بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين. واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين .
قال الله الحكيم في كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾(1).

» مقدمة

اتفقت كلمة المسلمين بمذاهبهم المختلفة على أن هذه الآيات المباركة نزلت في أئمة المسلمين، أي أئمة أهل البيت الاثني عشر، وهم علي وبنوه(سلام الله عليهم).
ومعنى الآية واضح وهو وجوب طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) والأئمة الاثني عشر(سلام الله عليهم) بعد طاعة الله تعالى، لأن المقصود بأولي الأمر من جعل الله بيدهم أمر المسلمين.

في الآية الكريمة نكتة نقف عندها ثم ننتقل للحديث عن دور الإمام زين العابدين (سلام الله عليه) الذي صادفت قبل فترة، الذكرى السنوية لاستشهاده.
لقد كررت الآية المباركة فعل الأمر (أطيعوا) عندما ذكرت وجوب طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله) ولكنها لم تكرره عند ذكر أولي الأمر(سلام الله عليهم)، فما هو الوجه؟
بتعبير آخر: لماذا لم تقل الآية: (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) بدون تكرار كلمة (أطيعوا)، ولا قالت: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر) بذكر الفعل (أطيعوا) ثلاث مرات، لأن الذين تجب طاعتهم ثلاثة أيضاً؟

يقول المحققون من المفسرين إن الله تعالى نبّه بهذا التفريق (إذ قال: أطيعوا الله، ثم فصل بين الرسول وأولي الأمر بفعل جديد وقال: وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) إلى أن طاعة الله تختلف عن طاعة من سواه وإن كان ممن تجب طاعته أيضاً كالرسول وأولي الأمر. فدارسو البلاغة والأدب العربي يدركون أن تكرار الكلمة في العطف (كما لو قلت جاء فلان وجاء فلان وجاء فلان) لابد وأن يرمز أو يشير إلى تغيير ما في المعنى، كما أن عدم التكرار (كما لو قلت جاء فلان وفلان وفلان) ينبئ إلى عدم الفرق.

وهنا عندما قال الله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ فكرر كلمة الإطاعة للرسول وأولي الأمر بعد ذكر الأمر بالطاعة الأولى لله تعالى، فمعناه أن طاعة الله شيء وطاعة الرسول وأولي الأمر معاً شيء آخر، كما أنه تعالى لم يفصل بين طاعة الرسول وأولي الأمر بفعل جديد إشارة إلى أنهما من جنس واحد، وإن كانا يختلفان معاً عن جنس الطاعة الأولى أعني طاعة الله عز وجل! وتنبيهاً إلى أن الأصل والأساس في الطاعة هي طاعة الله سبحانه، وأن طاعة الرسول وأولي الأمر فرع طاعته عز وجل؛ وذلك لأن الله تعالى هو الذي خلقنا فجعلنا شيئاً بعد أن لم نكن شيئاً، وجعلنا ذا أشياء بعد أن لم يكن عندنا شيء، فأعطانا الصحة والقدرة والمال والجاه وكل شيء، وسخّر لنا كل الطاقات التي خلقها في الكون بعد أن أوجدنا من العدم؛ قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾(2)، وسخّر لنا الشمس والقمر والبر والبحر وكل ما خلق، كما صرّح سبحانه في آيات أخرى(3)، ولهذا يجب علينا أن نطيع الله تعالى لأنه هو الذي خلقنا وأوجدنا ومنحنا كل شيء.

إذن الطاعة في الأساس هي لله سبحانه، أما رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلو لم يأمرنا الله تعالى بطاعته لما كانت طاعته واجبة علينا، لأنه(صلى الله عليه وآله) مخلوق لله كما نحن مخلوقون لله أيضاً، ولكن الفرق بينا وبينه(صلى الله عليه وآله) هو أن الله تعالى أمرنا بطاعته، فطاعته أصبحت واجبة ولازمة علينا لأن الله أمرنا بها.
إن طاعة النبي وطاعة الإمام من طاعة الله تعالى. ولو أن الله تعالى أمرنا بطاعة عبد حبشي لأطعناه، كما ورد هذا المعنى في بعض الأحاديث عن المعصوم(سلام الله عليه)(4).

وهذا هو الحق فنحن إنما نعتقد بإمامة علي بن أبي طالب(سلام الله عليهما) ونقول بإمامة ولديه الحسن والحسين(سلام الله عليهما)، وهكذا إمامة سائر الأئمة من أبناء الحسين(سلام الله عليهم) لأن الله تعالى هو الذي أمرنا بذلك. ولو كان الله سبحانه أمرنا بطاعة بلال الحبشي بدلاً من طاعة علي بن أبي طالب لامتثلنا.
إذن طاعة الله تعالى أصلية أما طاعة الرسول والإمام فليست أصلية بل هي طاعة فرعية تتفرع على طاعة الله. فحيث إن الله تعالى تجب طاعته، وقد أمرنا بطاعتهم، وجبت طاعتهم أيضاً؛ امتثالاً وتنفيذاً لأمر الله تعالى.
وحيث كانت طاعة النبي والإمام في سياق واحد، لذا لم يفصل الله تعالى بينهما بكلمة (أطيعوا) بل حذفها، خلافاً لطاعته تعالى، فقد فصل بينها وبين طاعة الرسول والأئمة، وكرر الفعل (أطيعوا) بياناً للفرق.


(1) النساء: 59.
(2) البقرة: 29.
(3) منها قوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض) سورة لقمان: 20.
(4) انظر: بحار الأنوار، 21/ 370 نحوه.