بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْله الرُّسُلُ أَفَإن ماتَ أَوْ قُتلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ وَمَن يَنقَلبْ عَلَى عَقبَيْه فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزي اللّهُ الشَّاكرينَ)(1).
الثامن والعشرون من صفر ذكرى استشهاد نبيّ الإسلام محمّد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله، وقيل يوم استشهاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام(2) أيضاً، وفي رواية أن التاسع والعشرين منه ذكرى استشهاد الإمام الرضا سلام الله عليه(3). فهذه أيام الرسول وعترته صلوات الله عليهم أجمعين، فمن المناسب أن نعرف ما هو واجبنا تجاه القرآن الكريم والعترة الطاهرة.

» وصية الرسول صلّى الله عليه وآله

روى الشيخ المفيد رحمه الله في «الأمالي»: أن أميرالمؤمنين سلام الله عليه والعباس بن عبدالمطّلب والفضل بن العباس دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله في مرضه الذي قُبض فيه، فقالوا: يا رسول الله هذه الأنصار في المسجد تبكي رجالها ونساؤها عليك, فقال صلى الله عليه واله: وما يبكيهم؟ قالوا: يخافون أن تموت. فقال: أعطوني أيديكم. فخرج في ملحفة وعصابة حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال صلى الله عليه واله: أمّا بعد أيّها الناس، فما تنكرون من موت نبيّكم؟... ألا أني لاحقٌ بربي وقد تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا كتاب الله تعالى بين أظهركم تقرءونه صباحاً ومساءً فلا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا إخواناً كما أمركم الله، وقد خلّفت فيكم عترتي أهل بيتي(4).

(ولم تكن المسافة بين بيت النبي صلى الله عليه واله وبين المسجد طويلة، لأن بيته صلى الله عليه واله كان لصيقاً بالمسجد، وكان للبيت باب ينفتح على المسجد قبل أن يأتي الأمر الإلهي بسدِّ كل الأبواب المطلّة على المسجد، إذ سُدّت جميعها بما فيها باب بيت النبي صلّى الله عليه وآله، ولم يَستثنِ الرسول صلى الله عليه واله – كما أمر الله - إلا باب بيت علي وفاطمة صلوات الله وسلامه عليهما. والسبب واضح؛ لأنه لم يكن كلّ الذين في بيت الرسول – إلاّ هو صلّى الله عليه وآله – معصومين. فنساؤه لم يكنّ معصومات ولذلك لم يُستثنَ بيته صلى الله عليه واله من هذا الأمر الإلهي. أما بيت علي وفاطمة سلام الله عليهما فكان ساكنوه معصومين لا يمسّهم دنس ولا يعتريهم حدث، ولذلك استثني, وكان البابَ الوحيد المسموح ببقائه مفتوحاً على المسجد النبوي).


» القرآن وأهل البيت عدلان متكافئان

ولم يكن إيصاء الرسول الكريم صلى الله عليه و اله بالقرآن والعترة عليهم السلام مقتصراً على الموقف الذي أشرنا إليه آنفاً - حين قرب وفاته صلّى الله عليه وآله - بل تكرّر عنه في مواقف كثيرة، منها: أنه صلّى الله عليه وآله جمع الناس في مسجد الخيف، بعد أن نزل قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح)(5) بمنى في حجة الوداع، فقال: «أيّها الناس! إني تارك فيكم الثقلين إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ولن تزلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبّأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض كإصبعي هاتين - وجمع بين سبّابتيه- ولا أقول كهاتين - وجمع بين سبّابته والوسطى- فتفضل هذه على هذه»(6).

وهناك رواية عن الإمام الصادق سلام الله عليه يفسّر فيها هذا الموقف من رسول الله صلّى الله عليه وآله، مفادها أن الناس - عادة - إذا أرادوا وصف شيئين بأنّهما لن يفترقا, مثَّلا لهما بجمع السبّابة والوسطى، ولكنّا نلاحظ أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله جمع بين سبّابتيه، فلماذا فعل ذلك؟

يفسّر الإمام سلام الله عليه ذلك ببيان مفاده أن النبي صلّى الله عليه وآله أراد أن يبيّن أن القرآن والعترة عدلان متكافئان - إضافة إلى أنهما لا يفترقان - فإن الوسطى أطول من السبابة قليلاً، ولكن حيث إن النبي صلّى الله عليه وآله جمع سبّابتيه فهذا معناه أنه لا القرآن أطول من أهل البيت سلام الله عليهم ولا أهل البيت أطول من القرآن الكريم(7).


(1) آل عمران: 144.
(2) راجع المناقب لابن شهر آشوب: 28 - 29 (ط: مؤسسة العلاّمة للنشر - قم).
(3) انظر إعلام الورى للطبرسي: 314 (ط: دار الكتب الإسلامية - طهران).
(4) الأمالي: 28 - 29: المجلس6. (ط. منشورات المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف).
(5) الفتح: 1.
(6) تفسير القمّي: 2 / 449 تفسير سورة النصر. (ط. مؤسسة الأعلمي - بيروت).
(7) انظر بحار الأنوار: 23 /130.