الدعاء عند الحجامة

مسألة: يستحب الدعاء عند الحجامة، كما هو مستحب في كل أمر حتى غير المهمّة منها عرفاً، فان الدعاء ينفع في كل شيء، أما ما يقال: من أننا ندعو ولا نرى نفعه؟
فالجواب: يمكننا أن نفرض الدعاء مثل الدواء، فهل يصح أن يقال: إن الدواء لا ينفع لعدم ظهور أثره فوراً وإن وصفه الأطباء بالنفع.
هذا وقد قال سبحانه: (قل ما يعبؤا بكم ربّي لولا دعاؤكم)(1) مما يدل على أن الدعاء له المدخلية في كل الأمور.
فعن الإمام الرضا سلام الله عليه: «إذا أردت الحجامة فاجلس بين يدي الحجام وأنت متربع فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله الكريم في حجامتي من العين في الدم، ومن كل سوء وأعلال وأمراض وأسقام وأوجاع، وأسألك العافية والمعافاة والشفاء من كل داء»(2).
وعن أبي عبدالله سلام الله عليه قال لرجل من أصحابه: «إذا أردت الحجامة وخرج الدم من محاجمك فقل قبل أن يفرغ والدم يسيل: (بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله الكريم في حجامتي هذه، من العين في الدم ومن كل سوء)، ثم قال: وما علمت يا فلان أنك إذا قلت هذا فقد جمعت الأشياء كلها، إن الله يقول في كتابه الحكيم: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء)(3) يعني الفقر، وقال عزّوجل: (كذلك لنصرف عنه السوء)(4) يعني أن لا يدخل في الزنا، وقال لموسى سلام الله عليه: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء)(5) قال من غير برص» . ورواه في المستدرك أيضاً باختلاف يسير(6).
وفي هذه إشارة إلى أن (السوء) يستعمل لمعان متعددة، وقد ذكرت بعضها في هذه الرواية.
وقوله سلام الله عليه «يعني الفقر» تفسيراً لقوله تعالى: (وما مسنى السوء)(7)، لعله المصداق الظاهر، وإلا فهو يشمل السوء بكل أقسامه.
وأما (لنصرف عنه السوء والفحشاء) فلعل المراد بالسوء أعم من الزنا فيشمل اللمس والقبلة وغير ذلك، وكذلك (بيضاء من غير سوء) يمكن أن يكون الأعم من البرص.
وقوله سلام الله عليه: «فقد جمعت الأشياء كلها» فسّر ذلك بالآيات المباركات، ومعنى العين في الدم، أن يقال أن دمه نظيف أو ما أشبه ذلك، فإن العين حق بالنسبة إلى كل شيء، كما في الروايات(8).


الحجامة والنظافة

مسألة: ينبغي مراعاة النظافة والأمور الصحية في الحجامة.
عن زيد الشحام قال: «كنت عند أبي عبدالله سلام الله عليه فدعا بالحجّام فقال له: اغسل محاجمك وعلّقها ودعا برمانة فأكلها فلما فرغ من الحجامة دعا برمانة أخرى فأكلها وقال هذا يطفىء المرار»(9).
أقول: المرّة خلط من أخلاط البدن غير الدم، والجمع مرار كما في مجمع البحرين(10) وغيره، ومعنى غسل المحاجم التنظيف، وتعليقها لعله للجفاف.


من آداب الحجامة

مسألة: للحجامة آداب ينبغي مراعاتها، ففي الرسالة الذهبية قال الامام علي بن موسى الرضا سلام الله عليه: «فإذا أردت الحجامة فليكن في اثنتي عشرة ليلة من الهلال إلى خمس عشرة فإنه أصح لبدنك، فإذا انقضى الشهر فلا تحتجم إلا أن تكون مضطراً إلى ذلك، وهو لأن الدم ينقص في نقصان الهلال ويزيد في زيادته، وليكن الحجامة بقدر مايمضي من السنين:
ابن عشرين سنة يحتجم في كل عشرين يوماً.
وابن الثلاثين في كل ثلاثين يوماً مرة واحدة.
وكذلك من بلغ من العمر أربعين سنة يحتجم في كل أربعين يوماً، وما زاد فتحسب ذلك.
واعلم أن الحجامة إنما تأخذ دمها من صغار العروق المبثوثة في اللحم، ومصداق ذلك أنها لا تضعف القوة كما يوجد من الضعف عن الفصد.
وحجامة النقرة تنفع من ثقل الرأس، وحجامة الأخدعين تخفف عن الرأس والوجه والعينين وهي نافعة لوجع الأضراس، وربما ناب الفصد عن جميع ذلك، وقد يحتجم تحت الذقن لعلاج القلاع (القلاع من أمراض الفم والحلق) في الفم، ومن فساد اللثة وغير ذلك من أوجاع الفم.
وكذلك الحجامة بين الكتفين تنفع من الخفقان الذي يكون من الامتلاء والحرارة.
والذي يوضع على الساقين قد ينقص من الامتلاء نقصاً بيّنا وينفع من الأوجاع المزمنة في الكُلى والمثانة والأرحام ويدر الطمث غير أنها تنهك الجسد وقد يعرض منها الغشي الشديد إلا أنها تنفع ذوي البثور والدماميل.
والذي يخفف من ألم الحجامة تخفيف المص عند أول ما يضع المحاجم ثم يدرج المص قليلاً قليلاً والثواني أزيد في المص عن الأوائل وكذلك الثوالث فصاعداً ويتوقف عن الشرط حتى يحمر الوجه جيداً بتكرير المحاجم عليه.
ويلين المشراط على جلود لينة ويمسح الموضع قبل شرطه بالدهن وكذلك الفصد ويمسح الموضع الذي يفصد بدهن فانه يقلل الألم، وكذلك يلين المشرط والمبضع بالدهن عنه الحجامة.
وعند الفراغ منها يلين الموضع بالدهن وليقطر على العروق إذا أفصد شيئاً من الدهن لئلا يحتجم فيضر ذلك بالمفصود.
إلى أن قال سلام الله عليه: ويجب في كل ما ذكر اجتناب النساء قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة.
ويحتجم في يوم صاح صاف لا غيم فيه ولا ريح شديدة.
ويخرج من الدم بقدر مما يرى تغيّره.
ولا تدخل يوم ذلك الحمام فانه يورث الداء وصب على رأسك وجسدك الماء الحارّ ولا تغفل ذلك من ساعتك.
وإياك والحمام إذا احتجمت فان الحمى الدائمة تكون فيه، فإذا اغتسلت من الحجامة فخذ خرقةً مرعزياً (والمرعزى ألين من الصوف)فألقها على محاجمك، أو ثوباً ليّناً من قز أو غيره، وخذ قدر حمصة من الترياق (ما يستعمل لدفع السم من الأدوية والمعاجين) الأكبر وأمزجه بالشراب المفرح المعتدل وتناوله أو بشراب الفاكهة، وان تعذر ذلك فشراب الأترج، فان لم تجد شيئاً من ذلك فتناوله بعد عركه ناعماً تحت الأسنان، واشرب عليه جرع ماءٍ فاتر، وان كان في زمان شتاء والبرد فاشرب عليه السكنجبين العنصلي العسلي فانك متى فعلت ذلك أمنت من اللقوة (أقول: اللقوة مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه) والبرص والبهق والجذام بإذن الله تعالى.
وامتص من الرمان المزّ فإنه يقوي النفس ويحيي الدم، ولا تأكل طعاماً مالحاً بعد ذلك بثلاث ساعات، فانه يخاف أن يعرض بعد ذلك الجرب، وان كان شتاءً فكل من الطياهيج، إذا احتجمت واشرب عليه من الشراب المذكى الذي ذكرته أولاً.
وادهن موضع الحجامة بدهن الخيري أو شيءٍ من المسك وماء ورد وصبّ منه على هامتك ساعة فراغك من الحجامة.
وأما في الصيف فإذا احتجمت فكل السكباج (السكباج طعام يصنع من خلّ وزعفران ولحم) والهلام (طعام يتخذ من لحم العجلة بجلدها) والمصوص (طعام يتخذ من لحم نقّع في الخل ويطبخ) أيضاً والحامض.
وصبّ على هامتك دهن البنفسج بماء الورد وشيءٍ من الكافور واشرب من ذلك الشراب الذي وصفته لك بعد طعامك.
وإياك وكثرة الحركة والغضب ومجامعة النساء ليومك»(11).


(1) سورة الفرقان: 77.
(2) فقه الرضا سلام الله عليه: ص 394، ب 113.
(3) سورة الاعراف: 188.
(4) سورة يوسف: 24.
(5) سورة النمل: 12.
(6) معاني الأخبار: ص 172، باب معنى السوء، ح 1.
(7) مستدرك الوسائل: ج 13، ص 78، ب 11، ح 14809.
(8) نهج البلاغة: قصار الحكم 400، مكارم الاخلاق: ص 386، مصباح الكفعمي: ص 220.
(9) مستدرك الوسائل: ج 13، ص 84، ب11، ح14836.
(10) مجمع البحرين: ج 3، ص 481، مادة مرر.
(11) مستدرك الوسائل: ج 13، ص 86 ـ 89، ب11، ح 14850.