» آية الله البروجردي مثالاً

لقد أسس آية الله البروجردي (رحمه الله) مركزاً إسلامياً في هامبورغ في ألمانيا، وبعث مبلّغاً دينياً هناك.
قيل: فطُلب من هذا المبلّغ في هامبورغ أن يعطيهم صورة للسيد البروجردي لعرضها في التلفزيون. ففكر المبلّغ أي صورة ستكون مؤثرة جداً لو عرضت، وانتهى تفكيره إلى أن يعطيهم صورة السيد وهو يتوضأ لأنها ستكون مؤثرة جداً في نفوس مشاهديها؛ لما تعكس من خشوع السيد حال تهيئه للقاء الله تعالى في الصلاة.

لا شك أن أفعال الوضوء التي يأتي بها السيد البروجردي لا تختلف عن الأفعال التي يؤديها سائر المتوضئين من المسلمين ممن هم على مذهب أهل البيت(سلام الله عليهم) على الأقل، فهي عبارة عن غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين بالكيفية المشروحة في الرسائل الفقهية العملية.
يقول هذا المبلّغ: ما إن عرض هذا الفيلم الذي يصوّر وضوء السيد البروجردي حتى أثار في نفوس المشاهدين روح الحب والولاء، وأسلم في اليوم نفسه عشرة من النصارى ممن شاهدوا الفيلم.
فإذا كان هذا تأثير مشاهده صورة وضوء السيد البروجردي وهو بمثابة تلميذ تلميذ تلميذ الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) فكيف بالتأثير الذي يتركه سلوك الإمام نفسه على من يشاهده؟!

» مثال آخر

لقد رأيت بنفسي في مدينة كربلاء المقدسة قديماً أحد المراجع (رحمه الله) وكان شيخاً مسناً ذا لحية بيضاء، إذا حضر مجالس العزاء في أيام محرم الحرام يبكي قبل أن يبدأ الناس بالبكاء، لأنه كان رجلاً بكاءً وشديد التألم لما حلّ بالإمام الحسين(سلام الله عليه)، ولكنه كان يحبس البكاء فلا يبكي بصوت عال فكان يبدأ البكاء عادة والخطيب بعد في أول ذكر المصيبة، فكان يبكي بصوت خافت ولكن وجهه كان يحمر وأكتافه تتحرك وجسمه كلّه يهتز، وعيناه تهملان بالدموع، فكان كل من يراه
ـ وأنا من جملتهم ـ يتأثر لبكائه فيبكي، فكان الناس يبكون لهذه الصورة أكثر مما يبكيهم ما يذكره الخطيب!

فإذا كان لهذا العالم المسنّ كل هذا التأثير في من يراه، فكيف بالإمام زين العابدين(سلام الله عليه) وهو جبل العلم والتقوى؟ فلا عجب أن تكون نظرته مؤثرة، وتكبيره مؤثراً، بل لابد أن يكون مؤثراً في كل حركة من حركاته بل في سكونه أيضاً، فكان يتأثر عبيده وإماؤه ثم ينطلقون في البلاد الإسلامية حاملين لواء أهل البيت(سلام الله عليهم). فكان هذا الدور هو أحد أسلحة الإمام(سلام الله عليه) التي أطاحت ببني أمية.

» مع الإمام مرة أخرى

لقد كان الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) يستطلع أحوال عبيده وإمائه في كل عيد، وربما في بعض أيام الجمع. فإن وجد فيهم من بلغ تأثره وتلقيه حداً مناسباً، بادر إلى عتقه وتحريره في سبيل الله تعالى. ومن الطبيعي أن أكثر هؤلاء العبيد لم يكونوا من أهل المدينة بل كانوا كفاراً في الأصل من بلاد أجنبية أسروا في الحروب الإسلامية وجيء بهم إلى المدينة، فاشتراهم الإمام(سلام الله عليه). فكان كل فرد منهم يعتقه الإمام(سلام الله عليه) يعود إلى بلده، وكان بعضهم يذهب إلى الشام وآخرون يذهبون إلى العراق وجماعة إلى اليمن أو البحرين والحبشة وغيرها، وكلّهم يحملون الولاء لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام. فكانوا مبلّغين أقوياء للإسلام ولآل البيت(سلام الله عليهم).

وهكذا عمل الإمام(سلام الله عليه) على هذه الطريقة طيلة عمره الشريف يخرّج الدعاة العاملين ويصنع الوعاة والمحبين وينشر المبلّغين الصادقين في ربوع البلاد الإسلامية وغيرها.
وهكذا استطاع الإمام زين العابدين(سلام الله عليه) أن يقوض حكم بني أمية بأمور أحدها هذا، دون أن يخوض حرباً عسكرية ضدهم لأنه لم يكن بإمكانه أن يجرّد السيف في ظل تلك الظروف البالغة الشدة والقساوة.