» الفهرس

علم الأصول، هو علمٌ يعنى بدراسة ما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي. ولذلك فإنّ درس الأصول لمستوى الخارج، يمثل مدى علميّة المجتهد الذي يلقي ذلك الدرس، ومن مقارنة دروس المجتهدين يتبيّن الأعلم منهم. وإنّ كتاب بيان الأصول، هو عبارةٌ عن درس خارج الأصول للمرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يمكن للعلماء والفضلاء، الاطّلاع على علميته وأهليّته للمرجعية من خلاله. ونحن ننشر منه هنا الجزء الخامس الذي يناقش فيه سيدنا المرجع قاعدة (لا ضرر ولا ضرار). ومن الله التوفيق. .

» المقدمة

في أدلة قاعدة (لا ضرار) وما استدل به لها، أو يمكن، أمور:

1. الكتاب العزيز

(أحدها) الكتاب العزيز ضمن آيات:

:: ولا تمسكوهن ضرارا

(منها) قوله تعالى: (طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ)(1).
كان الرجل يطلق زوجته إذا غضب عليها، ويصبر عليها حتى يقترب تمام عدتها فيراجعها، لا عن رغبة فيها، وإنما ليطوّل عليها العدة انتقاماً منها. فاعتبر الله تعالى ذلك من الازواج (ضراراً). ففي خبر الحلبي عن الصادق عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: (ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا) قال (عليه السلام): (الرجل يطلق، إذا كادت أن يخلو أجلها راجعها، ثم طلقها، يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى الله عز وجل)(2). وفي خبر البزنطي عن عبد الكريم بن عمرو، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام ـ ايضا ـ قال: لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته، ثم يراجعها وليس له فيها حاجة، ثم يطلقها. فهذا (الضرار) الذي نهى الله عنه(3). (أقول) سيأتي تفسير (الضرار) في شرح مفردات قول النبي (صلى الله عليه وآله) (لا ضرر ولا ضرار) إنشاء الله تعالى(4). وحيث أن المنهي عنه (الإمساك الضراري) ومن المعلوم عدم النهي عن مطلق الإمساك ـ بل بالمعروف منه مأمور به ـ ظهر من ذلك بالظهر العرفي الحجة شرعاً أن النهي لأجل الضرار، فالعليّة ظاهرة ـ، فتأمل.

:: لا تضار والدة بولدها

(ومنها) قوله سبحانه: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(5).
للآية الكريمة ظاهر وتفسير.
1. أما الظاهر ـ ويؤيّده السياق ـ فهو أن نفقة الولد ـ حملاً، وفصيلاً ـ على الوالد، فلا يجوز للوالد إضرار الوالدة بإعطائها أقل، ولا يجوز للوالدة إضرار الوالد بأخذ الأكثر.
وقد صرّحت بذلك طائفة من الروايات.
(منها) صحيح أبي الصباح الكناني ـ بتصحيح العلامة (رحمه الله) وإن اشكله الشيخ حسن صاحب المعالم، باشتراك محمد بن الفضيل(6)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (اذا طلق الرجل المرأة ـ وهي حبلى ـ انفق عليها حتى تضع حملها، واذا وضعته اعطاها أجرها، ولا يضارها، إلاّ أن يجد من هو أرخص اجراً منها، فإن رضيت هي بذلك الاجر فهي أحقّ بابنها حتى تفطمه)(7).

2. وأما التفسير، فهو أن تمتنع الزوجة من وطي الزوج لها خوفاً على رضيعها، وبالعكس، فلا يجوز لكل من الزوج والزوجة، المنع والامتناع بسبب الرضيع، وقد وردت بذلك طائفة أخرى من الروايات، (منها) صحيح الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (كانت المراضع مما يدفع احداهنّ الرجل إذا أراد الجماع تقول: لا أدعك إني أخاف أن أحبل فاقتل ولدي هذا الذي ارضعه، وكان الرجل تدعوه المرأة، فيقول: أخاف أن اجامعك فاقتل ولدي، فيدعها فلا يجامعها. فنهى الله عز وجل عن ذلك، أن يضار الرجل المرأة، والمرأة الرجل)(8).
(أقول) جملة (لا تضار الخ) يستشعر منها العليّة، فتعم ـ، فتأمل.

:: ولا يضار كاتب ولا شهيد

(ومنها) قوله عزّ شأنه (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ...)(9).
(وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ)(10). اصله (يضارر) ـ بكسر الراء الأولى وإن كانت تفتح عند الادغام... فيكون النهي للكاتب والشاهد عن المضارة، فمعنى المضارة أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه، أو بأن يمتنع من إقامة الشهادة.
3. وقيل: الأصل فيه (لا يضارر) ـ بفتح الراء الأولى... فيكون معناه: لا يكلف الكاتب الكتابة في حال عذر لا يتفرغ إليها، ولا يضيق الأمر على الشاهد بأن يدعى إلى إثبات الشهادة واقامتها في حال عذر، ولا يعنّف عليها...(11).
(أقول) أولاً:الظاهر من عدم تقييد الضرر، إطلاق النهي عن كل أنواع الضرر بالنسبة للكاتب والشهيد، سواءٌ ذكر في التفسير أم لم يذكر، كان يكره كاتب على الكتابة، أو يعطى اجراً قليلا عليها.
وثانياً: (لا يضار كاتب ولا شهيد) لا عموم فيها يشمل كل موارد الضرر، وإنما هو خاص بالكتابة والشهادة، إلاّ اللّهم بعدم فهم الخصوصية، أو فهم عدمها (، فتأمل). نعم ليست خاصة بالكتابة والشهادة للدين، ولا لشيء آخر، إذ المورد لا يخصص.

:: أو دين غير مضار

(ومنها) قوله جل وعلا: (.. من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار..)(12). قال الطبرسي (قدس سره) في التفسير: منع الله من الضرار في الوصية، أي: غير موص وصية، تضر بالورثة. (وقيل) أراد غير مضار في الميراث، كره سبحانه الضرار في الحياة وبعد الممات.. وتقديره: لا يضار بعض الورثة بعضاً. (وقيل) هو أن يوصي بدين ليس عليه يريد بذلك ضرر الورثة، فالضرار في الوصية راجع إلى الميراث، وهو أن يضر في وصيته بماله، أو بعضه لأجنبي، أو يقر بدين لا حقيقة له، دفعاً للميراث عن وراثه... وجاء في الحديث أن الضرار في الوصية من الكبائر(13). (أقول) هذه الآية الكريمة، لا ظهور لها في عموم النهي عن الاضرار في كل شيء. وجاء في معتبرة السكوني ـ على الأصح ـ عن الصادق عن آبائه عن علي ـ عليهم السلام ـ انه قال: (ما أبالي اضررت بولدي، أو سرقتهم ذلك المال)(14). وأيضا: (من أوصى، ولم يحف، ولم يضار، كان كمن تصدق به في حياته)(15).

:: غير أولي الضرر

(ومنها) قوله وهو اصدق القائلين: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ...)‏(16).
قال الطبرسي: (نزلت الآية في كعب بن مالك من بني سلمة ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية من بني واقف تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم تبوك، وعذر الله أولي الضرر وهو عبد الله بن أم مكتوم، ورواه أبو حمزة الثمالي في تفسيره(17). (أقول) إلتفاتتان في هذه الآية الكريمة (إحداهما) إنها لا تتضمن حكماً الزامياً، بل فضّلت بين أمرين حسنين (وكلاً وعد الله الحسنى)، (ثانيتهما) انه لا ظهور لها في العموم حتى يشمل غير مورد نزولها ـ، فتأمل ـ.

:: ولا تضاروهنّ

(ومنها) قوله تبارك اسمه:
(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى)(18).
في صحيح الحلبي ـ على الأصح من وثاقة إبراهيم بن هاشم ـ وكذا في صحيح أبي بصير، عن الصادق عليه السلام قال: (لا يضار الرجل امرأته إذا طلقها، فيضيق عليها حتى تنتقل قبل أن تنقضي عدّتها، فان الله قد نهى عن ذلك فقال: ولا تضاروهنّ لتضيّقوا عليهنّ)(19). (أقول) هذه الآية الشريفة ـ أيضاً ـ لا ظهور لها في العموم حتى يشمل غير المورد. (نعم) ملاحظة الآيات الكريمات الست، مع ما ورد في تفاسيرها من الروايات ومعاضدة بعضها لبعض يستفاد منها قاعدة كلية عامة لكل أبواب الفقه بالنهي عن الضرر والضرار والله العالم.

2. العقل

(ثانيها) العقل، وهو حاكم بجزم: بعدم وجوب التحمل للضرر ـ الأعم من عدم الجواز ـ وعدم جواز إضرار الغير. وهو ـ إجمالاً ـ من الأحكام العقلية المستقلة (الأولية) التي يكفي في تصديقها تصورها.

3. الإجماع القولي

(ثالثها) الإجماع القولي، وهو ـ إجمالاً أيضاً ـ محصل بلا إشكال ولا خفاء بل لو إدعيت الضرورة عليه كانت في محلها، وقد ادعاها العديد من فقهائنا العظام ـ رضوان الله عليهم ـ في كتبهم الفقهية في موارد عديدة، كما يظهر ذلك لمن راجع مفتاح الكرامة، والغنائم، والمستند، والجواهر، وغيرها، في أبواب العبادات، والمعاملات، وغيرهما من الأحكام.

4. الإجماع العملي

(رابعها) الإجماع العملي، وهو مسلّم من خلال عمل العلماء وبنائهم في معاشراتهم وفتاواهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتصدّيهم لما يتصدّون له من الأمور الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والعائلية، وغيرها.

5. بناء العقلاء

(خامسها) بناء العقلاء في امورهم المعاشية التي تهمهم لأنفسهم، ولأهل حزانتهم، ومن يعز عليهم، فانهم يتجنبون الضرر والضرار ـ إذا لم يزاحمهما أهم منهما، وهو خارج بالتخصص كما هو واضح ـ ويخصصون بهما الأدلة الالزامية العقلائية، بحيث يكون ذلك من مصاديق التنجيز والاعذار بلا إشكال عندهم. وهذا البناء قد نال الشرطين (الاتصال) بعهد المعصومين عليهم السلام، (وامضائهم) السكوتي له الكاشف عن موافقتهم ـ عليهم السلام ـ له، بحيث لو كان خلاف له لبان. وقد تقدم في المباحث السابقة أن طرق الإطاعة والمعصية عقلائية، إلاّ ما وسّع الشارع أو ضيق بالادلة الخاصة (وأوفينا) بحث بناء العقلاء حقه عند الحديث عن حجية الظواهر فلاحظ.

6. بناء المتشرعة

(سادسها) بناء المتشرعة على تخصيص الأدلة للأحكام الإلزامية بعدم الضرر والضرار، وهو بنفسه طريق عقلائي لكشف الأحكام الشرعية، نظير كشف أحكام كل دين، أو ملّة، أو قانون، ونحوها من بناء المتشرعين والملتزمين بها.
ـ في حجّيتها ـ وقد صرح جمع منهم: الشيخ محمد حسين الأصفهاني بعدم احتياج بناء المتشرعة إلى الشرطين الذين كان يلزم توفرهما في (بناء العقلاء) لحجيته الشرعية (الاتصال) و(الإمضاء).
وقد تقدم عند مباحث حجية الظواهر تفصيل الحديث عن ذلك فلا نعيد.
وكذا ارتكاز المتشرعة ثابت ـ إجمالاً ـ على تخصيص الأدلة بعدم الضرر والضرار، وهو ـ عند ثبوته صغرى ـ أيضاً طريق عقلائي لكشف الأحكام الشرعية. وقد تعاقبت الكلمات عصراً بعد عصر، وكابراً اثر كابر، ومحققاً بعد محقق، في التأكيد على حجية ارتكاز المتشرّعة، منذ عهد الشيخ الطوسي (قده) وإلى اليوم في المؤلفات الفقهية في شتى الأبواب. وقد تقدم منّا بعض الحديث عن ذلك وسيأتي في أول الاستصحاب إنشاء الله تعالى ـ أيضاً ـ. إلا أن القصور في هذه الأدلة ـ غير الكتاب العزيز ـ يرجع إلى إنها لبيّة لا إطلاق لها ولا عموم حتى تكون مفيدة في موارد الشك، ولذا لم نفصل الحديث عنها هنا لقلّة فوائدها في ما نحن فيه ـ، فتأمل.


(1). البقرة/ 231.
(2). تفسير نور الثقلين: ج1، ص226، سورة البقرة: ح877 و878.
(3). تفسير نور الثقلين: ج1، ص226، سورة البقرة: ح877 و878.
(4). في بحث السنة، الجهة الثالثة.
(5). البقرة/ 233.
(6). مشتركات الكاظمي (هداية المحدثين): ص250.
(7). نور الثقلين: ج1، سورة البقرة: ص227، الحديث 883، 881.
(8). نور الثقلين: ج1، سورة البقرة: ص227، الحديث 883، 881.
(9). البقرة: 282.
(10). البقرة: 282.
(11). مجمع البيان: ج1، ص399.
(12). النساء: 11.
(13). مجمع البيان: ج2، ص17-18.
(14). الوسائل: الوصايا، الباب5، ح1و2.
(15). الوسائل: الوصايا، الباب5، ح1و2.
(16). النساء: 95.
(17). مجمع البيان: ج2، ص96.
(18). الطلاق: 6.
(19). الوسائل، الطلاق، العدد، الباب 18، الحديث 2.