:: (التنبيه السابع)
(لا ضرر) واللا اقتضائيّات

هل قاعدة (لا ضرر) تشمل اللااقتضائيات: أم هي خاصة بالأحكام الالزامية؟
مقتضى القاعدة ان نقول: ان قلنا: بأن لا ضرر، أو لا حرج، عزيمة مطلقاً، أو في الموارد التي يكون عزيمة، كالاضرار البالغة المؤدية إلى الموت أداءً قريباً حيث يحرم فيها تحمل الضرر أو الحرج، فشمول (لا ضرر، ولا حرج) حتى للمباح ـ بعنوانه الأولي ـ واضح لقلبه لازم الترك، وكذا المستحب والمكروه.
فلو صار المستحب مضراً، وكذا المكروه والمباح، انقلب حراماً، أو صار ترك المستحب أو المكروه أو المباح مضراً، انقلب واجباً ـ بناءً على ما مضى في المبحث السابع من الكتاب من القول بحكومة (لا ضرر) على العدميات أيضاً ـ.
وان قلنا: بأن لا ضرر ولا حرج رخصة مطلقاً ـ كما اخترناه ـ أو في بعض الموارد، كالاضرار الخفيفة فشمولها للمباح منفي بلا إشكال، إذ المباح هو المرخص فيه، والترخيص بلا ضرر تحصيل للحاصل.
مثلاً: لو صار شرب الماء مضراً بضرر يسير فلا يزيده (لا ضرر) عن الترخيص في الفعل والترك جميعاً، وهو عبارة أخرى عن الاباحة.
وأما شمول (لا ضرر، ولا حرج) للمستحب والمكروه، كما لو صارت النافلة ضررية أو حرجية بضرر وحرج خفيفين أو صار ترك النوم بين الطلوعين ضررياً أو حرجياً، ففيه احتمالان وقولان:

:: القول الأول

أحدهما: شمول لا ضرر ولا حرج لها لظهورهما (لا حرج ولا ضرر) في نفي الجعل، بل لا حرج، صريح في ذلك، فيكون حكم صلاة الليل حينئذٍ حكم المباح لا المستحب، واثره رفع الاستحباب والكراهة، ولازم ذلك حرمة الاتيان بالعبادية منهما، لتوقفها على الأمر والنهي، واباحة غير العبادية منهما، كاستحباب أكل التفاح، وكراهة المشي بين النساء.
نعم، يحرم قصد القربة والتعبد بهما حينئذٍ.
وهو صريح الفقهاء في بعض الموارد، ففي مصباح الفقيه للهمداني ـ قده ـ في كراهة الكلام للمتخلي: (او اضطر إلى التكلم لأجل حاجة يضر فوتها لأدلة نفي الحرج والضرر، الحاكمة على العمومات المثبتة للتكليف)(1).
وفي الجواهر: (او حاجة يضر فوتها)(2) وعلله بقوله: (لانتفاء الحرج).
وقال الشهيد الثاني في الروض: (وأما الحاجة فلما في الامتناع من الكلام عندها من الضرر المنفي بالآية)(3) ولعله يريد بذلك قوله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)(4) ونحوه.
وقد صرح بعدم النص فيه، السيد علي بحر العلوم، في (برهان الفقيه) قال: (ويكره الكلام إلاّ للضرورة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، وحيث إن استثنائه بذلك لا بالنص، لزم تقييده بصورة انحصار طلبها بالكلام...)(5).
وهكذا المولى صالح البرغاني في شرح التبصرة وغيرهما.
وقال الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة ـ في هذا المقام: (ويريده نفي الحرج بناءً على جريانه في الحكم غير الالزامي، وان الضرورات تبيح المحظورات، فالضرورات العرفية وان لم تبلغ مراعاتها حدّ الوجوب تبيح المكروهات، ومنه يعلم ان حال الاضطرار مستثنى من جميع المكروهات)(6).
ولا يخفى دلالة ذيل كلامه، على ميله الشديد إلى حكومة (لا ضرر ولا حرج) ونحوهما على عامة المكروهات.

:: القول الثاني

ثانيهما: عدم شمولهما، للمستحب والمكروه، لأن ظاهرهما رفع الالزام بالانصراف وهما لا إلزام فيهما، ولازمه بقاء الطلب بالفعل والترك في المستحب والمكروه.
وصرح بذلك بعض المراجع في الأصول والفقه جميعاً، فقال في أصوله: (ان دليل لا ضرر حاكم على الأدلة الدالة على الأحكام الالزامية، دون الأدلة الدالة على الأحكام غير الالزامية، كالاستحباب والاباحة، باعتبار ان دليل (لا ضرر) ناظر إلى نفي الضرر من قبل الشارع والضرر في موارد الاباحة والاستحباب مستند إلى اختيار المكلف وإرادته، لا إلى الشارع، فالأحكام غير الالزامية باقية بحالها وان كانت متعلقاتها ضررية...)(7).
وقال في الفقه: (إن أدلة نفي الحرج والضرر ناظرة إلى نفي الأحكام الالزامية الحرجية أو الضررية ولا تشمل الأحكام غير الالزامية، إذ لا حرج في فعل المستحب وترك المكروه، ولا امتنان في رفعهما لمكان الترخيص في ترك أحدهما وارتكاب الآخر، وأدلة نفي الضرر مسوقة للامتنان فلا يجري فيما لا امتنان فيه)(8).
وفيه: ان كان المراد باختصاص (لا ضرر) بالالزاميات، هو الانصراف عن غير الالزاميات والظهور اللفظي في الالزاميات، فعهدته على مدّعيه، وهو غير ظاهر لنا ولا للمحققين من أمثال صاحب الجواهر، والشيخ والعراقي، وغيرهم، وان كان المراد: ان الضرر غير مستند إلى الشارع ـ كما هو صريح كلامه ـ فلا يبعد صدق الاستناد، إذ الاستناد قسمان: الزامي، وندبي،والاستناد الندبي بطلب المولى موجود.
ألا ترى لو ان زيداً حرّض شخصاً إلى تجارة وندبه إليها، فخسر فيها، صح نسبة ذلك إلى زيد نسبة طلبية، مع أن تخصيص (لا ضرر) بالالزاميات يستلزم أموراً قد لا يلتزمون بها:
منها: بطلان صوم القضاء عمن بذمته إذا اوجب ضرراً وصحة الصوم المستحب كنصف شعبان، مع اطلاق بطلان الصوم المستحب لمن بذمته الصوم الواجب.
ومنها: بطلان حجة الإسلام، وصحة الحج الاستحبابي مع كون الشخص مستطيعاً وكان الحج له مستلزماً لضرر.
ومنها: عدم مطلوبية الأمر بالمعروف الواجب، والنهي عن المنكر الحرام، ومطلوبية الأمر بالمستحب، والنهي عن المكروه، فلو كان شخصان: أحدهما يشرب الخمر، والثاني ينام بين الطلوعين، وفي كلا النهيين ضرر، فيكون النهي عن النوم بين الطلوعين مطلوباً، وعدم مطلوبية النهي عن شرب الخمر.
ومنها: كون عمل واحد واجباً وحراماً في وقت واحد، كالمتضرر بالوضوء أول الوقت فإنه يحرم عليه الوضوء الواجب، ومكلف بالتيمم، وفي نفس الوقت يستحب الوضوء المستحب، بقصد الكون على الطهارة، وهذه مقدمة وجود بالنسبة إلى الطهارة المائية، فيجب، وكذا غسل الجنابة وغسل الجمعة.
ومنها: حرمة دفع الزكاة الواجبة إذا صار الدفع ضررياً واستحباب دفع الزكاة المستحبة كمال التجارة مثلاً مع ضرريته.
ومنها: صحة صيام اليومين الأولين في الاعتكاف المندوب وبطلان صيام الثالث ـ إذا كان الصوم ضررياً ـ وماذا ينتج مثله؟
ومنها: غير ذلك وجامع ذلك كله: كون عبادة واحدة في وقت واحد ومن حيثية واحدة واجبها باطلاً ومستحبها صحيحاً.

:: صحة الوضوء والغسل الضرريين

ثم إنه قد رتب على ما التزمه من عدم حكومة (لا ضرر) على اللااقتضائيات صحة الوضوء والغسل الضرريين، بتقريب: ان الوجوب مرتفع ضرر، لكن الاستحباب لغاية مستحبة باق، إذ الاستحباب لا يرتفع بلا ضرر.
ثم قال: وهذه الصحة فقط في الوضوء والغسل، لا في غيرهما، كالقيام الضرري في الصلاة لعدم الأمر بالقيام استحباباً وارتفاع القيام الواجب بلا ضرر، فلا أمر مطلقاً بالقيام، فالصلاة مع القيام الضرري باطلة.
وقال: ان في المسألة أقوالاً ثلاثة:
الأول: الحكم بصحة الطهارة الضررية مع العلم بالضرر، أو الحرج، وهو الأقوى.
الثاني: الحكم بالفساد فيهما، وهو خيرة المحقق النائيني.
الثالث: التفصيل بين الضرر فالبطلان، والحرج فالصحة، وهو خيرة العروة، ولعله المشهور بين المتأخرين(9) انتهى ملخصاً.
أقول: قد يلاحظ عليه أمور:
أحدها: ان قلتم: بأن (لا ضرر) رخصة، اقتضى صحة حتى القيام الضرري في الصلاة، لأن الرخصة في الترك لا يدل على سقوط الأمر مطلقاً.
وان قلتم: بأن (لا ضرر) عزيمة ـ يعني: الوضوء الضرري باطل ـ اقتضى بطلان الندبي أيضاً، لأن الضرر أمر خارجي، والوجوب والندب في الوضوء إنما يفترقان بالنيّة، والنيّة لا مدخلية لها في الضرر وعدمه، فبطلان الوضوء معناه: بطلان هذا الأمر الخارجي فكيف ينقلب هذا الأمر الخارجي الذي تعلق به البطلان صحيحاً مع تبديل القصد والنيّة؟، فتأمل.
ثانيها: هل يشمل الوجوب والندب ـ اللذان فرقتم بينهما بشمول (لا ضرر) للوجوب وعدم شموله للندب ـ العارضيين لفعليتهما فيهما؟ ولازمه شمول (لا ضرر) للوضوء بقصد الكون على الطهارة المنذورة، وعدم شمول (لا ضرر) لصلاة الظهر المعادة، ببطلان نفس صلاة الظهر وصحة المعادة، وهو أمر مستهجن لا يظهر من (لا ضرر).
ثالثها: هل تلتزمون بمثل ذلك في الحرام والمكروه، فتقولون بسقوط الحرمة ـ لأجل لا ضرر وعدم سقوط الكراهة، كما في الاصباح جنباً، فإنه في نفسه مكروه لكراهة مطلق البقاء على الجنابة، وفي شهر رمضان حرام، فترتفع الحرمة ولو اغتسل كان باطلاً، وتبقى الكراهة، فلو اغتسل من اجل الكراهة كان صحيحاً.
ومعه يجب عليه الغسل الضرري لإمكان مقدمة وجود الغسل.
(هذا) كله مضافاً إلى أنّ ظاهره كغيره عدم الفرق بين الصوم الواجب والمستحب بالنسبة إلى الضرر، فلم يعلق هو ـ كغيره ـ على قول العروة: (يشترط في صحة الصوم المندوب ـ مضافاً إلى ما ذكر ـ ...(10) وقد ذكر قبله اشتراطه بعدم الضرر، فلم يستثنه في المندوب (اللهم) إلاّ أن يقال بخصوصية الصوم المندوب بذلك دون غيره ـ، فتأمل.

:: تقسيم الشيخ الأنصاري ـ قده ـ

ثم إن الشيخ في بعض تقريرات بحثه قسّم الضرر في اللااقتضائيات كما يلي بتلخيص مني ـ وقد ذكره في العسر الذي هو اخص من الضرر حكماً ـ:
1. المستحب العسير: قد يوجب اختلال النظام، فينقلب حراماً بلا إشكال.
2. وقد يوجب ايلاماً، كقطع بعض الاعضاء.
3. وقد لا يوجبه، كغسل الجمعة في الماء الشديد البرودة في الشتاء الشديد البرد.
قال: فإن كان دليل نفي العسر العقل، جاز الاخيران بالنسبة لرؤساء الدين كالأنبياء والأوصياء، ولم يجز الايلامي بالنسبة لغيرهم، وأما ما لا يوجب ايلاماً، فيجوز لغيرهم.
وان كان دليل العسر لفظياً، خصوصاً مثل قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فهو موجب لعدم شمول أدلته اللااقتضائيات للعسر الايلامي وغيره.
إلا ان يدعى انصرافه إلى العسر في الالزاميات، فتدبر.
ثم قال: وقد يستشكل بأن بعض المستحبات لا طلب فيها، بل ذكر بنحو الحكم الوضعي كـ (يستحب) ونحو ذلك.

:: مناقشة هذا التقسيم

أقول: هذا الكلام قد يلاحظ عليه أمور:
أحدها: ان ذلك ان رجع إلى ما اخترناه من: ان الضرر الحرام تحمله، حاكم على المستحبات والمكروهات والمباحات بالأولوية، والضرر الجائز تحمله، ليس حاكماً لا على الاقتضائيات، ولا على اللااقتضائيات، والا فهو محتاج إلى دليل يدل عليه.
ثانيها: ان التفريق بين الأنبياء والأوصياء وبين غيرهم وان كان في محله، لأنهما في مقام تأسيس اللااقتضائيات الواجب عليهما، دون العمل باللااقتضائيات المستحب، إلاّ أن هذا التفريق غير محل كلامنا، إذ هو في البحث عن وظائف العباد عامة ـ، فتأمل.
ثالثها: ان طرح البحث والتقسيم المذكور في كلام الشيخ ـ قده ـ بالنسبة إلى العسر محل ايراد، إذ لو كان بالنسبة إلى الضرر والحرج لكان له وجه، أما العسر فإن كان هو الحرج ـ كما قيل ـ فلا داعي لتغيير التعبير، وان كان اخف من الحرج، فالمعروف بين الفقهاء ـ ومنهم الشيخ ـ قده ـ في طيات كلامه ـ عدم رفع التكاليف بمجرد صدق العسر عليها عرفاً، وإلا فالقيام من النوم لصلاة الصبح، عسر جداً على بعض الشباب، والحج عسر على بعض الناس، وهكذا.
رابعها: ان التفريق بين المندوب بنحو الطلب، وبينه بنحو الحكم الوضعي (يستحب) قد يورد عليه:

أولاً: ان يستحب عرفاً، يعني الطلب لا غير، ولا العرف ببابك.
وثانياً: بناءً على ما اسسناه من حكومة (لا ضر) ونحوه على الأحكام الوضعية، لا يجدي التفريق بين الحكم التكليفي والوضعي في المقام، والله العالم.


(1). مصباح الفقيه / كتاب الطهارة / ص 95.
(2). جواهر الكلام / ج 2 / ص 74.
(3). الروض / ص 27.
(4). الحج / 78.
(5). برهان الفقيه / ج 1 / ص 188.
(6). كتاب الطهارة / ص 79.
(7). مصباح الأصول / ج 2 / ص 552.
(8). التنقيح في شرح العروة الوثقى / ج 4 / ص 467 / مكروهات التخلي.
(9). مصباح الأصول / ج 2 / ص 552.
(10). العروة الوثقى / الصيام / شرائط صحة الصوم / المسألة 3.