» أدوار الإمام السجّاد(سلام الله عليه):

1. شراء العبيد و عتقهم في سبيل الله

كان الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) يشتري العبيد و الإماء بكثرة، و كانت عنده بساتين وبيوت كان معظمها ملكاً خاصاً له(سلام الله عليه) ومن الأراضي التي وصلته من جده الإمام أمير المؤمنين(سلام الله عليه)، ولقد ساوم معاوية بن أبي سفيان عليها الإمام الحسين(سلام الله عليه) يوم كانت بيده فرفض مع أن الإمام أمير المؤمنين(سلام الله عليه) كان قد سجّل في وقفيتها أنها للإمام الحسن(سلام الله عليه) ومن بعده للإمام الحسين(سلام الله عليه) وأنه يحل لمن كانت بيده بيعها إذا احتاج إلى ثمنها، ولكن الإمام الحسين(سلام الله عليه) لم يبعها لمعاوية وكانت أراضي واسعة عملت فيها يد أمير المؤمنين(سلام الله عليه) في الزرع والحرث وإخراج الماء والسقي. وعندما انتقلت ملكية هذه الأراضي إلى الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) استفاد منها في هذا المجال. فقد كان يملأها بالعبيد والإماء الذين لا عمل لهم، ما خلا القليل الذين يقومون بالخدمة، وكان يهدف الإمام من وراء ذلك أن يشاهدوا سيرته فيتأثروا بها حتى إذا ما حال الحول أعتق منهم من رآه اكتسب من أخلاق الإمام وفكره و بلغ تأثره به حداً يؤهله لأن يؤدي دوراً إيجابياً في المجتمع، فكان الإمام(سلام الله عليه) يخلي سبيله ويعتقه لوجه الله الكريم. فكان هؤلاء العبيد والإماء يتحدثون عن سيرة الإمام وعبادته وزهده وتقواه وينشرون الإسلام الصحيح الذي لمسوه في سلوك الإمام في المجتمع والناس. ومن ذلك ما حدثت به إحدى جواري الإمام(سلام الله عليه) حين قالت: ما فرشت له في ليل فراشاً قط ولا قدمت له في نهار طعاماً قط (1). أي أن الإمام(سلام الله عليه) كان صائماً نهاره قائماً ليله.

» من رأى ليس كمن سمع

ولا شك أن النظر غير السمع، وأن تأثير الأول يفوق تأثير الأخير كثيراً. والدليل على ذلك ما نلاحظه من أن بعض الذين يحضرون مجالس العزاء الحسيني لا يبكون في كل مرة يستمعون المصيبة، وذلك بسبب تكرر سماعهم لتفاصيل المصيبة التي حلّت بالإمام الحسين(سلام الله عليه) وأهل بيته وأصحابه. فالدموع لا تجري من أعينهم لأن الألم وإن كان يعصر قلوبهم ولكن العصرة لا تبلغ من القوة بحيث تجري الدموع، وذلك كما قلنا بسبب تكرار سماعهم للمصيبة، ولكن لو مثلت لهم الواقعة بل جانباً منها، بل لو جيء بطفل رضيع فقط ورُفع تذكيراً للناس برضيع الحسين(سلام الله عليه) كما يُفعل في التشابيه عادة، فإن الدموع تنهمر من الأعين بمجرد رؤية هذا الطفل الرضيع! وما ذلك إلا لأن للمنظر تأثيراً يفوق تأثير السمع بمراتب.

هناك مثل يقول: صورة واحدة خير من ألف كتاب. أي لو أنك قرأت عن موضوع ما ألف كتاب، ثم نظرت إلى صورة واحدة عن الموضوع نفسه، فإن التأثير الذي تتركه الصورة يفوق التأثير الذي تركته قراءة ألف كتاب; لأن الأثر الذي تتركه الصورة في نفسك قد لا ينمحي أبداً في حين أن الأثر الحاصل من القراءة قد لا يستمر لأكثر من أشهر أو أعوام على أعلى تقدير!
إذا اتضح هذا نقول: إن الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) كان يأتي بهؤلاء العبيد لكي يروا عبادته وتقواه بأعينهم فيتأثروا بها، ويعكسوها بدورهم إلى المجتمع بعد أن يحررهم الإمام(سلام الله عليه).

يقول أحد أصحاب الإمام زين العابدين(سلام الله عليه): نظرت إلى الإمام وقد وقف إلى الصلاة فلما كبّر وقفت كل شعرة في بدني(2)، أي أن تكبير الإمام وحده كان كافياً لخلق التحول والتغيير لدى من يراه!
إننا لم نشاهد كيف كان يكبّر الإمام ولا أسلوبه في القراة، وإن هذه الأمور تغيّر الإنسان حقاً، ولذلك كان هؤلاء العبيد والإماء وغيرهم يتأثرون ويتغيّرون، كما عبّر عن ذلك الراوي الذي رأى صلاة الإمام(سلام الله عليه) وتكبيرته.
إننا نكبّر للصلاة أيضاً ولكن تكبيرة الإمام تختلف عن تكبيرتنا من حيث الإخلاص والخشوع، ولذلك تترك ذلك التأثير الذي عبّر عنه الراوي الرائي لتكبيرة الإمام، فتجعل من العبيد والإماء الذين يلاحظونه أشخاصاً متقين ومحبين لأهل البيت(سلام الله عليهم).


(1) سئلت مولاة للإمام عليه السلام بعد موته عن أحواله فقيل لها: صفي لنا أمور علي بن الحسين؟ فقالت: أطنب أو أختصر؟ فقيل: بل اختصري. قالت: ما أتيته بطعام نهاراً قط، ولا فرشت له فراشاً بليل قط. (بحار الأنوار: 67 /46 ، باب 5، مكارم أخلاقه وعلمه).
(2) عن أَبي حَمْزَةَ الثُّماليِّ قال: بَيْنَا أَنَا قَاعدٌ يَوْماً في الْمَسْجد عند السَّابعة إذا برجُلٍ ممَّا يلي أَبوابَ كِنْدَةَ قَدْ دَخَلَ، فَنَظَرْتُ إلى أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً وأَطْيَبِهِمْ ريحاً وَأَنْظَفِهِمْ ثَوْباً مُعَمَّمٍ بِلا طَيْلَسَانٍ وَ لا إزارٍ، عَلَيه قَميصٌ ودُرَّاعَةٌ وعمامةٌ وفي رجلَيه نَعْلانِ عَرَبِيَّانِ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ عندَ السَّابِعَةِ ورَفَعَ مُسَبِّحَتَيْهِ حَتَّى بَلَغَتَا شَحْمَتَيْ أُذُنَيْه ثُمَّ أَرْسَلَهُمَا بِالتَّكْبِير،ِ فَلَمْ تَبْقَ في بَدَنِي شَعْرَةٌ إِلا قَامَتْ، ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَحْسَنَ رُكُوعَهُنَّ وسُجُودَهُنَّ وقَال: إِلَهِي إنْ كُنْتُ قَدْ عَصَيْتُكَ… الدُّعَاءَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ. فَتَأَمَّلْتُهُ فَإِذَا هُوَ مولايَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَانْكَبَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ أُقَبِّلُهُمَا. فَنَزَعَ يَدَهُ منِّي وأَوْمَأَ إِلَيَّ بالسُّكُوت. فَقُلْتُ: يا مَولايَ أَنَا مَنْ قَدْ عَرَفْتَهُ فِي وِلائِكُمْ، فَمَا الَّذِي أَقْدَمَكَ إِلَى هَاهُنَا؟ قَال: هُوَ لِمَا رَأَيْتَ. (مستدرك الوسائل: 3/411).