:: (التنبيه الخامس)

تعارض (لا ضرر) مع القواعد الأخر وفيه مسائل:
ولا يخفى انه قد بحثنا المسألة اجمالاً في تعارض الضررين من التنبيه السابق.

:: لا ضرر مع قاعدة السلطنة

الأولى: تعارض لا ضرر مع قاعدة السلطنة، قال في الجواهر: (ترجيح القاعدة على (لا ضرر) لاعتضادها بعمل الأصحاب على وجه ترجح على قاعدة نفي الضرر والضرار)(1).
وظاهره: تعارضهما، وترجيح السلطنة لعمل الأصحاب بها عند التعارض والبحث في هذا التعارض في مقامين: الحكم التكليفي، والحكم الوضعي أما الحكم التكليفي، ففيه أقوال، والتي منها ترجيح قاعدة السلطنة، وقد نقلناه عن الجواهر.
وقد اضطربت كلمات العديد من الفقهاء في الحكمين: التكليفي والوضعي جميعاً، فمن مقدم قاعدة السلطنة فيهما على (لا ضرر) ومن عاكس فيهما، ومن مفصل بين الأسباب التوليدية وغيرها كصاحب الجواهر ـ قده ـ(2) ومن مفصل في أصل الحكمين.
وعن العلامة والشهيدين والكركي ـ قدهم ـ: جواز التصرف في ملكه وان تضرر جاره، وعلّلوه (بقاعدة السلطنة) وظاهرهم حكومة القاعدة على (لا ضرر)، لا تعارضهما وترجيح السلطنة، بمرجح خارجي، كما فعله الجواهر، فيما نقلناه عنه.
وصاحب الجواهر ـ قدس الله روحه ـ ممن اضطربت كلماته في مقامات عديدة، في كلّ من الحكمين: التكليفي والوضعي ولعله تصح نسبة عدّة أقوال إليه كالتالي:
تقديم (لا ضرر) تكليفاً مطلقاً وتقديم قاعدة السلطنة مطلقاً، والتفصيل بين الأسباب التوليدية وغيرها، والتفصيل بين المتعارف وغيره وتقديم (لا ضرر) وضعاً(3)، وتقديم قاعدة السلطنة وضعاً يعني عدم الضمان(4).
والذي نختاره اجمالاً هو: تقدم (لا ضرر) على قاعدة السلطنة تكليفاً ووضعاً من جهات:
أحداها: ظهور قاعدة السلطنة في كونها حكماً أولياً، ولا ضرر في كونه ثانوياً.
ثانيها: تقديم الشارع ـ بالاستقراء ـ (لا ضرر) على قاعدة السلطنة غالباً، وهو وان كان استقراءً ناقصاً، لكنه مضافاً إلى غيره ربما يفيد الاطمينان.
ثالثها: ظهور نفي الجنس في (لا ضرر ولا ضرار) في الاستيعاب، وظهور (الناس مسلطون) في القضية الطبيعية والعام اظهر في موارده من القضية الطبيعية، وبعبارة أخرى: شمولية (مسلطون) للسلطنة المضرة بالغير اضعف من شمولية (لا ضرر) للاضرار الناشيء عن التصرف في الملك، والله العالم.
وقد صرّح المحقق الأصفهاني في شرح المكاسب بحكومة قاعدة (لا ضرر) على قاعدة السلطنة، وقال: (لأنها ـ قاعدة السلطنة ـ كسائر أدلة التكاليف)(5).

:: (المسألة الثانية)
لا ضرر مع قاعدة اليد

تعارض (لا ضرر) مع قاعدة اليد، ومثاله: لو أخذ زيد مال عمرو من السوق بتصوره انه لقطة، وكان عمرو هناك، فتلف المال في يد زيد بلا تسبيب ولا مباشرة بل لعلة سماوية، فيد زيد ليست امينة شرعاً ولا مالكية، حتى يقال: بعدم شمول (على اليد) لها، وليست اليد عادية حتى يقال: بعدم شمول (لا ضرر) لها، لكون (لا ضرر) امتنان على الجميع، ولا منة للشمول لليد العادية.
فيتعارض فيها (لا ضرر) إذ الضمان ضرر على زيد، مع (على اليد) لاطلاقها.
ففيه احتمالات، بل أقوال أربعة:

1. تقديم لا ضرر

القول الأول: تقديم (لا ضرر) وذلك:
1. لكونه حكماً ثانوياً، وعلى اليد، حكماً أولياً.
2. ما قاله بعض المراجع(6) من كون (على اليد) ليس معتبراً لوجوه:
أحدها: لا سند له، لكونه مرسلاً اخذه فقهاؤنا من غيرهم.
ثانيها: ان ضعفه غير منجبر، إذ غير الحجة لا يصير حجة بعمل الأصحاب الذي هو غير حجة أيضاً.
ثالثها: لا عمل للأصحاب بقاعدة (اليد) إذ المتقدمون لم يصرحوا بذلك، بل لعل فتاواهم بالضمان في موارد إنما هي لسيرة أو غيرها، فمع عدم وجود شرعي صحيح لـ (على اليد ما أخذت) يكون (لا ضرر) بلا معارض.
أقول: ربما يقال فيه أولاً: كون أخذ فقهائنا الحديث من غيرهم غير واضح، لأن المحدث النوري في المستدرك رواه عن أبي الفتوح الرازي في تفسيره وهو شيخ ابن شهر آشوب المتوفى سنة 588 فهو من المتقدمين ورواه أيضاً عن غوالي اللآلي(7).
وثانياً: ان ضعف السند منجبر عندنا ـ تبعاً للمشهور ـ بعمل الأصحاب.
وثالثاً: يكفي في حدس عمل المتقدمين رواية مثل أبي الفتوح الرازي لها في تفسيره.
3. ما قاله بعضهم: ان دليل أصل الضمان المستفاد من (على اليد) ليس ضررياً حتى يرفع بلا ضرر، بل وجوب الأداء ضرري، وهو بمعنى وجوب أداء مال الغير، لا مال الشخص إلى الغير، وهو ليس ضررياً، فلا معارضة لـ (لا ضرر) مع قاعدة ضمان اليد.
وفيه: ان أصل الضمان ضرري، ولكونه ضررياً استتبعه وجوب الأداء فيتعارض مع (لا ضرر)، فتأمل.

2. تقديم القاعدة

القول الثاني: تقديم قاعدة ضمان اليد لوجوه:
أحدها: ان دليل قاعدة الضمان لليد، اخص مطلقاً من قاعدة (لا ضرر)، لجعل ضمان اليد في مورد (لا ضرر) لأنه حكم ضرري، فلا يرتفع بـ (لا ضرر) نظير حجية اليد المجعولة في مورد الاستصحاب غالباً.
والاخصية قد تستفاد من اللفظ، وقد تستفاد من ملاحظة التوالي، فيكون مفاد قاعدة ضمان اليد هكذا: على اليد ما أخذت، مع العلم ان هذا الضمان ضرر على الضامن وخسارة عليه.
ثانيها: (لا ضرر) ينفي الحكم التكليفي لا الوضعي، وعلى اليد مثبت للحكم الوضعي فلا معارضة بينهما، وصرح باختصاص (لا ضرر) بالتكليف دون الوضع كثير، منهم صاحب الجواهر في كتاب الغصب(8).
ولذا قال بعضهم: انه ليس من أسباب الضمان (لا ضرر) لأن المتقدمين لم يذكروه في أسباب موجبات الضمان.
وفيه: ان نفس صاحب الجواهر صرح غير مرة بكون لا ضرر مفيداً للوضع والتكليف جميعاً، وهو الظاهر منه في كتاب الغصب(9) وكذلك في موارد أخر من أبواب الفقه ـ وقد اسلفنا في ما مضى في الرد على من قال: بأن (لا ضرر) ليس من موجبات الضمان ما ينفع المقام ـ.

3. تعارض العموم من وجه

القول الثالث ـ نقله بعضهم احتمالاً وهو: ان بين (لا ضرر) وضمان اليد عموماً من وجه، فيتعارضان ويتساقطان، ويجب الرجوع إلى عمومات أخرى أو أصول عامة.
بيان العموم من وجه: ان (لا ضرر) اعم من (اليد) لشموله اليد الأمينة التي لا تشملها (على اليد) وأخص منها لعدم شمول (لا ضرر) للمأخوذ غصباً.
وقاعدة (اليد) أعم من (لا ضرر) لشمولها المأخوذ غصباً، واخص من (لا ضرر) لعدم شمول (اليد) لليد الأمينة.
فمادتا الافتراق: (اليد الأمينة) و (المأخوذ غصباً) ومادة الاجتماع: اليد التي ليست غاصبة ولا أمينة ـ بالاحراز أو بالتعبد ـ فترجع إلى عمومات التسبيب للضمان ونحو ذلك: مثل قاعدة: (من اتلف مال الغير فهو له ضامن)(10).

4. سقوطهما

القول الرابع(11): (على اليد) ساقطة لعدم تمامية دليلها، و (لا ضرر) ساقط، لتعارض الفقرتين فيما نحن فيه، إذ (لا ضرر) وارد مورد الامتنان على عامة الأمة، ولا يشمل مورداً يكون شموله منة على شخص، ونقمة على شخص آخر، ففي مثل تخيل اللقطة، شمول (لا ضرر) منة على الملتقط، ونقمة على المالك، وشمول (لا ضرر) منة على المالك ونقمة على الملتقط، فالظهور في (لا ضرر) و (لا ضرار) قاصر عن شمول مثل ذلك.
أقول: نتيجة القولين: الثالث والرابع واحدة، إلاّ ان الاستدلال يختلف.
والذي نختاره: هو القول الثاني: وهو حكومة قاعدة ضمان اليد على (لا ضرر) نظير حكومة البينة والاقرار، واليمين، ونحوها على (لا ضرر) وذلك لما ذكر من الأدلة هناك والله العالم.


:: (المسألة الثالثة)
لا ضرر مع قاعدة الجبّ

تعارض عموم (لا ضرر) مع إطلاق قاعدة (الجب) فإسلام الكافر المديون يوجب بقاعدة الجب الضرار على الدائن، وإسلام الكافر الدائن، يوجب بقاعدة الجب الضرر على نفسه، كذلك في الكافر القاتل قبل الإسلام ونحو ذلك ولا بأس في بحثه بشيء من التفصيل.
وفيه احتمالات:
1. الجب مطلقاً.
2. ولا ضرر مطلقاً.
3. والتفصيل بين الأحكام المختصة بالإسلام، فالجب مطلقاً، وبين الأحكام المشتركة بين جميع الأديان، كالديون والضمانات ونحوهما فلا ضرر مطلقاً.

:: كلمات المحقّقين

قال الفقيه الهمداني في الزكاة: (ان الحقوق المالية القابلة للتأمل، أو المنع عن كونها مشمولة للنص، يعني: (الإسلام يجب ما قبله) إنما هي الحقوق الثابتة عليه لا بشرع الإسلام كرد الامانات، والديون المستقرة في ذمته، وإلا فقد اشرنا ان الخمس والزكاة والكفارات، ونظائرها من الحقوق المالية الناشئة من التكاليف المقررة في دين الإسلام من اظهر موارد الحديث)(12).
وقال في الجواهر ـ كتاب الزكاة ـ: (ومنه يستفاد ما صرح جماعة من سقوطها (أي الزكاة) بالإسلام وان كان النصاب موجوداً، لأن (الإسلام يجب ما قبله) المنجبر سنداً ودلالة بعمل الأصحاب... بل يمكن القطع به بملاحظة عدم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأحد ممن تجدد إسلامه من أهل البادية بزكاة ابلهم في السنة الماضية، بل ربما كان ذلك منفراً لهم عن الإسلام، كما أنه لو كان شيء منه لذاع وشاع، كيف والشايع عند الخواص فضلاً عن العوام خلافه؟(13).
ونقل في مفتاح الكرامة(14) في شرح الثامن من المطهرات: (الإسلام)، عن مجمع البرهان: انه قال:
(ان حقوق الآدميين مستثنى بالاجماع).
وفي المستمسك، قال: (وفيه (أي في حديث الجب): انه يختص بالآثار المستندة إلى السبب السابق على الإسلام وبقاء النجاسة ونحوها ليس مستنداً إلى ذلك بل هو مستند إلى استعداد ذاته.. أو لعدم معهودية أمر من اسلم بتطهير بدنه من الأمور المذكورة مع عدم خلو بدنه عن شيء منها غالباً، لكن هذا المقدار لا يكفي في رفع اليد عن استصحاب النجاسة...)(15).
وقال في المسالك: (يمكن أن يقال: على هذا يحكم عند الإسلام بسقوط وجوب الغسل عنه، ان كان في غير عبادة مشروطة به، لأن الوجوب من باب خطاب وضع الشرع ثم إذا دخل وقتها أو كان حاصلاً وقت الإسلام، حكم عليه بوجوب الغسل، اعمالاً للسبب المتقدم كما لو اجنب الصبي بالجماع، فإنه يجب عليه الغسل بعد البلوغ)(16).
وقال في الجواهر: (فإذا اسلم وجب عليه الغسل عندنا بلا خلاف اجده... إذن الظاهر: ان المراد بكونه يجبّ ما قبله، إنما هو بالنسبة إلى الخطابات التكليفية البحتة لا فيما كان الخطاب فيه وضعياً ـ كما نحن فيه ـ فإن كونه جنباً يحصل بأسبابه فيلحقه الوصف وان أسلم)(17).
وقال الفقيه الهمداني ـ في كتاب الطهارة، بحث غسل الجنابة ـ: (لا ينبغي ترك الاحتياط في وجوب الغسل عليه بعد أن اسلم.. ولا ينافي ذلك ما ورد من: ان (الإسلام يجبّ ما قبله) لأن وجوب الغسل لصلاته بعد أن أسلم من الأمور اللاحقة فلا يجبّه الإسلام، وحدوث سببه قبله لا يجدي، لأن الإسلام يجعل الأفعال والتروك الصادرة منه في زمان كفره في معصية الله تعالى، كأن لم تكن لا ان الأشياء الصادرة منه حال كفره ترتفع آثارها الوضعية، خصوصاً إذا لم يكن صدورها على وجه غير محرم، كما لو بال أو احتلم فإنه كما لا ترتفع نجاسة ثوبه وبدنه المتلوث بهما بسبب الإسلام، كذلك لا ترتفع الحالة المانعة عن الصلاة الحادثة بسببهما، وكيف كان: فلا مجال لتوهم ارتفاع الحدث بالإسلام كما لا يتوهم ذلك بالنسبة إلى التوبة التي روي فيها أيضاً: انها تجب ما قبلها).
وفي مباني التكملة: (لو قتل الكافر كافراً ثم أسلم، لم يقتل به، نعم تجب عليه الدية ان كان المقتول ذا دية)(18).
ومن ذلك كله يظهر اضطراب أقوال الفقهاء في ذلك.

:: تقسيم القاعدة

قد يقال: ان من الأفضل في قاعدة الجب وفهم مقدار دلالتها التقسيم إلى ما يلي، إذ بعد الفراغ عن حجية سندها يبقى مقدار دلالة الموصول: (ما قبله) سعة وضيقاً، والظاهر اطلاق الموصول وشموله لكل أحكام الإسلام، إلاّ انه بالنظر إلى الضرورة أو الاجماع أو الانصراف، كان هذا التقسيم:
1. العبادات.
2. حقوق الله تعالى المالية، كالخمس، والزكاة، والكفارات.
3. حقوق الناس المالية التي جعلها الإسلام تشريعاً كبعض حقوق الوالدين، والزوجين، والأرحام، في الأموال.
4. حقوق الناس التي جعلها الإسلام امضاءً للشرائع السابقة.
5. حقوق الناس المالية التي جعلها الإسلام امضاءً لبناء العقلاء، كالعقود ونحوها.
6. القصاص والديات.
7. الأحكام الوضعية، كالنجية، والجنابة، والزوجية، والنسب بالرضاع، ونحوها.
ويمكن بعض تقسيم آخر نرجئه إلى محل آخر.

1. العبادات

أما العبادات، فمقتضى اطلاق الموصول، سقوطها جميعاً، من طهارة وصلاة وصوم، وحج، واعتكاف منذور في الكنائس وغيره.
نعم، في الجنابة بالخصوص، ادعى الجواهر فيما مضى من عبارته، عدم سقوط غسلها بالاجماع، فإن تم فهو الحجة، ولا اظنه تاماً.
ولذا لا يجب على النساء غسل الحيض والنفاس والاستحاضة، وغسل مس الأموات، والاغسال المنذورة ما كان منها قبل الإسلام.

2. حقوق الله المالية

وأما حقوق الله المالية، كالخمس، والزكاة، فالظاهر: سقوطها أيضاً، لاطلاق الموصول وقد مضى في عبارة الفقيه الهمداني القطع بذلك.
وقد تقدم في عبارة الجواهر، شمول الجب حتى لما لو كان النصاب موجوداً، كخمسة أوسق من التمر، وأربعين من الغنم، وخمسة من الإبل، ونحو ذلك، وهو حسن للاطلاق ولأنه لو كان لبان.

3. حقوق الناس المالية

وأما حقوق الناس المالية مثل نفقة الزوجة بمقدار الشأن مثلاً ـ ان لم يكن ذلك في الشرائع السابقة أو بناء العقلاء ـ فالظاهر: شمول الجب له أيضاً للاطلاق، فلو لم ينفق على زوجته سنة كاملة، وكانت النفقة الواجبة في بناء العقلاء، أو الشرائع السابقة غير علاج المريض، أو غير ثمن غسل الجنابة، كان بذمة الزوج غيرهما فقط.
إن قلت: هذا مناف للاطلاق (أي اطلاق الجب) ولعدم معهودية التبعيض.
قلت: لم يظهر شمول اطلاق الجب لما لم يكن من تشريعات الإسلام، ان لم يدّع الانصراف عنه.
وعدم المعهودية، بمعنى عدم احرازها، أعم من عدم ثبوتها، بعد عدم كون مثله مما لو كان لبان، لندرته، او ندرة الالتفات إليه.

4. الحقوق الامضائية للشرائع السابقة

وأما حقوق الناس التي جعلها الإسلام امضاءً للشرائع السابقة، كما لو كان نصرانياً وأسلم، وكانت النصارى توجب نفقة الزوجة حتى ثمن غسل الجنابة، ولم يعطها ذلك، ففيه تردد: لشمول اطلاق الموصول له، فيسقط ولما قيل: من ان معنى حديث الجب: (الإسلام يجب ما قبله من أحكام الإسلام لا مطلقاً) لأنه في مقام بيان وضع عبىء الإسلام عن من اسلم جديداً، لا أكثر من ذلك، فلا يسقط مثله.
أقول: مقتضى الاطلاق السقوط ان لم يثبت الانصراف المذكور، ولعله فاقد البرهان، لاحتمال كونه علة الجعل لا المجعول، مضافاً إلى ـ ما سيأتي بعد قليل ـ عند بيان القسم الخامس.

5. الحقوق الامضائية لبناء العقلاء

وأما حقوق الناس المالية التي جعلها الإسلام امضاءً لبناء العقلاء كالعقود ونحوها، والديون والذمم، فظاهر بعضهم: عدم سقوطها، لأنها ليست من أحكام الإسلام وعبئ الإسلام، بل من عبئ وأحكام العقلاء حتى قبل الإسلام، ودليل الجبّ منصرف إلى عبئ الإسلام وأحكامه فقط.
إذن: يجب عليه رد ما سرقه أورد بدله، ولو كانت السرقة قبل سبعين سنة ورد الغبن، والغش، والدية في القتل والجراحات، ونحو ذلك.
أقول: قد يقال في ذلك بالتفصيل بين ما كان عينه موجوداً، كالذهب المسروق الموجود وبينما انتقل إلى الذمة، كالمال المسروق المأكول، ففي الأول: بالتزام عدم السقوط، لعدم صدق (ما قبله) عليه، وفي الثاني: بالسقوط لاطلاق الموصول.
لكن قد يرد على ذلك: ان مع كثرة جديدي الإسلام في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وتعارف أمثال ذلك في كثير منهم، وعدم وصول نص بذلك، ربما يشرف الفقيه على القطع بالعدم والسقوط مطلقاً لأنه مما لو كان لبان، والله العالم.

6 ـ القصاص والديات

وأما القصاص والديات: فاطلاق الموصول، وتعارف اشتغال ذمم كثير من الكفار الذين أسلموا بقصاص ودية، خصوصاً مثل رؤسائهم، كأبي سفيان، وهند ونحوهما، وعدم وصول نص باستثناء ذلك من حديث (الجبّ) يقتضي سقوطها أيضاً.
ويؤيده: المرسل الذي رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الا وان كلّ شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، ودماء الجاهلية موضوعة) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إسلام هبّار: (الإسلام يجب ما قبله) وعفوه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن وحشي، مع أنه كان لحمزة سيد الشهداء ذرية(19) واحتمال كون عفوه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكماً ولائياً ـ فمضافاً إلى انه لم يحرز منه (صلى الله عليه وآله وسلم) نظير ذلك من أمثال هذه الموارد ـ خلاف الأصل.
وفي السفينة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الا ان كل دم ومال ومأثرة، كان في الجاهلية، فإنه موضوع تحت قدمي، إلاّ سدانة الكعبة وسقاية الحاج)(20).
ومرسل الطبرسي في مجمع البيان ـ في قصة فتح مكة ـ قول النبي (ص): (إلا ان كل مال أو مأثرة ودم يدعى، تحت قدمي هاتين، إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج، فانهما مردودتان إلى أهليهما)(21).
وفي تفسير علي بن إبراهيم مرسلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ان ام سلمة قالت له: (الم تقل: ان الإسلام يجب ما قبله؟ قال: نعم)  (22).
وعن اعلام الورى للطبرسي قال: قال ابان وحدثني بشير النبال عن أبي عبد الله عليه السلام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الا ان كل دم ومال ومأثرة كان في الجاهلية، فإنه موضوع تحت قدمي، إلاّ سدانة الكعبة وسقاية الحاج، فإنهما مردودتان إلى أهليهما)    (23).
وفي الكافي: علي ـ أبيه ـ حنان بن سدير ـ أبيه، الباقر عليه السلام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الا ان كل دم كان في الجاهلية أو احنة (أي شحناء) فهي تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة)(24).
كتاباً الحسين بن سعيد، أو كتابه والنوادر، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة (والسند ـ على الأصح ـ صحيح) عن الباقر عليه السلام عن النبي (ص): (الا وان كل دم أو مظلمة او احنة، كانت في الجاهلية، فهي مطل (يعني هدر) تحت قدمي إلى يوم القيامة)(25).
الصدوق في الخصال عن الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، عن عبد الله بن محمد بن عبد الكريم، عن ابن عوف، عن مكي بن إبراهيم، عن موسى بن عبيدة، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر، عن النبي (ص): يا أيها الناس، كل دم في الجاهلية فهو هدر، وأول دم هو دم الحارث بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في هذيل، فقتله بنوا الليث ـ أو قال: كان مسترضعاً في بني ليث.. فقتله هذيل ـ ... وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع... أيها الناس، ان الزمان قد استدار، فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرضين) وهذا يدل على أن قاعدة الجب بمعنى ولادة جديدة، والأصل هو ذلك، والخارج عنه بحاجة إلى دليل خاص، إلى أن قال (ص): (أيها الناس من كانت عنده وديعة فليؤدها إلى من أئتمنه عليها)(26) وهذا يدل على وجوب رد الأعيان ـ فلا تشملها قاعدة الجب ـ دون الذمم.
وفي سفينة البحار: (قال ابن أبي الحديد: ذكر المغيرة بن شعبة عند علي عليه السلام ووجوه مع معاوية، فقال عليه السلام: وأما المغيرة، إنما كان إسلامه لفجرة وغدرة غدرها بنفر من قومه، فهرب فاتى النبي (ص) كالعائذ بالإسلام ...)(27).
وفي شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة ـ عن أبي الفرج ذكر قصة إسلام المغيرة وانه وفد مع جماعة من بني مالك على المقوقس ملك مصر، فلما رجعوا قتلهم المغيرة في الطريق وفرّ إلى المدينة مسلماً، وعرض خمس أموالهم على النبي (ص) فلم يقبله، وصار يحتمل ما قرب وما بعد، فقال (ص) له: (الإسلام يجبّ ما قبله)(28).
وهذا يدل على أن الدية داخلة في اطلاق (يجبّ ما قبله).
وفي مستمسك الحكيم(29) عن السيرة الحلبية: ان عثمان شفع في أخيه ابن أبي سرح... فقال (ص): (الإسلام يجب ما قبله).
وقد يشكل: بأن في بعض الأحاديث قرن (الإسلام يجبّ ما قبله) بـ (الهجرة تجبّ ما قبلها، التوبة تجبّ ما قبلها، الحج يجب ما قبله) وهذا يدل على حصر الجبّ في حقوق الله تعالى والمعاصي، دون غيرها.
وفيه: هذا قرينة لولا موارد الاستعمال الكثيرة، وقيام ضرورة الدين ـ كما ادعاها اجمالاً جماعة ـ على أكثر من جب المعاصي.
هذا بعض الأخبار في المقام، وهناك روايات أخر كثيرة أضربنا عنها خوف التطويل.

:: ايرادات على الاستدلال بالروايات

لكن أورد على ذلك بأمور لا تخلو عن مناقشة:
أحدها: انها من الأحكام الوضعية التي سيأتي القول بعدم سقوطها.
ثانيها: ان المراد من الحديث النبوي (دماء الجاهلية) مجمل، هل هي التي اقرها الإسلام أم غير ذلك مما لم يقرها الإسلام؟ فلا دلالة على سقوط الدية في قتل النفس والجرح ونحوهما.
ثالثها: ما استظهره بعض: من ان الغاء دماء الجاهلية، كان حكماً سلطانياً خاصاً بأول الإسلام، لظهور فساد كبير في عدم جبّها، لا لقاعدة الجب.
رابعها: ان هذا فتح لباب الفساد، فكل شخص يقتل ويظلم ويسرق وغيرها، ثم يسلم.
خامسها: ان الدية في الجاهلية ثابتة، وفي الإسلام ثابتة، وان اختلف مقدارها، فكيف ترتفع من المنتقل عن الجاهلية إلى الإسلام.
سادسها: إذا جبّ مثل الدية والقصاص ونحوهما، اضاعة لحقوق الإنسان، وهذا ما لا يقره العقل، فلا يقره الإسلام المبتني جميع أحكامه على العقل.

:: مناقشات في الايرادات

وأما المناقشة في هذه الايرادات فكالتالي:
أما الأول: فسيأتي ان مقتضى الاطلاق سقوط الأحكام الوضعيّة، إلاّ ما خرج بدليل.
وأما الثاني: فظاهر عموم الجمع المضاف (دماء الجاهلية) هو سقوط كل الدماء، إلاّ إذا خرج شيء بدليل خاص، ويؤيده: عدم معهودية ايجاب الإسلام دية على أي مسلم من عشرات الآلاف الذين أسلموا مع العلم القطعي بتعلق ذمم بعضهم ـ بالعلم الإجمالي ـ بدية نفس أو طرف.
وأما الثالث: فالأصل في كل حكم صادر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عمل، كونه أسوة لنا ـ إلاّ ما خرج بدليل خاص ـ وكونه حكماً سلطانياً أو خاصاً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحاجة اثباته إلى دليل.
وأما الرابع: فليكن كذلك، إذا كان من حيث المجموع دخول الآلاف في الإسلام أهم في نظر الإسلام من فساد بعض، مضافاً إلى عدم تسليمنا لهذا الفساد موضوعاً ويؤيده: عدم وقوع الفساد في إسلام عشرات الآلاف في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة عليهم السلام.
مع انا اتباع الدليل، فإذا ثبت بالعموم هدر دماء الجاهلية لمن يسلم، نتبعه.
وأما الخامس: فمضافاً إلى أنه صرف استبعاد ـ: ان تجدد الإسلام والتشرف به، غير الجاهلية المحضة، وغير المسلم المحض، وثبوت الدية في المحض، لا يلازم ثبوتها في المتجدد.
وأما السادس: فمضافاً إلى عدم درك العقل جزئيات ملاكات الإسلام، فالعقل لا يبت في الحكم مع التفاته إلى احتمال خفاء بعض جزئيات الملاك المهمة، بحيث لو ادركها العقل لحكم كما حكم الإسلام بلا تردد ـ: انه أيّ مانع في ذلك لو دل عليه الدليل، وكانت هذه الإضاعة لحقوق أفراد، اهون من عدم المشوّق للإسلام من الكفار، الذي يسبّب بالنتيجة اضاعة حقوق أكثر؟
والحاصل: ان القصاص والديات كلها ساقطة باطلاق الجب، وعموم (دماء الجاهلية تحت قدمي) وعدم معهودية الأخذ بالقصاص، أو الدية من متجددي الإسلام في كل عهود المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام لملايين المسلمين.

7. الأحكام الوضعية عامة

وأما الأحكام الوضعية عامة غير الذمم والديات والقصاص، فمقتضى اطلاق (الجب) سقوطها جميعاً إلاّ ما خرج بدليل من: اجماع، أو ضرورة، أو انصراف، أو دليل خاص.
والذي يرد على ذلك أمور:
أحدها: ان قاعدة الجب بحاجة إلى عمل الأصحاب، فشمولها لكل واحد من الأحكام الوضعية بحاجة إلى احراز العمل، فلا يصح التمسك بمجرد اطلاق الجب.
وفيه أولاً: بعد حجية سند القاعدة ـ: بالاستناد والعمل فلا حاجة إلى العمل في الجزئيات
وثانياً: ان ظاهر من عمل بالقاعدة في الجزئيات من المتقدمين، انهم استندوا إلى اطلاق الجب فيها، لا إلى عمل الأصحاب.
فالعمل من الأصحاب ـ الذي يجعل الجزئي مشمولاً للقاعدة ـ ان كان لمجرد الاطلاق، حق لنا التمسك، بالاطلاق أيضاً.
وثالثاً: لو التزمنا بشمول (الجب) للأحكام الوضعية، لزم التخصيص الأكثر، الذي يستهجن معه ارسال العموم والاطلاق ثم اخراج الأكثر، فيحمل الاطلاق على اجمال أو نحوه مما لا يستلزم الاستهجان، وذلك لخروج أكثر الأحكام الوضعية.
وفيه: انه بما ذكرنا سابقاً من: سقوط الذمم، والقصاص، والديات، وما سنذكره قريباً انشاء الله تعالى يتضح عدم لزوم التخصيص الأكثر.

:: تقسيم الأحكام الوضعية

ثم إن صاحب الكفاية ـ قده ـ في الاسصتحاب، قسم الأحكام الوضعية إلى ثلاثة أقسام:
(الأول: ما لا يخضع للجعل أصلاً لا الاستقلالي ولا التبعي، ومثّل له بالسببية والشرطية والمانعية والرافعية، بل هو أمر تكويني، يكوّنه الشارع ويوجده.
الثاني: ماله جعل تبعي لا استقلالي، ومثّل له بالجزئية.
الثالث: ما يمكن فيه الأمران: الجعل التبعي، والجعل الاستقلالي، بأن يكون جعله انتزاعاً من الحكم التكليفي، أو انتزاع الحكم التكليفي منه، كالزوجية والرقيّة والحرية).
والقسمان الأولان، لا تجري فيهما قاعدة (الجب) لعدم ربط لها بهما.
وأما القسم الثالث: فقد يقال: بجريان اطلاقات (الجب) فيه، إلاّ فيما كان الحكم الإسلامي مرتباً على موضوع وكان ذلك الموضوع باقياً بعد الانتقال إلى الإسلام، كالنجاسة العينية، والوكالة والزوجية، والمحرمية بالسبب كام الزوجة، وابن الزوج، أو بنت الزوجة، وزوجة الابن، والرضاع، والرقية.
فلو استرق الكافر كافراً، بسبب لا يصححه الإسلام، بل ولا أيّ شرع آخر، ثم اسلما معاً أو اسلم المولى أولاً، بقيت الرقية للعبد، لثبوت موضوعه بعد الإسلام، وهكذا الزوجية والوكالة، أما غير ذلك من الأحكام الوضعية، فيجبّها الإسلام.
مثلاً: لو طلق الكافر في كفره تطليقة واحدة، ثم اسلم وزوجته، وطلقها في الإسلام تطليقتين لم تحرم عليه أبداً، لعدم الاعتبار بطلاق زمان الكفر، للجبّ، ويؤيده المرسل المروي عن المناقب(30)، عن أبي عثمان الهندي قال: (جاء رجل إلى عمر، فقال: اني طلقت امرأتي في الشرك تطليقة، وفي الإسلام تطليقتين. فما ترى؟ فسكت عمر، فقال له الرجل: ما تقول؟ قال: كما أنت حتى يجيء علي بن أبي طالب فجاء علي عليه السلام، فقال قص عليه قصتك، فقص عليه القصة، فقال علي عليه السلام: هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة).
والاشكال في سنده ـ بعد تايده بعمومات الجب المعمول بها ـ في غير محله.

:: مسائل مشكلة

نعم هناك مسائل مشكلة:
منها: المتنجس الذي لا عين للنجاسة معه، فهل يجب غسله أم لا؟ ولا يبعد العدم للعموم في الجبّ.
ومنها: الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم، ثم اسلم الذمي، فهل عليه الخمس فيه؟ وفي العروة كتاب الخمس مسألة / 44 (يجب الخمس) ولم يعلق عليه غير بعضهم الذي شرط عدم تلف العين باستيلاء الماء عليه وآخر تأمل فيه.
ومنها: الحلال المختلط بالحرام لو أسلم عليه الكافر، والحلال والحرام عينهما قائمة.
ومنها: الوقوف التي وقفها الكافر على ترويج الكفر، كطبع الانجيل والتوراة، ثم اسلم الواقف، فهل تعطل الأوقاف أو تصرف في مصارف أخرى، وما الدليل على كل منهما؟
ومنها: لو اعطى الكافر لرحمه شيئاً، واسلم المعطي مع بقاء عين الهدية، فهل له استرجاعها؟
ومنها: ما لو اقر الكافر بشيء لزيد المسلم أو الكافر غير الحربي ـ ثم اسلم، فهل يبطل الاقرار ويحتاج إلى اقرار جديد، أم ماذا؟
ومنها: لو جعل الكافر جعالة لمسلم أو مطلقاً، ثم اسلم، وعمل العامل فهل عليه الجعل أم لا؟
ومنها: لو نذر، أو عاهد، أو اقسم على أن يفعل شيئاً، ثم اسلم فهل يجب عليه العمل بالنذر وقسيميه؟
ومنها: لو اشترى الكافر حصة أرض ـ فيها حق الشفعة للشريك ـ ثم أسلم قبل الأخذ بالشفعة فهل يبقى للشريك حق الأخذ بالشفعة.
ومنها: لو حكم القاضي المسلم على الكافر بحكم من مال، أو حق، أو غيرهما، ثم أسلم الكافر، فهل يبقى عليه الحكم؟
ومنها: لو كان الكافر عاقلة قاتل خطأ، وتعلق به الدية ثم اسلم الكافر؟
ومنها: لو حكم القاضي على الكافر بالقصاص، أو الدية لقتل مسلم، أو قتل كافر فاسلم قبل التنفيذ؟
ومنها: غير ذلك.

:: أمثلة تعارض (لا ضرر) مع (الجبّ)

ثم إن الكلام الآن في تعارض (لا ضرر) مع قاعدة (الجب) ولها أمثلة.
منها: ما لو كان الكافر يطلب من كافر آخر غير حربي ربا، فأسلم الطالب، فهل يسقط الربا؟ مع أنه ضرر على المسلم الطالب، وأوجب هذا الضرر قاعدة (الجب).
ومنها: لو اسلم المفلس الكافر، فهل تسقط ديونه، مع أنه ضرر على الديّان (ويشمله لا ضرار) خصوصاً إذا كان الديان مسلم.
ومنها: لو كفل الكافر كافراً أو مسلماً، ثم أسلم الكفيل، فهل تسقط الكفالة؟ مع أنه ضرر على المكفول له.
ومنها: لو صالح الكافر كافراً أو مسلماً، على ان يعطيه شيئاً، ثم أسلم، فهل تسقط المصالحة مع أنه ضرر على من له الأخذ؟
ومنها: لو عمل الكافر مضاربة باطلة ـ بنظر الإسلام ـ ثم أسلم، فهل يبطل حقه في أخذ المال، مع أنه ضرر عليه؟
ومنها: لو أودع المسلم عند كافر وديعة، وقصر الكافر فتلفت، ثم أسلم الكافر، فهل يطالبه المسلم وهو خلاف (قاعدة الجب) أم لا يطالبه، وهو ضرر على المودع؟
ومنها: غير ذلك، فما الحل؟ احتمالات:

:: الاحتمالات في هذه المسائل

الأول: تقديم (لا ضرر)، لاقوائية أدلته، والاجماع على العمل به، وكون (لا ضرر) عاماً، وقاعدة الجب مطلقاً.
الثاني: تقديم قاعدة الجب، لأظهريته في مدلوله من (لا ضرر) إذ قاعدة الجب ناظرة إلى كل ما في الإسلام من أحكام، حتى العناوين الثانوية، مثل (لا ضرر) و (لا شغار في الإسلام) ـ فيما لو كان الكافر متزوجاً بالشغار فاسلم الزوجان ـ و (لا بيع إلاّ في ملك) فيما لو باع أو اشترى في غير ملك، ثم أسلم عنها، وغير ذلك.
وفي خصوص ما كان الضرر على الكافر الجديد الإسلام، ربما تكون قاعدة الجب منصرفة، لأنها ظاهرة في المنة على الكافر الجديد الإسلام، ولا منّة فيما فيه ضرر عليه.
الثالث: التعارض والتساقط، والرجوع إلى أدلة عامة فوقية، أو أصول عملية مع عدم الأدلة الفوقية، أو وجود محذور فيها.
ففي مثل الربا، الذي يطلبه الكافر الجديد الإسلام، نُحكّم: (لا ربا).
وفي مثل الكفالة، نحكّم عمومات (الكفالة). وهكذا، فإن لم يكن عام في الكفالة، فالأصل عدم اشتغال الذمة.
أقول: لا يبعد القول بالتعارض والتساقط، وان كان القول بتقديم قاعدة الجب لا يخلو عن وجه، فسبيل (لا ضرر) سبيل بقية أقسام النفي الوارد في الشريعة، والله العالم.

:: اطلاق الموصول

ثم لا يخفى: ان مقتضى اطلاق الموصول في (يجبّ ما قبله) الشمول لما لو كان قد تعلق بذمة الكافر الجديد الإسلام حق كافر، أو حق مسلم ـ كما لو قتل حال الكفر مسلماً ثم أسلم، كقصة هبّار قاتل جنين زينب بنت النبي (ص) ووحشي قاتل حمزة عليه السلام.

:: اشكالات ثلاثة

ثم إن بعضاً اشكل في اطلاق قاعدة الجب بأمور:
أحدها: عدم جريانها في الديون.
ثانيها: ان المنساق منها، التكاليف العامة، لا الخاصة المتعلقة بالأفراد بعضهم مع بعض.
ثالثها: ان الشك في جريانها يكفي في عدم جريانها، لأنه من التمسك بالدليل في الموضوع المشكوك(31).
أقول: يرد على ذلك كله ما يلي:

:: جواب الإشكال الأوّل

أما الأول: فلأنه مناف لسيرة المعصومين عليهم السلام، إذ لم ينقل اخذ دَين من أحد يسلم بعد الإسلام، وهو مما لو كان لبان ويؤيده النبوي: (كل مالٍ أو دم في الجاهلية، فهو تحت قدمي)(32).
واحتمال إرادة خصوص ما كان له مالية بحكم الجاهلية كالخمر والخنزير ونحو ذلك، مناف لظهور (كل) في العموم، ومناف أيضاً لظهور (في الجاهلية) في أن الجاهلية كانت ظرف ذلك المال، لا علة المالية وإلا لقيل: (كل مال بحكم الجاهلية ـ أو بالجاهلية) ونحو ذلك، فتأمل.
ويؤيده أيضاً: قصة اسلام المغيرة بن شعبة التي مرّ بيانها فراجع.
ثم إنه قد افرط جمع في اخراج الماليات عن عموم (قاعدة الجب) حتى اخرج العبادات التي لها جهة مالية أيضاً، كالحج، فحكم بوجوب الحج على الكافر الذي اسلم وهو فقير إذا كان في أيام كفره قد استطاع مالياً، كأصحاب المدارك والذخيرة، والمستند ـ نقل عنهم ذلك المستمسك(33) وكذلك بعض مراجع العصر في حاشية العروة وقد اضاف في الاستدلال: بأن الحج وقته إلى آخر العمر، فهو كالصلاة التي اسلم الكافر ووقتهاباق(34).
لكنه مخدوش (حلاً): بسقوط سببية الاستطاعة الحاصلة حال الكفر لأجل الإسلام، فيسقط الحج المسبب (ونقضاً): بسقوط كذا مرات الإفطار العمدي في شهر رمضان وحنث النذر وأخويه، وفدية تأخير القضاء ونحو ذلك.

:: جواب الاشكال الثاني

وأما الثاني: وهو أن المنساق من قاعده الجب، التكاليف العامة لا الخاصة ففيه:
أولاً: الاطلاق يشمل كلا القسمين.
وثانياً: يؤيد الاطلاق ـ مضافاً إلى المعصومين عليهم السلام، وعدم معهودية مطالبة كافر جديد الإسلام بحقوق شخصية ـ قصة إسلام المغيرة بن شعبة وقد مر نقلها، حيث لم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المغيرة برد الأموال إلى أصحابها، وهم ورثة المقتولين، فتأمل. وأما عدم اخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخمس منه، فهو اعم من ذلك لعدم ظهور له في شيء، بل هو مجمل.
وثالثاً: اطلاقات الروايات المستفيضة على أن (كل مال أو دم أو ماثرة في الجاهلية فهو تحت قدمي)(35).

:: جواب الاشكال الثالث

وأما الثالث: وهو ان الشك في جريان قاعدة الجب، يكفي في عدم جريانها، لكونه من التمسك بالدليل في الموضوع المشكوك.
ففيه: انه تام ثبوتا، إلاّ أنه بعد احراز الاطلاق لا مجال للشك.

:: (المسألة الرابعة)
تعارض لا ضرر مع الشرط

تعارض (لا ضرر) مع قاعدة: (المؤمنون عند شروطهم) ولم ار من تعرض له، إلاّ ان مجمل الكلام فيه ان يقال وبالله الاستعانة:
ان مورد التعارض اقسام:
الأول: الضرر المحرم تحمله، كالمؤدي إلى قتل النفس، والضرار المحرم، وهما خارجان بالتخصص من ذيل القاعدة (إلا شرطاً أحل حراما، او حرّم حلالاً) سواء كان من ابتداء الشرط حراماً (كاشتراط شرب السم، أو اشراب الغير السم) أم صار بعد ذلك حراماً (كاشتراط شرب، أو اشراب شيء صار بسبب عارض موجباً للتسمم) وهذا واضح، فينحل الشرط، ويكون للمشروط له خيار الفسخ.
الثاني: الضرر المحلل تحمله، والذي اقدم عليه الشخص أيضاً خارج عن مورد التعارض، لأن الاقدام على الضرر موجب لعدم شمول (لا ضرر) لأنه منّة على من اقدم بنفسه على الضرر.
الثالث: الضرر والضرار المحلل الذي لم يقدم عليه ـ ولا يخفى ان الكلام إنما هو على المبنى الذي ارتضيناه من كون (لا ضرر) رخصة لا عزيمة، أو فيما كان رخصة على القول بالعزيمة ـ كما لو شرط على نفسه كنس السطح كل يوم، فصار مريضاً بمرض يضره الكنس، أو شرط الاتيان بزق عسل كل يوم، فغلى العسل كثيراً، فهنا احتمالات:

بيان الاحتمالات

أحدها: تقديم (لا ضرر) لكونه حكماً ثانوياً وارداً على جميع الأحكام الأولية، ومنها: (المؤمنون عند شروطهم) نظير تقديم (لا ضرر) على قاعدة السلطنة، وغيرها، فأي شرط صار ضررياً على المشروط عليه، أو صار إضراراً منه على غيره (كما لو شرط عليه قراءة القرآن في دار معينة بصوت عال، وتمرض بعض من في الدار بما يضرهم الصوت العالي ضرراً رخص الشارع في تركه) فإنه يسقط لزومه.
ثانيها: تقديم (المؤمنون عند شروطهم) وذلك:
أولاً: لأنه حكم اقتضائي فإذا عارض (لا ضرر) وهو رخصة ـ كما هو المفروض ـ تقدم الاقتضائي على اللا اقتضائي.
وثانياً: لكون قبول الشرط نوع على الضرار مطلقاً، فتأمل.
فيجب تحمل الضرر ـ المرخص في تركه ـ لقاعدة (المؤمنون عند شروطهم) نعم، هذا الاستدلال مختص بما كان الوفاء بالشرط واجباً، لا مجرد حكم وضعي كما لا يخفى.
ثالثها: التعارض بالعموم من وجه، وتساقطهما والرجوع إلى أصول أخرى من استصحاب أو براءة، أو اشتغال، على اختلاف الموارد.
فمع وجود الحالة السابقة نحكم لها (مثل ما لو شرط على نفسه الكنس، ثم عرض المرض فيستصحب وجوب الكنس، أو شرط الكنس يوم الجمعة، فصار يوم الجمعة مريضاً قبل ان يتعلق وجوب الكنس بذمته، فنستصحب عدم وجوب الكنس المتيقن قبل الجمعة، والمشكوك يوم الجمعة.
ومع عدم وجود حالة سابقة، أو عدم اعتبارها لتبدل موضوع أو غير ذلك، فالأصل البراءة لأنه شك في أصل التكليف، وان كان طرفاً للعلم الاجمالي فالأصل الاشتغال (كما لو علم اجمالاً ان هذا الكنس والتدريس يترتب على أحدهما انقاذ مسلم من الموت والقتل) فيجب عليه الكنس والتدريس جميعاً.

:: اقوى الاحتمالات

أقول: مقتضى القاعدة قوة الاحتمال الأول، دون الثاني والثالث، أما تقديم (المؤمنون عند شروطهم) فلا، إذ ليس مطلقاً الشرط اقداماً على مطلق الضرر، والاقتضائي واللا اقتضائي إنما هو فيما لم يكن نظر وحكم ثانوي، ولا ضرر حكم ثانوي، فتأمل.
ولا التعارض لأنه فرع وحدة المرتبة فمع الحكومة لا تعارض، وليس قاعدة الشرط أهم من (اوفوا بالعقود) الذي يخصصه (لا ضرر) كما في خيار الغبن وغيره.
ثم لا يخفى ان المدار على الضرر هنا ـ كالضرر في أية مسألة أخرى من خيارات البيع وغيرها ـ ملاحظة الضرر عرفاً، لا التضرر بحاله، فلو شرط الثريّ على نفسه يومياً ما قيمته دينار، فغلى وصار قيمته ألفاً، كان ضرراً، وان لم يتضرر هو به لكونه ثريّاً.
ثم إن مقتضى ما مرّ في المبحث العاشر من الكتاب ـ من ان (لا ضرر) من الضرورات فيقدر بقدره ـ أن في تعارض (لا ضرر) مع (المؤمنون عند شروطهم) يقدم (لا ضرر) بقدره، ولا يسقط الشرط مطلقاً، كما هو واضح سواء كان المشروط الضرري من أوله، أم وسطه، أم آخره.

:: (لا ضرر) مع الأصول العملية

ثم إن من الواضح تقدم (لا ضرر) على الأصول العملية لاولويته من تقدمه على الأحكام الأوليّة الثابتة في الشريعة، فوجوب الحج إذا سَقَطَ للضرر، فاستصحاب الوجوب ـ وأمثاله من سائر الأصول العمليّة ـ سقوط الضرر أولى، ووجوب الاجتناب عن النجس إذا سقط للضرر، فسقوط وجوبه لكونه طرفاً للعلم الاجمالي الحاكم بالاشتغال أولى، وهكذا دواليك.


(1). جواهر الكلام / ج 38 / ص 130.
(2). جواهر الكلام / ج 38 / ص 52.
(3). جواهر الكلام / ج 38 / ص 52.
(4). جواهر الكلام / ج 37 / ص 15.
(5). حاشية المكاسب / ص 110.
(6). مصباح الفقاهة / ج 3 / ص 9 ـ 87.
(7). راجع المستدرك / كتاب الغصب / الباب 1 / الحديث 4 / ج 17 / ص 88 طبعة جديدة.
(8). جواهر الكلام / ج 37 / ص 15.
(9). جواهر الكلام / ج 37 / ص 76.
(10). وردت طائفة من الروايات استفيد منها هذا المضمون، مثل: (ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل) انظر الوسائل/ الشهادات/ الباب 11/ الحديث2 و3.
(11). مصباح الأصول / ج 2 / ص 567.
(12). مصباح الفقه / كتاب الزكاة / ص 17.
(13). جواهر الكلام / ج 15 / ص 62.
(14). مفتاح الكرامة / ج 3 / ص 381.
(15). مستمسك العروة الوثقى / ج 2 / ص 115.
(16). مسالك الافهام / ج 1 / ص 8.
(17). جواهر الكلام / ج 3 / ص 40.
(18). مباني تكملة المنهاج / ج 2 / ص 65 / المسألة 68.
(19). انظر سفينة البحار / ج 1 ص 412.
(20). سفينة البحار / ج 2 / ص 342.
(21). بحار الأنوار / ج 21 / ص 105.
(22). بحار الأنوار / ج 21 / ص 114.
(23). بحار الأنوار / ج 21 / 132.
(24). بحار الأنوار / ج 21 / ص 137.
(25). بحار الأنوار / ج 21 / ص 138.
(26). بحار الأنوار / ج 21 / ص 380.
(27). سفينة البحار / ج 2 / ص 339.
(28). شرح ابن أبي الحديد على نهج البلاغة / ج 20 / ص 9 ـ 10.
(29). مستمسك العروة الوثقى / ج 7 / ص 51.
(30). بحار الأنوار / ج 40 / ص 230.
(31). مهذب الأحكام / كتاب الخمس / ج 11 / ص 483.
(32). انظر بحار الأنوار / ج 21 / الصفحات التالية 105 / 114 / 132 / 137 / وغير ذلك وهو مستفيض ان لم يكن متواتراً معنىً، أو اجمالاً.
(33). مستمسك العروة / ج 10 / ص 213.
(34). العروة / كتاب الحج / شرائط وجوب الحج / المسألة 74 / الحاشية.
(35). انظر صفحات (21 ـ 212).