بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

» مقدمة

في الخطبة التي خطبها رسول الله صلّى الله عليه وآله في استقبال شهر رمضان المبارك وردت عبارة ذات أهمية قصوى وهي قوله صلّى الله عليه وآله: وجعلتم فيه من أهل كرامة الله(1)، فإن كلمة «كرامة الله» لم تنقل على لسان الروايات كثيراً، ولم ترد إلا في موارد خاصة لما لها من أهمية في نظر أهل البيت سلام الله عليهم، حيث وردت في قول النبي صلّى الله عليه وآله للإمام علي سلام الله عليه في تزويجه بالزهراء سلام الله عليها: فإنّ الله تعالى أكرمك كرامة لم يكرم بمثلها أحداً(2)، وقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في بعثة النبي صلّى الله عليه وآله: حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى إلى محمد صلى الله عليه وآله فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً(3)، وهكذا ورد في الروايات الشريفة بشأن زائر الإمام الحسين سلام الله عليه.

إذا كان بعض الناس قد بلغوا هذه المرتبة، أي صاروا أهل كرامة الله، فإن كل مؤمن في هذا الشهر الكريم (شهر رمضان المبارك) قد جُعل من أهل كرامة الله تعالى. وهذه الكرامة لا تخصّ الصائمين فقط بل هي تشمل حتى أصحاب العذر الشرعي الذين يسوغ لهم الإفطار كالمسافر والمريض. إن هذه الكرامة هي لهذا الشهر الكريم، للياليه وأيامه، وكل ساعاته. فالعناية الإلهية تشمل الجميع، ولكن بما أن إحدى صفات الله تعالى المهمة ومن أسمائه الحسنى «الحكيم» أي الذي يضع الشيء في موضعه، فهذا معناه أن التوفيق الإلهي وإن كان شاملاً في شهر رمضان لكلّ العباد، إلا أنّ قدراً منه يرتبط بمقدار همّتنا وتوجهنا وجهدنا.

أذكّر في المناسبة بموضوعين، أوّلهما عام ، وهو بناء النفس - وإن كنا نحن أهل العلم مشمولين به أيضاً - والثاني خاصّ وهو التبليغ، وهذا الأمر يتعلق بنا نحن (أهل العلم) غالباً، وإن كان الآخرون مشمولين به أيضاً ولكن بدرجات متفاوتة.

» شهر رمضان فرصة مناسبة لبناء الذات

إن شهر رمضان المبارك هو شهر بناء الذات وتغيير النفس، وهذا الأمر مطلوب من الجميع، يستوي في ذلك أهل العلم وغيرهم، ومهما يبلغ المرء درجة في هذا الطريق فثمة مجال للرقيّ أيضاً.

يقول النبي صلّى الله عليه وآله: فإن الشقيّ من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم(4). وهذا معناه لو أن أحداً أهمل بناء نفسه في هذا الشهر المبارك وقصّر حتى مرّ عليه ولم ينل تلك المغفرة الإلهية التي هي أوسع وأسرع وأعظم فيه منها في سائر الشهور، فإنه هو الشقي حقاً. وهذا هو المستفاد من الروايات، لأن بناء الذات واجب عيني في حد أداء الواجبات وترك المحرّمات. فعلى الإنسان أن يحاول في هذا الشهر المبارك أن يعمل حتى يبلغ مرحلة يعتقد فيها أنه تغيّر فعلاً وأنه أصبح أحسن وأفضل من السابق.

لاشك أن كل إنسان يتمنى لنفسه التغيير نحو الأفضل، ولكن المسألة ليست بالأماني، فبالأماني وحدها لا يتحقق التغيير، بل هو بحاجة إلى عزم وتصميم ومتابعة ومثابرة وجدّ واجتهاد. فمن لم يقصّر في المقدمات يوفَّق في النتائج بلا شك؛ لأن هذا هو الهدف الأصلي لخلق الإنسان، وهو صريح القرآن الكريم؛ قال تعالى: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)(5) أي ليرحمهم. فهل يعقل أن يضع الإنسان نفسه موضع الرحمة بأن ينبري لطاعة الله والتقرب إليه، ثم لا يرحمه الله تعالى؟! فهذا محال في منطق الحكمة والعقل، ولا إمكان له، فضلاً عن وقوعه - وحاشا لله ذلك - ولكن على الإنسان أن يصدق مع نفسه ويسعى في هذا المجال ليتحقق له ما يصبو إليه؛ قال الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: من طلب شيئاً ناله أو بعضه(6).

إن الصلوات والأدعية والزيارات والأعمال الواردة في شهر رمضان المبارك بنفسها معدّات لتحقّق بناء الذات، بيد أن المرء قد لا يسعه الوقت للقيام بها كلها، بسبب تزاحمها مع مشاغل أخرى قد تكون مطلوبة هي الأخرى كالتبليغ مثلاً. إذن، فليس هناك طريق للتوفيق أسهل من طريق محاسبة النفس، لأنّها مطلوبة جداً ولها تأثير كبير على الإنسان، ففي كتب الروايات كالكافي والبحار وغيرهما باب مستقلّ في محاسبة النفس، وهناك روايات معتبرة وصحيحة سنداً عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم مضمونها أنه ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم فإن عمل خيراً استزاد وإن عمل شراً استغفر(7).

إذن، فليخصص المرء كل يوم من شهر رمضان بعض وقته ويخلو فيه، ليراجع ما قد مضى منه خلال الساعات الماضية، فينظر ما عمل وما قال وما سمع وما رأى وما أخذ وما أعطى، وكيف تصرّف مع زوجته وأطفاله وأصدقائه وزملائه؟ وباختصار: ليدقّق مع نفسه فيم صرف وقته؟ ليصمّم بعد ذلك على أن يزيد من حسناته ويقلّل من سيئاته.


(1) وسائل الشيعة: 10/313 ح13494 باب 18.
(2) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: ص144 مجلس في ذكر تزويج فاطمة عليها السلام.
(3) نهج البلاغة: 139 رقم94 وفيها يصف الله تعالى ثمّ يبيّن فضل الرسول الكريم وأهل بيته.
(4) انظر هامش محاضرة: الورع عن محارم الله.
(5) هود: 118-119
(6) نهج البلاغة: 544 رقم 386 الكلمات القصار.
(7) منها: عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: ليس منا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل خيرا استزاد الله منه، وحمد الله عليه، وإن عمل شرّاً استغفر الله منه وتاب إليه. بحار الأنوارللعلامة المجلسي: 76 / 72.