» الأئمة نور واحد وإن اختلفت سيَرُهم

لا شك أن الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) هو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم، فلابد إذن أن نزيد من معرفتنا به. فنحن في الغالب نعرف الكثير عن الإمام علي بن أبي طالب(سلام الله عليه)؛ من خلال حروبه و مواقفه وغزواته وشجاعته وخطبه ومختلف أدوار حياته، ونعرف الإمام الحسين(سلام الله عليه) بجهاده وتضحيته في سبيل الله والحق، وثورته من أجل الإسلام والإبقاء على أحكامه، ولكن بعضاً منا قد لا يعرف عن الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) وسائر الأئمة من ولده إلا أنه إمام مفترض الطاعة، مع أن اللازم علينا أن نعرف دور كل إمام، وأن نعلم أن اختلاف معطياتهم وأدوارهم واختلاف أساليبهم في الحياة وطريقة تعاملهم مع الناس والأحداث إنما ينبع من اختلاف الظروف، ومن ثم اختلاف الواجب الديني الملقى على كلّ منهم حسب عصره الذي يعيش فيه. وحيث كانت العصور متفاوتة، تفاوَت تصرف كلّ إمام حسب عصره، واختلف عن الإمام الذي يعيش في عصر آخر وظروف أخرى. وهذا ما يفسر اختلاف سيرة الأئمة(سلام الله عليهم)، دون أن يعني أنهم مختلفون فيما بينهم، بل كلهم نور واحد، كما ورد في الحديث الشريف(1).

إن مثل الأئمة(سلام الله عليهم) ليس كمثل اثني عشر مصباحاً متماثلة بل مثلهم مثل مصباح واحد. وإذا كانوا كذلك فإن ما نلاحظه من اختلاف في سيرهم إنما يعود لاختلاف الأوامر التي تلقوها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن جبرئيل عن الله تعالى، بسبب اختلاف ظروفهم، كما نجد مثلاً أن حياة رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مكة تختلف عن حياته في المدينة مع أنه(صلى الله عليه وآله) رسول إله واحد ومأمور بتبليغ مهمة واحدة وهي الإسلام، بل إن هذا الاختلاف ملاحظ حتى في آيات القرآن الكريم. فالسور المكية أي التي نزلت في مكة المكرمة، تختلف في طابعها العام عن السور المدنية أي التي نزلت في المدينة المنورة. إن السور المكية تمتاز بغلبة الطابع العقائدي وتعنى بمسائل المعاد والنبوة والإمامة وأصول الدين والعقيدة، فيما تمتاز السور المدنية ببيان أحكام الإسلام وفروع الدين كمسائل التيمم و الوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج والإرث والقضاء والحدود والديات والنكاح والطلاق وسائر الأحوال الشخصية كالعقود والبيع والشراء والمعاملات وما أشبه، دون أن يعني ذلك أن القرآن مختلف بل هو قرآن واحد نزل من عند إله واحد على صدر نبي واحد، ولكن الظروف في مكة كانت تقتضي بأن تعنى الآيات بشؤون العقيدة والأصول فيما كانت ظروف المدينة تناسب بيان التشريعات والأحكام.

فكما أن اختلاف مواضيع سور القرآن لا يعني اختلاف القرآن نفسه، فكذلك الحال بالنسبة للاختلاف الموجود في سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(سلام الله عليهم) وإنما هو اختلاف نابع من اختلاف الظروف ومقتضياتها، ولذلك نحن نعتقد أنه لو كان الإمام الحسين(سلام الله عليه) في مكان الإمام الحسن(سلام الله عليه) لصالح معاوية بلا شك ولا ريب، ولو كان الإمام الحسن مكان الإمام الحسين لحارب يزيد بن معاوية كما حاربه الحسين، وهكذا الحال بالنسبة لسائر أئمة آل البيت. وهذه حقيقة يدركها كل من له أدنى إلمام بتاريخهم(سلام الله عليهم).


(1) عن جابر قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يحدث أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام بمكة قال: سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عز وجل أوحى إلي ليلة أسري بي: يا محمد من خلفت في الأرض على أمتك؟ وهو أعلم بذلك. قلت: يا رب أخي. قال: يا محمد، علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا رب. قال: يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فلا أُذكر حتى تُذكر معي، أنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت إلى الأرض اطلاعة أخرى فاخترت منها علي بن أبي طالب فجعلته وصيك، فأنت سيد الأنبياء وعلي سيد الأوصياء. ثم اشتققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد إني خلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين و الأئمة من نور واحد ثم عرضت ولايتهم على الملائكة، فمن قبلها كان من المقربين، ومن جحدها كان من الكافرين. يا محمد لو أن عبداً من عبادي عبدني حتى ينقطع ثم لقيني جاحداً لولايتهم أدخلته ناري... (بحار الأنوار: 22/36 باب40).