بسم الله الرحمن الرحيم

» المقدّمة

لقد اقتضت الرحمة الإلهية ومنذ أن وجد المجتمع البشري أن لا يُحرم من نبيّ أو واسطة للوحي الإلهي ـ وهكذا ستستمرّ مسيرة البشر حتى آخر حياة له على وجه البسيطة ـ لئلا تخلو الأرض من حجّة لله أبداً. قال الراوي: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام، قلت: تخلو الأرض من حجّة الله؟ قال:
لَوْ خَلَتْ الأرْضُ طَرْفَةَ عَيْنٍ مِنْ حُجَّةٍ لَسَاخَتْ بأَهْلِها(1).
من هنا تحتّم على نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ـ وهو النبيّ الخاتم ـ أن يعيّن خليفةً له، إماماً ووليّاً للناس من بعده، لكي يواصل طريقه ويسير على خطاه، حتى يرسّخ أهدافه، لتشمل البشرية أجمع.
ومن الواضح جدّاً أنّ من يخلف النبيّ صلى الله عليه وآله جدير بأن يكون مطابقاً له في فكره ونهجه، ومجسّداً له تجسيداً واقعياً في العصمة والطهارة.
وهنا يثار تساؤل: أيُعقل أن يترك الله أمر اختيار خليفة رسوله صلى الله عليه وآله للبشر أنفسهم، أم اختاره بنفسه كما اختار أنبياءه ورسله سلام الله عليهم؟
لاشكّ أنّ الشقّ الثاني هو الصحيح. فلقد جرت سنّة الله تعالى على تعيين خلفاء صالحين وأطهار لرسله يخلفونهم ـ حال غيابهم ـ في أداء الوظائف والمسؤوليات الإلهية، ولم يكن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله مستثنىً من هذه السنّة الإلهيّة، لذا كان لابدّ له من تعريف الأمّة بخليفته المعيّن من بعده بأمر الله تعالى لكي يستمرّ الخليفة على ما بدأه خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله في هداية المجتمع ونشر الإيمان والفضيلة، ومحاربة الكفر والرذيلة. وقد تمّ ذلك فعلاً في اليوم المعيّن، وهو يوم الغدير.
لقد بدأت مرحلة الفصل حينما اجتمع الحجيج في طريق عودتهم من بيت الله الحرام عند غدير خم، بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن أمره الربّ الجليل أن يبلّغ آخر ما أنزل إليه للناس، ويعرّفهم وصيّه وخليفته من بعده، ليؤكّد عليهم مدى الارتباط بين خطّ الرسالة والإمامة، وليكون بذلك قد أدّى رسالته وأتمّها على أبلغ وجه.
روى الشيخ الصدوق بسنده عن زرارة قال: سمعت الإمام الصادق عليه السلام قال:لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى مكّة في حجّة الوداع... جاءه جبرئيل في الطريق فقال له: يا رسول الله، إنّ الله تعالى يقرئك السلام، وقرأ هذه الآية:
(يَا أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ).
فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله:
يَا جَبْرَئيلُ، إنَّ النَّاسَ حَدِيثُو عَهْدٍ بالإسْلامِ فَأَخْشَى أنْ يَضْطَرِبُوا وَلا يُطِيعُوا.
فعرج جبرئيل عليه السلام إلى مكانه، ونزل عليه في اليوم الثاني وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله نازلاً بغدير، فقال له:
(يا أيّها الرسول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه).
فقال له: يَاجَبْرَئيلُ أَخْشَى مِنْ أصْحَابي أنْ يُخَالِفُوني.
فعرج جبرئيل ونزل عليه في اليوم الثالث وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله بموضع يقال له غدير خم وقال له:
(يا أيّها الرسول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ).
فلما سمع رسول الله هذه المقالة قال للناس:
أَنيخُوا نَاقَتِي فَوَ اللهِ مَا أَبْرَحُ مِنْ هَذَا المَكَانِ حَتّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبّي.
وأمَر أن يُنصب له منبرٌ من أقتاب الإبل وصعدها وأخرج معه عليّاً عليه السلام وقام قائماً وخطب خطبة بليغة وعظ فيها وزجر ثم قال في آخر كلامه: أيُّها النَّاسُ ألَسْتُ أوْلَى بـِكُمْ مِنْكُم؟
فقالوا: بلى يا رسول الله.
ثم قال: قُمْ يَا عَلِيُّ. فقام علي سلام الله عليه فأخذه بيده فرفعها حتى رئي بياض إبطيهما، ثم قال:
ألاَ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذَا عَليٌّ مَولاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَاداهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ.
ثم نزل من المنبر وجاء أصحابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهنّأوه بالولاية، وأوّل من قال له عمر بن الخطاب فقال له: يا عليّ أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. ونزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية:
(الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً)(2).
وتفرّق الحجيج بعد ذلك كلٌّ صوب مدينته ليبلّغوا ذويهم والناس آخر رسالة سماوية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله تنبئ عن آخر وأهمّ فريضة تجسّدت في تنصيب الله تعالى عليّاً خليفة لرسوله صلى الله عليه وآله(3).
والغدير ليس حادثة مجرّدة أو منفصلة، بل هي ـ كما يراها آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي دام ظله ـ ثقافة متّصلة ومتواصلة منذ العام العاشر الهجري وحتى يومنا هذا، بل لظهور قائم آل محمد عجل الله تعالى فرجه الشريف.
كما يرى سماحته في الغدير مرآةً صافيةً تعكس عصارة المثل الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، ولوحة مشرقة المعالم والزوايا تعبّر عن المنهج الإسلامي الصحيح لتغلق الباب بوجه أي تسلّط واستعباد للشعوب.
من هذا المنطلق يوجّه سماحته المؤمنين، وخاصّة القائمين بشؤون الثقافة الإسلامية، أن لا يقصّروا في نشر ثقافة الغدير، مؤكّداً مسؤوليتهم في الترويج لمفاهيم الغدير وتعاليمه.

قسم التحقيق


(1) بصائر الدرجات للصفّار: 509، ح8 ، باب 12.
(2) بحار الأنوار: ج37، ص165 باب 52، ح42.
(3) وقد نقل الخاصّة العامّة واقعة الغدير بأسانيد وألفاظ مختلفة تعبّر عن مضمونٍ واحد منهم: مسلم في صحيحه، ج2، ص25؛ أحمد في مسنده، ج4، ص281؛ ابن ماجة في سننه، ج1، ص28 و29؛ النسائي في خصائصه، ص16؛ الترمذي في صحيحه، ج2، ص298؛ الحافظ البغوي في مصابيح السنّة، ج2، ص199؛ الخوارزمي في مناقبه، ص130؛ الجزري في أسنى المطالب، ص3؛ القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة، ص40؛ ابن قتيبة في المعارف، ص291؛ البدخشي في نزل الأبرار، ص20؛ محبّ الدين الطبري في الرياض النضرة، ج2، ص169، وذخائر العقبى، ص67؛ الصباغ المالكي في الفصول المهمة، ص25؛ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب، ص14؛ الهندي في كنز العمّال، ج6، ص154؛ ابن عبد البرّ في الاستيعاب، ج2، ص473؛ ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية، ج5، ص214؛ ابن الأثير في أسد الغابة، ج3، ص307؛ الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ج8، ص290؛ المزّي في تهذيب الكمال، ج20، ص484؛ ابن حجر في تهذيب التهذيب، ج7، ص327، والإصابة، ج3، ص408؛ الدولابي في الكنى والأسماء، ج2، ص88؛ السيوطي في الدرّ المنثور، ج2، ص259، وتاريخه، ص114، والجامع الصغير، ج2، ص555؛ الفخري الرازي في تفسيره، ج3، ص636، مورد الآية؛ النيشابوري في تفسيره، ج6، ص194؛ الآلوسي في روح المعاني، ج2، ص350؛ الحاكم في مستدركه، ج3، ص110؛ أبو نعيم الاصفهاني في حلية الأولياء، ج4، ص23؛ الحافظ الهيثمي في مجمعه، ج9، ص106؛ القرماني في أخبار الدول، ص102.