7. السنّة المطهّرة

(سابعها) السنة المطهرة ـ وهي العمدة في النقص والابرام، وتفريع الفروع ونحو ذلك، واخرنا الحديث عنها لتفصيلها، وكونها الأهم في المقام، ولها إطلاق وعموم ينفعان في موارد الشك، حتى أن جمعاً ممن ألف في بحث (لا ضرر) حصر الاستدلال له بالسنة فقط ـ وهي روايات كثيرة تعد بالعشرات، وقد نقل عن فخر الدين في الإيضاح ـ وتبعه صاحب المستند وغيره ـ دعوى تواترها(1) ولعله في محله.
والبحث فيها من جهات: السند، والمتن، والمفردات.

:: الجهة الأولى

في بحث السند، والأخبار لكثرتها لا تحتاج إلى البحث عن إسنادها، وقد جمع بعضهم في هذا الباب نيفاً وأربعين حديثاً من طرق الخاصة فقط.

:: الجهة الثاني

ـ متن الروايات ـ
في متن روايات (لا ضرر)
وقد نقلها الخاصة على ثلاثة وجوه:>
الأول: لا ضرر ولا ضرار.
الثاني: لا ضرر ولا ضرار على مؤمن.
الثالث: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
أما الأول: ففي معظم الروايات.
وأمّا الثاني: فهو خبر عبد الله بن مسكان، عن زرارة، عن الباقر عليه السلام في قصة سمرة بن جندب، لكنه مرسل أرسله والد البرقي بقوله (عن بعض اصحابنا).
وأمّا الثالث: ففي مرسل الفقيه، وكذا مرسلاً عن تذكرة العلامة، وفي مجمع البحرين.

:: كلام المحقق النائيني (ره)

ثم أن المحقق النائيني ـ قده ـ نفى الفائدة في زيادة كلمتي: (على مؤمن) و(في الإسلام)، سواء قلنا بكون (لا) نافية ـ كما استند إليه الشيخ الأنصاري ـ أم ناهية، أي: (لا ضرر ولا ضررا موجود في الإسلام ـ على مؤمن).
و(لا تضرّوا في الإسلام ـ وعلى مؤمن).
وفيه:
وجود (في الإسلام) يمنع أخذ (لا) ناهية، إذ الإسلام ليس ظرفاً لإضرار الناس بعضهم لبعض، إلاّ على تكلّف.
نعم، الظاهر ـ كما سيأتي ـ بان (لا) نافية أريد منها النهي مبالغة، أو لازمها النهي وعليه، فلا فرق بينهما.
وكذا (على المؤمن) لا يليق بـ(لا) الناهية، إذ (على) لا ينسجم مع الاضرار، لأنه يتعدى بنفسه أو بالباء، والنافية هي التي تنسجم مع (على).

:: كلمة (في الإسلام) موجودة

وما عن شيخ الشريعة وبعض المراجع وغيرهما: من انكار (في الإسلام) إلاّ فيما رواه ابن الأثير في النهاية، ففيه:
إن الصدوق في الفقيه، والطريحي في مجمع البحرين ذكرا: (في الإسلام).
وما نقله شيخ الشريعة أيضاً: من دعوة بعض معاصريه: (تواتر) كلمة (في الإسلام) وإسناده إلى المحققين أيضاً، غير تام.
إذ لم يثبت كلمة (في الإسلام) ظاهراً، إلاّ عن بعض أرباب المجاميع، والأمر سهل بعد ما اسلفنا عدم فائدة مهمة فيه.
فالترجيح: مع رواية الفقيه الذي فيه: (في الإسلام) لأصالة عدم الزيادة.
وإن قلنا بعدم حجية مراسيل الفقيه وأنه وإن دلّت النسبة إلى المعصوم ـ عليه السلام ـ إلى اطمئنان الناسب، لكنه ليس حجة لفقيه آخر ـ كما اختاره بعض المراجع(2) أيضاً ـ لاختلاف الأنظار في الحجية.
فالترجيح للمعتبرة التي ليس فيها كلمة: (في الإسلام) بل إطلاق الترجيح مسامحة، إذ لا حجية لغيرها.
ثمّ انه: هل يمكن تصحيح ما هو المعروف، وما صرح به النائيني هنا:
من ترجيح اصل عدم الزيادة عند تعارضه مع اصل عدم النقيصة؟ أم لا أصل للعقلاء في ذلك، بل يتساقطان؟
لا يبعد التساقط، ولو شك في هذا البناء للعقلاء، فالأصل العدم، فتأمل.
ثمّ أن بعضهم أشكل في مراسيل (الصدوق، والعلامة، والطريحي) الذين ذيلوا الرواية بكلمة (في الإسلام):
بان الطريحي أخطأ قطعاً، لأنه نقل ذلك ضمن رواية الشفعة، وهي موجودة في الكافي بلا كلمة (في الإسلام).
والعلامة: لعلّه أخذها من الصدوق.
والصدوق: فلا حجية بعد كونها مرسلة.
(أقول) يستشكل على هذا البعض في رد الصدوق بالإرسال:
بأنه نفسه في بحث البراءة صحح مراسيل الصدوق إذا نقلها بـ(قال) لا بـ(روى) قائلاً: واسند الصدوق متن الحديث (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) إلى الصادق عليه السلام بصورة الجزم، والقطع شهادة منه بصحة الرواية... الخ.

:: (لا ضرر) جملة مستقلة

ثم انه هل (لا ضرر) في الروايات جملة مستقلة، جمعها الراوي مع (مسألة الشفعة) ومع (مسألة المنع عن فضل الماء)؟
أم أن (لا ضرر) تابعة في كلام النبي (صلّى الله عليه وآله)؟
أصرّ النائيني وشيخ الشريعة وتبعهما بعض الأجلة على أنها جملة مستقلة، جمعها الرواة مع المسألتين.
وأصرّ بعضهم على وجود الإشكال في ذلك، فلم يستقرب جانباً.

:: اشكالات سبعة

والثمرة: تظهر في اشكالات بناءً على كون إضافة (لا ضرر) في هذه الروايات من جانب النبي (صلى الله عليه وآله):
1. لو كانت (لا ضرر) بمنزلة العلّة، لزم كونها معممة ومخصصة (بتعميم) الشفعة لغير البيع من المعاوضات، ولأكثر من شريكين، و(تخصيصه) بمورد يتضرر الشريك بالشركة الجديدة دون ما لا يتضرر أو ينتفع ـ مع أن الشفعة مختصّة بالبيع، وتعم الضرر وغيره.
2. وأن يكون (لا ضرر) مشرعاً للحكم التبدلي، لا مجرد رافع، لأن الشفعة أمر تبدلي زائد على نفي اللزوم في البيع.
وبعبارة أخرى: مقتضى ضرر الشريك تسلطه على فسخ البيع وارجاع المال إلى شريكه الأول، لا أخذه هو المال بالشفعة.
3. يلزم رفع (لا ضرر) للأحكام اللازم منها (عدم النفع) فإن في (منع فضل الماء) عدم نفع الماشية به من دون أن يكون إضرار لهم.
4. يلزم حرمة منع فضل الماء والكلأ، مع انهم لم يلتزموا به ظاهراً.
وأضاف المحقق النائيني، إيرادين آخرين كالتالي:
5. أن قضية النبي (صلى الله عليه وآله) مضبوطة عند الشيعة والعامة، وبعد اتفاق ما رواه الفريقان في الباب، وبرواية العامة (لا ضرر) مستقلاً، وحدس الفقيه باستقلاله في طرقنا أيضاً، وإنما أحلق عقبة بن خالد (لا ضرر) من باب الجمع بين الروايات العديدة.
6. أن (الضرار) هو الإضرار من الطرفين، لأنه مصدر باب المفاعلة (ضار، مضارة، وضراراً) وهو لا يناسب الشفعة، ومنع فضل الماء، لأنه إضرار من طرف واحد لا طرفين.
7. (لا ضرر) في الموردين لفظ واحد، فكيف يمكن أن يكون في مورد علة؟ وفي مورد حكمة؟ ولأجل هذه الاشكالات قالوا: بان (لا ضرر) جملة مستقلة حشرت مع روايتي (الشفعة) و(منع فضل الماء).
(أقول) ظاهر النقل هو وحدة الرواية، خصوصاً في نقلها بالفاء (فلا ضرر ولا ضرار) كما في بعض نسخ الكافي على ما قيل.
ولا يرفع اليد عن هذا الظهور، إلاّ بظهور اقوى، وهذه الايرادات السبعة، وغيرها مما لم نذكرها، لا تؤسس ظهوراً اقوى في المقابل.
وحلّ معظم هذه الايرادات يتحقق بالتزام علّية (لا ضرر) لأصل تشريع الحكم، لا لنفس الحكم، وباصطلاح الفقهاء انه علّة للجعل لا للمجعول، كمعظم العلل الشرعية والعقلائية.
واشكلة النائيني: بان الحكمة يجب كونها على الأقل غالبية، وليست كذلك فيما نحن فيه.
(أقول) الحكمة يكفي عدم ندرتها، فلا يلزم غالبيتها، بل ولا كثرتها، كما في روايات: ما يسبّب الجنون والبرص. بل الاحتمال العقلائي كاف في التعليل.

:: الجواب على الاشكالات السبعة

هذا. وأما الجواب عن الاشكالات السبعة المذكورة فكما يلي:
أما الإشكال الأول: فليس (لا ضرر) معممة الشفعة لكل العقود، بل تخص البيع، ولا لأكثر من اثنين.
ولا مخصصة بالضرر الفعلي للشفيع، لأنه حكمة لا علّة.
وأمّا الإشكال الثاني: فبكون (لا ضرر) حكمة لا علّة، يندفع إشكال كونه مثبتاً للحكم (الشفعة)، إذ إثبات الحكم ليس بالضرر، بل بالدليل الخاص، وهو دليل الشفعة.
وأما الإشكال الثالث: فليس كل عدم نفع، ضرراً، نعم بعض عدم النفع ضرر، كما في مثل منع فضل الماء الذي يسبّب هلاك الماشية احياناً، واطلاق الضرر عرفاً على مثله غير بعي، ولا يلزم منه رفع كل عدم النفع.
وأما الإشكال الرابع: فلا مضائقة لو لم يعمل الفقهاء بحرمة منع فضل الماء، من التزام الكراهة للاعراض، ولا منافاة له مع (الضرر) فالاعراض يوهن الدليل القوي ـ كما حققناه في مسألة الشهرة ومقدار حجيتها ـ.
مضافاً إلى التزام بعضهم بحرمتها، ووجوب بذل فضل الماء ـ بلا عوض أو مع العوض على خلاف ـ.
ففي الشرائع والقواعد: (وقيل يجب بذل الفاضل).
وفي مفتاح الكرامة(3) نقلاً عن الشيخ والتذكرة: حرمة منع فضل الماء.
وفي جامع الشرائع لابن سعيد(4) قال: (ويستحب بذله للمحتاج بلا عوض، وقيل: يجب بذله بلا عوض، وقيل بالعوض).
وأما الإشكال الخامس: فلا يكون نقل العامة لـ(لا ضرر) مستقلاً دليلاً على انه عندنا أيضاً مستقل.
مع انه لم يثبت انهم لم ينقلوه إلاّ مستقلاً.
مضافاً إلى أن ظاهر خبر عقبة بن خالد: إن الناقل لـ:(لا ضرر) هو الصادق عليه السلام، لا عقبة، انظر الخبر:
(قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشيء، وقضى بين أهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء فقال: لا ضرر ولا ضرار).
وفي خبر آخر عن الصادق عليه السلام:
(قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن، وقال: لا ضرر ولا ضرار، وقال: إذا أرّفت الارف وحدت الحدود فلا شفعة).
ونقل الصادق عليه السلام لـ(لا ضرر) في المقام دليل على الارتباط بينهما كنقل النبي (صلى الله عليه وآله) له.
وأما الإشكال السادس: فالضرار يستعمل للضرر ايضا، ففي الوسائل (ومن ضار (خان) مسلماً فليس منّا(5).
وفيه أيضاً عن علي عليه السلام: (من أوصى ولم يحف ولم يضار، كان كمن تصدّق به في حياته)(6).
وهكذا قوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها).
ففي الوسائل ايضا: (نهى أن يضار الصبي، او تضار امه في رضاعه)(7).
وفي القاموس: (ضرّ وضار بمعنى واحد).
وسيأتي تفصيل بحثه في بحث مفردات القاعدة انشاء الله تعالى.
وأما الاشكال السابع:
فأولاً:
مانع منه، مثل: (حرّم الخمر لأنه مسكر) فهو حكمة بالنسبة لكمية الخمر وعلة للتعدي إلى كل مسكر، وكحفظ النفس حكمة في القصاص والديات، وعلة في وجوب النفقة للقرابة.
وثانياً: (لا ضرر) علة في الجميع، إلاّ إنها في بعض الموارد علة الحكم ـ كالوضوء، والصوم، ونحوهما ـ وفي بعضها علّة للتشريع، كالشفعة ونحوها.
وبعبارة أخرى: علة التيمم (لا ضرر) يدور معه وجوداً وعدماً وعلّة تشريع الشفعة ـ لا لنفس حكم الشفعة ـ.
وأيضا: (لا ضرر) يدور تشريع الشفعة معه مدار الضرر وجوداً وعدماً.
نعم في علّة التشريع لا انعدام، لأن مصداقه واحد، لا تكرار فيه إذ لا يتكرر التشريع.
والحاصل: إنه لم يثبت كون (لا ضرر) مستقلاً، ولم يثبت إشكال من جعله ذيل الروايات.

:: ما قاله النائيني (ره)

ثم أن المحقق النائيني قال: (وعلى أي حال: وروده مستقلاً على الظاهر، ممّا لا إشكال فيه).
(أقول) لعلّه يشير إلى انه لو شك في أن (لا ضرر) جاء ذيلاً للروايات أم لا، فينحل العلم الإجمالي، بالعلم بوروده مستقلاً والشك في وروده أيضاً ذيلاً أم لا؟ والأصل: العدم.
لكنه محل إشكال، اولاً: لعدم وروده مستقلاً بطريق معتبر، فما وجدناه هو مراسيل: (الدعائم، والفقيه، والشيخ، وابن زهرة، والعلامة، ونهاية ابن الأثير، ومسند ابن حنبل).
وهذه لا تكفي حجة ـ إن لم نعتبر مراسيل الفقيه، كما هو المشهور بين المتأخرين ـ.
وثانياً: على فرض ثبوت وروده مستقلاً بطريق معتبر، لا يدل ـ بظهور ونحوه، ممّا يبني عليه العقلاء ـ انه مستقلاً ذكره المعصوم عليه السلام إذ من المتعارف تقطيع الكلام وذكر مقدار الشاهد منه.
(إن قلت) مقتضى القاعدة: عدم التقطيع فيما يختلف آثاره بالتقطيع وعدمه.
(قلت) إذا كانت تلك الآثار بينة للجميع، فنعم لا يقطعون لأنه يكون بمنزلة اخفاء قرينة المجاز، وبناء العقلاء على عدم الوجود بجهة عدم الوجدان صحيح، لا في مثل ما نحن فيه، مما كانت الآثار ليست بيّنة للجميع، إلاّ إذا كان التقطيع من المعصوم عليه السلام، وإن شك في كونها بيّنه فالأصل العدم، فتأمل.


(1). أنظر العوائد للنراقي (رحمه الله) ص17، والمستند له أيضاً ج2، ص385.
(2). انظر مصباح الأصول، ج2، ص520.
(3). ج7، ص53، سطر 11-12.
(4). ص377-376.
(5). وسائل الشيعة: ج15، ص490، ح1.
(6). وسائل الشيعة: ج13، ص356، ح2.
(7). وسائل الشيعة: ج15، ص177، ح3.