المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله:

 

«إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً»(1).

إنّ لفقد الأحبة والمقرّبين لوعة ومرارة في نفس كلّ شخص، فمن يفقد عزيزاً عليه يتجرّع ألماً وغصّة في الأيّام الأولى من فقده، وقد تصيبه حالة من الكآبة وعدم التوازن، يعزف فيها عن الطعام والشراب والنوم، لكن مع مرور الأسابيع والشهور يندمل الجرح وتهدأ النفوس وتزول الأحزان شيئاً فشيئاً وتعود الأشياء إلى طبيعتها السابقة. فأعظم المصائب وأشدّ البلايا وقعاً على الإنسان تفتر حدّتها وتخفّ وطأتها بفضل عامل الزمن ونعمة النسيان.
لكنّ مصيبة واحدة لم تبرد لوعتها ولم ينطفئ لهيبها برغم تقادم السنين ومضيّ الأعوام والقرون، ألا وهي مصيبة أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه.
كل عام قُبيل شهر محرّم بأيّام تلبّس الحيطان بالسواد، وتتلبّد القلوب بغيوم الحزن، وتتّقد حرارة مصيبة عاشوراء في الصدور من جديد.
ويتبيّن من الرواية السابقة أنّ هذه اللوعة والحرارة هما من علامات الإيمان، لأنّه لم يرد في الرواية «في قلوب البشر» أو «قلوب الناس»، من هنا فإنّ الحُبّ الحسيني الذي يسكن قلوب المؤمنين يعتمد على درجة الإيمان صعوداً ونزولاً، وهو حبّ يغمر قلب كلّ مؤمن ومحبّ لأهل البيت عليهم السلام.
لقد خصّ الله سبحانه وتعالى الإمام الحسين بخصائص لم يشاركه فيها حتّى من هم خير منه وهم جدّه وأبوه وأمّه وأخوه سلام الله عليهم، لأنّ التضحيات التي طلبها الله تعالى من الإمام الحسين كانت أعظم حتّى من تضحياتهم سلام الله عليهم أجمعين.
إنّ الدور الإستثنائي الذي قام به الإمام الحسين في يوم عاشوراء استحقّ عليه ثواباً استثنائيّاً من الله تعالى.
وهذا الاستثناء ـ كما نطالع في هذا الكتاب ـ قد تجلّى على نحوين:
النحو الأوّل: الاستثناء في الجانب التشريعي، ومثاله: الجزع فإنّه مكروه، حسبما ورد في الروايات، إلاّ على الإمام الحسين.
النحو الثاني: الاستثناء التكوينيّ، ومثاله الاستشفاء بتربته؛ فإنّ أكل التراب محرّم شرعاً ومضرّ من الناحية الصحيّة، لكنّ الأمر يختلف مع تربة سيد الشهداء عليه السلام فهو حلال حُكماً، وشفاء لمن يستعمله بمقدار.
هذا الكتاب عبارة عن محاضرات صدرت سابقاً، جمعناها بعد تنقيحات وإضافات. ومن الله التوفيق.


(1) مستدرك الوسائل، ج10 ص318 رقم 12084.