:: المبحث الأول
التخصيصات لـ(لا ضرر)

قيل: لا يمكن الاعتماد على عموم الضرر، لكثرة التخصيصات فيه، قال الشيخ الأنصاري: (إلا أن الذي يوهن فيها كثرة التخصيصات بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي، خصوصاً على تفسير الضرر: (بإدخال المكروه) بل لو بنى على العمل بعموم القاعدة حصل فيه فقه جديد).
أقول: لعل نظره إلى أن مقتضى العموم سقوط وجوب الصلاة والصوم، والحج والزكاة والقصاص والديات ونحوها إذا استلزم ضرراً مالياً ونحوه، وكذا مثل نجاسة الملاقي المسقطة لماليته، كالمرق، والمنفعة لها، كاللباس، فإنها مجعولة بالضرورة، وحيث أن تخصيص الأكثر مستهجن، فلا مناص من الذهاب إلى أن الضرر المنفي مجمل، لا يصح الاستدلال به، إلاّ في الموارد المنصوصة، أو المنجبرة بعمل الأصحاب.

:: كلمات الشيخ والآخوند والنائيني ـ قدهم ـ

وأجاب هو: بأنه لو كان للتخصيص الأكثر جامع، فلا قبح فيه، ولو كان افراد ذاك الجامع اكثر، وعليه فلا مانع من الاستدلال بعموم (لا ضرر).
ورده الآخوند في حاشية الرسائل: بانه لا فرق في الاستهجان بتخصيص الأكثر وجود الجامع وعدمه، إذا كان محط العام الأفراد.
نعم لو كان محط العام الأنواع، وخرج واحد، كان أفراده اكثر من بقية الأنواع، فلا إشكال ولا استهجان.
ورد النائيني على الاخوند: بالفرق بين القضية الحقيقية والخارجية، وأن الاستهجان في الثاني لا الأول و(لا ضرر) من القضية الحقيقية، فلا استهجان.
ورد البجنوردي على النائيني ـ انتصاراً للآخوند ـ: بأن القضية الحقيقية ـ في الوجود الخارجي ـ ليست إلاّ الخارجية، وإنما الفرق في كيفية الصياغة، مع أن لا ضرر ـ كما استظهره من الأدلة ـ قضية خارجية لا حقيقية.
وانتصر بعض الأجلة لتقسيم النائيني وتفريقه بين القضية الحقيقية والخارجية لكنه رده موضوعاً، وقال: أن (لا ضرر) قضية خارجية، فتخصيص الأكثر فيه مستهجن، ولو كان بجامع، والنتيجة.
أنه انتصر للآخوند في استهجان التخصيص الأكثر، لأن (لا ضرر) قضية خارجية.

:: معظمه تخصص

ثم أن جماعة من المتأخرين(1) قالوا: بانه ليس تخصيصا، بل المعظم تخصص وبيانه: أن ظاهر (لا ضرر) الحكومة على الأحكام التي لها حالتان:
ضررية.
غير ضررية.
فترفع الضررية منهما.
أما ما كانت مجعولة على الضرر، فلا حكومة لـ(لا ضرر) عليها، والخمس والزكاة، والحج، والديات، والقصاص، والضمانات، ونحوها، كلها مجعولة ضررية، فلا ظهور لـ(لا ضرر) يشملها حتى يخرج بالتخصيص ويكون اكثر.
نعم، لو كان لهذه الأحكام ضررٌ زائد على اصل جعلها الضرري، انتفى ذاك الضرر الزائد بـ(لا ضرر) كما لو كان في الحج سجن، أو في الخمس والزكاة خوف من ظالم ونحو ذلك.

:: تخصيصات ثلاثة

وقد ذكر بعض مراجع العصر ثلاثة موارد، اعترف بكونها تخصيصاً وهي:
1. نجاسة المتنجسات.
2. وجوب الغسل على مريض أجنب نفسه عمداً، ولو كان ضررياً للنص، وإن أعرض المشهور عن هذا النص.
3. وجوب شراء ماء الوضوء، ولو باضعاف ثمنه، فهو ضرري منصوص معمول به من قبل المشهور.
قال: نلتزم بهذه الاستثناءات الثلاثة ـ وظاهره عدم استثناء آخر ـ لأن أدلتها أخص مطلقاً من أدلة نفي الضرر، لجعلها مع الالتفات إلى كونها ضررية.

:: بحوث ستة في المقام

أقول: لنا ها هنا بحوث:
أحدها: لو خدشنا عموم (لا ضرر) فلا يصح التمسك في موارد خاصة (بالنص) أو (بعمل الأصحاب) لظهور النصوص في أن العلة هو الضرر لا غير، فيعم الضرر غير تلك الموارد.
وظهور عمل المتقدمين ـ كالشيخين والسيدين وغيرهما ـ في العبادات والمعاملات على أن مستندهم مجرد الضرر، لا قرائن أخرى توفرت لديهم في تلك الموارد ولا نعرفها.
فالجمع بين التزام قبول موارد النص وعمل الأصحاب، وبين نفي كون تلك الموارد لأجل الضرر غير تام.
وملاحظة موارد عمل الأصحاب في كتب المتقدمين، كفيل بإثبات ذلك حيث فرّعوا فروعاً كثيرة في مختلف أبواب الفقه على (لا ضرر) كصراحة بعض الأخبار في كون الضرر علة لرفع الحكم، وقد مرت الأخبار فلاحظها.
ثانيها: بما أن الضرر عنوان عرفي، فالعرف بملاحظة المصالح العامة لا يرون كثيراً من الأمثلة المذكورة ضررية، كالخمس، والزكاة، والضمانات، والحدود، الديات، ونحوها، لالتزام العقلاء نظائرها في حكوماتهم، ولو قيل لأحدهم أنه ضرر عليك فلماذا تخضع له، يراه كلاماً غير عقلائي ـ وإن كان بالنظرة الخاصة ضررياً ـ.
ثالثها: إشكال الشيخ بلزوم تخصيص الأكثر ـ على فرض صحته ـ إنما يلزم على مبناه والمشهور، وهو نفي الضرر، والأحكام الشرعية.
وأما على مبنى شيخ الشريعة ومن تبعه: من أن النفي لا ضرار الناس بعضهم لبعض، فلا يرد عليه تخصيص الأكثر، لأن أكثر الأمثلة، بل كلها من الأحكام الشرعية، كالخمس، والزكاة، والجهاد، والديات، والحدود، ونحوها.
رابعها: قال بعض مراجع العصر: إن الخمس لم يجعل ضررياً، إذ الشارع لم يجعل الملك في الفوائد إلاّ الأربعة اخماس، فالخمس لا يكون ملكاً من رأس بل هو عدم النفع، واستنظره بمن مات أبوه وكان له اخ يشاركه في الإرث، فهل هذه الشركة ضرر على الابن الأول؟
ثم قال: نعم، الزكاة ضرري، لأن المالك مالك لمقدار الزكاة أيضاً طول السنة فاخراجها ضرري، لكنها من الجعل في مورد الضرر، والخروج بالتخصيص(2).
أقول ـ مضافاً إلى وحدة الدليل والملاك ظاهراً في الخمس والزكاة، حتى قال صاحب الجواهر، وتبعه ابن العم الميرزا عبد الهادي الشيرازي ـ قدهما ـ وآخرون(3): بأن الأحكام مشتركة فيهما إلاّ ما خرج بدليل خاص:
إن الخمس أيضاً ضرر عرفاً، وعدم النفع مطلقاً ليس غير ضرر، بل أحياناً ضرر عرفاً.
خامسها: قد يقال: بأن (لا ضرر) سبيله سبيل نظائره مثل: (لا عدوى في الإسلام) و(لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد) و(لا صدقة وذو رحم محتاج).
بمعنى: عدم المقتضي، وهذا لا ينافي وجود المانع في موارد كثيرة، بل اكثر، فمثلاً لو كان ألف شخص جيران المسجد، خوطبوا جميعاً بـ(لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد) ثم تبيّن لأكثرهم موانع أهم فهل هذا خدش في: (لا صلاة لجار المسجد)؟ و(لا ضرر) هكذا.
فإن قيل: إذن فلا يمكن التمسك بـ(لا ضرر) في الفروع المختلفة إلاّ بقاعدة (المقتضي والمانع) ولا نقول بها.
قلنا: قاعدة (المقتضي والمانع) باطلة في التكوينيات، لا في الظواهر، وإلا فالظواهر كلها مبتنية على أصالة عدم قرينة الخلاف، وهي المانع.، فتأمل.
سادسها: لا تنحصر موارد تخصيص (لا ضرر) بالثلاثة التي نقلناها عن بعض المراجع، بل هناك موارد أخرى: منها: الحرية القهرية في شراء أحد العمودين، أو المحارم بالنسبة إلى الرجل. ومنها: الصيد كان مع الشخص فدخل به الحرم. ومنها: جعل الدية على العاقلة في قتل الخطأ المحض. ومنها: الميتات غير النجسة، حيث تسقط عن القيمة، لحكم الشارع بحرمة أكلها. ومنها: لو أوصى إلى زيد ولم يعلمه، ومات الموصي، لزم الوصي العمل به، وإن كان ضرراً عليه ـ على المشهور ـ وأن رده العلامة في المختلف والتحرير، ومال إليه المسالك، قال: (لاستلزام ذلك الحرج العظيم والضرر الكثير في اكثر مواردها)(4). ومنها: لو نسى ذكر الاجل في العقد المنقطع انقلب دائماً على المشهور، وهذا ضرر مالي، وغيره أيضاً. ومنها: حرمة الزنا، واللواط، والسحق، بل والاستمناء حتى مع الضرر، وكذا قتل الإنسان نفسه، وقطع بعض اعضائه، ـ إلاّ إذا كان أهم، وهو خارج عما نحن فيه، لأنه ليس بملاك مطلق الضرر، بل بترجيح أحد الضررين ـ. ومنها: أن على الولد الأكبر الصلوات والصيام التي على الأب، وإن كانت كثيرة، ولعل الإطلاق يشمل ما كان ضرراً على الولد. ومنها: التلف قبل القبض من مال بايعه، فانه ضرر على البائع بعد ما كان الملك للمشتري والمنافع للمشتري، فيكون التلف من البائع. ومنها: المحصور في الحج الذي بعث هديه وواعد يوماً وأحلّ، ثمّ انكشف أنه لم يذبح، فانه على قول يبقى في الإحرام إلى السنة القادمة حتى يحج ثانياً، حتى مع كونه ضرراً عليه(5). ومنها: غير ذلك في موارد كثيرة.

:: أجوبة المحقق الأصفهاني

أما المحقق الأصفهاني فقد أجاب ـ عن تخصيص (لا ضرر) تخصيصاً أكثر ـ بأمور:(6)
الأول: لا استهجان للتخصيص الأكثر، إذ العموم إنما يكون بداعي جعل الحجة للعبد وعليه: ولا ينافيه التخصيص الأكثر.
وفيه أولاً: جعل الحجية بصيغة العموم مع عدم ارادته، مستهجن عرفاً.
وثانياً: إذا كان المولى في مقام الامتنان، فإن الاستهجان يكون اشد، و(لا ضرر) امتناني، فطرحه عاماً ثم تخصيص الأكثر مستهجن بشدّة.
الثاني: على فرض استهجانه، فالمسلّم منه ما إذا كان الباقي قليلاً، مثل عشرة من الالف، أما لو كان الباقي أيضاً كثيراً، ولكن كان التخصيص اكثر منه، فلا يقين باستهجانه.
وفيه: لا إشكال في الاستهجان فيما كانت الإرادة الجدية من العموم.
الثالث: التخصيص ليس اكثر الأفراد(7).
أقول: هذا تام كما مرّ، فإن موارد العمل بـ(لا ضرر) اكثر من ضده.

:: جواب العلامة المامقاني

أما العلامة المامقاني(8) فالتزم بوهن (لا ضرر)، لكثرة التخصيصات، وقال: فعليه لا يجوز العمل بالعموم إلاّ فيما عمل به الأصحاب لسببين:
أحدهما: أن العمل بعموم (لا ضرر) ـ كأي عملٍ آخر ـ مشروط بالفحص عن مخصصه، حيث أن مخصصاته كثيرة، ولا ضابط خاص لها، ومعظم المخصصات بالاجماعات خرجت، فكل مورد شك في التخصيص وعدمه، يظن بالتخصيص للأعم الأغلب، ولا رافع لهذا الظن، إلاّ موارد عمل الأصحاب.
ثانيهما: العلم الإجمالي بالتخصيصات، شامل لكل مورد شكل في التخصيص ولا مزيل لهذا العلم الإجمالي إلاّ عمل الأصحاب.
أقول: هذا هو خلاصة أربع صفحات من كتاب (بشرى الوصول).
وفي الأول: ـ مضافاً إلى ما سبق من عدم تسليمنا اكثرية التخصيصات في لا ضرر ـ إن الالحاق بالاعم الأغلب لا يؤسس ظهوراً، ولا يهدم ظهوراً، كما حقق في محله.
وفي الثاني: العلم الإجمالي بالتخصيصات منحل إلى ما علم تخصيصه بعد الفحص، وما شك بدوياً، وفيه البراءة محكمة، كما حقق في محله أيضاً.

:: المبحث الثاني

الضرر المنفي في الإسلام يحتمل وجوهاً:
أحدها: أن يكون نوعياً بأن يرفع عن الكل بلحاظ الضرر على النوع والغالب، كما استدلوا في خيار الغبن بالضرر، مع أن الغبن قد يكون نفعاً للمغبون.
ثانيها: أن يكون شخصياً، كالحرج والعسر، ونحوهما، فكل من كان الغبن مثلاً ضرراً بالنسبة إليه، نحكم بعدم لزوم العقد بالنسبة إليه، وإلا فلا.
ثالثها: النسبي المطلق، بأن نقول غبن عشرة بالمائة صح مع ضرر، وغبن واحد بالمائة ليس غبناً مطلقاً.
رابعها: النسبي الخاص، بأن نقول غبن عشرة بالمائة ضرر في معاملة بدينار، وليس غبن واحد بالمائة غبناً فيها، أما الواحد بالمائة فهو غبن في مليون دينار.
خامسها: التفصيل بين العبادات فشخصي، وبين المعاملات فنوعي للاستدلال في الغبن والعيب وغير ذلك نوعياً بالضرر.
أقول: حيث أن (لا ضرر) عبارة عرفية، ويجب استفهام العرف فيها فلعل الظاهر وإن كان يساعد المحتمل الرابع، لانتشار (لا ضرر) بعدد موارد الضرر، فكل مورد كان ضرر عرفاً، فهو مرتفع، وإن كان نظيره غير ضرري عرفاً. إلاّ أنه سيأتي بيان كونه ظاهر القواعد والأصول الشرعيّة بل والعقليّة والعقلائية يساعد المحتمل الثاني.

1. الضرر المنفي نوعي؟

أما الاحتمال الأول: فيؤيده استدلال الفقهاء ومنهم الشيخ الأنصاري ـ قده ـ في خيار الغبن والعيب وغيرهما بـ(لا ضرر) مع أن الغبن قد لا يكون ضررياً بل ربحاً للمغبون، فالمشتري ما قيمته عشرة، بخمسة عشر، لو ارتفع السعر إلى عشرين، غير متضرر بل رابح، وبالعكس: البائع ما قيمته خمسة عشر، بعشرة، لو نزل السعر إلى الخمسة فهو رابح غير متضرر.
ففي المستند: (الرابع: خيار الغبن... والحق ثبوته لكن لا لقوله تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) ولا... ولا... بل لنفي الضرر والضرار في أحكام الإسلام كما ورد في المتواتر من الأخبار)(9).
وكذا خيار الغبن ثابت عند المشهور ـ كما في المستند أيضاً ـ حتى لو بذل الغابن التفاوت، مع أنه ليس هنا ضرر اصلاً.
وقد استدل الفقهاء كثيراً بـ(الضرر) في النوعيات، فدونك الجواهر، فهي مليئة بامثال ذلك.
واختلفت كلمات الفقهاء، واضطربت أحياناً في الفروع المختلفة، حتى مثل الشرايع، فانه قال:
1. في شرائط الحج، فيما لو كان في الطريق عدو لا يندفع إلاّ بمال: (لو قيل يجب التحمل مع المكنة كان حسناً).
2. وقال في الفرع الخامس من بحث المصدود والمحصور: (لو طلب العدو مالاً، لم يجب بذله، ولو قيل بوجوبه إذا كان غير مجحف كان حسناً).
3. وقال في الفرع الأول منه : (إذا حبس بدين، فإن كان قادراً عليه، لم يتحلل وأن عجز عنه تحلل).
مع أن المسائل الثلاث لا دليل خاص لها، بل ليس فيها غير الاطلاقات ولا ضرر
وقد يؤيد كون رفع الضرر نوعياً: كثرة الموارد المشكوكة والمشتبهة مفهوماً و مصداقاً ـ لو قلنا بالضرر الشخصي ـ فيقع الضرر الكثير نتيجة على الناس، وهو مناف لظاهر رفع الضرر الشامل لمثل هذه الأضرار، والمنافي لسهولة وسماحة الشريعة.
وفيه: اولاً: نفس هذا الإشكال مشترك الورود بين الضرر الشخصي والنوعي، إذ لو قلنا بالنوعية أيضاً كانت موارد كثيرة مشكوكة في إنها نوعية أم لا؟
والحل في النوعية هو الحل في الشخصية.
ثانياً: الآن والفقهاء ملتزمون بالضرر الشخصي، فأيّ ضرر كثير لزم في المسلمين؟
ويؤيد النوعي ايضا، ما ذكروه في صلاة الآيات لأخاويف السماء فصرّحوا باشتراط خوف الغالب، قالوا: لابتناء الأحكام على الغالب ـ كما في روايات العلل ـ.
وفيه: أولاً: في صلاة الآيات، الروايات صرحت بمثل: (أخاويف السماء) وهي لا تشمل خوف النادر، بل منصرفة إلى ما من شأنها الاخافة، أو الاخافة الفعلية وكلاهما ينسجم مع خوف الغالب لا النادر.
وثانياً: ما في روايات علل الأحكام، من ابتناء الأحكام على غالب الناس هو لبيان علة التشريع لا علة الحكم، كما لا يخفى!

2. الضرر المنفي شخصي

وأما الاحتمال الثاني: وهو كون الضرر شخصياً مطلقاً، في العبادات والمعاملات فهو الذي ارتضاه الشيخ وتبعه الكل ـ فيما اعلم ـ في الأصول.
قالوا: لأن فعلية الحكم تابعة لتحقق موضوعه، والحكم هو النفي والموضوع هو الضرر ـ في لا ضرر ـ فكلما تحقق الضرر في الخارج صار النفي للأحكام الإلزامية فعلياً، وهذا ينسجم مع شخصية الضرر مطلقاً في العبادات والمعاملات جميعاً، لعدم الفارق بينهما، لا نوعيته.
هذا وإنما جاء الوهم بنوعية الضرر في المعاملات، من تمسك جمع من الاكابر ومنهم الشيخ الأنصاري، لخيار الغبن والشفعة بـ(لا ضرر) مع انهما قد لا يكونان ضرريين، بل بين كل منهم وبين الضرر عموماً من وجه. خلافاً لبعض المراجع حيث جعل.. دليل الشفعة الروايات الخاصة، ودليل خيار الغبن تخلف الشرط الارتكازي العقلائي الضمني على تساوي الثمن والمثمن لا (الضرر)(10).
أقول: وهذا الاحتمال أيضاً كالاحتمال السابق لا يخلو من إشكال إذ فيه:
أولاً: كون موضوع (لا ضرر) هو الضرر الشخصي، أوّل الكلام، بل أعمّ من النوعي ايضا، فالاستدلال به مصادرة.
وثانياً: ظاهر أدلة الشفعة هو كون الضرر علة لها، فلماذا نحملها على الحكمة، بل ندعها على ظاهرها من العلية التامة.
إن قلت: فلماذا لم يطّرد، ولم ينعكس، كشركاء ثلاثة، وفيما لا ضرر في تبدل الشريك؟
قلت: للمزاحم الأهم، فلعل الأول: لكي لا ينسد باب الشركة وباب البيع، والثاني: لضرب القانون ولا ينحصر الجواب في جعل العلة حكمة، فتأمل.
وثالثاً: استدلال جمع من الاكابر من أمثال الشيخ، دليل على كون الضرر في المقام نوعي، ككل موارد جبر الدلالة بالعمل، وما اكثرها في الفقه، وعليه استقرت طريقة العقلاء.
ورابعاً: لو كان خيار الغبن هو خيار الشرط ـ كما هو ظاهر الاستدلال لخيار الغبن بتخلف الشرط ـ فلماذا افردوه بالذكر، وهو أيضاً ممن أفرده بالذكر ـ في الفقه ـ(11) وهذا دليل الفرق بينه وبين سائر الخيارات.
وخامساً: تخلف: الشرط الارتكازي علته التامة هو عدم الخسارة، فيجب عدم ثبوت خيار الغبن مع عدم خسارة المغبون، إذ لا ارتكاز في المعاملات إلاّ هذا، أو لنفرض أن في مورد كان الارتكاز هو عدم الخسارة، فهل يلتزم بعدم الخيار في مثله؟
وسادساً: العبادات ليس الضرر في كلها شخصي، فدونك الحج ففيه مسائل كثيرة، مبنى ارتفاع الحكم فيها الضرر النوعي، كما أن المعاملات ليست كلها الضرر فيها نوعي، بل في بعضها الضرر شخصي.

:: إشكال شيخ الشريعة (ره)

وقال شيخ الشريعة في الفصل التاسع من رسالته في لا ضرر(12) (أن الضرر يراد به ما هو ظاهر من الضرر الشخصي) كما اقتصروا عليه في أبواب العبادات ولم يقل أحد بسقوط الوضوء أو الصوم أو القيام أو الحج عمن لا يتضرر به اصلاً ـ لخصوصية في شخصه أو طبعه أو مزاجه ـ بمجرد تضرر الغالب به.
وإن الإشكال على القوم (يعني: القائلين بحجية لا ضرر وكونه نفياً لا نهياً فقط): بأنهم يكتفون بالضرر النوعي في أبواب المعاملات، ويحكمون بالخيار لمن لا يتضرر بالعيب، أو الغبن أو تبعض الصفقة مع أنّ اللفظ واحد، والدليل واحد.

:: جوابان: الأول للاصفهاني (ره)

أقول: أجيب عنه بوجوه، لعل احسنها ما يلي ذكره:
1. المحقق الأصفهاني في حاشية المكاسب: (من أن الضرر على قسمين: حالي، مالي، وكلاهما مرتفع.
وفي العبادات الضرر حالي، فلا يصدق الضرر على النوع إذا لم يضر بحال الشخص.
وفي المعاملات الضرر مالي، والضرر المالي ضرر وإن لم يضر بحال الشخص.
فليس موضوع الضرر النوعي والشخصي بما هو نوعي وشخصي، بل بالضرر بما هو ضرر)(13).
أقول: ويؤيد هذا الجواب: أنه في باب العبادات لو أوجب الضرر المالي سقطت وإن لم يكن ضرراً بحاله، كما لو أوجب الصلاة الكاملة نهب نصف أمواله ـ وهو ثريّ لا يضر بحاله ـ سقط وجوبها، أو صار الحج بثمن مجحف وإن لم يضر بحاله سقط الحج، يعني فوريته، وهكذا.
لكن قد يورد على هذا الجواب بأن متقضاه كون الضرر مطلقاً ـ سواء مالياً أم حالياً ـ منفياً في الشرع، مع عدم لزوم انضمام أحدهما إلى الآخر، فلو كان في البيع ضرر حالي، ولم يكن ضرر مالي هل يجوز فسخ البيع لأجله؟
كما لو اشترى ما قيمته مليوناً، بمليون والف تومان ـ وهو مما لا يعده النوع ضرراً ـ لكنه كان متضرراً بهذا الألف يضر بحاله، لأن المليون جاءته هدية مجانية، واشترى بها الدار، ولكن الالف لقوت شهر كامل له وليس عنده غيره، فيبقى بلا قوت شهراً كاملاً.
مقتضى ما ذكره المحقق الأصفهاني: ثبوت الخيار له، لأنه متضرر بهذه المعاملة مع انهم ربما لا يقولون به.
ويظهر جواب هذا الإشكال من الجواب التالي:

:: الجواب الثاني: ربما يقال

2. الجواب الثاني ما ربما يقال:
إن الضرر في العبادات والمعاملات وغيرهما من الالزاميات، شيء واحد وهو ما يطلق عليه الضرر عرفاً.
ففي المعاملات لا يطلق عرفاً ـ بالحمل الشائع غير المتسامح به ـ الضرر الأعلى الضرر المالي النوعي، سواء كان ضرراً شخصياً أم لا؟ وسواء كان ضرراً غير مالي: من عرضي، وبدني، وحالي، ونحوها، أم لا؟
وفي العبادات وغيرها من الالزاميات، كطاعة الزوج، ملاك الضرر: الشخص، فمع تضرر شخص بعبادة، يطلق عليه التضرر، سواء كان مالياً أم بدنياً أم عرضياً، ولا يطلق الضرر، على النوعي الذي لم يتضرر به الشخص.
وهذا التفريق من المرتكزات العقلائية التي معها تطلق الألفاظ ومع عدمها تنصرف.
أما الضرر النوعي في العبادات: ففي مسألة من احصر وعلم بعدم انتهاء الحصر إلى فوات الحج، نقل صاحب الجواهر(14) عن العلامة في القواعد: احتمال التحلل عند الحصر مباشرة، ولا يجب الصبر إلى فوات الحج، واستدلّ بالضرر، قال: (من الضرر بالاستمرار كما في الصد) لأن المصدود يحل بالصد مباشرة، ثم قال: (ولعل من العلم بالفوات نفاذ النفقة، لكن عن الشهيد: انهم نصوا على التحلل عنده).
أما الضرر الشخصي في المعاملات، فقد يمثل له بما يلي:
1. إن كان وجوب تسليم المبيع ضررياً، وكذا الثمن.
2. إن كان الفور في الأخذ بالخيار ضررياً، ثبت الخيار متراخياً.
ونحوهما غيرهما.
وسابعاً: استدلال الاكابر بلا ضرر النوعي لرفع الحكم الشرعي، ليس منحصراً في خيار الغبن، والشفعة، بل هناك موارد أخرى كثيرة مبثوثة في شتى أنحاء الفقه.

:: الضرر النوعي في طلاق المريض

(ومنها) طلاق المريض، حيث أن البينونة لا تقتضي حرمان الزوجة من الإرث، حتى البائن وإلى سنة، فانهم استدلوا فيه بـ(لا ضرر)، لصحيحة يونس المصرّح فيها: بأن العلة (الضرر) قال في الجواهر:
(هو الإضرار، ومعنى الإضرار، منعه إياها ميراثها منه)(15) فلو فرض عدم منع الزوجة عن الميراث في بعض الصور كما إذا كانت بنت عمه ولا وارث له غيرها، فلها المال كله، لزم تقسيم المال حصتين، للزوجية، وللقرابة، فترث بعض المال بعنوان الزوجيّة لعدم تحقق الطلاق بعد كونه ضرراً نوعياً وإن لم يكن فيما نحن فيه الطلاق ضررياً.
وقد لا يكون الطلاق، ويكون منع ميراث، كما لو وهب وهو حي كل امواله في المرض ـ بناءاً على أن منجزات المريض من اصل ماله ـ أو قبل المرض مع علمه بالمرض، فانه ليس طلاق، ولكن المنع من الميراث موجود.

:: نفي الاحتمالات الثلاثة الأخرى

وإما كون الضرر نسبياً مطلقاً ـ وهو المحتمل الثالث ـ أو نسبياً خاصاً ـ وهو المحتمل الرابع ـ أو التفصيل بين العبادات فشخصي، وبين المعاملات فنوعي ـ وهو الاحتمال الخامس ـ فكلّها محلّ إشكال.

:: الضرر شخصي

فالحق: أنّ الضرر شخصي ككل القواعد والأصول الشرعية، بل والعقلائية والعقلية مثل: (رفع القلم عن الصبي...) و(رفع ما لا يعلمون) و(لا حرج) و(لا عسر) ومثل: (ولا تعاونوا على الإثم...) و(من قتل قتيلاً فله سلبه) و(الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم)(16) (والميسور لا يسقط بالمعسور) وغيرها.
نعم قد يقال: في الموارد التي ترتبط بعموم الناس من الأمور المختلفة التي احرز أن تقييد (لا ضرر) بالشخصية يستلزم ضرراً، أو يحتمل فيه ضرر عظيم، فمثل هذا الاستلزام بنفسه فهو مرتفع، واحتمال الضرر العظيم بنفسه ضرر عرفاً، فهو مرتفع أيضاً.
وليس ذلك لرفع الحكم عن غير المتضرر النادر لاجل المتضررين الكثيرين بل لاطلاق الضرر عرفاً على مثله لنفسه ولذاته قبل حدوث الضرر.

:: الضرر العام الفعلي واحتماله عظيماً

مثال الأول: قواعد المرور، فإن ابقاء: (الناس مسلطون) على اطلاقه بالنسبة إلى سير السيارات يميناً ويساراً، ووقوفاً وسلوكاً، ونحو ذلك، بنفسه معرض الضرر، فالطلاق هنا عرفاً ضرري، ولا ضرر في الإسلام.
ومثال الثاني: لو فرض كون الملازم الوجودي لعدم جعل الحدود بين بعض بلاد الإسلام فعلاً موقتاً ضرراً على المسلمين ولو محتملاً للتجسس والحروب ونحوهما فهو بنفسه ضرر عظيم، محتمله عرفاً ضرر، وسيأتي إنشاء الله تعالى: إن مع خوف الضرر، الاطلاقات شمولها يكون ضرريّاً، مثلاً: لو أنّ رجلاً أخذ سلاحه الناري باتّجاه جهة فيها شخص لا يمكنه الفرار أو كان في داره، فإن إطلاق الرصاص منه محتمل لإضرار ذلك الشخص، فيخصص به إطلاق (الناس مسلطون) ونحو ذلك.
وقد صرّح صاحب الجواهر في موارد كثيرة ومنها في كتاب الصوم بانّ خوف الضرر من مصاديق الضرر، قال: (بل المدار على الضرر الذي لا تفاوت فيه بين الصحيح والمريض الذي من أقسامه من يخشى حدوث مرض آخر الذي هو كالصحيح الذي يخاف المرض بالصوم)(17).
إن قلت: قد يشكك كثيراً في أن الضرر من هذا القبيل أم لا؟
قلت: نظير الشك في كثير من الموارد من باب الشبهات المصداقية.
فالزام الشارع ـ مع خوف الضرر ـ الإلزام ضرري نظير الزام الوفاء بالعقد مع الغبن والعيب ونحوهما، فيرتفع الإلزام من وجوب وتحريم بدليل (لا ضرر) وكذا التحريم المطلق، والجواز المطلق.

:: المبحث الثالث:

حكومة (لا ضرر) على الأحكام الأولية.
المشهور المنصور، حكومة (لا ضرر) على كل الأحكام الأولية، وذكر الشيخ الأنصاري ـ قده ـ في (قاعدة لا ضرر) المطبوعة في آخر (طهارة الشيخ) في التنبيه الأول:
أنّه يظهر من بعض التعارض بين لا ضرر وبين (الناس مسلّطون على أموالهم) وبينه وبين (حرمة الترافع إلى حكام الجور).
ولم يذكر الشيخ استدلال هذا البعض، ولعله لخفاء الحكومة في مثله.
وقد ردّه الشيخ بالحكومة.

:: تقديم (لا ضرر) للحكومة

إنما الكلام في أن تقديم (لا ضرر) على الأحكام الأولية، هل هي بالحكومة أو بغيرها؟
قيل في وجه ذلك ـ مع وجود العموم من وجه بينهما ـ وجوه:

:: الوجه الأول: للشيخ (ره)

الوجه الأول: ما قاله الشيخ الأنصاري في رسالة (لا ضرر) وتبعه جماعة من المتأخرين(18) وهو:
1. أن (لا ضرر) حاكم عليها.
2. والحاكم يقدم بعد ثبوت اصل حجيته وبعد ملاحظة الترجيحات السندية والدلالية.
أما أنه حاكم، فلان ظاهر (لا ضرر) كونه ناظراً إلى الأحكام الواردة في الشريعة، والنظر أقسام، وبكلّها يخصص الدليل المنظور إليه.
أ. فمنها: الصريح، وهو نادر حتى ادعى المحقق النائيني: عدم وجوده في الأخبار، لكنه موجود مثل خبر: (إنما عنيت بذلك لاشك بين الثلاث والاربع) إشارة إلى قوله عليه السلام: (لا يعيد الصلاة فقيه قط).
ب. ومنها: الناظر إلى جهة صدور الدليل المنظور إليه، كالأدلة الظاهرة في بيان الحكم الواقعي، مع ما يدل على أنه صدرت للتقية (كروايات سهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع روايات معارضة لها).
ج. ومنها الناظر إلى عقد الوضع، أما توسعة كـ(الطواف بالبيت صلاة) و(المطلّقة رجعيّة زوجة).
أو تضييقاً كـ(لا ربا بين الوالد والولد) و(لا بيع إلاّ في ملك) و(لا نكاح إلاّ بوليّ) ونحوها.
د. ومنها: الناظر إلى عقد الحمل، كـ(لا حرج) و(لا ضرر) فانه رافع للمحمول، فانه لا يقول: بأن الوضوء الضرري ليس وضوءاً، بل يقول: أنه ليس مكلفاً به، وكذا لا حرج، (ومنها) غير ذلك.
وملاك الحكومة ـ على بعض المباني واقواها ـ: لزوم لغوية الدليل الحاكم لو لم يكن الدليل المحكوم موجوداً، ولا فرق في الحكومة بين كون المحكوم متقدماً زماناً أو متأخراً، فانه متقدم رتبة.
3. وأما وجه تقديم الحاكم على المحكوم، فالظهور العقلائي في قصر المحكوم على غير مورد الحاكم.
أقول: والمهم في الحكومة، ظهور الدليل الحاكم في النظر إلى الدليل المحكوم، ولا فرق في أن يكون الدليل الحاكم:
أ. اصلاً عملياً، بمعنى الوظيفة.
ب. أو اصلاً يكون له نوع كاشفية.
ج. أو امارة يكون لها الكاشفية التامة.
فما نقله في البشرى: من نسبة بعض كون (لا ضرر) اصلاً عملياً، لا امارة، إلى النراقي في العوائد، والقمي في القوانين، ورتب عليه أن لازم كونه اصلاً عملياً، عدم حكومته على الأدلة الأولية، بل زواله بالادلة الأولية، نظير: (اصل البراءة، أو الاحتياط، أو التخيير، أو الاستصحاب) ونحوها(19) غير تام، لا نسبة ولا ثمرة.
اما عدم صحة النسبة فان ما ذكروه من عبارات النراقي والقمي ـ وقد نقلها في البشرى ـ لا تدل على كون (لا ضرر) اصلاً عملياً.
وأما عدم ترتب الثمرة: فعلى فرض دلالتها على كون (لا ضرر) اصلاً عملياً، فيقيناً ليس المراد به الأصل الذي يرتفع بالدليل، بل المراد به الأصل ـ بالمصطلح اللغوي يعني القاعدة.
وعلى فرض ارادتهما الأصل العملي بمعنى الوظيفة، فهذا لا يستلزم عدم حكومة (لا ضرر) على الأدلة الأولية بعد ظهورها في النظر إلى الأدلة الأولية، فتأمل.

:: الثاني: للآخوند

الوجه الثاني: للكفاية وشرحها فلسفياً للاصفهاني مفصلاً: إن مقتضى الجمع العرفي بين (لا ضرر) و(الأحكام الأولية) تقديم (لا ضرر) عليها، لظهورها في مجرد الاقتضاء ـ مع ملاحظة لا ضرر ـ وظهور لا ضرر في المانعية ولا شك في تقديم المانع على المقتضي، وذلك نظير كل الأحكام الثانويّة المثبتة ـ كالنذر والشرط ـ أو النافية ـ كلا حرج ـ مع الأحكام الأولية كالمباحات والمستحبات والمكروهات والواجبات والمحرمات بالنسبة لـ(لا حرج).
وفيه: أنه ليس لهذا الجمع العرفي وجه إلاّ على القول بالحكومة والنظر كما قاله الشيخ، وليس شيئاً جديداً.

:: الثالث: للمحقق الأصفهاني

الوجه الثالث: ما افاده الشيخ محمد حسين الأصفهاني (ره)(20) وهو:
أن لدليل (لا ضرر) إطلاق شامل لكل الموارد الضررية في الأبواب المختلفة الفقهية، ولأدلة الأحكام إطلاق شامل لحالتي الضرر وعدمه، وتقييد أدلة الأحكام (بلا ضرر) لا محذور فيه، ولا متيقن بينها حتى يبعّض في التقييد، فتقيّد أدلة الأحكام كلها بلا ضرر ـ إلاّ ما خرج بدليل خاص ـ.
أما تقييد لا ضرر بأدلة الأحكام ـ مع ملاحظة عدم الدليل على التبعيض بتقييد بعض الأدلة دون بعض، لتساويها بالنسبة إلى لا ضرر ـ يوجب عدم وجود مورد لـ(لا ضرر) ولهذا المحذور نقيد أدلة الأحكام بـ: (لا ضرر) لا العكس.
أقول: لو لم نقل بظهور ـ لا ضرر ـ في الحكومة على أدلة الأحكام الأولية، فهذا الوجه ربما لا يصح وجهاً لتقديم لا ضرر عليه، لما يرد عليه:
اولاً: إذا لم يمكن تقييد لا ضرر بأدلة الأحكام، فلا ينحصر الأمر في العكس، بل ككل موارد التعارض في العامين من وجه يتساقطان، فهنا أيضاً نقول بالتساقط كلما تعارض لا ضرر ودليل الأحكام، ويكون حينئذ أدلة الأحكام في موارد الضرر بلا دليل فينفي الحكم فيها بأصل البراءة، لا بالدليل على العدم، كما لو كان دليل (لا ضرر) سليماً.
إن قلت: على هذا لا يبقى مورد واحد للعمل بلا ضرر لابتلاء كلها بمعارض.
قلت: يبقى نفي التشريعات الضررية العامة، كتشريع إحدى وخمسين ركعة في اليوم، وصوم الدهر، ونحو ذلك، ونفي الإضرار بالغير ونحوه.
وثانياً: توفر القدر المتيقن ـ في تقييد الأحكام بلا ضررـ ويستكشف ذلك امّا بقوة الأدلة كما في الزنا، واللواط، والقتل، وكما في حفظ بيضة الإسلام، والجهاد والحج، والخمس والصوم، ونحوها.
أو بعمل المشهور، فيقيّد لا ضرر بتلك الأدلة، وتقيّد الأدلة غيره بلا ضرر.
وثالثاً: أن هذا الوجه العقلي لا يصلح لتقديم لا ضرر، إذ أنه لو أوجب ظهورا اقوى في (لا ضرر) من أدلة الأحكام، كان المعتمد في التقديم الظهور لحجية الظهور لا للوجه العقلي الذي ذكره، والاّ فيكون مجملاً ـ كما التزمه بعضهم ـ ولذا خص موارد التخصيص بفهم المشهور.

:: الرابع: له أيضاً

الوجه الرابع: ما ذكره الأصفهاني ايضا، وهو:
(كما أن الحكم إذا لم يكن له مقتض للإثبات ـ من عموم أو إطلاق ـ كان الحكم منفياً لعدم الحجة عليه بدون حاجة إلى نفيه تشريعاً امتناناً.
كذلك، إذا لم يكن للحكم مقتض للثبوت حتى في حال الضرر فهو منفي بعدم المقتضي، فلا معنى لنفيه امتناناً، وإنما المناسب للنفي امتناناً، إذا كان للحكم مقتضي الثبوت حتى في حال الضرر، ومقتضي النفي، فيترجح مقتضي النفي امتناناً.
وحيث أن (لا ضرر) في مقام الامتنان، فيعلم من امتنانيته أن المولى في مقام تحديد مقتضى إثبات الحكم بغير مورد الضرر والحرج ونحوهما.
وبهذا المقدار يكفي دعوى التعرض لحال الأدلة الأولية ـ نتيجة الحكومة ـ كالنظر إليها بالمدلول اللفظي المسمى بالحكومة اصطلاحاً)(21) انتهى بتصرف.
والحاصل: أن مقتضى ظهور (لا ضرر) في كونه امتنانياً ـ ولا يصح الامتنان إلاّ مع شمول الأدلة الأولية لمورد الضرر ـ أن يتصرّف (لا ضرر) في الأدلة الأولية، وهذا حكومة نتيجة، لأنه يستلزم لغوية (لا ضرر) لو لا ذلك.
أقول: ربما يؤخذ عليه أولاً: أن (لا ضرر) امتناني غير قابل للخدشة، وأما الظهور في أن المولى في مقام الامتنان فهو غير واضح، وبينهما فرق، فكل الأحكام امتنان على العباد، لأن توجه مولى الموالي إلى عباده بجعل تشريعات لهم، هو امتنان بلا شك لكن لا يلازم ذلك ظهور: (اقم الصلاة) مثلاً في أنه في مقام الامتنان، وهكذا: (حجوا، زكّوا، خمسوا، ونحوها).
وما ربما يمكن ادعاء اللّغوية فيه، لو لم يكن ناظراً ومخصصاً وحاكماً للتكاليف هو الكون في مقام الامتنان، لا واقع الامتنانية.
وثانياً: أي مانع في أن لا يكون لأدلة الأحكام مقتضي الثبوت في حال الضرر اصلاً، ويكون (لا ضرر) اخباراً عن ذلك.
وبعبارة أخرى: لو كان مقام الثبوت في الواقع هكذا: (يجب الصوم في غير حال الضرر) فلا مانع من أن يعبر عنه هكذا: (يجب الصوم ـ ولا ضرر في الإسلام).
وهذا ينسجم مع كون (لا ضرر) في مقام الامتنان، ويكفي في الامتنان أن يكون بيان عدم المقتضي امتناناً، إذ لو لم يبيّن، كان محتملاً وموهماً لثبوت المقتضي في الصوم حتى حال الضرر، فيكون (لا ضرر) لدفع الوهم وبيان عدم المقتضي في الواقع، لا لرفع المقتضي.
وثالثاً: أن هذا الاستدلال ـ على فرض تماميته ـ يصلح للحكومة على الأدلة الأولية غير الامتنانية، أما الأولية الامتنانية، مثل: (الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم) فلا، لوجود الامتنان في الطرفين، فكيف يرفع الامتنان امتناناً آخر؟
اللّهم إلاّ إذا قلنا بالاظهرية لـ(لا ضرر) على (السلطنة) وهو خروج عن هذا الاستدلال إلى استدلال آخر.
ورابعاً: أن هذا الاستدلال بيّن صلاحية تصرف (لا ضرر) في الأدلة الأولية ـ التي بدونه لا يصلح (لا ضرر) للتصرف فيها ـ ولا ينفي العكس، وهو صلاحية تصرف الأدلة الأولية في (لا ضرر) ولعل كليهما يصلحان في التصرف في الآخر، فيتعارضان ويتساقطان ـ كما نقله الشيخ الأنصاري ـ قده ـ وقد مرّ بيانه.
وخامساً: أن هذا الاستدلال ـ على فرض تماميته ـ أن أوجب أظهرية (لا ضرر) كانت الاظهرية وجه تقدمه على الأدلة الأولية، وإلا فلا، فهذا الاستدلال بما هو لا يكفي وجها لتقدم (لا ضرر) والله العالم.

:: الوجه الخامس

الوجه الخامس: ما ذكره بعض: من أن الوجه في تقديم (لا ضرر) على أدلة الأحكام الأولية يختلف حسب اختلاف الأنظار في معنى (لا ضرر):
1. فالشيخ واتباعه، والآخوند واتباعه ـ قدهم ـ ممن قالوا: بأن معنى (لا ضرر) نفي الحكم الضرري، أو نفي الحكم بلسان نفي موضوعه، فيلزمهم القول بالحكومة. أما بالمدلول اللفظي ـ كما قال الشيخ ـ وأما بالظهور العرفي ـ كما في الكفاية ـ.
2. وشيخ الشريعة واتباعه (قدس سرهم) ممن قالوا: بأن (لا ضرر) معناه: النهي عن الإضرار تكليفاً ووضعاً، يعني (لا يضر أحدٌ احداً).
فلا ربط له بادلة الأحكام الأولية، بل هو كسائر النواهي الشرعية الواردة في مواردها، مثل: (لا تظلم احداً) و(لا يغتب بعضكم بعضاً) ونحوهما، انتهى بتصرف.
لكن الانصاف أن لسان (لا يضر أحد أحداً) الحكومة حتى في موارد تعارض العموم من وجه، فمثلاً: (لا يغتب) وإن تعارض مع قاعدة (الناس مسلطون) بالعموم من وجه، إلاّ أنه حاكم عليها.
نعم، دائرة الحكومة صغيرة لخروج الأحكام الشرعية عنها.
ثم إن هذا البعض لم يذكر وجه تقديم (لا ضرر) حسب مبنيين آخرين في معنى (لا ضرر)، فنقول:
3. وأما على القول: بأن (لا ضرر) معناه: نفي الضرر غير المتدارك، ليكون إشارة إلى لزوم تدارك الضرر تكليفاً ووضعاً، فهو حكم مستقل كسائر الأحكام. يختص بموارد الغرامات، ويدل على اشتغال ذمّة الضار بغرامة ضرره، فيكون له حكومة في أبواب الغرامات ونحوها، لا في كلّ الفقه.
4. وأما بناءاً على أن (لا ضرر) قاعدة ولائيّة، فهي قاعدة زمنية، فعدم ربطها بالاحكام اوضح من أن يخفى، فلا حكومة اصلاً.
وحيث بنينا ـ كالشيخ والكفاية واتباعهما ـ على أن (لا ضرر) نفي الحكم فلا مناص من الحكومة.

:: المبحث الرابع

هل (لا ضرر) رخصة أو عزيمة؟
ظاهر الامتنان كونه رخصة، إذ لا امتنان في الإلزام والعزيمة الزام، فليس عزيمة، وظاهر تيمم العروة: أنه عزيمة، وأن (لا حرج) رخصة. قال في باب التيمّم: (إذا تحمل الضرر وتوضأ أو اغتسل، فإن كان الضرر في المقدمات... وإن كان في استعمال الماء في أحدهما بطل، وأما إذا لم يكن استعمال الماء مضراً، بل كان موجباً للحرج... فلا تبعد الصحة وإن كان يجوز معه التيمم، لأن نفي الحرج من باب الرخصة لا العزيمة ولكن الأحوط ترك الاستعمال)(22).
ونحوه في نجاة العباد، فانه بعد ما ذكرت مسوغات التيمم وذكر منها (خوف الضرر المانع من استعماله...) قال: (فلو خالف وتطهر بطل)(23) ولم يفصل، ولم يعلق المحشّون.
ونحوه أيضاً في الجواهر قال: (وكيف كان، فمتى تضرر لم يجز استعمال الماء فإن استعمل لم يجز، لانتقال فرضه، فلا أمر بالوضوء مثلاً بل هو منهي عنه، فيفسد، وما في بعض اخبار الجروح والقروح: (أنه لا بأس عليه بأن يتمم) مما يشعر بالرخصة لا الوجوب، لا يراد منه ظاهره قطعاً، كما يوضحه مضافاً إلى العقل الأخبار الأخر...)(24).
لكن في المستمسك في بيان عزيمية الضرر والحرج جميعاً قال:
(بل هو الذي قواه بعض الاعاظم ـ الظاهر المراد به النائيني (قده) ـ مدعياً القطع بعدم التخيير بين الطهارة المائية والترابية، لأن أدلة الحرج والضرر موجبة لتقييد متعلقات الأحكام بأن لا تكون حرجية أو ضررية).
ثم قال المستمسك: (وفيه: أنه إن اريد أن مفادها تقييد ملاكاتها بذلك، فهو مما لا تقتضيه الأدلة المذكورة كما عرفت، إذ هي ظاهرة في نفي ما يؤدي إلى الحرج والضرر لا غير، والمؤدي إليهما ليس إلاّ الإلزام بمتعلقاتها (التكليف)..)(25).
وهو ظاهر في الرخصة في الضرر والحرج جميعاً وهناك أقوال لصاحب العروة ولمعليقها وغيرهم(26) في الضرر والحرج نذكر نماذج منها:

:: القول الأول: كلاهما رخصة

القول الأول: كلاهما امتناني ورخصة ـ ذهب إليه في الدروس ـ كما في حج العروة مسألة 65 ـ والوالد رحمه الله، والسيد الخوئي ـ والأخ الأكبر في الفقه ـ والشيخ جعفر الشوشتري في منهج الرشاد(27) والعروة كتاب الحج(28) والعروة التيمم(29) وغيرهم.. وغيرها.

:: الثاني: كلاهما عزيمة

القول الثاني: كلاهما عزيمة: مال إليه الميرزا القمي في الغنائم، والميرزا النائيني في الحاشية على العروة، وتبعه جمهرة من تلاميذه منهم السيدان، احمد الخوانساري والهادي الميلاني ـ قدست اسرارهم ـ (وفي العروة كتاب الحج(30): المشهور بينهم العزيمة).

:: الثالث: الضرر عزيمة والحرج رخصة

القول الثالث: الضرر عزيمة الحرج رخصة: وهو لجمهرة من الأعلام؛ منهم السادة الحكيم ـ القمي ـ البروجردي ـ الأصفهاني ـ السيد عبد الهادي ـ الاصطهباناتي ـ الحجة الكوهكمري ـ الخوانساري محمد تقي ـ والشيوخ العراقي، والحائري في حواشيهم على العروة(31) والاصفهاني في رسالة في خصوص كون الضرر عزيمة، ولم يذكر الحرج.

:: الرابع: العكس

القول الرابع: العكس وهو أن ـ الضرر رخصة، والحرج عزيمة: ذهب إليه بعضهم وقد احتاط في الضرر، وافتى في الحرج بالعزيمة كما في حاشية نفس المسألة من تيمم العروة.


(1). انظر مصباح الأصول، ج2، ص538، والقواعد الفقهية (للبجنوردي) ج1، ص194، وغيرهما.
(2). مصباح الاصول/ ج2/ ص539 (بتصرف).
(3). الجواهر/ ج16/ ص113، وغيرها) مستند العروة/ كتاب الخمس/ ص311/ الفقه/ كتاب الخمس/ ص215 الطبعة الأولى.
(4). الجواهر، ج28، ص418.
(5). الجواهر، ج20/ ص154/ سطر8.
(6). نهاية الدراية: ج2، ص302، السطر الاخير.
(7). نهاية الدراية: ج2، ص325، أواخر الصفحة.
(8). بشرى الوصول: ج6، ص583 إلى 586.
(9). المستند/ للنراقي ـ قده ـ: ج2، ص385، السطر التاسع قبل الاخير.
(10). مصباح الاصول/ ج2، ص535/ وتقرير فقه العلامة الفاني (ره)/ الطهارة/ ج1/ ص169 (بتصرف).
(11). انظر منهاج الصالحين، ج2، ص33و36.
(12). ص45.
(13). حاشية المكاسب: ج2، ص57.
(14). جواهر الكلام: ج20، ص115، سطر9.
(15). جواهر الكلام: ج32، ص150.
(16). البحار، ج2، ص272.
(17). جواهر الكلام: ج16، ص348.
(18). رسالة (لا ضرر) التنبيه الأول، ومصباح، ج2، ص540، والقواعد الفقهية، ج1.
(19). بشرى الوصول: ج6، ص597.
(20). نهاية الدراية: ج2، ص325، سطر8.
(21). نهاية الدراية: ج2، ص325، سطر16.
(22). العروة الوثقى: باب التيمم، مسألة 18.
(23). نجاة العباد: ج1، ص56.
(24). جواهر الكلام: ج5، ص11، سطر3.
(25). المستمسك/ ج4، ص331.
(26). تظهر من ملاحظة المسائل التاليات من العروة الوثقى:
مسألة 18/ التيمم
مسألة 21/ منه أيضاً
ج. مسألة 64/ الحج، وفي غيرها أيضاً.
(27). منهج الرشاد: ص115، سطر14.
(28). العروة الوثقى: ج2، ص457، مسألة 65.
(29). مسألة: 12.
(30). مسألة: 65 ـ وفي طبعة أخرى 64 ـ من فصل شرائط وجوب حجة الإسلام (بتصرف).
(31). أول فصل في التيمم/ المسألة 18.