» تمهيد

ما هي فائدة المنطق، وما هي الحاجة إلى تعلمه ودراسته؟
سؤال يبادرك به بعض طلاب المدارس الحديثة، إن فتحت معه كلاماً حول (المنطق) لأن المنهاج الدراسي العام، والخطوط العلمية العريضة ـ في عالم اليوم ـ يخلوان عن دراسة (المنطق) نهائياً.
إذن فمن حق الطالب أن يبادرك بهذا الاستفهام، لأنه منذ أن فتح عينيه في الابتدائية، حتى نهاية الجامعة لم يطرق سمعه اسم (المنطق)، في حين انه درس كثيراً، وحصل على معلومات كثيرة من مختلف العلوم والفنون.

الجواب:
الخطأ في العلوم يكون فساده وآثاره بمقدار الأمر الذي أخطئ فيه، فالخطأ في (النحو) معناه التلفظ بما يستهجن عند العرب، والخطأ في البلاغة معناه التكلم بما لا يجدر عن الأدباء والفصحاء، والخطأ في التاريخ معناه نسبة واقعة إلى غير صاحبها، وهكذا.. وهكذا.. ومن الطبيعي أن يختلف مقدار الخطأ في الشدة والضعف، والكثرة والقلة، لكنه خطأ خاص في موضوع شخصي، بالنسبة لأمر معين.
أما الخطأ في الفكر، والاشتباه في الاستنتاج، فهو اكبر الأخطاء وأسوأ الاشتباهات، لأنه خطأ عام شامل لكل العلوم والفنون.
(والمنطق) هو العلم الذي (يعصم الإنسان عن الخطأ في الفكر).
ونسبة الخطأ في الفكر إلى الخطأ في غيره من (النحو) و(البلاغة) و(التاريخ) وغيرها ليست إلاّ كنسبة الخطأ في قاعدة كلية، إلى الخطأ في فرد من أفراد تلك القاعدة.

فمن تعلم ـ خطأً ـ أن (كل فاعل مجرو) يقع في عشرات ومئات الأخطاء يومياً، بخلاف من عرف أن (كل فاعل مرفوع)، لكنه أخطأ في التلفظ مرة واحدة فَجَرَّ الفاعل، كذلك الذي أخطأ في الفكر، لابد أن تقع له أخطاء بالعشرات يومياً في العلوم كلها.
من ذلك: تظهر لنا فائدة المنطق، وسبب الحاجة إليه.
فالمنطق: هو الذي يعصم أفكارنا عن السهو والاشتباه في الاستدلال، وعن الانخداع بالمغالطات والتمويهات في المخاصمات، فيكشف لنا محل الخطأ، وينبهنا لموقع التمويه، فيضع ـ تماماً ـ النقاط على الحروف. فهو العلم الذي يعصمك عن الاشتباه في كل العلوم، وبدونه لا تأمن السهو في أي علم.
وهذا الذي ذكرناه لا يعرفه الطالب إلاّ بعد دراسة هذا العلم باستيعاب، وتفهمه بعمق.
وما هذه الفائدة العالية للمنطق إلاّ، لأنه منتزع من صميم الفطرة البشرية، ومستفاد من الأصول العقلية العامة التي جعلت (المنطق) بحيث يتلقاه الإنسان بعقله وفطرته قبل أذنه وبصره.

إذن: فمن ضروريات كل باحث ومنقب ومحقق أن يكون على بصيرة تامة من قواعد علم (المنطق) لكيلا يخطئ من حيث يظن أنه أصاب، ولا يغلط فيما يعتقد أنه صحيح.
وما أكثر هذه المبادئ الفاسدة التي جرفت أكثر الناس بأحابيلها إلاّ نتيجة عدم دراستهم علم المنطق في المنهاج التعليمي العام العالمي اليوم ـ فترى الناس ـ وفيهم المفكرون ـ يميلون بكل ريح.
ولو أنهم كانوا قد عرفوا صواب الاستدلال من فساده، وصحة الاستنتاج من خطئهِِ، وكيفية استنباط النتيجة من المقدمات، لما تزحلقوا مع كل فكرة وافدة ولا اعتنقوا كل رأي جديد.
وهذا الكتاب (الموجز في المنطق) ليس إلاّ محاولة بدائية في هذا الميدان، ليجعل دارس هذا العلم، على خبرة بأهم قواعده الكلية، فتصبح دراسته للكتب المفصلة المعقدة عن بصيرة وتفهم.
والله المسئول أن يجعله ذخرى ليوم الفاقة، ويتلقاه بقبول حسن، إنه سميع مجيب.

كربلاء المقدسة
صادق مهدي الحسيني

المقدمات

فصل (1)

الإنسان له قوة ـ تسمى (الذهن) ـ تنتقش فيها الصور كالمرآة، لكن الفرق بين (الذهن) وبين (المرأة) أن (المرأة) لا تنتقش فيها إلاّ صور (المبصرات) للتي ترى بالعين فقط، وفي (الذهن) تنتقش صور المبصرات، وغيرها من سائر المحسوسات، والمعقولات.

فصل (2)

المحسوس هو الشيء الذي يعرف ويدرك بواسطة إحدى الحواس الخمس، وهي: (الباصرة) و(السامعة) و(الشامة) و(الذائقة) و(اللامسة).
فالجبل شيء محسوس لأنه يعرف ويدرك بالعين (الباصرة).
والصوت شيء محسوس لأنه يعرف ويدرك بالاذن (السامعة).
والريح الطيب، والريح الكريه، من المحسوسات لانهما يعرفان ويدركان بالأنف (الشامة).
والحلاوة، والحموضة من المحسوسات، لأنهما تعرفان وتدركان باللسان (الذائقة).
والخشونة، والنعومة، والحر والبرد تعرف وتدرك بجميع أجزء البدن (اللامسة).
فهذه هي المحسوسات الخمسة.
والمعقول: هو الشيء الذي يعرف ويدرك بغير هذه الحواس الخمس، فمثلاً: (الاثنان زوج) و(الواحد فرد) و(2 × 2 = 4)، و(2 +1 = 3) كل هذه لا تعرف ولا تدرك بالعين، ولا بالأذن ولا بالأنف، ولا باللسان، ولا باللمس. وإنما تعرف وتدرك بالعقل، ولذا يقال لها (المعقولات).

فصل (3)

إذا توجهت إلى إنسان، وحدثت صورته في (ذهنك) فهذا يسمى (تصوّراً).
وإذا نظرت إلى ديك، وانتقشت صورته في (ذهنك)، فهذا (تصوّر) أيضاً.
وإذا سمعت صوتاً، وحدث في (ذهنك) العلم بذلك الصوت فهذا العلم (تصوّر) أيضاً.
فأما إذا عرفت أن ذلك الإنسان عالم وقلت: (هذا عالم) فقد نسبت العلم إلى ذلك الإنسان، فهذه النسبة تسمى (تصديقاً)، وإذا توجهت إلى أن الديك الذي رأيته أبيض، فقلت: (هذا الديك أبيض) فقد نسبت البياض إلى ذلك الديك. فهذه النسبة (تصديق) أيضاً.
وإذا توجهت إلى أن الصوت الذي سمعته صوت زيد، فقلت: (هذا الصوت من زيد)، فقد نسبت إلى الصوت كونه من زيد، فهذه النسبة (تصديق) أيضاً

فاعلم: أن الصور التي تحدث في (الذهن) هي:
ـ إما تصور.
ـ وإما تصديق.
فإن كان، نسبة شيء إلى شيء فتلك الصورة تسمى (تصديقاً)، وإن لم تكن نسبة شيء إلى شيء فتلك الصورة تسمى (تصوراً).
إذن فالعلم ـ الذي هو إدراك الأشياءـ منحصر في التصور والتصديق.
والتصديق قد يكون نسبة إيجاب شيء إلى شيء، مثل (زيد قائم) وقد يكون نسبة عدم شيء إلى شيء مثل (زيد ليس بقائم) فإنه قد نسب عدم القيام إلى زيد.

فصل (4)

التصور على نوعين:
إما واضح معلوم، مثل تصور (النار) و(الماء) ونحوهما ويسمى (التصور البديهي).
وإما مجهول غير واضح، مثل تصور (الجن) و(الروح) ونحوهما، ويسمى (التصور النظري) لاحتياج معرفته إلى النظر والفكر.
وكذلك التصديق على نوعين:
إما واضح معلوم، مثل تصديق (النار حارة) و(الثلج بارد) ونحوهما، ويسمى (التصديق البديهي).
وإما مجهول غير واضح، بل يحتاج إلى التفكر، مثل (الدنيا مخلوقة) و(الإنسان خلقه الله) ويسمى (التصديق النظري) لاحتياجه إلى النظر والفكر.
وطريق معرفة (التصور النظري) هو ترتيب التصورات (البديهية) بنحو يوصل إلى ذلك (التصور النظري).
وطريق معرفة (التصديق النظري) هو ترتيب التصديقات (البديهية) بنحو يوصل إلى ذلك (التصديق النظري).
وسيأتي كيفية ذلك في أواخر الكتاب.

فصل (5)

(المعرف) ـ عند علماء المنطق ـ يقال لتلك التصورات المعلومة (البديهية) التي توصل الإنسان إلى تصور (نظري) مجهول، فتجعله معلوماً.
و(الحجة) ـ عندهم ـ يقال لتلك التصديقات المعلومة (البديهية) التي توصل الإنسان إلى تصديق (نظري) مجهول، فتجعله معلوماً.
فالمقصود من فن المنطق، معرفة (المعرَّف) و(الحجّة) فقط، حتى يتمكن الشخص من تحصيل المجهولات (التصورية) و(التصديقية)، من (التصورات) المعلومة و(التصديقات) المعلومة.

فصل (6)

(النحو) وضع لمعرفة الألفاظ، وأنها مرفوعة، أ منصوبة، أم مجرورة، أم مجزومة، معربة أم مبنية، فالذي يريد أن يتعلم (النحو)، يحتاج إلى الألفاظ لذاتها.
ولكن (المنطق) وضع لمعرفة المعاني لا الألفاظ، لأن (المُعرَّف) هو معاني تلك التصورات المعلومة التي توصل إلى تصور مجهول (نظري) لا ألفاظها، و(الحجة) هي معاني تلك التصديقات المعلومة التي توصل إلى تصديق مجهول (نظري) لا ألفاظها، وإنما البحث في (المنطق) عن الألفاظ ـ كبعض الفصول القادمة ـ إنما هو لتوقف معرفة المعاني على الألفاظ، إذ لا يمكن تفهيم المعنى العميق إلاّ باللفظ، وكذلك لا يمكن تَفَهُّم المعنى العميق إلاّ باللفظ.