:: التنبيه الثاني تعارض الضررين

(في تعارض الضررين، ومسائله أربع)
الأولى: ما لو دار أمر شخص واحد بين ضررين كالمالي أو البدني أو غيرهما.
الثانية: ما لو دار الضرر بين شخصين، كرأس دابة شخص تعلق بقدر آخر.
الثالثة: ما لو دار تحمل الضرر أو الاضرار بالغير من جهة التصرف في ملك نفسه، كحفر بالوعة يتضرر بها بئر الجار.
الرابعة: ما لو دار بين تحمل الضرر، أو الاضرار بالغير من جهة توجيه الضرر إلى الغير كمن يدل الظالم على آخر، فينصرف الظالم إليه وينجو هو.

:: أما المسألة الأولى: تعارض ضررين لشخص واحد

ففروعها ثلاثة:
أحدها: الدوران بين ضررين مباحين على النفس ـ بناءً على أصالة الجواز إلاّ ما خرج بالدليل ـ كما لو دار أمره بين شرب المحرورات فيتألم كبده، أو المبردات فتتألم معدته، ولا إشكال في التخيير العقلي المستتبع للتخيير الشرعي الذي ـ في مثله ـ ملاكه: (كلما حكم به العقل حكم به الشرع في سلسلة العلل).
ثانيها: لو دار بين ضرر يحرم تحمله، وضرر يجوز، كتلف النفس والمال في مريض لا يعالج فيموت، ويعالج فيتلف ماله، ولا إشكال في تقديم الضرر المباح.
ثالثها: ما لو دار بين ضررين محرّمين، وهو باب التزاحم، فإن كان أحدهما أهم كتلف الأم الحامل، أو الحمل، قدم الأهم.
وان احتمل أهمية أحدهما دون الآخر، كذهاب البصر، أو ذهاب قوة الانجاب، حيث يحتمل أهمية البصر مثلاً، فهو على الخلاف في أن محتمل الأهمية لازم التقديم أم لا ؟ وبحثه في التعادل والتراجيح.
وإلا، بأن لم يحتمل الأهمية، أو احتمل أهمية كل من جانب، كقطع اليد، أو الرجل أو تساوياً، أو نحو ذلك، فالتخيير العقلي المستتبع للتخيير الشرعي.
ومنه: دوران الأمر في الاضرار بأحد شخصين كظالم أكرهه بضرب زيد أو عمرو، والكلام الكلام في الفرع الثالث.

:: وأما المسألة الثانية: تعارض ضررين لشخصين

وهو ما لو دار الضرر بين شخصين، وفروعها خمسة، ومثالها كرأس دابة لشخص في قدر لآخر، لا تخلص إلاّ بالذبح أو الكسر.
الأول: ما لو كان بفعل أحد المالكين معيّناً، وحينئذٍ يجب اتلاف ماله ـ تكليفاً ووضعاً، يعني لا ضمان ـ لقاعدة اليد، والتسبيب، ونحوهما، سواء كان غصباً عمداً، أم جهلاً بسيطاً أو مركباً، أم بإجازة الآخر إجازة لا تشمل مثل تلف ماله.
الثاني: ما لو كان: بفعل أحدهما مجملاً، والظاهر في مثله قاعدة العدل والانصاف فيتلف أحدهما، ويضمن الآخر له نصف القيمة، فإن رضي أحدهما بتلف ماله فهو، وإلا فالقرعة على الظاهر لأنه لكل مشكل، ومشتبه ونحو ذلك.
الثالث: ما لو كان باشتراك المالكين، كفعل أحدهما وإجازة الآخر شاملة لمثل التلف، أو تعاوناً جميعاً عن رضاهما وادخلا رأس الدابة في القدر لشرب الماء فتعلق به، والظاهر انه كالثاني، لا لقاعدة العدل والانصاف، بل للاشتراك، فأي منهما اتلف ـ بالرضا أو القرعة ـ ضمن الآخر نصفه.
الرابع: ما لو كان بفعل شخص ثالث، والظاهر ان عليه الضمان، ويكون تعيين اتلاف أيهما أما بالرضا أو بالقرعة.
وقال بعض المراجع: بالتخيير(1)، لكنه محل اشكال لأنه حقوق الناس ولا تخيير شرعي فيه لعدم الدليل، ولا عقلي لأن ملاكه المحذوران، وهنا لا محذور إلاّ في أصل التلف، أما تعيينه في هذا أو ذاك فلا محذور فيه، بل هو مشكل يقرع فيه ان لم يرض أحدهما باتلاف ماله.

:: إذا كان الضرر لا بفعل شخص

الخامس: ما لو كان لا بفعل شخص، بل بآفة سماوية، أو بفعل نفس الحيوان مثلاً، وفيه قولان:
القول الأول: قال بعض الأجلة: (وقد نسب إلى المشهور في مثله لزوم اختيار اقل الضررين، وان ضمانه على الآخر) ومال إليه الشيخ في رسالة (لا ضرر). قال بتلخيص مني: (ان جميع الناس بالنسبة إلى الله تعالى بمنزلة شخص واحد، والضرر المتوجه إليهم بمنزلة الاضرار المتوجهة إلى شخص واحد، فكما يختار الشخص الواحد اقل الضررين ـ فيما كان كلاهما حراماً ـ وجب على الشخصين أيضاً ذلك ـ. ومع تساوي الضررين قال الشيخ: فالمرجع العمومات، ولعل مراده مثل التخيير للحاكم في إضرار أيهما شاء لأنه لفصل الخصومات، ومع عدم العمومات فالقرعة.
ثم قال الشيخ: ويلاحظ مقدار تضرر كل شخص، ونسبة الضرر إلى الشخص، لا نسبة الضرر إلى الضرر الآخر، فلو تعارض ضرر غنيّ ديناراً، مع ضرر فقير درهماً، كان ضرر الغني ديناراً أقل.
ثم قال: وما عثرنا عليه من كلمات الفقهاء في المقام لا يخلو عن اضطراب...).
أقول: فيه أولاً: النسبة إلى المشهور غير تامة، كما لا يخفى ذلك على من راجع كلماتهم في الفقه والأصول.
وثانياً: وجوب تحمل الأقل ضرراً، لدفع الضرر الأكثر من الآخر لا دليل عليه، كما انه لا دليل على جواز اضرار الأكثر ضرراً من ضرره أقل، إذ كما سيأتي في المسألة الثالثة لا يجب على أحدهما تحمل الضرر عن الآخر، مهما كان ضرره صغيراً وضرر الآخر كبيراً، إلاّ القتل فإنه يجب دفع القتل عن كل مؤمن، وكذا العرض كالزنا ونحوه، أما الضرر المالي والبدني، فلا دليل على وجوب دفعه عن الغير مهما عظم، بتحمل ضرر مهما صغر.
مثلاً: لو رأى زيد دار عمرو مشرفة على الانهدام، أو أمواله على الاحتراق، ويحتاج زيد إلى صرف درهم لأخبار عمرو، لا يجب عليه صرفه، كما لو كانت الدار مشرفة على الانهدام، وينقذها عن الانهدام غصب صاحبها من زيد درهماً واحداً من الجص، فلا يجوز ـ مع عدم رضا زيد ـ لا وضعا ولا تكليفاً، وشاهدنا في المقام الوضع، فلو غصب ضمن الدرهم، ولا يرفع الضمان كون الاضرار بالنسبة إلى الناس متساوية ـ، فتأمل.
وثالثاً: ان ملاحظة الضرر بالنسبة إلى الشخص، لا إلى الضرر الآخر ـ مضافاً إلى أنه خلاف ظاهر النسبة في الكثرة والقلة إلى الضرر، فيقال: أقلهما ضرراً أو أكثرهما ضرراً ـ:
انه مناف لما ذكره في غيره مورد، مثل مسألة الغبن، حيث إن الغبن يلاحظ بالنسبة إلى المتاع، لا بالنسبة إلى الشخص، فزيادة دينار على دينارين غبن، وان كان المشتري ثرياً لا يعتني بالدينار، وزيادة درهم على ألف درهم، ليس غبناً وان كان المشتري فقيراً يعتني بالدرهم.
وكذا في خيار العيب، فالعيب العرفي يوجب الخيار لأنه ضرر عرفاً، وان كان المشتري لا يعتني بمثله، والعيب القليل الذي لا يعتني به العرف كوساخة الفرش المشتراة، ليس عيباً وان كان مهماً في نظر المشتري.

:: تفصيل الشيخ والنائيني ـ قدمها ـ

القول الثاني: ما ذكره الشيخ في المكاسب في مسألة التولي من قبل الجائز(2) ـ والنائيني في رسالة لا ضرر(3) وغيرهما: من الفرق بين ضررين على شخص واحد، فالأقل، ثم العمومات، ثم القرعة، وبين ضررين على شخصين، وكان بآفة سماوية، من: انه لو رضي أحدهما بتحمل الضرر فهو وان كان ضرراً أكثر من الآخر، أو رضيا بالشركة، وبأية نسبة رضيا بها فهو أيضاً، وإلا، فالحاكم يُقدّم الأقل ضرراً، مع تنصيف الضرر عليهما، لقاعدة العدل والانصاف العقلائية، ولا يجوز للحاكم تقديم الأكثر ضرراً لأن الضرورات تقدر بقدرها.
هذا إذا كان الضرران ماليين، أما لو كانا بدنيين ولا يجوز لأحد منهما تحمله لو تمكن ففيه مسألتان:
أحدهما: لو كانا متساويين، كما لو دار الأمر بين موت إحدى الزوجتين في الولادة لعدم تمكن نجاتهما جميعاً، فهل يجوز لكل واحدة الرضا والايثار أم لا؟ مع مسلّمية التخيير للزوج حينئذٍ.
ثانيتهما: لو كان أحدهما أهم، كما لو دار الأمر بين تلف عين أحد الشخصين وتلف عينين لشخص آخر، فلو داوى كلاً تلف الآخر، فهل يجوز لصاحب تلف العينين الايثار أم لا؟
مقتضى اطلاقات الإيثار الجواز فيهما للحسن العقلي، وعدم معلومية شمول اطلاقات المنع لمثل المقام وهو الصحيح الموافق للقواعد ـ على الأصح ـ.
ثمّ إن في جميع الصور يجب عدم ثبوت أهمية أحد الضررين شرعاً، مثلاً: لو تعلق رأس عبد محقون الدم بقدر، وجب كسر القدر وان كان قيمته اضعاف قيمة العبد، فالعبد مثلاً عشرة دنانير، والقدر خسارته بالكسر مائة دينار، لما ثبت من عدم جواز قتله.
فإن كان بفعل مولى العبد، فالضمان كله عليه وان كان بفعل صاحب القدر، أو ثالث فالضمان كله عليه، وان كان بفعل العبد نفسه، يسترق بنسبته إلاّ إذا فكّه المولى واعتقه فحينئذٍ يضمن العبد، وان كان بآفة سماوية اشتركا في الضرر.

:: المسألة الثالثة الدوران بين (الضرر) و (الاضرار)

لو دار الأمر بين تحمل شخص الضرر بعدم التصرف في ملكه، وبين الاضرار بآخر بالتصرف في ملك نفسه، كحفر بئر في داره يتضرر به الجار.
وقد قسم المسألة بعض المراجع إلى أربعة أقسام:
الأول: قصد الاضرار، فوقع الضرر على الغير.
الثاني: قصد العبث، كتاجيج النار، فوقع الضرر.
الثالث: قصد منفعة لنفسه، فوقع الضرر على الغير.
الرابع: قصد دفع الضرر عن نفسه: كتأجيج النار لدفع الحشرات ـ فتضرر بالنار غيره.
قال: (والمنسوب إلى المشهور، جواز التصرف وعدم الضمان في الصورتين الأخيرتين، بعد التسالم على الحرمة والضمان في الصورتين الأوليين)(4)
أحدها: عن الشرائع، والقواعد، والارشاد، والمسالك، من الضمان بشرطين جميعاً:
أ ـ العلم أو الظن باضرار الغير في كل الصور الأربع.
ب ـ عدم العلم أو الظن بالإضرار، لكن إذا كان ما فعله أكثر من حاجته، كما لو اجّج ناراً أكثر من حاجته.
ثانيها: ما عن الدروس من لزوم العلم بالاضرار في الضمان ولم يكتف بالظن.
وعن الكفاية: الظن القوي كالعلم، لا مطلق الظن.
ثالثها: للجواهر، وهو الضمان بأحد الشرطين لاكليهما ونقله عن التحرير واللمعة أيضاً. فإن كان أحد الشرطين، فالضمان ثابت في الصور الأربع كلها، وان لم يكن أحد من الشرطين ـ لا العلم والظن، ولا أكثر من الحاجة ـ فلا ضمان في الصور الأربع كلها.
رابعها: احتمال الجواهر: من أنّ الضمان في الصور الأربع مطلقاً حتى مع الحاجة وعدم العلم ولا الظن بالاضرار إذا صدق الاتلاف، قال: (ان لم يكن اجماع على خلافه)(5) يعني: الاجماع المركب.
والحاصل: يظهر الاشكال في ما ذكره بعض المراجع من الشهرة في صورتين، والتسالم في صورتين، وكذا ما نقله بعضهم من الجواز مطلقاً.
ثم إن بعضهم فصل بما يلي:
1. تعارض الضررين، أو الحرجين كما سبق.
2. تعارض ضرر وحرج، كما لو كان تصرف المالك في ملكه موجباً للحرج على الجار وتركه موجباً للضرر على نفسه، أو بالعكس.
فاحتمل تقديم جانب الحرج، ولعله لأهميته على الضرر.
أقول: سيأتي انشاء الله تعالى في التتميم الثالث من هذا التنبيه: ان لا حرج ولا ضرر قد يتعارضان ولا دليل على ارجحية أحدهما.

:: استدلال بعض المراجع

ثم إن بعض المراجع استدل لما ذكره ـ على ما بيّناه ـ بما يلي بتلخيص مني:
أما حرمة وضمان الصورتين الأوليين، وهما ما لو قصد الاضرار، أو عمل عبثاً فاضر جاره ـ فلعمومات حرمة الاضرار ولا سيما الجار، ولا مانع عن الحرمة هنا.
وأما جواز وعدم ضمان الصورتين الأخيرتين ـ وهما ان قصد منفعة نفسه في التصرف، أو قصد دفع الضرر عن نفسه ـ فلوجهين:
أحدهما: منع المالك عن التصرف في ملكه حرج عليه، ولا حرج حاكم على لا ضرر، كما نقله البجنوردي عن الشيخ(6).
فقال: وهو ممنوع كبرى وصغرى.
أما الصغرى: فلمنع حرجية منع المالك عن التصرف في ملكه مطلقاً.
وأما الكبرى: فلأن لا حرج ولا ضرر في مرتبة واحدة، وكلاهما ناظران إلى الأدلة الدالة على الأحكام الأولية، فلا وجه لحكومة أحدهما على الآخر.
أقول: مضت الإشارة إلى أنه سيأتي انشاء الله تعالى بحث تعارض لا ضرر ولا حرج في التتميم الثالث من هذا التنبيه، مضافاً إلى أن الكلام في الضمان وهو لا ينافي الحرج، فإنه على المشهور يرفع التكليف فقط، مع انه ما هو الحكم لو كان صغروياً حرجاً على المالك؟
ثانيهما: ان تصرف المالك في ملكه ـ لمصلحته، أو دفع الضرر عن نفسه ـ الموجب لتضرر الجار، لاشك انه له أحد الحكمين:
أما الجواز أو الحرمة، وأياً منهما كان، يكون الحكم الآخر غير مشمول لـ (لا ضرر) ولا ترجيح لأحدهما على الآخر في الدخول تحت دليل (لا ضرر) فيكون لا ضرر مجملاً بالنسبة إليهما جميعاً، فلا يصح التمسك بـ (لا ضرر) لا للجواز ولا للحرمة، فيرجع إلى أصل البراءة.
وأجاب عنه قائلاً: بأن لا ضرر لا يشمل غير الالزاميات، فعليه لا يشمل جواز التصرف، وإنما يشمل حرمة التصرف ويرفعه، فيجوز التصرف للمالك في ملكه وان أوجب الضرر على الجار.

:: موارد للتأمل في الاستدلال

أقول: في هذا الجواب موارد للتأمل:
أحدها: ما سيأتي من استقراب شمول (لا ضرر) لغير الالزاميات أيضاً في التنبيه السابع انشاء الله تعالى، وان لا ضرر يرفع الندب الشرعي إلى الفعل في المستحب وإلى الترك في المكروه خصوصاً على القول بأن: (لا ضرر) عزيمه لا رخصة، فتأمل.
ثانيها: على هذا الجواب لا يفرق في جواز التصرف حتى في الصورتين الأوليين ـ بين ما لو تصرف بقصد اضرار الجار، أو عبثاً ـ ولا اختصاص لجواز التصرف بما كان لجلب نفع أو دفع ضرر عن نفسه.
ثالثها: ان دلالة لا ضرر تتبع ظهورها، والظهور لا يتبعه، ولا يزيله الترديد العقلي والتقسيم.
هذا والذي ينبغي ان يجاب به عن الوجه الثاني أن يقال:
إنه خروج عما نحن فيه، لأنه استدلال لما لو شككنا في دلالة لا ضرر وشموله لما نحن فيه، فتصل النوبة إلى أصل البراءة.
مع أن الكلام في أن لا ضرر هل يدل أم لا يدل؟ لا أن بعد فرض عدم دلالة لا ضرر ما الدليل على الحكم؟، فتأمل.

:: استدلال آخر أيضاً

ثم إن بعض المراجع استدل(7) لعدم شمول (لا ضرر) للمقام بتعارض (لا ضرر) و (لا ضرار) فيه بوجهين:
الأول: ان (لا ضرر) مقتضاه جواز تصرف المالك في ملكه مطلقاً، و (لا ضرار) مقتضاه حرمة اضرار الجار مطلقاً، فيقع التعارض بين الصدر والذيل، ولا يمكن العمل بكلتا الفقرتين فتتساقطان.
الثاني: مضافاً إلى أن ظهور (لا ضرر) في الامتنان على جميع الأمة ينافي شموله لهذا المورد، الذي ان شمل أحدهما تنافى مع الامتنان على الآخر، فلو رخص في تصرف المالك لأجل (لا ضرر): تضرر الجار، ولو حرّم التصرف تضرر المالك.
هكذا الكلام فيما لو كان عدم تصرف المالك موجباً لفوات منفعته عنه، لأن منع المالك عن الانتفاع بملكه مخالف للامتنان فلا يشمله (لا ضرر) الظاهر في الامتنان، وإذ لم يشمل (لا ضرر) مورد التعارض، فيرجع إلى العمومات أو دليل خاص أن كان، وإلا فالأصل العملي وهو البراءة، فيجوز الفعل وان كان مضراً بالجار.
ومنه ظهر حكم ما لو كان تصرف زيد في مال عمرو موجباً لضرر عمرو، وعدم تصرفه موجباً لضرر نفسه، كما لو أكل طعام عمرو، تضرر عمرو، وإلا تضرر هو، فإن (لا ضرر) لا يشمل المورد، لأنه امتنان على الجميع، فتصل النوبة إلى العمومات وهي (لا يحل مال امرئٍ إلاّ عن طيبة نفسه).
وأما الحكم الوضعي، فهو الضمان في جميع الصور، ولا ينافي الجواز التكليفي لعدم التلازم، فيضمن لقاعدة (الاتلاف) و (اليد) ونحوهما.
ودعوى كون الحكم بالضمان ضررياً على المالك، فيرتفع بلا ضرر، مدفوعة بعدم شمول لا ضرر لمورد التعارض، إذ الحكم في كلا الطرفين ضرري، فلا يرفعه لا ضرر، لأنه يرفع الأحكام التي قد تكون ضررية، وقد لا تكون(8)، انتهى بتلخيص.

:: موارد التأمل فيه

أقول: فيه موارد للتأمل:
أحدها: ان التعارض بين (لا ضرر) وبين (لا اضرار) مبني على المشهور المنصور من عدم جعل حكم شرعي ضرري، وعدم جواز اضرار الغير تكليفاً ووضعاً.
أما على ما ذهب إليه بعضهم، من انه قانون سلطاني وان مفاد الفقرتين: (لا يضر أحد أحداً) فلا تعارض بين الفقرتين حتى يتساقطان.
وعليه: فيجب ان نقول بحرمة تصرف الإنسان في نفسه وملكه بما يضر الآخرين. من جهة (لا ضرر)، نعم، يأتي دور مسألة تعارض (لا ضرر) مع قاعدة السلطنة، وسيأتي البحث عنه انشاء الله تعالى في التنبيه الخامس، المسألة الأولى.
ثانيها: مقتضى التعارض عدم شمول (لا ضرر) في الصور الأربع، لا خصوص الثالثة والرابعة، إلاّ ان يقال: بأن صورتي: (قصد الاضرار ـ وقصد العبث) ليستا من مصاديق الضرر حتى يشملهما (لا ضرر).
وأما الصورة الثالثة: وهي عدم النفع، فلأن الضرر اعم منه، لما سبق في أول بحث الضرر: من انه مطلق النقص في المال والبدن والعرض، وعدم النفع نقص.
ثالثها: ان قوله: (ان فوات المنفعة وان لم يكن ضرراً، لكنه خلاف المنة لأنه يوجب منع المالك عن التصرف في ملكه).
ففيه: ان كان خلاف الامتنان علة، وجب عدم شمول (لا ضرر) لصورة قصد الاضرار والعبث، لأنه أيضاً خلاف المنة على الشخص، لمنعه عن التصرف في ملكه.
وان كان يجب ملاحظة ان لا يكون خلاف المنة على آخر أيضاً، ففوت المنفعة كذلك، نعم، فوت المنفعة، والعبث يختلفان زيادة وقلة في موارد المنة، لا في أصل المنة.
رابعها: انا لم نعهد جواز التصرف الاختياري مع الضمان شرعاً، إلاّ في مثل المضطر ونحوه، الذي هو بحكم غير المختار، والله العالم.
ومسألتان المقاصة والأمر بالمعروف الموجبتان للضمان، خارجتان بالدليل، فتأمل.
خامسها: انه بنفسه لم يلتزم بما ذكره هنا، بل اختلفت فتاواه في الغصب واحياء الموات وغيرهما.
قال في كتاب الغصب (لو اجج ناراً من شأنها السراية إلى مال الغير، فسرت إليه ضمنه، وإذا لم يكن من شأنها السراية، فاتفقت السراية بتوسط الريح أو غيره، لم يضمن)(9).
ولم يفصل بين العبث، وفوت المنفعة في تركه، أو المضرة، أو قصد الاضرار ونحو ذلك.
وقال في كتاب إحياء الموات: (إذا لزم من تصرفه في ملكه ضرر معتدّ به على جاره، ولم يكن مثل هذا الضرر أمرأً متعارفاً فيما بين الجيران، لم يجز له التصرف فيه، ولو تصرف وجب عليه رفعه، هذا إذا لم يكن في ترك التصرف ضرر على المالك، وأما إذا كان في تركه ضرر عليه، ففي جواز تصرفه عندئذ وعدمه وجهان، والاحتياط في ترك التصرف لا يترك.
كما ان الاحوط إن لم يكن أقوى، ضمانه للضرر الوارد على جاره إذا كان مستنداً إليه عرفاً، مثلاً: لو حفر بالوعة في داره تضرّ ببئر جاره، وجب عليه طمها، إلاّ إذا كان فيه ضرر على المالك، وعندئذ ففي وجوب طمها وعدمه إشكال، والاحتياط لا يترك...)(10).
ومغايرته مع ما ذكره في الأصول من تساقط الضررين والرجوع إلى أصل البراءة مما لا يخفى، لكونه المغايرة من جهات:
1. التفصيل بين الضرر المعتدّ به وغيره.
2. التفصيل بين تعارف الضرر بين الجيران وعدمه.
3. الاحتياط الوجوبي في ترك التصرف.
4. التفصيل في الضمان بين استناد الضرر عرفاً إليه وعدمه.
5. عدم التفصيل الذي ذكره في الأصول، بين قصد الاضرار والعبث، وبين فوات المنفعة والتضرر للمالك، إلخ.
وقد أشار إلى بعض ما ذكرنا تلميذه في شرحه، قال: (ربما يقال: بأن حديث (لا ضرر) يقتضي الجواز، فإن مقتضاه عدم حرمة الإضرار في صورة تضرر المكلف بالترك.
وفيه أولاً: ان الاستدلال بالقاعدة يتوقف على تمامية القاعدة للاستدلال، وأما على تقدير عدم تماميتها ـ كما هو كذلك على مسلك شيخ الشريعة قدّس سره ـ فلا مجال للاستدلال بها.
وثانياً: ان أحد الضررين يعارض بالآخر ولا ترجيح.
وربما يقال: ان دليل حرمة الاضرار منصرف عن الصورة المفروضة فلا يحرم.
وفيه: انه لا وجه للانصراف فالحق حرمة الاضرار حتى في هذه الصورة).
ثم قال: (والعجب أن الماتن جمع بين قوله: (والاحتياط لا يترك في ترك التصرف) وبين قوله: (ان لم يكن أقوى) في المقام، إذ لو كان الفعل جائزاً لا يكون موجباً للضمان، وبعبارة أخرى: إذا كان التصرف عن حق فلا وجه للضمان، وان لم يكن جائزاً فاللازم هو الضمان، فلا معنى للجمع بين الاحتياط والترديد وبين الجزم)(11).

:: كلام المحقق العراقي ـ قده ـ

ثم إن المحقق العراقي ـ على ما في تقرير بحثه بقلم الشيخ إبراهيم الكلباسي ـ قدهما ـ قال: (ان لا ضرر امتناني، ومقتضاه رفع الضرر عن كل شخص كان عدم رفعه خلاف المنة عليه، لا رفعه في كل مورد كان خلاف الامتنان على غيره، فالتصرف في ملك زيد ان كان ضرراً على نفسه، فهو موضوع بلا ضرر، وان كان ضرراً على عمرو فلا يرفعه لا ضرر، لمخالفته للامتنان على زيد، فلا يشمل (لا ضرر) الأحكام الامتنانية، كقاعدة السلطنة ونحوها، وان اضرت بالآخرين)(12).
وفيه أولاً: ان (لا ضرر) ظاهر في المنة على الأمة، لا على الفرد.
وثانياً: على فرض كون لا ضرر منة على الفرد، فهو منصرف عن مثل ما لو كانت المنّة على فردٍ منافياً للمنة على فرد آخر.
وثالثاً: ان (لا ضرر) لحنه لحن الحكومة على قاعدة السلطنة الامتنانية، فالقاعدة عنوان أولي، و (لا ضرر) ثانوي، خصوصاً إذا قلنا بأن (لا ضرر) عزيمة، أو في موارد كونها عزيمة، ومجرد كونهما امتنانيتين لا يكفي دليلاً على عدم الحكومة، نظير قاعدة الاحسان التي ملاكها: (ما على المحسنين من سبيل) عند تعارضها مع قاعدة لا ضرر، فإنهما امتنانيتان، ومع ذلك (لا ضرر) حاكم على قاعدة الاحسان.

:: ما ربما ينبغي الذهاب إليه

أقول: قد يقال في تعارض الضررين: بتقديم اضرار النفس على الغير، وذلك لأن عدة من موارد استعمال (لا ضرر) في الروايات هي من تعارض الضررين، لكن الشارع قدم جانب الغير.
ففي قصة سمرة حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتضرر سمرة لأجل رفع الاضرار عن الأنصاري.
وفي الشفعة حكم الشارع بتضرر المشتري، لكي لا يتضرر الشريك.
وهكذا في قصة الجدار المنهدم، وفضل الكلاء والماء.
وفيه: انه لا عبرة بخصوص المورد بعد عموم الدليل، إلاّ إذا فهمت الخصوصية من المورد وهو فيما نحن فيه غير واضح والله العالم.
وقد يقال: بملاحظة التضرر الأكثر، فيقدم من تضرره أقل لحساب العرف ضرر الأقل كلا ضرر، مسامحةً.
وفيه: انه استحسان لا يبنى عليه الأحكام الشرعية.
والحاصل: ان اختيار الجواهر ـ وقد مر بيانه قريباً ـ امتن الوجوه وهو: انه ان كان تسبيب عرفي فيحرم الاضرار، حتى وان كان في الاجتناب عنه تضرر للشخص نفسه وذلك لقاعدتي الاتلاف واليد ونحوهما، والا فللتسبيب المستفاد من الأدلة ويتبعه الحكم التكليفي وهو الحرمة للظهور، ان لم يتم اجماع على خلافه، والظاهر عدم التمامية.

:: المسألة الرابعة

ما لو دار الضرر بين شخصين وتردد بين ان يتحمل الشخص الضرر، أو يوجه الضرر إلى الغير ـ لكن لا بالتصرف في ملكه الذي ذكرناه سابقاً في المسألة الثالثة ـ وفروع هذه المسألة خمسة:

:: الفرع الأول
تحمل الضرر ودفعه عن الغير

إذا توجه ضرر إلى الغير فهل لشخص ان يدفعه عنه ويتحمله هو، كما لو أمر الظالم زيداً بأخذ مال من عمرو، فدفع زيد المال من عنده؟
لا إشكال ولا خلاف ظاهراً في عدم وجوب التحمل فيما كان يجوز اضرار الغير، وذلك في غير القتل، وغيرها ما يمكن المندوحة فيه، ونحوهما، وليس هذا من تعارض الضررين حقيقة، للأدلة الخاصة على أن المكره معذور.
ولا إشكال ـ كما لا خلاف ظاهراً ـ في جواز ذلك إذا كان الضرر مما يجوز اختياراً تحمله ـ كالزام الظالم زيداً بأخذ مال من عمرو، فيدفع زيد المال من نفسه، ونحو ذلك ـ بل هو من الفضائل ومحامد الأخلاق، فهو مصداق للإيثار التي تواترت الروايات تبعاً للقرآن الحكيم في الثناء عليه ـ على الأصح ـ.
إنما الكلام في جواز ذلك إذا كان الضرر مما لا يجوز اختياراً تحمله ـ كما إذا أراد الظالم قتل عمرو، فدفعه زيد عنه بتعريض نفسه للقتل، أو أراد الزنا بامرأة معينة فعرضت امرأة أخرى نفسها لذلك لدفعه عنها، أو أراد سجن عمرو، فدفعه زيد عنه بتعريض نفسه للسجن مع علم زيد بأن أباه أو أمه يتأذى بذلك، أو أراد الظالم مصادرة كل أموال عمرو ليبقى هو وعائلته بدون النفقة الواجبة، فدفعها زيد عنه بتعريض نفسه للمصادرة لتبقى عائلته بلا نفقة واجبة، أو أراد الظالم الجاء عمرو إلى إفطار الصوم الواجب، فدفعه زيد عنه إلى نفسه، وغير ذلك من الأمثلة ـ.
فهل يجوز مطلقاً لاطلاقات الايثار أم لا يجوز مطلقاً لعدم مزاحمة أدلة الايثار اللااقتضائية مع الاقتضائيات.
أم يفصل بين إرادة الايثار واقعاً فيجوز مطلقاً، وبين الإرادة الشهوانية النفسية فلا.
أم يفصل بين مثل (الزنا، واللواط) فلا وبين غير ذلك فيجوز، للاطلاق في الثاني، والاستبشاع المتشرعي في الأول الموجب للانصراف نظير انصراف اطلاقات (لا ضرر) عن الزنا واللواط لدفع الألم الجسماني ونحوه.
أم يفصل بين الزيادة كقتل شخص أو أشخاص فلا يجوز، وكذا المرأة والرجل، وبين المساواة فيجوز. أم غير ذلك من التفصيلات؟؟؟
هذا كله في غير ما إذا دخل في البين عنوان ثانوي كقتل الإمام المعصوم عليه السلام وغير المعصوم، حيث يجب على غير المعصوم ايثار المعصوم، ولا عكس والبحث في ذلك كله طويل وبحاجة إلى استيعاب واسع ليس الآن مورده والله الهادي والعاصم.

:: الفرع الثاني
دفع الضرر عن النفس إلى الغير

إذا توجه ضرر إلى شخص فهل له ان يدفعه عن نفسه، فيضر غيره، كما لو أمر الظالم زيداً باحضار دينار من نفسه، فأخذ زيد الدينار من عمرو ظلماً؟
لا إشكال ولا خلاف ظاهراً في عدم جواز اضرار الغير، لعدم العذر فيه، ولكونه ظلماً أيضا، وقد صرّح بالفرعين وحكمهما، الشيخ الأنصاري في رسالته الخاصة في (لا ضرر) في التنبيه الرابع منها قال: (ان مقتضى هذه القاعدة ان لا يجوز لأحد اضرار إنسان لدفع الضرر المتوجه إليه، وانه لا يجب على أحد دفع الضرر عن الغير باضرار نفسه، لأن الجواز في الأول، والوجوب في الثاني، حكمان ضرريان...)(13).

:: الفرع الثالث
تطبيق كلي (الضرر) على الغير

إذا أمر الظالم بالكلي، فهل للشخص تطبيقه على الغير، كما لو أمره الظالم باحضار دينار عن أيٍّ كان فأخذ زيد الدينار من عمرو.
الظاهر أن الكلي ان كان يشمل المأمور أيضاً، فلا يجوز له الأخذ من غيره، وان كان لا يشمله جاز، واختيار عمرو دون غيره مصداق للكلي المعذور فيه، فلا حرمة ولا ضمان عليه.

:: الفرع الرابع
دفع فعل الضرر عن النفس إلى الغير

إذا أراد الظالم اضرار زيد، فهل له ان يدفعه عن نفسه ويوجهه إلى عمرو؟ له صورتان:
أحداهما: ما لو توسط الفعل المختار، كما لو أراد الظالم ضرب زيد، فقال له زيد: اضرب عمرواً، فإنه أقل تألماً مني مثلاً.
ثانيتهما: ما لو لم يتوسط الفاعل المختار، كما لو انهدم الحائط على زيد، فدفعه زيد لينقذ نفسه، فسقط الحائط على عمرو.
ولعل الضمان في الثانية ثابت، والحرمة معلقة على الالتفات وعدمه. وأما الأولى، فالحرمة فيها مسلمة، لكن الضمان لا، لكون المباشرة أقوى من السبب.

:: الفرع الخامس
الفرار من الضرر فيتوجه إلى الغير

إذا توجه الضرر إلى زيد، ففر زيد، فتوجه الضرر إلى عمرو، له أيضاً صورتان:
أحداهما: ما لو توسط الفاعل المختار، كما لو فر زيد من الظالم، فتعلق الظالم بعمرو وكان زيد يعلم ان فراره موجب لتعلق الظالم بعمرو.
ثانيتهما: ما لو لم يتوسط الفاعل المختار، كما لو رمى الظالم سهماً إلى زيد، فطأطأ رأسه، فأصاب عمراً خلفه، وهو يعلم ان السهم يصيب عمراً لو طأطأ رأسه.
والظاهر: عدم الحرمة ولا الضمان في الصورتين: لعدم التسبيب عرفاً.
نعم، لو كان يجب على زيد توقي عمرو، كما لو كان السهم قاتلاً لعمرو، ولكنه خادش لزيد خدشاً قليلاً، حرم تكليفاً فقط طأطأة رأسه، لوجوب حفظ النفس المحترمة ولو بالتعرض للخدش، لكن ذلك خارج عما نحن فيه، لأنه مما ثبت بدليل خارج وجوب تحمل الضرر في مثله.

:: المسألة الخامسة
تعارض احتمالي الضرر والاضرار

لو تعارض ضرران احتماليان، كما لو لم يحفر البئر، احتمل قطع المياه من الأمطار، ولا يمكنه حينه من حفر البئر، ولو حفر البئر احتمل تضرر الجار، فهل الحكم حينئذٍ، كالقطع بالضرر والضرار أم لا؟
أقول: لم أجد من عنونة المسألة، لكن مقتضى القواعد ان يقال:
أولاً: ان كل مورد كان المحتمل من الأهمية بمثابة، بحيث يجب شرعاً ملاحظته، قدم حتى على القطع بالضرر في الطرف الآخر ـ كما ـ لو احتمل أن لم يحفر البئر يموت عطشاً في يومٍ ما، وان حفر البئر، قلَّ ماء الجار فقط، أو بالعكس، وجب ترجيح محتمل الضرر.
هذا في الحكم التكليفي، وأما الوضعي فكما تحقق الاضرار والتسبيب، ثبت الضمان كما سبق.
وثانياً: ان كل مورد لم يكن لازم المراعاة، فالحكم في احتمال الضرر كالحكم في القطع بالضرر مع كون كلٍ صرف احتمال.
وثالثاً: انه لو تعارض احتمال الضرر في جانب، مع القطع بالضرر في الجانب الآخر، ولم يكن المحتمل واجب المراعاة كقتل النفس ونحوه، بل كان كما لو حفر البئر لتضرّر الجار قطعاً وإذا لم يحفر، احتمل ان يتضرر هو، أو بالعكس، فمقتضى القاعدة: جريان أصل عدم الضرر في جانب الاحتمال، فيتقدم جانب القطع بالضرر.
نعم، في احتمال الاضرار بالغير، لا يبعد لزوم الفحص ـ قبل اجراء أصل العدم ـ لعدم ظهور اطلاق لفظي شامل لمثله، وعدم بناء من العقلاء في حقوق الآخرين عليه، وكثرة الوقوع في خلاف الواقع مع عدم الفحص واجراء البراءة، وغير ذلك، مما فصّلناه في بحث الشبهة الموضوعية ووجوب الفحص فيها والله العالم.

:: المسألة السادسة
تعارض الضرر الفردي والاجتماعي

إذا تعارض الضرر الفردي والضرر الاجتماعي، فالترجيح لأيهما؟ فيه فروع:
أحدها: ما لو كان تصرف المالك في ملكه، وهو فرد، موجباً لتضرر الجار، وهو أكثر من واحد.
والظاهر: عدم الرجحان بمثله، لعدم الدليل عليه ظاهراً.
ثانيها: عكسه، والحكم كالسابق.
ثالثها: ما لو كان تصرف المالك في ملكه، موجباً لتضرر المجتمع، كمورد الدراجات البخارية في الأزقة الضيقة في منتصف الليل، الموجب لاضرار الناس وازعاجهم عن نومهم.
فإن قلنا ـ كما سبق ـ من تقديم لا اضرار على لا ضرر، مطلقاً أو في بعض الصور ـ يعني: يلزم تضرر الشخص ولا يجوز اضرار الآخرين، فهنا بطريق أولى.
وإن قلنا بجواز التصرف في الملك وان أوجب اضرار الآخرين ـ سواء ـ قلنا مطلقاً، أم في بعض الفروع، كما لو كان عدم التصرف موجباً لضرر المالك، أو عدم نفعه، أو فيما كان التصرف بمقدار حاجته، أو غير ذلك من التفصيلات السابقة المنقولة عن الجواهر وغيره.

:: وجوه ترجيح جانب المجتمع ومناقشتها

قد يقال ـ كما في غاية الدرر(14) ـ: بترجيح جانب المجتمع، لأمور كلها قابلة للخدشة:
الأول: ما سبق عن الشيخ: من ان الناس في نظر الشارع بمنزلة شخص واحد، فكما كان يجب في تعارض الضررين في شخص واحد، تقديم الأقل وترك ما يوجب التضرر الأكثر، كذلك يجب في الناس بعضهم مع بعض، ولا شك ان تضرر شخص واحد، أقل من تضرر المجتمع.
وفيه: انه مضى عدم تماميته.
الثاني: ان المقام من باب التزاحم، فكما لو دار الأمر بين تضرر زيد وعمرو بقضاء القاضي قدم الأقل ضرراً، فكذا المالك وغيره، لعدم الفرق عرفاً.
وفيه: يكفي فارقاً قاعدة: (الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم).
الثالث: مفهوم قول الإمام الباقر عليه السلام: (إذا دعاكم بعض قومكم إلى أمر، ضرره عليكم أكثر من نفعه لكم، فلا تجيبوه) لأن النهي عن الرضا بالضرر الأكثر طوعاً، يدل بالأولوية على النهي عن ايقاعه كرهاً.
وفيه ـ مضافاً إلى جهل سنده، واجماله، وعدم كونه تعارض ضررين، بل تعارض نفع وضرر ـ: ان لحنه أخلاقي وارشادي كما لا يخفى.
الرابع: الاستقراء، فانا نجد تحميل الشارع اناساً بالضرر لكي لا يتضرر المجتمع كقتل اللائط، والقاتل، والمحارب، والمرتد، وقطع السارق، وجلد الزاني، والمساحقة، والقواد، ونحوهم.
وفيه ـ مضافاً إلى كونه استقراءً ناقصاً وإلى النقض بمثل عدم الزواج، فإنه بالنسبة إلى كل رجل اضرار بامرأة، وبالنسبة إلى كل امرأة اضرار بالرجل ـ: انه لم يثبت كون ملاحظة تضرر المجتمع هي العلة المنحصرة، حتى تعم غير الموارد.

:: روايات في الباب

الخامس: ما في الوسائل ـ باب حكم اخراج الجناح ونحوه إلى الطريق والميزاب ـ عن الارشاد عن الباقر عليه السلام: (إذا قام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) سار إلى الكوفة... ولم يبق مسجداً على وجه الأرض له شرف، إلاّ هدمها، وجعلها جماء، ووسع الطريق الأعظم وكسر كل جناح خارج في الطريق، وابطل الكنيف والميازيب إلى الطرقات...)(15).
وفي سفينة البحار عن الصادق عليه السلام قال: (مد الفرات عندكم على عهد علي عليه السلام، فاقبل إليه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، نحن نخاف الغرق.. إلى ان قال عليه السلام: لست اعفو عنكم إلاّ على ان لا أرجع حتى تهدموا مجلسكم، وكل كوة وميزاب وبالوعة إلى طريق المسلمين، فإن هذا اذى للمسلمين...)(16)، ونص الرواية هكذا:
(روي ان الفرات مدت على عهد علي عليه السلام، فقال الناس: نخاف الغرق، فركب وصلى على الفرات، فمر بمجلس ثقيف، فغمز عليه بعض شبابهم، فالتفت إليهم وقال: يا بقية ثمود، يا صغار الخدود، هل انتم إلا طغام لئام، من لي بهؤلاء إلاّ عبد؟ فقال مشايخ منهم: ان هؤلاء شباب جهال، فلا تأخذنا بهم، واعف عنا، قال: لا اعفو عنكم إلاّ على ان ارجع وقد هدمتم هذه المجالس، وسددتم كل كوة، وقلعتم كل ميزاب، وطممتم كل بالوعة على الطريق، فإن هذا كله في طريق المسلمين وفيه أذى لهم، فقالوا: نفعل، ومضى وتركهم، ففعلوا ذلك كله الخبر)(17).
وفي المستدرك أيضاً عن الدعائم عن الصادق عليه السلام: (من أراد ان يحوّل باب داره عن موضعه، أو يفتح معه باباً غيره في شارع مسلوك نافذ فذلك له، إلاّ أن يتبيّن ان في ذلك ضرراً بيّناً)(18).
وفيه أيضاً: عن الدعائم أيضاً: (وان كان ـ أي الطريق ـ لقوم باعيانهم فاتفقوا على نقله إلى موضع آخر لا يضرون فيه بأحد، وفي ملك من اباحهم ذلك، فذلك جائز الحديث)(19).
فالتقييد بعدم الاضرار، دليل على تقديم (لا اضرار) على (لا ضرر) مع التعارض.
وفيها أولاً: كلها مراسيل، فالأول مرسل المفيد عن أبي بصير عن الباقر عليه السلام، والآخر مرسل الراوندي في الخرائج، وهكذا.
وثانياً: اننا لسنا محكومين بما يفعله القائم عليه السلام، بالضرورة والاجماع، فإنه لا يحكم دائماً بالبينات والأيمان، بل أحياناً بالعلم الواقعي، ونحو ذلك، كما هو صريح المستفيض من الروايات.
مثلاً: هل يجوز لنا هدم شرف المساجد مع أنه مخالف لـ (الوقوف على حسب ما وقفها أهلها) وهكذا غيره.
وثالثاً: انه اعم من تضرر المارة به وعدمه، فلا يكون دليلاً على ما نحن فيه.
ورابعاً: ان في خبر الدعائم الأول، تقييد الضرر بالبيّن، مع انهم لم يقيدوه به، اللهم إلاّ إذا كان قيداً تاكيدياً ليخرج الضرر الدقّي الذي لا يراه العرف ضرراً، لانصراف الضرر عن مثله.
والحاصل: ان مثل هذه الروايات ـ سنداً ودلالة ـ قاصرة عن اثبات مثل هذا الحكم العام من أول الفقه إلى آخره.
نعم، نحن في غنى عن هذا الاستدلال، لعدم استبعادنا عدم جواز الاضرار بالغير، حتى بالتصرف في الملك، وقد سبق تفصيله والله العالم.

:: اطلاق الأحكام المذكورة

فرع: لا فرق في الأحكام المذكورة في تعارض الضررين بين القريب والبعيد النسبي، ولا بين الوالدين والأولاد، ولا بين المولى والعبد ـ إلاّ في المال على القول بأن العبد لا يملك ـ فلو لزم من تكلم المولى بصوت عال وجع رأس عبده، لم يجز للمولى ذلك.

:: توسط (المختار) ليس من التعارض

تتمة: ليس من تعارض الضررين، ما لو توسط الفاعل المختار، كما لو فتح دكة ازاء دكة شخص آخر، فكسد كسب الثاني من جهة توجه الناس إلى الأول، أو دعى إلى نفسه ـ مثلاً ـ بحسن أخلاقه، فزهد الناس في معاملة رقيبة، ونحو ذلك.
ويدل عليه أمران:
أحدهما: عدم صدق الاضرار، حتى يتعارض مع الضرر، بل هو جلب النفع إلى نفسه.
ثانيهما: السيرة المستمرة بين المسلمين المعلوم اتصالها بزمن المعصومين عليهم السلام، ولم يظهر نكير، فالكسبة كانوا يتنافسون في التجارة، ولم يظهر ردع عنه، وعدم الردع في مثله مما كان بمنظر ومسمع من المعصومين عليهم السلام مع إمكانهم الردع عنه إذا لم يرضوا به، يكشف عرفاً عن امضائهم له.

::(تتميمات: الأول)
الميزان هو العرف

الميزان في تضرر المجتمع بتصرف شخص فيما يملك، هو النسبة الحقيقية، ولو شك مصداقاً، كالقاء الوفر في الشارع المضر بالمارة ـ بحيث لو لم يلقه في الشارع لتضرر سقفه، أو صحن داره ـ فالمرجع البراءة.
نعم، بعد الفحص لكونه من حقوق الناس، وللوقوع ـ مع عدم الفحص ـ في مخالفة الواقع كثيراً، ولغير ذلك مما تقدم في بحث الشبهة الموضوعية.

:: (التتميم الثاني)
تعارض الاضرار مع الضرر

إذا تعارض الاضطرار مع الضرر فما هو حكمه؟ له صورتان:
أحداهما: تعارض اضطرار شخص وضرر الجار ـ مثلاً ـ فهل يجوز للمضطر اضرار غيره ليرفع الاضطرار عن نفسه؟
ثانيهما: تعارض ضرر شخص واضطرار الجار مثلاً، فهل يجب على الناس تحمل الضرر لرفع الاضطرار عن المضطر؟
أقول: ان كان الاضرار بحد يحرم تحمله، ويجب على الناس اسعافه، كالهلكة، وتلف العرض مثل الزنا واللواط، وتلف الاعضاء، ونحو ذلك، فالظاهر تقديم جانب الاضطرار، ولعله لا إشكال فيه.
وان كان الاضطرار لا بذلك الحد، كالجائع غير المشرف على الهلكة، ومن به وجع الضرس، ونحو ذلك فهل يجوز له اضرار غيره في الخبز، والدواء ونحوهما؟ وهل يجب على مالك الخبز والدواء اسعافه؟ مسألة مشكلة، لم ار ـ عاجلاً ـ من تعرض لها بالخصوص.
وحيث إن بين (لا ضرر) و (لا ضرار) وبين (رفع ما اضطروا إليه) العموم من وجه، فيحتاج مورد الاجتماع إلى ما يدل على حكومة أحدهما، أو إلى ظهور أقوى لأحدهما.
ولعل ظهور (رفع ما اضطروا إليه) أقوى، أما لأقوائية دلالة مادة (الاضطرار) على اقوائية ملاكه عرفاً، أو لاخصية الاضطرار من الضرر، إذ كل اضطرار ضرر، ولا عكس، فكأن الاضطرار جعل في موضع الضرر، فتأمل.
والمسألة بحاجة إلى تأمل أكثر.
لكن لا يخفى في كل الصور ان الحكم الوضعي وهو الضمان غير مرتفع، إذ لا اضطرار بالنسبة إليه، فكل تلف مضمون على المتلف حتى المضطر، إلاّ ما خرج بدليل أخص والله العالم.
كما انه لا يبعد كون (ما لا يطيقون) و (ما استكرهوا عليه) حكمهما حكم (ما اضطروا إليه) فلو تعارضا مع (لا ضرر) قدما عليه تكليفاً لا وضعاً.

:: (التتميم الثالث)
تعارض (لا ضرر) و (لا حرج)

إذا تعارض لا ضرر ولا حرج، ففي قواعد السيد البجنوردي(20) انه يظهر من الشيخ الأنصاري، حكومة قاعدة الحرج على قاعدة الضرر ـ كما لو كان تصرف المالك في ملكه ضررياً على الجار، وعدمه حرجياً على نفس المالك ـ.
والذي يمكن الاستدلال به للشيخ أمور:
أحدها: ان نفي الحرج ناظر إلى جميع الأحكام مطلقاً، حتى (لا ضرار) فترتفع حرمة الاضرار إذا كانت حرجيةً.
ثانيها: ما ذكره الأخ الأكبر في الفقه(21): من انه في قصة سمرة، قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا حرج) الأنصاري على (لا ضرر) سمرة.
ثالثها: ما ذكره الأخ أيضاً هناك: (من الحرج وارد على النفس، والضرر على المال والبدن، والنفس الطف فالواقع عليها اشد، فبمناسبة الحكم والموضوع يكون لا حرج مقدماً على لا ضرر).
لكن البجنوردي، والأخ الأكبر وغيرهما ردّوا ذلك على الشيخ، وقالوا بعدم تقدم أحدهما على الآخر، وذلك بتقريب ما يلي:
أما نظر (لا حرج) إلى جميع الأحكام ومنها (لا ضرر) ففيه: ان (لا حرج) و (لا ضرر) كلاهما في مرتبة واحدة، ناظران إلى الأحكام الأولية، ولا ظهور لنظر أحدهما على الآخر، فكل واحد منهما مجمل بالنسبة إلى الآخر.
وأما قصة سمرة، فلم يعلم كونها من أجل الحرج والضرر، بل لعله من تعارض الضررين، وكون أحدهما سبباً والآخر مسبباً، أو كون أحدهما مصراً على الاضطرار دون الآخر.
وأما مسألة كون لا حرج نفسياً، ولا ضرر مالياً وبدنياً، ففيه أولاً: لا ضرر نفسي أيضاً، كما سبق في أول القاعدة من ان الضرر مالي، وبدني، وعرضي، والعرض نفسي كما لا يخفى.
وثانياً: ما الدليل على تقدم النفسي على الجسدي والمالي مطلقاً، بل هو استحسان بلا دليل عليه.
والحاصل: انّ تعارض لا حرج، ولا ضرر يكون مثل تعارض الضررين، والحرجين لا دليل على تقديم أحدهما على الآخر، فتأمل.
لكن صاحب العروة ـ قده ـ في اجوبة مسائله ص 34 أفتى بتقديم (لا ضرر) قال ما حاصله بتعريب مني (... إذا كان ترك الصلاة في الغصب حرجياً، بأن كان مثلاً محبوساً في مكان مغصوب يحرج عليه الخروج منه للصلاة، امكن القول برفع (لا حرج) حرمة الغصب إذا لم يكن ضرر على المالك، وان كان ضرر على المالك لا تجوز الصلاة، لأن لا حرج معارض بلا ضرار، بل لا يجوز البقاء مطلقاً، فيجب عليه الخروج وان كان حرجياً).
وقد يقال: كما في غالية الدرر(22) ان ملاك (لا ضرر ولا حرج) هو عدم وقوع الظلم، فلو قدم أحدهما على الآخر لزم منه حكومته على الأدلة النافية للظلم والعدوان وهو نقض للغرض الذي من أجله جعل (لا ضرر ولا حرج).
مثلاً: لو كان اشعال النار مضراً بالجار، وعدمه حرجاً على الشخص من أجل البرد الشديد، فتحكيم (لا ضرر) معناه ايجاب الحرج، وبالعكس العكس، ولازم كليهما الاستثناء في النهي عن الظلم.
ولكن فيه: بناءً على الظهور في الحكومة، يكون المورد خارجاً عن الظلم موضوعاً كخروج موارد العقوبات الإسلامية، ووجوب الانفاق على واجبي النفقة، ونحو ذلك.

:: (التتميم الرابع)
تعارضهما في شخص واحد

لو تعارض (لا ضرر ولا حرج) في إنسان واحد في العبادات، كما لو كان الصوم عليه ضررياً، وكان تركه حرجاً عليه، بحيث يتمرض من شدة الألم الروحي حيث يرى الناس صائمين، وهو لا يصوم، وكما لو كان الحرج حرجاً عليه لكبر سنه، وترك الحج موجباً للضرر المالي الكثير، كما لو توقف ارجاع ماله إليه على الحج.
والظاهر: هو التخيير، للدوران بين المحذورين، وكونهما كتعارض الضررين والحرجين.
نعم، قد يقال: بأنه ان قلنا: بأن (لا ضرر ولا حرج) كلاهما رخصة. أو كلاهما عزيمة فالتخيير، وان قلنا: بأن أحدهما رخصة، والآخر عزيمة، قدم جانب العزيمة وترك الرخصة.
وفيه: ان العزيمة ـ على فرضها ـ قد تكون غير ظاهرة الشمول حتى في مورد التعارض، كما لا يقولون حتى في مورد تعارض حرجين بعزيمية لا حرج، أو حتى في مورد تعارض ضررين بعزيمية لا ضرر، والله العالم.

:: (التتميم الخامس)
تعارض ضررين طوليين

لو تعارض ضرران لشخصين، وكان بين الضررين سبق ولحوق، واضرّت الأولى باللاحقة وبالعكس، كما لو حفر زيد بئراً سابقاً، وحفر عمرو بئراً بعد ذلك واضرّت الأولى بالثانية وبالعكس.
فالظاهر: عدم حكم الزامي تكليفي ولا وضعي بالنسبة للسابق وذلك لأمور:
الأول: عدم صدق الاضرار، إذ المنصرف منه خصوص اضرار اللاحق بالسابق، لا العكس، نعم يصدق على المقارنين في الوجود أيضاً، بل لعله لا يصدق الاضرار على غيرهما. فلا اطلاق، لا انه يخرج عنه للأنصراف.
الثاني: بعض من الروايات المصرحة بذلك، كخبر عقبة بن خالد(23) عن أبي عبد الله عليه السلام: (في رجل اتى جبلاً، فشق فيه قناة جرى ماؤها سنة، ثم إن رجلاً اتى ذلك الجبل فشق منه قناة أخرى، فذهبت قناة الآخر بماء قناة الأول، فقال عليه السلام: يتقاسمان ـ يتقايسان ح ل ـ بعقائب(24) البئر ليلة ليلة، فينظر ايتهما اضرت بصاحبتها، فإن رُئيت الأخيرة اضرّت بالأولى فلتعور)(25).
وهو لا يخلو من ظهور في عدم الاشكال في اضرار الأولى بالثانية.
وروى الصدوق ذلك مع زيادة: (ان كانت الأولى اخذت ماء الأخيرة، لم يكن لصاحب الأخيرة على الأول سبيل).
وفي خبر آخر لعقبه بن خالد أيضاً وفيه: (ان كانت الأخيرة أخذت ماء الأولى عورت الأخيرة، وان كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة، لم يكن لصاحب الأخيرة على الأولى شيء).
والظاهر: كون الروايات معمولاً بها،(26)، فتأمل.
الثالث: عدم صدق التسبيب المتسالم عليه في باب موجبات الضمان، وعدم صدق نسبة تلف الأخيرة إلى الأولى، حقيقة، وليس مفهوم ذيل الرواية (ان كانت الأولى أضرت بالثانية فلا تعور) وإنما المفهوم (ان رؤيت الأخيرة لم تضر بالأولى فلا تعور) كما لا يخفى التعبير بـ: (ان كانت الأولى أخذت ماء الأخيرة).

:: (التتميم السادس)
التعارض هنا من التزاحم

بما ان تعارض الضررين داخل في تزاحم الملاكين ـ لوجود الملاك الكامل لكل ضرر، ولكن المكلف مجبور عن أحدهما، فلو كان يمكنه رفع الضررين جميعاً وجب عليه ـ فيكون له كل أحكام التزاحم المذكورة في باب التعادل والتراجيح، ومن تلك الأحكام المرجحات السبعة المذكورة هناك ـ وان كان لنا في معظمها كلام طويل يأتي في محله إنشاء الله تعالى ـ:
الأول: المضيّق والموسع، حتى ولو كان الموسع أقوى ملاكاً، فإن المضيق مقدم مطلقاً كتزاحم انقاذ المؤمن من الهلكة لو كان موسعاً ـ بحيث لا يموت بالتداوي ولو لمدة شهر ـ، مع انقاذ عرض المؤمن عن الغيبة المضيق.
الثاني: المشروط بالقدرة العقلية، مقدم على المشروط بالقدرة الشرعية، ووجهه: اطلاق المشروط بالعقلية عن الشرط الشرعي بالقدرة، ولا عكس، كما لو ورد: (وأمر بالعرف) و (ان قدرت فصم) فتزاحما، وكذا (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم)(27) و (لله على الناس حج البيت من استطاع)(28).
الثالث: ذو البدل مع ما لا بدل له، لو تزاحما، يقدم ما لا بدل له لبقاء بعض مصلحة ذي البدل لو ترك، بخلاف العكس، كالدوران بين رفع الحدث والخبث للصلاة، والأول له بدل.
الرابع: المقدم في الوجود ـ في مقام الامتثال ـ مقدم على المتأخر، للفعلية بالنسبة إلى المقدم بلا مزاحم، ولعدم وجوب حفظ القدرة، إلاّ فيما دل عليه دليل خاص.
الخامس: الأهمية المستفادة من الأدلة الشرعية كتزاحم الحج الواجب مع النذر ـ على الأصح ـ.
السادس: الأصلي مقدم على العرضي فلو تزاحم صلاة الصبح والآيات، تقدمت صلاة الصبح، لأنها صاحبة الوقت، كذا ذكروا.
السابع: حق الناس مقدم على حق الله، لو تزاحما، كالدّين والحج، ذكر ذلك الشيخ محمد علي القمي في مختارات الأصول(29) وغيره في غيرها.
هذا في التزاحم مطلقاً.

:: لو تعارض الضرران

وأما في تعارض الضررين ـ اللذين يحرم تحملهما أو تحميلهما للغير مطلقاً ـ فلو اضطر إلى أحدهما، فهل يخير مطلقاً؟ أم يرجح أحدهما على الآخر؟
قد يقال: بما ان الملاك التزاحم، فيرجح بالمرجحات السبعة، كالضررين اللذين لم يحرم تحملهما.
فيقدم المضيق على الموسع، والمشروط بالقدرة العقلية على المشروط بالقدرة الشرعية، وما لا بدل له على ماله بدل، والمقدم في الوجود على المتأخر فيه، والأصلي على العارضي، وحق الناس على حق الله تعالى.
كل ذلك لنفس الملاك، ولنفس الأدلة هناك.
(أقول): قد حققنا في باب التزاحم ان ما استفيد من الأدلة الشرعية أهميته على مزاحمه كان ذلك مقدماً لذلك، حتى وان كان العكس من الستة المذكورة الأخرى، وإلا فمقتضى البراءتين العقلية والشرعية: التخيير ـ ان وصلت النوبة إلى الأصول العملية، ولم يستفد من الأدلة الخاصة في كل مورد مورد أمر غير ذلك ـ وليس فيما ذكر من الاعتبارات الستة دليل عقلي أو شرعي ملزم، ولا كلية لاهميتها، ولما ذكرناه شواهد كثيرة مبثوثة في مختلف أبواب الفقه، والتفصيل في بحث التعادل والترجيح والله العالم.

:: (التتميم السابع)
في تزاحم المرجحات

لو تزاحمت المرجحات، كذي البدل مقدم زماناً، وما لا بدل مؤخر ـ على القول بتقدم ما لا بدل له ـ وتزاحما ولا يمكنه جمعهما.
مقتضى ما اسلفنا من ان ملاك الأهمية المستفادة من الشرع هو الموجب للترجيح فقط، هو انه إن استفيدت الأهمية فبها، والا فالتخيير.
ومقتضى الترجيح بكل المرجحات، هو أيضاً التخيير، للدوران بين المحذورين.
وكلاهما مجرى البراءة، إلاّ ان في الأول البراءتين الشرعية والعقلية، وفي الثاني البراءة العقلية.

:: (التتميم الثامن)
تساوي الأفراد في الحكم

الظاهر تساوي المسلم والكافر غير الحربي في كل ما ذكر من أحكام تعارض الضررين، لما سيأتي من نفي الضرر والضرار بالنسبة للكافر وعليه، وسيأتي في التنبيه الثامن انشاء الله تعالى: ان تقييد (لا ضرر) في بعض النصوص بـ (على مؤمن) لا يقيده.


(1). مصباح الأصول / ج 2 / ص 4 ـ 563.
(2). كتاب المكاسب للشيخ (ره) / ص 58 / التنبيه الأول.
(3). رسالة (لا ضرر) / 223.
(4). مصباح الأصول / ج 2 / ص 565.
(5). الجواهر، ج 37، ص 61.
(6). القواعد الفقهية، ج 1 ص 205.
(7). مصباح الأصول، ج 2.
(8). مصباح الأصول: ج 2 / ص 566.
(9). منهاج الصالحين / ج 2 / المسألة 690.
(10). المصدر / المسألة 727.
(11). مباني منهاج الصالحين / ج 9 / ص 1 ـ 150.
(12). ج 4 / ص 349.
(13). المكاسب / ص 374.
(14). غاية الدرر: ص 160.
(15). إحياء الموات / الباب 20 / الحديث 1 (ج 17/ ص 347).
(16). ج 2 / ص 118.
(17). مستدرك الوسائل / إحياء الموات / الباب 11 / الحديث 1 (ج 17 / ص 119 / طبعة حديثة).
(18). المصدر السابق / الحديث 2.
(19). المصدر السابق / الحديث 3.
(20). القواعد الفقهية / ج 1 / ص 205.
(21). الفقه / كتاب إحياء الموات / ص 103.
(22). غالية الدرر: ص 150.
(23). ليس في سنده اشكال سوى وجود (محمد بن عبد الله بن هلال) الذي تقدم اجمال البحث عنه.
(24). في الوافي (بعقائب) بمعنى التعاقب وأخذ كلٍ عقب أخذ الآخر، فتأمل.
(25). وسائل الشيعة، إحياء الموات / باب 16 / ح1.
(26). انظر الجواهر: ج 38 / ص 46.
(27). التوبة، الآية: 41.
(28). آل عمران، الآية: 97.
(29). المختارات / ج 2 / ص 189.