» خطط بني أمية للقضاء على الإسلام

ولكن قبل بيان هذه الأدوار والخطط الثلاثة للإمام(سلام الله عليه) لابد أولاً من معرفة الظروف التي كانت تحيط الإمام في ظل حكم بني أمية.
• لقد أنكر الأمويون الله والآخرة منذ البداية أي بدءًا من شيخهم أبي سفيان الذي قال في جمعهم بعد أن اطمأن بعدم وجود أحد من غيرهم: «والذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار»(1)، ومروراً بابنه معاوية مؤسس الدولة الأموية الذي كان يعمل جاهداً لطمس اسم الرسول (صلى الله عليه وآله) وصرّح بذلك لأحد ندمائه عندما سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمداً رسول الله» فقال (معاوية): لا والله إلا دفناً دفناً...(2) ثم انتهاءً ـ أو مروراً أيضاً ـ بيزيد الذي أعلنها كفراً وفسقاً وضلالاً فكان فيما قال معلناً بذلك كفره:
لعبت هاشم بالملك فلا          خبرٌ جاء ولا وحي نزل.(3)

ثم بسط مائدة القمار وشرب الخمر في المحفل العام.م.
ويذكر المؤرخون أن يزيد بن معاوية لم يعلن ذلك (شرب الخمور والمجون) إلا بعد مقتل الحسين(سلام الله عليه)!
أجل، لقد كان يزيد بن معاوية يشرب الخمر ويعمل المنكرات كما كان يفعل ذلك من قبله أبوه معاوية، ولكنه كان -كأبيه أيضاً- يتستر على ذلك، فكان إذا أراد فعل المنكرات خرج من الشام إلى قرية في جنوب لبنان قريبة من النبطية وصور تسمى "حوارين" مازالت موجودة ومعروفة إلى الآن وتبعد زهاء مئتي أو ثلاثمئة كيلو متر عن الشام، ولكنه بعد أن قتل الإمام الحسين (صلوات الله عليه) تصور أن الجو قد خلا له، وأنه قد حقق أمنيات أبيه وجده، ولذلك قام بما قام علناً أمام ملأ المسلمين مدعياً في الوقت نفسه أنه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)؛ يريد بذلك تشويه صورة الإسلام. وهذه كانت أولى خطط الأمويين في مواجهة الإسلام وبهدف القضاء عليه.

• أما الخطة الثانية فتمثلت في العمل ضد أهل البيت(سلام الله عليهم) ومحاولة فصلهم عن الأمة وتشويه صورتهم، و ذلك من خلال أساليب دنيئة منها سب الإمام أمير المؤمنين من على المنابر، فلقد ذكر محمد بن إدريس الشافعي (في قصيدة له) أنهم مارسوا هذا العمل أكثر من سبعين سنة ومن على سبعين ألف منبر وعشرة. قال الشيخ أحمد الشافعي:
وقد حكى الشيخ السيوطي أنه         قد كان فيما جعلوه سنة
سبعـون ألـف منبـر و  عشـرة         من فوقهن يلعنون حيدرة
(4)

• أما الخطة الثالثة لبني أمية فتمثلت في محاولة ترسيخ حكمهم وتشديده..ه.
يقول أحد الغربيين: إن أقوى الحكومات التي حكمت البلاد الإسلامية بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) هي حكومة بني أمية. أي إنها كانت أقوى من حكومات العباسيين والعثمانيين والأدارسة والحمدانيين والفاطميين وغيرهم، فقد أرسى الأمويون دعائم حكمهم بنحو لا يكون القضاء عليهم أمراً هيناً، ولكنا ـ والقول للباحث الغربي ـ نرى أن هذا الحكم كان أقصر عمراً من كل الحكومات التي تلته، وما ذلك إلا لظلم بني أمية وغيهم وانكشاف حقيقتهم بسرعة.

وكان للإمام زين العابدين(سلام الله عليه) الدور الكبير في تحطيم حكومة بني أمية، فقد أطلق الإمام الحسين(سلام الله عليه) الشرارة الأولى وتابع الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) المسار حتى آل الأمر إلى انهيار هذه الحكومة الجائرة وزوالها إلى الأبد.
ولم يكن دور الإمام زين العابدين مشابهاً لدور أبيه الحسين(سلام الله عليهما) لأنه لو كان يطلق كلمة واحدة ضد النظام فإنها كانت كفيلة بالقضاء عليه وإنهاء حياته المباركة، ولذلك انتهج(سلام الله عليه) أساليب أخرى، منها:


(1) قال الشعبي: فلما دخل عثمان رحله دخل إليه بنو أمية حتى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم فقال أبو سفيان بن حرب: أ عندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا. قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة. (شرح نهج البلاغة: 53 /9 من أخبار يوم الشورى وتولية عثمان).
(2) من كتاب الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري عن رجاله قال: قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: وفدت مع أبي المغيرة على معاوية، وكان أبي يأتيه فيتحدث معه ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة وظننت أنه لشيء حدث فينا وفي عملنا. فقلت: ما لي أراك مغتماً منذ الليلة؟ فقال: يا بني جئت من عند أخبث الناس. قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سناً، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه. فقال: هيهات هيهات، ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر، ثم ملك أخو بني عدي فاجتهد وشمر عشر سنين، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل عمر، ثم ملك عثمان فهلك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه وفعل ما فعل وعُمل به ما عمل، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وإن أخا بني هاشم يُصاح به في كل يوم خمس مرات "أشهد أن محمداً رسول الله" فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك؟ لا والله إلا دفناً دفناً! (بحار الأنوار، ج: 33 ص: 170).
(3) قال الراوي: ثم دعا يزيد عليه اللعنة بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسينD ويتمثل بأبيات ابن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدر شهدوا             جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً                    ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القوم من ساداتهم           وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا                خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم أنتقم         من بني أحمد ما كان فعل
(اللهوف ص : 180).
(4) بحار الأنوار: ج33، ص187.