بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

بعد أن أحيى المؤمنون(1) مراسم ذكرى استشهاد سيد الكائنات مولانا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في مدينة قم المقدسة، حضروا عصر ذلك اليوم ــ وكما هي عادتهم في السنوات السابقة ــ إلى بيت المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، فألقى سماحته فيهم كلمة قيّمة في خصوص هذه الذكرى الأليمة، قال فيها:
في الثامن والعشرين من شهر صفر سنة إحدى عشر للهجرة، ألـمّت بالمسلمين فاجعة كبرى ومصيبة عظمى باستشهاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله(2).
إنّ مصاب العالم باستشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله عظيم جدّاً؛ لأنّه إذا كانت المصيبة بموت كلّ شخص تتناسب مع عظم شخصيّته ومقامه، فإنّه لن يبلغ أحد ــ من بين كلّ من خلق الله تعالى، لا في الماضي ولا في المستقبل ــ ذلك المقام الرفيع الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم ولن يكون من هو أعظم منه على الإطلاق. ومن ثمّ فكما أنّه صلى الله عليه وآله كان جوهرة الوجود النادرة والفريدة، فكذلك تعدّ مصيبته فريدة واستثنائية.
إنّ أهل البيت سلام الله عليهم هم وحدهم من يعرف النبي صلى الله عليه وآله حقّ المعرفة، أمّا نحن فمهما سعينا وطالعنا فلا نبلغ تلك الدرجة من المعرفة، ويظلّ الانطباع الذي يحصّله كلٌّ منّا عن تلك الشخصيّة الربّانية، متناسباً مع مستوى إدراكه. ولذلك فإنّه لا يعرف عظمة هذه الرزيّة حق المعرفة إلاّ أئمّتنا سلام الله عليهم. أما فهْمنا ودركنا لها فيسير جدّاً، بل يمكن القول إن تصوّراتنا عن عظمة هذه الرزيّة مجازية لا أكثر. أما حقيقة هذا المصاب وعظمته فلا يعرفها كما يجب إلا الإمام أمير المؤمنين والصديقة الزهراء والأئمة الطاهرون صلوات الله عليهم أجمعين.
ففي الخطبة التي ألقتها سيّدتنا فاطمة الزهراء ــ بعد عدّة أيّام من رحلة أبيها صلى الله عليه وآله ــ هناك عبارة تصف فيها عظم تلك الفاجعة، حيث قالت سلام الله عليها: «واُزيلت الحرمة عند مماته... فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى»(3)، وهذه العبارة جديرة بالتدقيق والتأمّل.


التأمّل في خطبة الصدّيقة الزهراء

إنّ من له إلمام باللغة والأدب ويتأمّل في هذه العبارة يدرك ما لهذه الكلمات الأصيلة من عمق. فمضمون كلامها سلام الله عليها ــ وهي من أفضل من أدرك هذه الحقيقة ــ أنّه ليست المصيبة العظمى في استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، بل في إزالة حرمته صلى الله عليه وآله عند مماته، ابتداءً بمنع النبي صلى الله عليه وآله من الكتابة، وانتهاءً بما أعقبه من هجوم على بيت النبوّة ولمّا يُدفن النبي صلى الله عليه وآله بعد.
ولو قالت سلام الله عليها: «هُتكت الحرمة» لكان الأمر أهون، ولكنّها عدلتْ عن ذلك التعبير إلى قولها: «أزيلت الحرمة» أي قضي عليها تماماً. ومن الواضح أنّ هناك فرقاً بين عبارات من قبيل «هتك الحرمة» أو «التجاوز عليها» وعبارة «إزالة الحرمة»، وأن التعبير الأخير يعني عدم الإبقاء على شيء منها.
ثمّ إنّها عليه السلام لم تقل: «وأزيلت الحرمة بعد مماته» أو «أزيلت الحرمة لموته» بل استعملت حرف الجر «عند»، فقالت: «وأزيلت الحرمة عند مماته» ما يعني ــ ظاهراً ــ أنّ حرمة النبي صلى الله عليه وآله قد اُزيلت قبيل موته.
كما أنّ الملفت أنّها سلام الله عليها لم تقل: «اُزيلت حرمته» بل قالت: «اُزيلت الحرمة»، والظاهر أنّ الألف واللام في كلمة «الحرمة» هي ألف لام الجنس، فيكون المعنى أنّ القوم أزالوا عند رحيله صلى الله عليه وآله الحرم كلّها، فلم يزيلوا حرمة النبي صلى الله عليه وآله فقط بل أزالوا حرمة أمير المؤمنين والصدّيقة الزهراء والحسن والحسين وسائر الأئمة سلام الله عليهم، بل أزالوا حرمة جميع الأنبياء والمرسلين وأوصيائهم، وحرمة الإسلام، بل وحرمة الله تعالى وأوامره كحرمة الصلاة والصوم وحرمة الجنّة والقيامة والعرش والكرسيّ وكلّ المقدّسات؛ ولا شكّ أن هذا أعظم بدرجاتٍ من مصيبة فقد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولهذا فقد أقسمت سلام الله عليها أنّ المصيبة العظمى ليست في استشهاد الرسول صلى الله عليه وآله ــ على عظمة مصاب فقده ــ بل في إزالة الحرمة عند مماته. فقالت سلام الله عليها: «واُزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى».
يحسن أن نفكّر في هذه النقطة ونتوقّف عندها ونتساءل: لماذا عبّرت الصديقة الزهراء سلام الله عليها بهذه العبارة؟
لقد كان الناس في ذلك العهد مسلمين، يصلّون ويصومون، وقد دمعت أعينهم من الحزن على رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله، وربّما لطموا صدورهم ووجوههم حزناً عليه صلى الله عليه وآله. اذاً لماذا وصفت الزهراء سلام الله عليها ــ وهي صاحبة العصمة الإلهية الكبرى ــ النازلة الكبرى والمصيبة العظمى في إزالة الحرمة ولم تصفها لرحيل أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وماذا أرادت بهذا الكلام؟
لاشكّ أن فقدان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله ورحيله مصيبة وثلمة كبيرة لا يسدّها شيء، إلا أنّ السيدة الزهراء سلام الله عليها وصفت إزالة الحرمات بأنّها مصيبة أعظم ونازلة أكبر حتى من مصيبة فقدان النبي صلى الله عليه وآله.
إنّ السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها لم تفصّل الأمر وتركته مغلقاً حتى تفكّر فيه الأجيال اللاحقة؛ لأنّه في تلك الأيام ــ وفي كثير من الأيام التي أعقبتها ــ لم يكن بالإمكان طرح هذا الموضوع والسيدة الزهراء سلام الله عليها لم يكن بإمكانها أن تفصّل هذا الأمر!!
أما اليوم، حيث يبحث الناس ــ في أجواء الانفتاح والحرية المستجدّة ــ عن الكلام الصريح والصحيح، ويمكنهم شرح الحقائق، فلم تعد الحال كالسابق وأصبح من الممكن شرح هذا الأمر الذي وردت الإشارة إليه في صحاح العامّة وتفسير الفخر الرازي وكثير من المصنفات التفسيرية والتاريخية، وإنّ مراجعة كتب العامّة والخاصّة تساعد كثيراً على فهمه.


(1) في يوم الأربعاء 28 صفر عام 1427هـ.
(2) كما صادف ـ على بعض الأقوال ـ في مثل هذا اليوم ذكرى استشهاد السبط الأكبر الإمام المجتبى سلام الله عليه.
(3) بحار الأنوار، ج29، ص226 (فصل نورد فيه خطبة خطبتْها...).
كما روى الخطبة بتغيير طفيف في ألفاظها ومعانيها، كلّ من: البغدادي الجوهري في السقيفة وفدك، ص102، وابن ابي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة، ج16، ص211، وابن طيفور في بلاغات النساء، ص14، وغيرهم.