وبين الزائد على ذلك، فالأولى على القابض، والثانية على المالك، قليلاً كان أو كثيراً.
ولا وجه له في الزائد إلاّ (لا ضرر).
3. وفصل آخرون بين المضر وغيره، فالمضر على المالك قليلاً كان أو كثيراً، كان مقتضى طبع الرد، أو أكثر، وغير المضر، فعلى القابض.
أقول: لعل كل هذه التفصيلات الثلاثة ترجع إلى شيء واحد، وهو ان المضرّ من مؤنة الرد على المالك، وغير المضر على القابض.
فعبّر الشيخ عن المضر وغير المضر بالقليل والكثير، وعبّر النائيني عنهما بما يقتضيه طبع الرد والزيادة، وعبّر آخرون بالمضر وغيره، (ولعل) من هذا وغيره يطمئن إلى عدم وجود اجماع مطلق في المقام، الذي تقدم نقله عن بعضهم والله العالم.

الفائدة الثالثة

:: تعارض اقدامين على الضرر

لو تعارض اقدامان على الضرر، كما لو قال البائع: بعتك الكتاب بدينار عراقي، وهو يتصور أنه باعه بخسارة، وقال المشتري: قبلت بظن انه دينار آخر اغلى من الدينار العراقي، وهو يتصور انه اشتراه غالياً، فاقدم البائع على الخسارة، والمشتري على الزيادة، فايهما لا يشمله (لا ضرر)؟ وجهان:
الأول: المُقْدِم ـ بالنسبة إلى الثمن الواقعي للكتاب ـ على الضرر، هو الذي لا يشمله (لا ضرر)، سواء البائع أم المشتري، لأن أياً منهما كان الخاسر واقعاً، كان اقدم على الضرر، وكان الآخر بالجهل المركب متصوراً انه هو المقدم على الضرر.
الثاني: بطلان المعاملة للتعارض وقصد كل من البائع والمشتري غير ما قصده الآخر، فلا عقد على أمر واحد.
ولعل الأوجه منهما: الأول، لأن المتضرر واقعاً هو خصوص المقدم على الضرر، دون الآخر ولا وجه لبطلان المعاملة بعد التراضي بينهما.
اللهم إلاّ إذا كان قصد كلّ واحد منهما الدينار الخاص على وجه التقييد، فلا عقد من رأس.

الفائدة الرابعة

:: عدم سقوط (لا ضرر) إذا وجب الاقدام

إذا وجب الاقدام على الضرر لم يسقط (لا ضرر) لمجرد الوجوب، بل يسقط بالاقدام نفسه، وذلك لأن (لا ضرر) حكم يتبع تحقق موضوعه في الخارج، فكل أمر ضرري مرتفع حكمه وان وجب شرعاً على الإنسان تحمل ذاك الضرر ـ ملاحظة للأهمية ـ كدفع القتل عن نفسه ونحوه (مثلاً) إذا توقف دفع القتل على اعطاء الظالم خروفاً، وكان بائع الخروف يريده بقيمة ضررية، فاشتراه جاهلاً بالقيمة ـ غير مقدم على الضرر ـ لا يسقط خياره.
وليس هذا من اجتماع الأمر والنهي ـ على القول به ـ وذلك لأنه لا تعارض بين حكمين متخالفين في الآثار أحدهما وضعي والآخر تكليفي، مثل: ما لو وجب عليه الانفاق على رحمه، فلم ينفق حتى مات، فهذا لا يسلب ملكيته.
فلو وجب على شخص الاقدام على الضرر فاشترى ـ غير مقدم على الضرر ـ لم يسقط الخيار (الثابت بلا ضرر) بسبب وجوب الاقدام على الضرر وإنما يسقط بسبب نفس الاقدام على الضرر، وذلك لأن الحكم التكليفي لا يلازم الوضعي بما هو، إلاّ بدليل آخر والله العالم.

الفائدة الخامسة

:: الاقدام والحقوق المنشأة من الضرر

هل الاقدام على الضرر البدني موجب لسقوط الحقوق التي منشأها الضرر أم لا؟ ـ بعد مسلّمية عدم سقوط الأحكام الشرعية من التكليفية كالحكومة، والوضعية كالإرث فيما إذا قتل مورثه بطلب من المقتول ـ.
احتمالات:
أحدها: السقوط مطلقاً، فمن قال لآخر: اقطع يدي، فلا دية له ـ وان حرم على القاطع الامتثال ـ لأنه حق اسقطه اقدامه.
ثانيها: السقوط بقدر الاقدام على الضرر، مثلاً: دية اليد خمسمائة، فلو قال له: اقطع يدي بدية مائة، فإنه يسقط عنه اربعمائة، لأنه لم يقدم على تضرر كل الدية.
ثالثها: عدم السقوط مطلقاً، لأن الدية وان كانت حقاً لكنه لم يثبت كونه من قبيل الحق القابل للاسقاط بالاقدام.
وتظهر الثمرة فيما لو ندم بعد القطع، فلا دية له مطلقاً على الاحتمال الأول، وله الدية بنسبة ما لم يسقطها على الاحتمال الثاني وله الدية الكاملة على الاحتمال الثالث.
هذا ولو اقدم على ضرر قتل نفسه، بأن أمر غيره بقتله، لا تسقط دية الورثة، ولا قصاصهم، لأنهما من حقوقهم لا من حقوقه، كما لا تسقط كفارة القتل عنه من صيام وصدقة وعتق، لأنها حكم شرعي، لا حق المقتول، نعم ما كان للمقتول من حق أخروي ربما يسقط بمثل ذلك والمسألة بحاجة إلى تتبع وتأمل.

الفائدة السادسة

:: الاقدام يسقط الحق دون الحكم

لو اقدم شخص على الضرر العرضي، فمقتضى القاعدة سقوط ما جعل له من حق، لا سقوط الحكم الشرعي، مثلاً لو اجاز لشخص ان يغتابه، سقط حق وجوب ارضائه أو الاستغفار له، لكنه حرام من حيث نهى الله تعالى عنها، إذ الاقدام مسقط لما يملك، لا ما لا يملك والله العالم.

الفائدة السابعة

:: الاقدام يُسقط حيثياً

لو اقدم على ضرر مالي، جاز له تداركه من جهات أخر، مثلاً لو اشترى معيباً أو مغبوناً في ثمنه، فندم جاز له الفسخ بخيار المجلس والحيوان، والشرط، ونحوها، وان كان الداعي على اخذه بالخيار ندمه على اقدامه على الضرر، وذلك للاطلاق.


(1). البقرة / 185.
(2). وسائل الشيعة / الصيام / أبواب من يصح منه الصوم / الباب 1 / الحديث 12.
(3). منية الطالب / ج 2 / ص 62.
(4). منية الطالب / ج 2 / ص 63.
(5). وسائل الشيعة / الحج / أبواب الذبح / الباب 19 / الحديث 1، والتجارة / أبواب آداب التجارة / الباب 45 / الحديث 2 و 3 وغير ذلك.
(6). طه / 1 و 2.
(7). الفقه / كتاب الغصب / ص 161 / 163 / 160.
(8). الفقه / كتاب الغصب / ص 161 / 163 / 160.
(9). الفقه / كتاب الغصب / ص 161 / 163 / 160.
(10). مهذب الأحكام / ج 21 / ص 353.
(11). مهذب الأحكام / ج 21 / ص 328.
(12). جواهر الكلام / ج 37 / ص 77.
(13). مصباح الفقاهة / ج 3 / ص 124.