المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

من الواجبات العامّة الملقاة على عاتق جميع المسلمين، معرفة إمام زمانهم ثمّ طاعته، وأهمّ ما يُستدلّ به في هذا المجال من الأدلّة النقلية الحديث المتواتر: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(1).
فمن يرحل عن هذه الدنيا ـ طبقاً لهذا الحديث ـ دون معرفة إمام زمانه، فإنّ ميتته تكون كميتة من قضى على عهد الجاهلية، وكأن لم يربطه بالإسلام أيّ رابط.
ومما لا ريب فيه أنّ إمام زماننا هو الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الذي شُحنت بذكره كتب المسلمين على الإطلاق من خلال الأحاديث والروايات والآثار التي بيّنت سمته وصفته وحسبه ونسبه؛ فقد صرّحت الأحاديث بأنّ اسمه اسم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وبأنّه الإمام الثاني عشر، وأنه آخر الأئمة، وأنّه من ولد عليّ وفاطمة سلام الله عليهما, وأنه ابن الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه(2)، فهو الوحيد الذي تنطبق عليه مواصفات الإمام المفترض الطاعة. وهو حيّ يُرزق غيّب بأمر الله ومشيئته(3)، وهو شاهد على أعمال البشر وسلوكهم، لاسيّما المؤمنين منهم، وأنّ الله تعالى ادّخره ليستنقذ به المستضعفين، ويهدي الجاهلين، ويضع حدّاً قاطعاً لظلم الظالمين وتجبّر المتجبّرين، إن شاء الله تعالى.
ولكن ممّا يؤسف له أنّ غياب المعرفة الصحيحة في تناول سيرة الإمام المنتظر سلام الله عليه بعد ظهوره المشرق، والجهل أو الخلط في تحليل الأحاديث والروايات والآثار الواردة في هذا الشأن، فضلاً عن المكذوب أو المدسوس من الروايات المزعومة، حدت بالبعض إلى تصوّر الأوهام وكيل "ما هي تهمٌ في الواقع" إليه عجّل الله تعالى فرجه، والتي لا تصحّ نسبتها حتى إلى الفرد العادي!
من هنا يعرض هذا الكتاب جانباً من رؤى المرجع الجليل آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظلّه فيما يخصّ السيرة المهدويّة حيث يردّ سماحته المزاعم التي تصوّر الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه بأنّه رجل قتل ودم، وكأنّ من مهمّته الإبادة والانتقام، ملفتاً النظر إلى دور الروايات التاريخية المدسوسة في بلورة هذا التصوّر المغلوط، عامداً إلى تمحيص أسانيد هذه الروايات وبيان مدى سقمها، ليخرج بتحليل علمي دقيق مفاده أنّ جميع تلك المرويّات إن لم تكن واهية من الأساس، فمطعون في بعض رجال سندها وإن أُقحم فيهم ـ إلى جنب الكذّابين والمزوّرين ـ بعض الثقات المعوّل عليهم في صحّة الأخبار ووثاقتها.
كما يلفت سماحته بعد ذلك إلى أهمية أن يعرف الإنسان المؤمن ما هي المسؤولية الملقاة على عاتقه في عصر الغيبة، وينبّهه إلى أنّ معرفة الواجب مقدّمة على الرغبة التي تساور كثيراً من المؤمنين في التشرّف بلقاء الإمام
صلوات الله عليه ـ فرغم أنّ من نالوا هذا الشرف العظيم هم في الغالب ممن يعون المسؤولية ويعملون بها، إلا أنّ من الأفضل والأكمل القول بضرورة الجمع بين الإصرار على تحمّل المسؤولية وبين الطموح إلى التشرّف بلقائه
صلوات الله وسلامه عليه ـ مشيراً إلى أنّ التزام المحبّين بما تملي عليهم المسؤولية في العمل بالواجبات وترك المحرّمات، سيجعلهم يحظون بلطف ورعاية الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه، كما حظي الشيخ المفيد رحمه الله وبعض المؤمنين من قبل بذلك.
لقد تشرّفت مؤسّسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية بنشر بعض هذه الرؤى والبحوث الصادرة عن سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مناسبات مختلفة، في كتاب أسمته: عبير الرحمة. ولأهميّة هذا الموضوع عمدت المؤسّسة إلى إعادة طبع الكتاب مضيفة إليه بحوثاً أخرى لسماحته تتعلّق بالموضوع نفسه مثل رسائل الإمام عجّل الله تعالى فرجه الشريف للشيخ المفيد رحمه الله وبيان أنّ - الواجب وهو الالتزام بأوامر الشريعة والعمل بالوظيفة ـ مقدّم على السعي في التشرّف بلقاء الإمام عجّل الله تعالى فرجه. فجاء الكتاب في ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: يتعلّق بسيرة الإمام عجّل الله تعالى فرجه بعد الظهور في التغيير وبسط النفوذ وتأسيس الدولة، وأسلوبه في الإدارة، ومنهجه في القضاء.
الفصل الثاني: مسؤوليتنا في عصر الغيبة.
الفصل الثالث: رسائل الإمام عجّل الله تعالى فرجه للشيخ المفيد.
وفي الختام ملحق أوردنا فيه بعض الملاحظات التي وردتنا من أحد الإخوة المؤمنين بعد مطالعته الكتاب في طبعته الأولى، مع الإجابات التي تلقّيناها بشأنها من مكتب سماحة السيد المرجع حفظه الله، إتماماً للفائدة، ومن الله تعالى نستمدّ العون والتوفيق.

مؤسسة الرسول الاكرم الثقافية


(1) وهذا الحديث معتبر جدّاً ويرى تواتره كلا الفريقين الشيعة ومخالفوهم. قال عنه الشيخ المفيد ـ وهو من كبار علمائنا ـ في كتابه النفيس «الإفصاح: ص 28، قبل ذكره الحديث: «فهو المتواتر عن النبيّ صلّى الله عليه وآله».
كما قال في رسالة بإسم «الرسالة الأولى في الغَيبة» :ج1، ص12، (ط. دار المفيد ـ بيروت) ردّاً على من شكّك فيه: «بل هو خبر صحيح يشهد له إجماع أهل الآثار».
وقد ورد هذا الحديث في مصادر العامّة بألفاظ مختلفة. راجع: المعجم الكبير للطبراني، ج 19 ص 388 (ط 2. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت)؛ حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني: ج 3 ص 224؛ مجمع الزوائد لأبي بكر الهيثمي: ج 5 ص 218 (ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت)؛ كنز العمال للمتقي الهندي: ج 1 ص 103 ح 463 و 464 (ط. مؤسّسة الرسالة ـ بيروت).
(2) انظر شرح إحقاق الحقّ للمرعشي النجفي: ج13(ط. منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي)، ففيه ما يغني.
(3) صرّحت بذلك الأحاديث الكثيرة التي أشارت إلى عمره المديد، وأن المؤمنين فقط سيستقيمون على الإيمان بوجوده سلام الله عليه. كما صرّحت بأن غيبته عجّل الله تعالى فرجه ستطول؛ انظر: دلائل الإمامة للطبري: ص 433-554.