:: الجهة الثالثة

مفردات (لا ضرر ولا ضرار) وهي ثلاث يبحث عنها ضمن ثلاثة مباحث.
1. ضرر.
2. ضرار.
3. لا.
أما المبحث الأول ففي مادة (الضرر)
والبحث فيها من ناحيتين:
الناحية الأولى: البناء.
الناحية الثانية: المعنى.
أ ـ بناء الضرر
أما البناء: ففي الكفاية وحاشية المشكيني وآخرين تبعاً للصحاح والقاموس وغيرهما: انه مقابل النفع.
وجعله بعض الأجلة: مقابل (المنفعة) قائلة: لأن (الضرر) اسم مصدر، ومقابله (المنفعة) وهي اسم مصدر.
والمصدر هو: (الضرّ) بالضم والفتح، ومقابله المصدر أيضاً وهو: (النفع) كقوله تعالى: (لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً).
والفرق بين المصدر واسمه ـ على المعروف ـ هو:
إن المصدر: يتضمن معنى (الحدث، والفاعل).
واسم المصدر: يتضمن معنى (الحدث) فقط، كالغسل ـ بالضمّ ـ والاغتسال.
(أقول) كلامه يمكن تحصيله من كتاب (اقرب الموارد) في مادتي: (ضرّ ـ نفع).
وفي القرآن كلّما استعمل (الضرر) ففي مقابله (النفع).
إنما الكلام في أن ذلك بمعنى عدم جواز استعمال النفع مقابل الضرر، والمنفعة مقابل الضر؟
لكن العرف: قد لا يفرق بينهما، فيستعمل الضرر بمعنى المصدر، وبمعنى اسم المصدر جميعاً، فيقال: (الضرر والنفع) كما يقال: (الضرر والمنفعة).
ويستعمل (الضر) بمعنى المصدر، وبمعنى اسم المصدر جميعاً فيقال: (الضر والنفع) ويقال: (الضر والمنفعة).
وإذا صح استعمال العرف في المعنى الأعم، فهو مقدم على اللغة ـ كما حقق في مباحث الألفاظ ـ.
مضافاً إلى أن الرجوع إلى اللغة، إنما هو من باب رجوع الجاهل إلى العالم، وفي هذه المفاهيم العرفية المرتكزة في الاذهان كثيراً لا يكون الرجوع إلى اللغة، إلاّ من قبيل رجوع العالم إلى: العالم، أو الجاهل.
وكلاهما لا يصح، نظير الرجوع إلى اللغة في تفسير: (الماء، والحياة، والموت والرجل والمرأة، ونحوها).
مع أنه لو سلمنا تفريق اللغويين وقلنا بجواز الرجوع إليهم، فلا نسلم كون التفريق بحيث لا يجوز استعمال النفع في مقابل الضرر والمنفعة مقابل الضر.
والحاصل: إن (الضرر مقابل للنفع والمنفعة) جميعاً.
فخلاف بعض الأجلة مع الكفاية ومن تبعها غير عرفي.
ثم أن ما قيل من أن (الضرر) مجرداً متعدي، ومزيداً فيه (اضرّ) لازم، فلا يقال: (ضرّ به) ولا (اضرّه) على العكس من قياس: بأبي المجرد والمزيد فيه.
فمخالف لما عليه أهل اللغة، ففي اقرب الموارد:
(ضرّه ـ وبه، ضد نفعه).
و(اضرّ فلاناً، جلب عليه الضرر).
ولم يذكر: (اضرّ) لازماً.
وفي القاموس: (ضرّه، وبه، وأضرّه).
وهكذا ما في غيرهما..
ب ـ معنى الضرر.
وأما الناحية الثانية وهي معنى الضرر: فقال بعض الأجلة ما حاصله: (الضرر) هو النقص في:
1. المال: كخسارة التاجر.
2. العرض: كهتك شخص.
3. البدن كيفية: كالمرض الناشئ من أكل شيء.
4. البدن كمية: كقطع يده مثلاً.
و(المنفعة) بعكسه تماماً، فهي الزيادة في:
1. المال: كربح التاجر.
2. العرض: كما لو أوجب شيء تعظيم شخص.
3. ومن حيث البدن: كالمعافاة من المرض.
(أقول) ولم يذكر البدن من حيث الكمّيّة، كما لو كان مقطوع اليد، فوصلوا يده. ثم قال: وبينهما واسطة، كما إذا لم يربح التاجر ولم يخسر، فلم يتحقق ضرر ولا منفعة.
فالتقابل تضاد، لا عدم وملكة، كما قاله الآخوند، انتهى.
هذا ولكن التفصيل المذكور مما لم يصرح به في اللغة، ولا هو عرفي، ولعل معنى الضرر هو: السوء والضيق، ونحوهما، الذي فسر به في القاموس واقرب الموارد ونحوهما.
ولذا: لو أوجب النقص في المال وغيره، استفادةً اكثر من جهة أخرى، قيل له: (انتفعت، لا تضررت) لأنه لم يصبه سوء وضيق.
(والمنفعة) مقابل (الضرر) إنما هي في المال فقط، كما هو في العرف واللغة فلا يقال لمن مدح: انتفع.
ولا لمن عوفي من المرض: انتفع.
فالمضادة ليست كلّية.
(وقوله)(التضاد، لا عدم الملكة). فهو ظاهر أهل اللغة ـ كما صرح به الأصفهاني ـ مخالفاً لصاحب الكفاية والمشكيني وآخرين حيث صرحوا: بأن التقابل إنما هو من قبيل العدم والملكة.
أما الأصفهاني: فأشكل على كلا المبنيين من دون أن يختار قولاً ثالثاً.
(قال) أما عدم التضاد، فلان الضرر المفسر بالنقص في النفس أو المال أو العرض، ليس امراً وجودياً حتى يضاد النفع، وهو واضح.
وأما عدم كونه عدماً وملكة، فلان (النفع) هو الزيادة، و(الضرر) ليس هو عدم الزيادة، بل مضافاً إلى عدم الزيادة خسارة أكثر، وذلك يسمّى (الضرر) فليس عدماً وملكة.
(أقول) لا يبعد صحة التضاد. فما قاله من أنّ:
(الضرر ليس امراً وجودياً) ففيه:
الضرر أمر وجودي اوجده الخسران.
ويدل عليه: تبادر أن الضرر شيء يصيب الإنسان نتيجة عدم النفع.
ولذا: صح التعبير بالثالث: وهو عدم النفع والضرر جميعاً، فتأمل.

:: مادة (الضرار)

وأما المبحث الثاني: في مادة (الضرار)
فهي:
1. أما مصدر للفعل المجرد (كالقيام) (ضرّ، يضرّ، ضراراً).
2. أو مصدر باب المفاعلة.
3. أو جامد بمعنى الضرر، كالجدار.
4. أو بمعنى المجازات على الضرر.
ويردّ الأول: أنه تكرار كـ(لا ضرر ولا ضرر).
ويرد الثاني: عدم معهودية ورود استعماله بمعنى المفاعلة بين اثنين اصلاً في آية ولا في رواية، ولا في اللغة.
ويرد الثالث: أن حروفه ربما تأبى الجمود، فهو مشتق.
ويرد الرابع:مضافاً إلى عدم معهودية هذا المعنى لغة ولا عرفاً، أنه لا مفهوم له، ولا نظير في السريعة، إذ ما معنى: (لا مجازات على الضرر) فإن كان بمعنى: إن من تضرّر لا يجازى بالسوء، ولا يقال له لماذا تضرّرت؟ فهو مما لا نظير له في الفقه.
فلعل السياق، ومناسبة الحكم والموضوع، يقضيان بان يكون (الضرار) هو الضرر الشديد، ويكون من: ذكر الخاص بعد العام المألوف في العرف، فكأنه قيل: (الضر كله منفي صغيره وكبيره، أو خفيفه وشديده).
مثلاً: دخول الأجنبي ـ كسمرة ـ على شخص وعائلته بلا إذن، مرة واحدة في العمر ضرر وإما مستمراً فهو: ضرار.
وقد يستفاد ذلك من موارد استعمال: (ضرار) فانه لا يستعمل في الضرر الخفيف.
وقد يدل عليه أيضاً: القاعدة الصرفية: (بأن زيادة المبنى، تدل على زيادة المعنى).
وقال الأصفهاني الضرار، هو التصدي للضرر، لا مطلق الضرر.
ولازمه: التفريق بينهما بأمرين: (القصد ـ وصدوره عن إنسان).
فالدواء مضر، والإنسان مضار.
والدواء ضرر، والإنسان قاصد الضرر.
استفاد الأصفهاني ذلك من موارد استعماله في القرآن الكريم: (يخادعون، يشاقّون، يقاتلون في سبيل الله، يهاجر في سبيل الله) الخ.
(وقال بعضهم) (الضرر هو النقص في الأمور والأنفس، والضرار هو الاحراج والتضييق، فلا تأكيد، ولا مجازات) انتهى.
ومعنى المجازات: هو أن يجازي الضرر بضرر اكثر، ومعنى المفاعلة، هو: التضارر.
لكن، بمعنى المجازات ورد عن جمهرة أهل اللغة.
فعن لسان العرب: (لا ضرر ضد النفع، ولا ضرار أي: لا يضار كل منهما صاحبه).
وعن نهاية ابن الأثير: (والضرار أي: لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه، قال: والضرر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين).
(ثم قال) والضرر ابتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه، وقيل: (الضرر: ما تضرّ صاحبك وتنتفع به أنت، والضرار: أن تضره من غير أن تنتفع أنت به، وقيل: هما بمعنى واحد، والتكرار للتأكيد).

:: التحقيق في المقام

(أقول): (الضرر) له مفهوم عرفي في زماننا، وبمعونة استصحاب عدم النقل ـ الامارة العقلائية ـ يحمل في عصر المعصومين عليهم السلام على هذا المعنى، وهو المتبع في الأحكام المترتبة على (الضرر) شرعاً سعة وضيقاً، حتى ولو خالف اللغة، لتقدم العرف عليها ـ كما حقق في مباحث الألفاظ ـ.
(أما الضرار) فليس العرف في زماننا يعرف معناه وحدوده لقلة استعماله، ولذا ينحصر ـ ولو للانسداد على قول غير منصور عندنا ـ طريق استكشاف معناه المتداول في عهد الشارع في استطراق باب اللغة، فإنها إمارة عند فقدان العرف.
وحيث إن اللغة اختلفت في تفسير (الضرار)(1).

فقد يقال: أن مقتضى الجمع ـ لعدم التنافي الموجب للتساقط ـ هو اعتبار المعاني المذكورة، معاني (للضرار) مستقلاً، أو كالكلي والمصاديق.
ولأجل ذلك ننفي كل تلك المعاني عن الإسلام، وعليه:
1. فالتضارر من الطرفين حرام على الطرفين جميعاً بشرطين ـ استفدنا هما من الأدلة العامة:
الشرط الأول: عدم انطباق عنوان آخر عليه، كالتقاص، والقصاص، والدية ونحوها له.
الشرط الثاني: أن لا يكون مصداقاً لـ(فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ)(1) فلو قال له (يا كلب) جاتز له أن يرد عليه (يا كلب).
أما لو قال له: (يا ابن الزاني) فلا يجوز له أن يرد عليه بالمثل، إذ ليس لنا: (من اعتدى على ابيكم فاعتدوا على أبيه بمثل ما اعتدى على أبيكم).
وهذا المعنى للضرار ذكره لسان العرب، ونهاية ابن الأثير وهما من أهل الخبرة باللغة، فيعتمد عليهما.
ونظيره في ذلك: السباب بمعنى التسابب.
2. وإيصال الضرر جزاءً لفعل أيضاً حرام، لأنه مصداق (لا ضرر) بتفسير (ابن الأثير) وهو من أهل الخبرة في اللغة، قال:
(الضرر: ابتداء الفعل، والضرار: الجزاء عليه)(2).
3. ويحرم الضرر بما تنتفع به، والضرار بما لا تنتفع به.
(فان قلت) قول ابن الأثير (قيل:.. قيل:...) ظاهره تعارض تفاسير: (لا ضرار) فتتساقط كلها لإجمالها.
قلت: لا تعارض بين هذه التفاسير لعدم تنافيها، بل كلها مصاديق صحيحة لـ(لا ضرار).
4. ويحرم التضييق، لتفسير القاموس للضرار، به.
5. وأما تفسير الأصفهاني بالتصدي للضرر، مستفيداً له من موارد استعماله في القرآن المجيد، فهو مندرج في الضرر، فلا معنى زاد بل هو من ذكر الخاص بعد العام.
ثم أنه قد يفصل بين كون المعاني المذكورة أو بعضها لها جامع فالمنفي جميعها، وبين العدم فالعدم.
وقد ينفي كلها للتعارض عرفاً بينها ـ حتى مع فرض الجامع ـ فيكون المنفي في الإسلام القدر المتين منها.
ولعل الأصح قبول كلها، واعتبارها جميعاً منفية في الإسلام، فتأمل.
وأما المبحث الثالث ففي مادة (لا)
والوجوه فيها عديدة:

1. (لا) نفيٌ بمعنى النهي

الوجه الأول: أن تكون (لا) النافية بمعنى النهي، أي (لا تضروا)، (نظير): لا رفث ولا فسوق، وفي الخزائن: وقد اختاره البعض، وعن شيخ الشريعة الاصرار عليه، صرح به صاحب الجواهر(3)، ولعل مراد الخزائن بالبعض هو: صاحب الجواهر، فتأمل.
ويدفعه أمور:
الأول: تجوّز لا قرينة عليه.
الثاني: ينافيه لفظة (في الإسلام) في بعض الروايات إلاّ بتكلف بعيد، بان يقدر هكذا: (لا تضرّوا فانه لا ضرر في الإسلام).
الثالث: ظاهره الامتناني أن له نوع اختصاص بالاسلام، والنهي عن الاضرار من مرتكزات العقول، ومسلّمات كل الشرائع، فلا امتنان فيه.
الرابع: تمسك الاصحاب بـ(لا ضرر) في إثبات جملة من الخيارات، واخراج المؤن في الزكاة ونحو ذلك، ينافي النهي عن الاضرار، لأنه لا تناسب بينهما.
الخامس: قوله (صلى الله عليه وآله) في قضية سمرة: (لا ضرر) بعد: (فاقلعها وارم بها إليه) لا تناسب بينهما، لأنه يصير المعنى: (فاقلعها فانه لا تضروا).

2. (لا) ناهية

الوجه الثاني: أن يكون (لا) بمعنى النهي الذي هو بمعنى الحكم الوضعي، وهو الحرمة، والمعنى: (الضرر حرام في الإسلام).
نظير: لا غشّ، لا عصبة، لا قمار، أي ليس من احكامنا الضرر، تعريضاً بالجاهلية الذين كانوا يجوّزون إضرار الرجل بالمرأة، وذكور الورثة بالاناث، والكبار بالضعفاء، وهكذا.
ويدفعه أمور:
الأول: لا يستفاد منه غير حرمة الضرر نظير حرمة القمار، ولا يستفاد منه الأحكام التي استفادها الاصحاب منه، كسقوط وجوب الوضوء والغسل والحج، والأمر بالمعروف، والقضاء، وتعليم الأحكام، إذا كانت ضررية ـ إلاّ بتكلف ـ.
الثاني: ليس الضرر مطلقاً حراماً، فالشريك الذي يبيع حصته، وبـ: (لا ضرر) يكون للآخر حقّ الشفعة، لم يكن يفعل حراماً.

3. (لا) نافية حقيقة

الوجه الثالث: أن تكون (لا) نافية حقيقة، أي لا ضرر مشروع في الإسلام، وهذا ظاهراً عين الثاني، ويرد عليه ما اورد على الثاني، وقد ذكر هذا الاحتمال الدربندي ـ قده ـ في (الخزائن).

4. (لا) نفي الحكم بلسان نفي الموضوع

الوجه الرابع: ما ذكره الدربندي في (الخزائن) والآخوند في (الكفاية) ومن تبعهما: من أنه نفي الحكم بلسان نفي الموضوع، مثل: (لا ربا بين الوالد وولده) والمعنى: (لا ضرر في الإسلام موجوداً، يعني لا حكم ضرري في الإسلام) فكلما كان ضررياً فليس من الإسلام.
قال في الخزائن: (وهذا أنسب الاحتمالات وأحسنها).
وأشكله بعض الأجلّة بأمرين:
الأول: أنه لو كان نظير: (لا ربا بين الوالد وولده) اقتضى رفع حكم الضرر، ولازمه جواز الضرر، إذ معنى (لا ضرر) على هذا: (لا حرمة للضرر) كـ(لا ربا) وهو بخلاف المقصود أدلّ.
بيانه: أن الضرر ليس عنواناً للفعل، وإنما هو مسبب واثر له، فالوضوء يسبب الضرر، والضرر اثر الوضوء، فلو ارتفع بـ(لا ضرر) حكم الضرر، كان المعنى: (إن الوضوء إذا أوجب الضرر، فاعتبره لا ضرر) فيجب الوضوء الضرري.
وفيه: أن الظاهر كون مراد الكفاية كصريح الخزائن، هو نفي الحكم الثابت للوضوء مثلاً، عن المورد الذي طرأ الضرر على الوضوء، وهكذا، وإنما نسب إلى الضرر مع أن الموضوع هو الوضوء ايماءً إلى أنه السبب في رفع الحكم، وبعبارة أخرى:
لا ضرر ينتشر بعدد موضوعات الأحكام، فكأنه قيل: (لا وضوء في مورد الضرر، لا غسل في مورد الضرر، لا حج في مورد الضرر) وهكذا..
الثاني: الضرر بالنسبة إلى الحكم المترتب عليه مقتص له، فكيف يكون الضرر مانعاً عنه؟
وفي: أنه ظهر جوابه عما ذكرناه في جواب اشكاله الاوّل، وهو:
إن (الضرر) بالنسبة لحكم الفعل الضرري اجنبي، فيصح رفعه بجعل (لا ضرر) ويصح عدم رفعه.
فالوضوء، مثلاً وضوء، وهو واجب سواء كان ضررياً أم لا، (ولا ضرر) يرفع كلما اتحد الضرر مع الوضوء، فتأمل.

:: تنظير الكفاية

واستنظر في الكفاية لذلك بـ(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) الظاهر في رفع نفس الخطأ والنسيان، مع أن المراد رفع الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ والنسيان، فليكن (لا ضرر) كذلك، رفعاً للحكم عن الفعل، (وضوء مثلاً) الصادر حال الضرر، ولكنه ذكر بلسان رفع الموضوع.

:: الإشكال عليه

فأشكله أيضاً بعض الأجلّة بأمور ثلاثة:
الأوّل: الالتزام بنفي الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ والنسيان، إنما هو للقرينة، وهي: عدم إمكان رفعهما، لوجودهما خارجاً، وعدم إمكان رفع حكمهما لأنهما علة لذلك الحكم، فكيف يكونا رافعين له؟ فانحصر المعنى ـ لهذه القرينة في رفع الحكم عن الفعل الصادر حال الخطأ والنسيان.
أما في (لا ضرر) فلا ضرورة لمثل ذلك، لا مكان (نفي جعل الضرر في مقام التشريع) يعني: في تشريعات الإسلام لا يوجد ضرر.
وفيه: أولاً في (رفع الخطأ والنسيان) أيضاً يمكن تعلق الرفع بنفس الخطأ والنسيان في مقام التشريع، بان يكون المعنى: (لم يشرع للخطأ والنسيان حكم اصلاً) ولازمه: عدم الإلزام في موارد الخطأ.

وثانياً في (لا ضرر) أيضاً يمكن رفع الحكم عن الفعل الصادر في حال الضرر، ولا تقديم لأي من المعنيين على الآخر. والحاصل: أنه لو قيل: (لا خطأ ولا نسيان) أو قيل: (رفع عن أمتي الضرر) كان بمعنى واحد عرفاً، وهذه الدقّة غير ملحوظة ظهوراً عرفياً.
الثاني: أن الخطأ والنسيان علة للفعل، فيصح نفي العلة بلحاظ نفي المعلول، بخلاف (الضرر) فانه معلول للفعل، ولم يعهد نفي المعلول بلحاظ نفي علته.
وفيه: أن المجوز لنسبة الرفع إلى الخطأ ليس عليته للفعل، وإلا لصحّ في (الضرر) أن يقال: (لا وضوء بلحاظ رفع معلوله وهو الضرر).
والمانع عن أن يقال: (رفع القتل الخطئي) ليس كونه معلولاً للخطأ.
بل إنما المجوز هو: العنوان الجامع للافراد، الملازم ـ علة كان أو معلولاً أو غيرهما ـ لشتيت الأفعال، (فرفع الخطأ) وهو علة (ورفع الضرر) وهو معلول إنما صح للملازمة العرفية الأعم من العلية والمعلولية.
الثالث: أن الرفع للخطأ والنسيان يمكن أن يكون رفعاً لآثارهما، التي كانت في الشرائع السابقة غير مرتفعة.
للزوم التحفظ عليهم مثلاً، بخلاف (لا ضرر)، فانه رفع للحكم بلسان رفع الموضوع.
وفيه: أي مانع في (لا ضرر) أن يكون رفعاً للآثار، ويكون عموم الرفع لكل الآثار حتى الوضعية، ولكل أقسام الضرر إنما هو.. من اختصاصات الإسلام.
والحاصل: أنه أن ساعد الظهور صاحب الكفاية في تنظيره (لا ضرر) بـ(رفع الخطأ والنسيان) فهذه الاشكالات الثلاثة لا ترد عليه، لانها ليست في وجه الشبه بين (لا ضرر) وبين (رفع النسيان والخطأ) الذي قصده صاحب الكفاية.

:: الفرق في كلمات الآخوند (ره)

ثم أن المنقول عن الآخوند، الفرق بين ما افاده في الكفاية، وبينه في حاشية الرسائل، ففي الكفاية ظاهره: أن نفي الضرر كناية عن رفع جميع الأحكام، وفي حاشية الرسائل ظاهر كلامه: أن المنفي: الاضرار بالغير، أو تحمل الضرر عن الغير فقط.
والفرق بينهما يظهر في ضرر العبادات، والواجبات، والمحرمات، فعلى الثاني غير مرتفعة، وعلى الأول مرتفعة، إلاّ على احتمال شمول الغير لله تعالى، فتأمل..
أقول: مقتضى الاطلاق هو عموم نفي الضرر، لا خصوص تحمّل الضرر عن الغير، والاضرر بالغير.

:: القول بأن المنفي مجرد الاضرار

ثم أن البعض أصر على أن المنفي هو: إضرار المكلفين بعضهم ببعض، لا مطلق الضرر حتى الناشئ من قبل العبادات، وغيرها من الواجبات والمحرمات.
واستدل لذلك بأمور:
احدها: انصراف (لا ضرر) بمساعدة موارد استعمالها في الآيات والروايات إلى إضرار المكلفين بعضهم ببعض.
ثانيها: عدم الأولوية لا ضرار الله تعالى من إضرار الناس، لأن إضراره تعالى لمصالح قطعاً، مع أن اطلاقات أدلة الوضوء والصوم ونحوها تشمل الضرري منها أيضاً.
ثالثها: أن المتقدمين الذين هم اصفى ذهناً من المتأخرين، بل كثير من المتأخرين ايضا، لم يستندوا إلى (لا ضرر) في رفع عبادة ضررية، وإنما استندوا إلى (لا ضرر) في المعاملات فقط، ثم نقل كلمات أربع عن الشيخ والمحقق والعلامة وصاحب المدرك في مسائل لم يستندوا فيها إلى (الضرر) بل استندوا فها إلى (الحرج).

:: الاشكالات على هذا القول

أقول: الأدلة غير تامّة
أما الانصراف: فهو غير ظاهر، بل إطلاق (لا ضرر) في محله، وعهدة الانصراف على مدعيه.
وأما عدم الولاية: فقد يقال: الأصل في ما أمر به الله تعالى أو نهى عنه عبادة، اولويته بالنسبة إليه نفسه، وما خرج من (الله يتوفى الانفس) و(أنه هو اضحك وأبكى) و(أنه هو امات واحيى) ونحو ذلك فهو خارج، فتأمل.
والأصح أن يقال: أن الأولوية لا تدل لا سلباً ولا ايجاباً، يعني: لا الأولوية مسلّمة، ولا عدم الأولوية، فليس دليلاً لأحد من الطرفين.
وأما عدم استناد المتقدمين وكثير من المتأخرين إلى (نفي الضرر) في موارد الضرر، ففيه اولاً: ذكر أربع موارد عن الشيخ والعلامة والمحقق وصاحب المدارك ـ قدهم ـ لا تنفي الكلية.
وثانياً: على فرض عدم استنادهم، لا يكون اعراضاً، ولو كان فهو من أضعف أقسام الاعراض عن الدلالة، الذي لا يقول الفقهاء بخدشته في الاطلاق.
وثالثاً: هناك المسائل الكثيرة الكثيرة جداً، التي استند المتقدّمون والمتأخرون فيها لنفي العبادات والاحكام الشرعية ـ غير المتعلقة بالناس بعضهم مع بعض ـ بـ(لا ضرر).
وقد لاحظنا في باب التيمم فقط اكثر من عشرة موارد قد استندوا فيها إلى الضرر(4).
وفي الجواهر كتاب الأمر بالمعروف:
(لو ظن توجه الضرر إليه.. سقط الوجوب؛ النفي الضرر والضرار والحرج...).
والحاصل: أن ظاهر الآخوند ـ قده ـ في تعليقة الرسائل: هو أن نفي الضرر مختص بالمكلفين بعضهم مع بعض، وهو غير تام.

5ـ لا ضرر غير متدارك

الوجه الخامس: ما حكاه الشيخ الأنصاري ـ قده ـ عن بعض الفحول، في رسالته المطبوعة في ملحقات المكاسب، واعتبره الشيخ الأنصاري وغيره اردأ، الاحتمالات، وفي الخزائن: جعله ثامن الاحتمالات، وهو:
أن (لا ضرر) معناه (لا ضرر غير متدارك في الإسلام) ولازمه ثبوت المتدارك بأمر الشارع في موارد الضرر، فان الضرر المتدارك ليس بضرر حقيقة وأن عدّ بالدقة العقلية ضرراً، إذ الضرر خارجاً موجود، فنفيه ليس إلاّ بمعنى حكم الشارع بتداركه، فهذا القيد: (عدم التدارك) يستفاد من باب دلالة الاقتضاء.
واورد عليه أولاً: بأن ما هو تدارك حقيقي وهو الخارجي غير موجود، لثبوت الاضرار الكثيرة لكثير من الناس، كالظلم، والايذاء، والسرقات ونحوها، والتدارك الشرعي بمعنى حكم الشارع بوجوب رد السارق المال، لا يوجب ارتفاع الضرر بالوجدان، فمن سرق ماله متضرر بالوجدان حتى مع حكم الشارع على السارق بارجاع المال إليه.
وثانياً: إن كل ضرر في الخارج ليس متداركاً، فالتاجر الذي خسر وتضرر بجلب تاجر ثان تجارة مماثلة للاوّل، من يلزمه بتدارك ضرر الأول؟ مضافاً إلى التضررات من غير واسطة الفاعل المختار، كمن سقط عليه حجر، فشج رأسه، فكيف يتدارك هذا؟
وإن نوقش: بانه ظاهر في التدارك التشريعي لا التكويني.
مع أن لازمه، التزام الضمان في كثير من المسائل التي لم يلتزم فيها أحد، كمسألة التاجرين وخسارة أحدهما بتجارة الآخر، وغيرها.

6ـ نفي الحكم الناشئ منه الضرر

الوجه السادس: للشيخ الأنصاري، والمحقق النائيني ـ قدهما ـ على فرق يسير سيأتي بيانه ولمن تبعهما وهو:
نفي الحكم الناشئ منه الضرر، يعني في تشريعات الإسلام ليس حكم ينشأ منه الضرر، لا الوضعي كاللزوم في بيع الغبن، ولا التكليفي كالوجوب في الغسل الضرري، ومعناه، (ما جعل عليكم في الدين من ضرر) كما في مثل (لا حرج).
أقول: هذا المعنى لعله اسدّها، وينسجم مع كل موارد استعمال الفقرتين: (لا ضرر ـ ولا ضرار).
ففي قصة سمرة لم يجعل الله له حق هذا الاضرار (ولا ضرر ولا ضرار) فان تشريع (الناس مسلطون) مخصص بـ(لا ضرر).
ورواية منع فضل الماء، كذلك، لم يجعل الله (الناس مسلّطون) بهذه السعة.
ورواية الشفعة، مفادها: إن امتلاك شخص بلا رضا آخر غير جائز وغير نافذ (إلا إذا كان ضرراً).
وهكذا في موارد استعمال (الضرار) في القرآن والسنة، سواء في العبادات وغيرها، وفي الواجبات، والمحرمات ـ كالوضوء الضرري، والأمر بالمعروف الضرري، والخلوة بالاجنبية التي تركها ضرري ـ وغيرهما.

:: الفرق بين تفسيري الشيخ والآخوند

ثم أنه ايّ فرق بين تفسير الشيخ لـ(لا ضرر) بـ(نفي الحكم الناشئ منه الضرر) وبين تفسير الآخوند بـ(نفي الحكم بلسان نفي الموضوع)؟
قد يقال: بعدم الفرق بينهما إلاّ في اللفظ، والفرق أدبي، وهو: أن النسبة حقيقية إلى نفس الضرر، ويكنى به عن الحكم، وصرّح به الكفاية.
لكن نقل المشكيني (رحمه الله) في حاشيته على الكفاية عن الماتن ثمرتين للفرق بينهما، فقال:

:: الفرق الأول

الأول: ما إذا لزم من الاحتياط حرج أو ضرر على المحتاط فهو منفي بالقاعدة على مبنى الشيخ دون مختار الاخوند.
وفيه: منع الافتراق من هذه الجهة، وذلك ما.. افاده هو في حاشيته ـ في بحث دليل الانسداد،
عند البحث في المقدمة الرابعة من مقدماته ـ قال: إن الحرج وإن كان غير موجود في متعلق الأحكام الواقعية، إلاّ أنه إذا اشتبهت بين وقائع كثيرة، تصير الوقائع الملحوظة اتيانها بعد اتيان مقدار من الوقائع التي توجب الحرجيّة، لما يؤتى بعده حرجيّة فحينئذ ينفى التكليف في هذه الوقائع البعديّة على نحو التعليق، بمعنى أنه لو كانت متعلقة للتكاليف فليست بفعلية وذلك لعدم العلم بها فيها إذ لعلها متعلقة بالوقائع الاوليّة.
وبعبارة اوضح: أن الوقائع البعديّة أما لا تكليف فيها لوجوده في ما قبلها أو منفية لكون متعلقة حرجياً، بواسطة اتيان ما قبلها، فحينئذ يحكم العقل الحاكم في أمثال تلك المقامات بوجوب اتيان المظنونات اولاً حتى يكون مورد العسر هي المشكوكات والموهومات، وينفي التكليف التعليقي فيها لا بالتنجز بينه وبين اتيانهما اولاً، حتى يكون مورد العسر هي المظنونات فلا ثمرة بين الوجهين من هذه الجهة.

:: الفرق الثاني

الثاني: العقد الغبني، قال في أثناء درسه ما حاصله: أن المشهور استدلوا لثبوت الخيار فيه بالقاعدة، فان كان معناها ما ذكره الشيخ يرد عليهم ما اورده في متاجره: من أن نفي اللزوم في العقد لا يستلزم ثبوت الخيار للمغبون بين امضائه بكل الثمن والرد كذلك، بل يحتمل أن يكون نفيه بنحو التخيير بين امضائه بكل الثمن ورده في مقدار الزائد، غاية الأمر ثبوت الخيار للغابن، لتبعض الصفقة عليه بخلاف ما ذكرنا من المعنى للقاعدة فانه سالم عن هذا الإشكال، نعم: يرد عليهم بناءاً عليه: أن نفي اللزوم لا يلازم الخيار لاحتمال كونه عقداً جائزاً كالهبة، وتظهر الثمرة في الاسقاط فانه على الجواز لا يؤثّر لكونه من الاحكام بخلاف الخيار، وهذا المعنى لا ينافي حكمه بسقوطه باشتراط سقوطه في القصد، لأنه من باب الإقدام على الضرر نظير المقدم عليه مع العلم بزيادة الثمن، فانه لا يشمله القاعدة من الأوّل للانصراف. انتهى.
(وفيه) أوّلاً: أنه لا فرق بين المعنيين، فانّ المرفوع على أيّ التقديرين هو اللزوم فلورود الإشكال فلا فرق بين المعنيين اصلاً.
وثانياً: أنه لا وجه لتسليم إشكال الشيخ إذ معنى نفيه لزوم العقد تزلزل العقد بالقدرة على الفسخ ولا يعقل ذلك إلاّ بالقدرة على فسخ العقد في غير المقدار الزائد.
وأما رده فليس فسخاً له إذ هو عبارة عن حل العقد بحيث يرجع كل عوض إلى صاحبه، فتأمل.
وثالثاً: إن ظاهره حصر إشكال عدم الملازمة بين نفي اللزوم وبين الخيار لاحتمال الجواز في البين في ما اختاره من المعنى للقاعدة مع أنه يجري في ما اختاره الشيخ أيضاً.
ورابعاً: أن حمل الخيار في كلماتهم على الجواز خلاف ظاهر لفظ الخيار، فأنه في اصطلاحهم حق ثابت في العقد يسقط بالاسقاط وخلاف صريح قولهم بسقوطه بالاسقاط فانه فرع كونه حقاً.

:: توهم فرق آخر بين المعنيين

ثم أنه قد يتوهم افتراق المعنيين في العقد الغبني بتقريب آخر وهو:
أنه قد ثبت للعقد بحسب الأدلة الشرعية حكمان: الصحة واللزوم، وحينئذ أن كان معنى القاعدة ما ذكره الشيخ فلا يثبت الخيار المذكور، لأنه لا نظر حينئذ لها إلى الأدلة والحكم الناشئ منه الضرر هو اللزوم بلا تدارك، وأما هو مع التدارك فلا ينشأ منه الضرر بخلاف ما اختاره في الكفاية فانه بناءاً عليه يكون ناظراً إلى الأدلة المجعول فيها حكمان: الصحة واللزوم، والأول لا ينشأ منه الضرر والثاني ينشأ منه الضرر فيكون مرتفعاً.
(وفيه) أولاً: إن النظر موجود على كلا المعنيين فان الحكومة ليست منحصرة في ما كان الدليل بلسان نفي موضوع الآخر كما تحقق في محلّه ـ.
وثانياً: أن ثبوت النظر بناءاً على المختار الكفاية لا يوجب ما ذكر، إلاّ مع القطع بانحصار حكم الشارع في العقد في الصحة واللزوم بلا تدارك اللذين قد دل عليهما الأدلة، وأما مع عدم القطع فيمكن ثبوت اللزوم مع التدارك بعد الضرر فيه، ومع هذا القطع تكون القاعدة مثبتة للخيار بناءاً على عدم النظر أيضاً.
وثالثاً: سلمنا جميع ذلك إلاّ أن رفع اللزوم لا يلازم الخيار، فلعله مقارن مع الجواز كما سبق الإشارة إليه.
فتحصل: أنه لا فرق بين المعنيين في العقد الغبني أيضاً، وانه لا يصح التمسك بالقاعدة في إثبات الخيار فيه، فتأمل.
ثم: أن المشكيني (رحمه الله) ذكر موارد اخر تصلح لجعلها ثمرة الخلاف بين مبنى الشيخ رحمه الله ومختار الآخوند مع اجوبة كل مورد، وذلك في بحث دليل الانسداد، عند الكلام في المقدمة الرابعة منه فراجع(5).

:: ايرادان على كلام الشيخ (ره)

ثم أنه اورد على كلام الشيخ بايرادات غير تامة كلها، نذكر أهمها، وهي اثنان:
الايراد الأول: أن ظاهر النفي والوجود، هو الحقيقيان، فان الاعتباريان ليسا وجوداً وعدماً ـ إلاّ من باب المجاز ـ فلا ضرر معناه: نفي حقيقة الضرر لا نفي اعتبار الضرر.
وفيه: أن (لا) لمجرد النفي، اعم من الحقيقي والاعتباري، وبظهور مدخولها يتعين معنى النفي، وقرينة شارعية الشارع كافية لصرف (ضرر) إلى الحكم الضرري.
الايراد الثاني: مقتضى نفي الحكم الضرري، هو كون الفاعل الشارع، ونفي الضرر الصادر من الشارع، مع أن هناك قرائن تدل على نفي إضرار الناس بعضهم ببعض.
وفيه: أن نفي الحكم الضرري اعم من المكلف أو غيره، فـ(لا ضرر) يعني: الحكم الضرري لا يوجد في الإسلام، فلا يجب تحمله ولا يجوز ايصاله إلى الغير، فالحكم الناشئ منه الضرر على النفس أو على الغير، كله منفي.
مضافاً إلى ما أسلفناه من أن (الضرار) بمعنى إضرار الناس بعضهم ببعض، فيجمع بين (الضرر) و(الضرار).

:: قرائن كلها مخدوشة

أما القرائن: التي ذكرت لكون (لا ضرر) هو بمعنى الضرار، لا الحكم الضرري، فكلها أيضاً مخدوشة.
منها: قوله: (انك رجل مضار) فهو بمنزلة الصغرى لـ(لا ضرر) وحيث أن فاعل (مضار) الملكف (فالكلي) كذلك.
وفيه: ايّ تلازم بين الصغرى والكبرى في مثل ذلك؟
ومنها: أن (الضرار) على ما فسر هو: الضرر العمدي الناشئ عن الاغراض الفاسدة، لا يناسب الحكم الصادر من الشارع، ويناسب إضرار الناس بعضهم ببعض.
وفيه:
أولاً: نفي الضرار عن الإسلام غير اثباته، والاثبات للضرار في الإسلام باطل، لا النفي.
وثانياً: الضرار لا يقيد بالصادر عن الاغراض الفاسدة، بل كما حققناه سابقاً الإضرار مطلق.
وثالثاً: أي مانع بين كون (الضرار) إضرار الناس بعضهم لبعض، وبين (الضرر) الحكمي، ونفي كليهما كما استقربناه.
ومنها: لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، ولا ضرر ولا ضرار، وظاهره الذيلية لا الاستقلال لـ(لا ضرر) ومنع فضل الماء والكلاء مناسب للضرر الناشئ من الناس.
وفيه: لا ضرر، اعم منه، ولا يجب حصر التعليل في الصغرى بل هو يجزي في الكبرى ايضا، نظير أن يقال: (أنا لا احب هذا اللون، فاني لا احب الألوان كلها) و(لا تؤذ زيداً فان المؤمن لا يؤذي احداً) فهل معنى الكبرى: أنه لا يؤذي من هو نظير زيد في كلّ الخصوصيات.
ومنها: أن الفقهاء يستندون بـ(لا ضرر) في نفي الإضرار في أبواب المعاملات اكثر.
وفيه: في العبادات أيضاً التمسك به بكثرة، والاكثرية غير معلومة ومع فرضه (فلا دليل فيها).

:: الوجه السابع

الوجه السابع: لبعضهم وقد قدّم له مقدمات لبيان أن (لا ضرر) حكم ولائي ونهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بما هو وليّ وحاكم، لا حكم شرعي بيّنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) بما هو مبيّن لأحكام الله تعالى.
ونتيجته: أنه ليس في الشرع قاعدة (لا ضرر) وإنما قضى بها رسول الله للسياسية الخاصة التي تستدعي ردع الظالم، وانتصار المظلوم.
واستنبط ذلك من موارد استعمل فيها كلمات: (قضى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ أو حكم أوامر بكذا) وهي قضايا خاصة لا أحكام عامة.
وقال: إذا ورد في بعض الأحكام العامة: قضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو لقرينة في ذاك المورد خاصة.
أقول: يرد عليه أمور:
احداها: عدم التزامه بنفسه بذلك في الفقه، فانه يستند إلى (لا ضرر) كثيراً.
ثانيها: أنه مناف لاستدلال الفقهاء قديماً وحديثاً بـ(لا ضرر) فانه لا يناسب الكم السلطاني الذي ملاكه المصلحة الخاصة.
ثالثها: الكثير.. الكثير من عشرات الروايات التي استعمل فيها (قضى، حكم، أمر) في مقام بيان الحكم لا القضاء والحكم بمعنى فصل الخصومات (ولاستيضاح ذلك، دون المعجم المفهرس لألفاظ وسائل الشيعة، في موادها).
رابعها: استعمال قضى في القرآن بهذا المعنى أيضاً:
(وقضى ربك أن لا تعبدوا إلاّ إياه...).
خامسها: استنباط (قضى) في الحكومة الخاصة غير كثير، أن لم يكن نادراً.
سادسها: أن ذلك مناف للتعليل بـ(لا ضرر) في ذلك الروايات، وقد أسلفنا أن الأصح: أن (لا ضرر) ورد ذيلاً للروايات، وإن لم ننكر وروده مستقلاً أيضاً والله العالم.
ثم أنه في المقام (إشكال ودفع) ذكرهما بعضهم دفاعاً عن الوجه السابع وحاصلهما هو:
إن قلت: ظاهر صحيحة زرارة (فاقلعْها فانه لا ضرر ولا ضرار) استناد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الحكم بقلع الشجرة إلى قاعدة شرعية إلهية، فان تعليل عمله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحكم نفسه غير مناسب.
قلت: حيث إن المقام مقام شكوى الرعية إلى السلطان، كان هذا قرينة على أن (اقلعها) صغرى و(لا ضرر) كبرى، وكلاهما حكمان سلطانيان، أي: (اقلعها فانه يجب أن لا يكون تحت سلطاني ضرر).
وفيه: مضافاً إلى أن الظاهر خلافه، إذ مقام التشريع يقتضي كون كل حكم من الأحكام الصادرة شرعياً وعاماً، إلاّ ما خرج وليس هذا منه ـ أنه ينقض بما استعمل فيه نظير (لا ضرر) مثل: (لا حرج في باب الحج) فهل يقال بانه حكم سلطاني وقتي؟ ومثل (لا قران بين طوافين) و(لا قران بين سورتين) و(لا سلب) و(لا رفث، ولا فسوق، ولا جدال في الحج) و(لا شغار في الإسلام) و(لا عدوى) وغيرها...
والحاصل: أن الاقرب إلى النظر من المعاني السبعة المذكورة، هو ما اختاره الشيخ الأنصاري ـ قدس سرّه ـ وهو: (نفي الحكم الناشئ منه الضرر مطلقاً) وهو الوجه السادس.

(لا ضرر) في روايات أخر

1. منع فضل الماء

وأما رواية: (لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء فلا ضرر ولا ضرار).
ففيه بحوث:
1. السند.
2. الفاء في: (فلا ضرر ولا ضرار).
3. الظهور.
4. المحامل.
5. الاشكالات في الاستدلال بالرواية.

:: بحث السند

أما البحث الأول: فالكلام في السند وهو (الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالف، عن الصادق عليه السلام).
أما محمد بن يحيى فهو وإن كان مشتركاً بين جمع بعضهم ثقة، وبعضهم غير ثقة، إلاّ أن الظاهر ـ الذي صرح به المحقق الكاظمي في مشتركاته(6) كونه ابو جعفر العطار القمي الثقة لرواية الكليني عنه.
وأما محمد بن الحسين، فهو أيضاً مع كونه مشتركاً إلاّ أن الحدس الاطميناني يسوق إلى تعيينه في (محمد بن الحسين بن أبي الخطاب) لرواية محمد بن يحيى العطار عنه.
وأما محمد بن عبد الله بن هلال، فقد أهمل ذكره الرجاليون الاقدمون، فليس له منهم ذكر لا بمدح ولا قدح، إلاّ انه من رجال أن قولويه في (كامل الزيارات) لكنا لم نستفد ـ تبعاً للمشهور ـ دلالة مقدمته على توثيق غير شيوخه، نعم إذا كان تتبع روايات الشخص وسلامتها كاشفة عن اعتباره كان الرجل مصداقاً لذلك ـ كما ذكره الزنجاني في (الجامع في الرجال) في حقه ـ لكنه غير واضح صغرى، ومشكل كبرى.
فلم اجد دليلاً على اعتباره ـ في هذه العجالة ـ.
وأما عقبة بن خالد فهو وإن كان مشتركاً إلاّ أن الذي يروي عنه محمد بن عبد الله بن هلال معتبر مسلماً مردداً بين كونه ممدوحا أو ثقة.
فالرواية متوقفة سنداً من اجل محمد بن عبد الله بن هلال والله العالم.

:: بحث المتن

وأما البحث الثاني: فالكلام في المتن: ففي الوسائل نقلاً عن الكافي: (فقال: لا ضرر ولا ضرار).
وعن شيخ الشريعة في رسالة (لا ضرر): أن الفاء تصحيف قطعاً، والنسخ الصحيحة المعتمدة من الكافي متفقة على الواو هكذا (وقال: لا ضرر ولا ضرار). انتهى.
ويؤيده ما نقل عن الكافي المطبوع في طهران المصحح على تسع نسخ خطّية ومطبوعة من أنه بالواو: (وقال: لا ضرر ولا ضرار).
أقول: لا مانع ولا إجمال سواء كان بالفاء أو بالواو، أما الواو فواضح وأما الفاء فهو تفريع، وينسجم الكلام معه، واليك نصّ الحديث:
قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بين أهل المدينة في مشارب النخل: أنه لا يمنع نفع شيء وقضى بين أهل البادية: أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال: (لا ضرر ولا ضرار).
يعني لما قضى (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك فقال تفريعاً على قضائه وتعليلاً له.

:: بحث الظهور

البحث الثالث في: الظهور، فهل المراد بمنع فضل الماء، الماء الذي هو ملك شخص بحفر وشق قناة ونحوهما، أو الماء النازل من السماء، يحوطه شخص ثم يمنع الآخرين منه أو الأعم منهما ومن غيرهما؟
وكذا الكلام في (الكلاء) هل هو الذي يزرعه شخص ويملكه بأنحاء الملك؟ أو الذي ينبت بنفسه في الصحراء، غير المملوك لأحد، فيحوطه شخص ويحتكره لنفسه، أم مطلق، أم هو مجمل؟
الإطلاق: شامل للجميع، فيستشكل في الماء والكلاء المملوكين، والظاهر أن الفقهاء لم يعلموا بهذه الرواية، ولم يفتوا ـ بإطلاق ـ وجوب إنفاق الزائد من الماء والكلاء، إلاّ ما يحكي عن الخلاف والمبسوط وابي علي والفقيه، من: وجوب بذل الزائد حتى في الماء المملوك، قال في مفتاح الكرامة:
(قد اطبق المتأخرين على خلافهم، وقد نزّلت اخبار المنع على كراهة المنع واستحباب البذل، في الجامع والشرائع والتذكرة والتحرير والمختلف والدروس وجامع المقاصد، والكفاية، وغيرهم الخ...)(7).
كما أن ما دل منها على منع الفضل، منزل على منع مباح الماء وبيعه بالتغلب ونحوه، او على الكراهة (كتاب إحياء الموات من الجواهر).
ولا يخفى أن ما ذكر كله في الماء، أما الكلاء، فلم اجد مصرحاً به سلباً أو ايجاباً، لكن التحقيق هو الحمل على الكراهة للاعراض عن الخبر وإن كان صحيحاً، أو على القضاء الخاص من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، أو غير ذلك.
أما الماء والكلاء الالهيين غير المملوكين، فالظاهر عدم الإشكال في عدم جواز منع الناس عن الفاضل، لانهما من المشتركات التي لا يجوز احتكارها، ومنع الناس عنها اكثر من مقدار استفادته(8).

:: بحث المحامل

البحث الرابع في المحامل: وقد ذكرنا بعضها وهي:
أ ـ الحمل على الكراهية.
ب ـ الحمل على إنها قضية في واقعة.
ج ـ الحمل على أنه قضاء في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحو ذلك من المحامل.

:: بحث الاشكالات

البحث الخامس: في الإشكالات الواردة على تعليل (منع فضل الماء) بـ(لا ضرر) وهي أمور:
أحدها: المشهور ـ كما مر قبل قليل ـ كراهة منع فضل الماء ولو أوجب ضرراً فكيف يعلل بنفي الضرر؟ وكيف يستدل بنفي الضرر هذا ومورده يجوز فيه الإضرار؟
وجوابه: أنه لا مانع من تفكيك رواية واحدة وفي الفقه غير عزيز، فيحمل (لا ضرر) على التحريم لعدم المانع، ولا يحمل (منع فضل الماء) على التحريم للمانع، وهو: الاعراض عن التحريم.
ثانيها: أن تعليل منع فضل الماء بمنع فضل الكلاء، وكليهما بالضرر ـ الظاهر من الخبر ـ اتفاقي، لمراعاة الناس لأنفسهم ومواشيهم ومزارعهم أن لا يصيبها جوع أو عطش، فكيفي جعل (منع فضل الماء) صغرى لكبرى الضرر، والضرر اتفاقي؟
وجوابه اولاً: أنه ليس اتفاقياً خصوصاً في الصحارى قديماً التي كثيراً يقل فيها الماء والكلاء، أو لا أقل من أنه ليس قليلاً.
وثانياً: أن التعليل بلحاظ الاهمية معقول وإن كان قليل الاتفاق، كمن يقول لابنه: (احتط في معاملة الناس كي لا يصيبك منهم ضرر كبير) فإن اصابة الضرر الكبير قليل الاتفاق لكنها لأهميتها يصح التعليل بلحاظها.
ثالثها: لو كان الملاك الضرر، لوجب بذل فضل الماء في كل مورد أوجب ضرراً على الناس مطلقاً، لا في خصوص الصحراء، ومنع فضل الكلاء ونحوه، فمن لا يجد الماء لبناء بيته ضرر عليه، فيجب بذله للبناء ونحو ذلك ولا يلتزم به في الفقه.
وكذا في بذل غير الماء مما كان في تركه ضرر، كالدواء، والحطب، والنار، ونحو ذلك.
وجوابه: أن (لا ضرر) ـ كما ذكر جمع من المحققين ـ ينفي الضرر ولا يثبت حكماً، لأنه منّة، واثبات الحكم به مناف للمنّة، على أنه لو لا الاعراض الدلالي ـ الذي لا نستبعد وهنه في الفقه تبعاً للمشهور من أول الفقه إلى آخره، كما هو ظاهر من مراجعة مطاوي الجواهر وغيرها ـ عن مضمون الرواية: (منع فضل الماء) لكن نلتزم لأجل التعليل بالضرر باثبات الضرر الحكم ايضا، لكنّا لا نلتزم به للاعراض الدلالي، أن لم نقل بعدم الظهور في إثبات الحكم بالضرر لكونه منّة على جميع الأمّة، واثبات الحكم بلا ضرر مناف للمنّة على جميع الامة.

2. (لا ضرر) في ذيل حديث الشفعة

وأما (لا ضرر) في ذيل حديث الشفعة، فقد يشكل في كون عدم الشفعة ضرراً لوجوه:
أحدها: إضرار الشريك الجديد اتفاقي، وربما يكون الجديد ارفق من الشريك السابق، وعلى فرض (الضرر): فالشركة بنفسها ليست ضرراً، بل كانت الشركة موجودة سابقاً، بل المحتمل للضرر هو التصرف اللاحق من الشريك الجديد.
وجوابه: أن الشركة الجديدة المعرضة لمحتملات آتية، بنفسها ضرر عرفاً والجهل بالارفقية للشريك الجديد، كاف في صدق الضرر، لاضطراب الشريك من الشركة الجديدة.
ثانيها: أن نفي الضرر ـ لو كان ضرر موضوعاً ـ يلزم منه بطلان البيع، أو عدم لزومه، لإثبات النفع للشريك بتملك الحصة المباعة.
وجوابه: أن الضرر أفاد جواز إبطال البيع، والأخذ بالشفعة أفاده المفروغية عن إعراض الشريك عن حصته، وبالسبر والتقسيم، ودوران الأمر بين:
الشريك الجديد: المنفي بالضرر.
وابقاء الحصة في ملك الشريك السابق المنفي بارادته البيع.
واخذها بالشفعة، ولا قسم رابع، فيتعيّن (بلا ضرر) الاخذ بالشفعة.
ثالثها: إن تعليل حق الشفعة بـ(لا ضرر) مناف لكون هذا الحق ضرراً على البائع، لتقييد سلطنته على بيع ملكه ممن يريد، وضرراً على المشتري بأخذ الحصة منه، فكيف يعلل بالضرر ما يتعارض فيه الضرران؟
وجوابه ـ مضافاً إلى أنه في فرض التعارض رجّح الشارع ضرر الشريك فضرر الشريك ضرر بلا مانع، ولكن ضرر البائع والمشتري ضرر مع المانع، فكان كلا ضرر: أن البائع بعد خروج ملكه عنه، فأي ضرر عليه يكون قد انتقال إلى هذا أو ذاك؟ والمشتري باشترائه ما هو معرّض للزوال سواء بأخذ الشفيع، أو بإبطال البيع، فاي ضرر عليه من حق الشفعة، بل الضرر سابق عليه؟ فلا ضرر ناشئ من حق الشفعة ـ على البائع والمشتري ـ حتى يعارض ضرر الشفيع؟

3. (لا ضرر) في مسألة سقوط الجدار

وأما (لا ضرر) في مسألة سقوط الجدار، والزام صاحبه بنيانه إذا كان مضراً بالجار لكشف ستر البناء ونحو ذلك، والخبر هو مرسل الدعائم عن الصادق عليه السلام وهو:
أنه عليه السلام سئل عن جدار الرجل ـ وهو سترة بينه وبين جاره ـ سقط فامتنع من بنيانه؟ قال عليه السلام: ليس يجبر على ذلك، إلاّ أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الأخرى بحق أو بشرط في اصل الملك، ولكن يقال لصاحب المنزل: استر على نفسك في حقك إن شئت، قيل له عليه السلام: فإن كان الجدار لم يسقط، ولكنه هدمه أو أراد هدمه إضراراً بجاره، لغير حاجة منه إلى هدمه.
قال عليه السلام: لا يترك، وذلك أن رسول الله صلى الله عله وآله وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار) وأن هدمه كلف أن يبنيه(9).
ففي هذا الخبر شبهات من وجوه ـ مضافاً إلى الإرسال الذي يغنينا عن البحث عن دلالته، وعدم العمل به حتى يجبر ضعفه، فيحمل على التنزيه:
إحداها: أن من مسلمات الفقه أن الضرر موضوع لحكم الشارع بـ(لا) ويدور هذا الحكم مدار وجود الضرر خارجاً وعدمه ـ في غير مثل الصوم والحج ونحوهما مما يدور ظاهراً مدار خوف الضرر، سواء كان الضرر ثابتاً خارجاً أم لا ـ سواء نوى الإضرار أم لا، فنيّة الإضرار وحدها لا ترفع حكماً، والإضرار وحده يرفع الحكم وإن لم ينو الإضرار، فالتفريق في هذا الخبر بقصد الإضرار، وعدم القصد، خلاف المتسالم عليه ظاهراً بين الفقهاء.
ثانيتها: ظاهر الخبر علّية الإضرار، لا خصوصية الجدار، فيجب سحب هذه العلة في غير الجدار من نظائره، فمن كانت له دار، وكانت سبباً للظل على الجار، وغلاء قيمة دار الجار، فإن هدمها للإضرار، كلف البناء حتى إذا كان ضرراً على نفسه، أو كان له محل تجارة في محلة، وكان سبباً لسهولة شراء أهل المحلة، فبدّله إلى دار، وجب عليه إعادته، وهكذا مما لا يلتزم به فقيه ظاهراً، وهكذا أمثلة كثيرة لا يلتزمون بها.
ثالثتها: أن الضررين ـ ضرر صاحب الدار بالزامه بالبناء، وضرر الجار اللازم من هدم الجدار ـ متعارضان، فيجب التساقط لا الترجيح لاحدهما.
هذا والظاهر أن الشبهة الأولى والثانية، مما لا يمكن التفصي عنهما.
أما الثالثة فيجاب عنها بما اجيب سابقاً: من أنّه ـ بعد ثبوت العمل بالرواية ولم يثبت ـ يحمل على الاهمية في نظر الشارع مع قيدين:
1. قصد الإضرار.
2. تحقق الضرر، والله العالم.

4. (لا ضرر) في رواية الطلاق

وأما رواية الطلاق من المريض لمنع الإرث، فهي ما رواه الوسائل عن الفقيه، بإسناده عن صالح بن سعيد عن يونس عن بعض رجاله...
وعن العلل في الحسن عن صالح وغيره من أصحاب يونس عنه عن رجال شتى عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
سألته ما العلة التي من اجلها إذا طلق الرجل امرأته وهو مريض في حال الإضرار، وورثته ولم يرثها، وما حد الإضرار عليه؟
فقال عليه السلام: هو الإضرار، ومعنى الإضرار منعه إياها ميراثها منه، فألزم الميراث عقوبة (10).
أما السند: فالظاهر اعتباره وذلك لان الخبر رواه الصدوق رضوان الله عليه في الفقيه والعلل بطريقتين.
أما في الفقيه فأسنده إلى صالح بن سعيد عن يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام.
وطريق الصدوق رحمه الله إلى صالح بن سعيد غير معروف، فلم يذكره العلامة رحمه الله.
وقد يظن أنه نفس الطريق الآخر، لوحدة الراوي والمروي عنه ووحدة المتن وهو في العلل عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن سعيد وغيره، من أصحاب يونس، عن يونس، عن رجال شتى عن أبي عبد الله عليه السلام.
وهذا الطريق لا يخلو من اعتبار تبعاً لجمع للظنون الرجالية:

:: بحث سندي

1. إذ (صالح بن سعيد) وإن كان مجهولاً، بالمصطلح الرجالي الحديث ـ إلاّ أنه قد يعتبر معتبراً لأمور:
(منها) ما صرح به الوحيد البهبهاني(11) تبعاً لخاله المجلسي الثاني (قده) ـ وقد تبعاً بعض من تقدم عليهما، وتبعهم جمع ممّن تأخر عنهم ـ من اعتبار كل من كان للصدوق رحمه الله إليه طريق.
(ومنها) عطف (غيره من أصحاب يونس) على (صالح بن سعيد) يقضي بالاطمئنان ـ للمتتبع الدقيق ـ على العلم الإجمالي بوجود معتبر في البين.
(ومنها) أنه من رجال تفسير على ابن إبراهيم، فقد روى عنه بواسطة أبيه في تفسير البسملة من سورة الفاتحة ـ، فتأمل.
(ومنها) غير ذلك مما ـ بمجموعه ـ يوجب الاطمئنان إلى اعتبار الرجل، وإن كان في كلّ واحد، مما ذكر إشكال وفي بعضها ـ بمفرده ـ منع.
2. وأما يونس فهو بلا إشكال يونس بن عبد الرحمن لا ابن ظبيان ـ كما يظهر للخبير في المشتركات ـ.
3. وأما من روى عنه يونس، فهو معتبر أيضاً لأمور يعضد بعضها بعضاً.
(منها) أن يونس من أصحاب الإجماع، ولا يسأل عمن جهل من شيوخهم، وقد صرح صاحب الجواهر بذلك في عشرات الموارد في مختلف الأبواب ـ وإن كان البحث عن ذلك طويلاً وفيه إشكال بل منع ـ.
(ومنها) قوله في سند (العلل) عن رجال شتى، ومدّعي الاطمئنان الإجمالي بوجود شخص معتبر بينهم غير مجازف.
(ومنها) غير ذلك، والله العالم.

:: بحث المتن

وأما المتن: فظاهر أن الإضرار علة الحكم، فتعم في كل مكان.
ويستفاد منه عدة أمور، ينبغي البحث عنها في التنبيهات:
أحدها: أن الحكم الوضعي الواحد ـ كالطلاق ـ إذا كان بعض آثاره مصداقاً للإضرار ـ كعدم ارث الزوجة ـ وبعضها لا ـ كعدم ارث الزوج ـ يرفع فقط ما كان اضراراً، لا مطلقاً من هذا الطرف ولا مطلقاً من ذلك الطرف، وهذا يعني علّية الضرر والضرار لرفع الحكم، لأنه (ضرر) يرفع مقدار الضرر، لا مطلقاً.
ثانيها: صدق الإضرار على إخراج من أشرف على الاستحقاق لشيء من المال عن العنوان الذي اخذ موضوعاً للاستحقاق، بل ربما يلغي العرف خصوصية المال، فيعم كل استحقاق.
ثالثها: أن يكون ضد الضرر هو المجعول، فالإرث ضد لمنع الإرث، فلما كان المنع ضررياً كان ضده مجعولاً.
لكن يجب أن يقيد ذلك بالضد الذي يكون رفع ضده عرفاً ملازماً لجعل الضد الآخر، لا مطلق الضد الفلسفي.
رابعها: أن مقتضى إلغاء خصوصية التعبد والاختصاص بالمورد أن يكون الإضرار علة الحكم الشرعي من الشارع إذا كان الإضرار موجباً لكون الحكم الشرعي ضررياً، وبعبارة أخرى أنه يستفاد من الخبر المذكور (لا إضرار) لكل الأحكام الشرعية لا مجرد إضرار الناس بعضهم ببعض، فالإضرار يرفع الحكم الشرعي أيضاً كالضرر.
لكن قد يورد على الاستدلال بعلّية الضرر في الرواية بأمرين:
1. ظهور الإعراض عن هذا الظاهر وهو العلّية.
2. احتمال أن يكون علة للتشريع، لا للحكم.
وفيه: أما الإعراض، فغير ظاهر، وأما علة التشريع فلا يصار إليه إلاّ لمحذور، لظهور العلية، في العليّة للحكم، وإلا فعلة التشريع هي الحكمة.

5. (لا ضرر) في رواية تعطيل الرحى

وأما رواية تعطيل الرحى، فهي الصحيحة المروية بطرق عديدة صحاح عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ومحمد بن علي بن محبوب عن أبي محمد يعني العسكري (عليه السلام): رجل كانت له رحى على نهر قرية، والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطل هذه الرحى، أله ذلك أم لا؟
فوقّع عليه السلام: (يتقي الله ويعمل في ذلك بالمعروف ولا يضر أخاه المؤمن)(12). أما السند: فمعتبر بلا إشكال وقد صرح في الجواهر و(الفقه) بكونه صحيحاً(13) لأن طريق الكليني فيه (محمد بن يحيى العطار، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب) وكلاهما ثقتان بلا كلام وطريق الصدوق والشيخ قدس سرهما إلى محمد بن علي بن محبوب الراوي للخبر صحيح أيضاً، لأن الصدوق طريقه إليه (أبوه، وجمع كلهم ثقاة، عن محمد بن يحيى العطار، الثقة) وكذا (أبوه وآخرون، عند احمد بن ادريس)، وطريق الشيخ إليه (الحسين بن عبيد الله الغضائري، عن احمد بن محمد بن يحيى العطار الثقة ـ على الأصح عندنا تبعاً لجمع من المحققين ـ عن أبيه الثقة).
وأما الدلالة على حرمة الضرار في مورده: فصريحة.
وأما العمل فالظاهر عمل الاصحاب بها منذ القديم وحتى مراجع اليوم في رسائلهم العملية(14).
ومقتضى القاعدة العمل بها لكونها صحيحة، ولم يتحقق إعراض ـ ولو لعدم التعرض له ـ وأما محتملات الرواية:

:: محتملات الرواية

أ ـ فيحتمل كون الماء ملكاً لصاحب القرية، ومقتضى القاعدة جواز تغيير مسير الماء حتى مع قصد إضرار صاحب الرحى، ولا صراحة في هذه الرواية في هذا المحتمل حتى تخصص القاعدة الثابتة: (الناس مسلطون) بها.
ب ـ ويحتمل كون القرية ملكاً، دون الماء، وكان الماء من المشتركات العامة، وفي مثله لا يجوز لصاحب القرية إضرار صاحب الرحى بلا إشكال، فليحمل الخبر عليه.
ج ـ ويحتمل كون الماء ملكاً لصاحب القرية، ولكنه كان وضع الرحى بحق واجب على صاحب الماء فلا يجوز تغييره.
وعليه حمل الخبر الحجة المامقاني ـ قده ـ في مناهج المتقين، قال:
(فرع: لو كان لإنسان رحى على النهر المملوك لغيره، فإن كان وضع الرحى، بحق واجب على صاحب النهر مراعاته، لم يجز له أن يعدل بالماء ويصرفه عن الرحى، إلاّ برضا صاحب الرحى، وإلا جاز له أن يعدل به إلى غيرها)(15).
وفيه: انه خلاف ظاهر التعليل في الرواية، إذ ظاهر التعليل انه لا يجوز من حيث الإضرار، لا من حيث وجوب حق ونحوه، ولو عمل على ثبوت الحق، سقط الاستدلال بكلي (لا ضرر) في هذا الخبر، مع ظهور الخبر في كلية (لا ضرر)، فتأمل.
نعم، يظهر من الرواية ـ بالظهور العرفي ـ أن الإضرار بالأخ المؤمن لا يجوز مطلقاً والإمام عليه السلام طبق هذا الكلي على المورد، فيكون دليلاً لما نحن فيه، وهو: اصالة حرمة الإضرار، وبالملازمة العرفية يدل على عدم تشريع ما يأتي من الضرر.

6. (لا ضرر) في العتق

وأما رواية العتق الاضراري، فهو صحيح محمد بن مسلم، المروي بسندين في الاستبصار والتهذيب والفقيه.
قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل ورث غلاماً وله فيه شركاء، فاعتق لوجه الله نصيبه، فقال عليه السلام: (إذا اعتق نصيبه مضارة وهو موسر، ضمن للورثة، وإذا اعتق لوجه الله، كان الغلام قد اعتق من حصة من اعتق، ويتعملونه على قدر ما اعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه، عمل لهم يوماً وله يوماً، وإن اعتق الشريك مضاراً وهو معسر، فلا عتق له، لأنه أراد أن يفسد على القوم ويرجع القوم على حصصهم)(16) وقد حمله صاحب الوسائل على عدم قصد القربة بالكلية.
ونحوه، صحيح الحلبي عن الصادق عليه السلام ـ (في جارية كانت بين اثنين، فاعتق أحدهما نصيبه، قال عليه السلام: (إن كان موسراً كلّف أن يضمن وإن كان معسراً خدمت بالحصص)(17).
وهنا أمور:
الأول: ظاهر صحيح محمد بن مسلم ـ للتعليل لأنه أراد أن يفسد على القوم بطلان كل ما أريد منه الإضرار على القوم.
الثاني: حمل صاحب الوسائل على فقدان قصد القربة، غير واضح، إذ معه أي فرق بين الإعسار والايسار؟
فهذا الفرق قرينة على أن الفساد لم يأت من عدم قصد القربة.
فأما يحمل على عدم لزوم قصد القربة في العتق، وقد نقل الجواهر الإجماع على لزومه، وأما على ما لا ينافي قصد القربة، كالتبريد في التوضي من باب الداعي على الداعي ونحوه.
الثالث: عدم العمل بخصوص الرواية أو حملها، لا ينافي عموم رفع الضرر الذي يظهر من التعليل، نظير ما لو ورد: (ليغسل الكافر يده فإن الماء طهور)، فعدم العمل بالصغرى، لا يسقط الكبرى عن الحجية.

7. (لا ضرر) في عهد الاشتر (ره)

وأما رواية عهد علي عليه السلام إلى الاشتر:
(واعلم مع ذلك أن في كثير منهم (التجار وذوي الصناعات) ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات، وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منع منه)(18)...
أقول: سند هذا العهد الذي اسنده الشيخ معتبر على الأقوى، تبعاً لجمع من الأجلة(19) وإن أشكل فيه بارسال جمع آخر(20).
هذا مضافاً إلى عدم استبعادنا حجية كل ما في نهج البلاغة بالظنون الرجالية والقرائن المتراكمة ـ إلاّ ما خرج بدليل نظير أي دليل معتبر سنداً ـ تبعاً لجمع غفير آخر من الأجلة.
مع ذلك كله ربما لا يدل على عموم نفي الضرر، بل نفي الضرر على العامة، وتعقيبه بـ(عيب على الولاة) ربما يجعله في مقام السلطانية، لا نفي تشريع الضرر مطلقاً.
نعم، يستشعر منه نفي مطلق الضرر الذي من اظهر مصاديقه الضرر على العامة، فتأمل.
والحاصل: أن المستفاد من هذه الموارد وغيرها، رفع الضرر في الإسلام قطعا، وان أشكل على كل مورد سنداً، أو دلالة، أو عملاً، أو غير ذلك.


(1). البقرة: 194.
(2). النهاية: ص14.
(3). جواهر الكلام: ج37، ص15، سطر 7 قبل الأخير.
(4). يراجع مفتاح الكرامة، الجزء الاول: ص519، س11، وص521، س2و22، وص522 س11 و15وص 523 س9، 19، 22، وص524 س16، وص525 س27 إلى 30، وص526 س5و7، 527 س4.
(5). حاشية المشكيني (ره) على الكفاية: ج2، ص119، نهاية الصفحة.
(6). هداية المحدثين: ص258.
(7). يراجع:
أ) جواهر الكلام: ج38، ص119.
ب) الفقه: إحياء الموات، ص247.
(8). الفقه: احياء الموات، ص248.
(9). مستدرك الوسائل، احياء الموات، الباب9.
(10). وسائل الشيعة، ج17، ص534، كتاب الفرائض، ميراث الازواج، الباب 14، الحديث 7.
(11). الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني (ره) ص54.
(12). وسائل الشيعة: ج17، ص343، إحياء الموات، باب 15.
(13). انظر الجواهر، كتاب إحياء الموات، ج38، ص130، و(الفقه)، كتاب إحياء الموات، ص268، ومباني منهاج الصالحين) متناً وشرحاً: ج9، ص188، وغيرها.
(14). انظر الرسائل العلمية في بحث إحياء الموات فمن تعرض للمسألة.
(15). مناهج المتقين: ص452.
(16). وسائل الشيعة: ج16، ص38، باب18، كتاب العتق، ح12 و7.
(17). وسائل الشيعة: ج16، ص38، باب18، كتاب العتق، ح12 و7.
(18). وسائل الشيعة، التجارة، آداب التجارة، الباب27، ح13 ومستدرك الوسائل، الباب21، ح7.
(19). انظر (مباني تكملة المنهاج)، ج1، ص5، وغيره أيضاً.
(20). انظر (مباني تكملة المنهاج)، ج7، ص357، وغيره أيضاً.