بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين.

المقدمة

من الأسباب المهمة التي جعلت الإسلام يزداد طراوةً وحيوية كلما مر عليه الزمن وتعاقبت عليه الأيام، والتي جعل الله تعالى به الإسلام دينه الأبدي الخالد، وجعل «حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة، وحرامه حراماً إلى يوم القيامة»(1).
.. هو أن العلم وتقدمه واكتشافاته كلها رهينة للإسلام، فما تقدم العلم يوماً ولا توصّل إلى كشف جديد إلاّ وكان أساسه في الإسلام، وكان الإسلام قد سبق العلم إلى تلك الحقيقة المكتومة المجهولة.
وهناك لذلك عشرات من الأدلة والشواهد عن ألسنة العلماء والمكتشفين والخبراء غير الإسلاميين ـ بله الإسلاميين منهم ـ تجدها مبثوثة هنا وهناك على صفحات الجرائد والمجلات، وفي بطون الكتب، وعلى الأثير في الإذاعات، وملئ الشفاه..
والذي نقصد الآن إلى تقديمه للقراء الكرام هي واحدة من تلك المسائل التي سبق الإسلام بها العلم والاكتشاف، فكان به للإسلام الفضل على العلم والاكتشاف، وهي (الخمر).
فالإسلام ـ وفقاً لنظامه العام في تحريمه كلّما يردي بحياة الإنسان أو بعضو من أعضائه، وتحقيقاً لمادة واحدة من هذا الحكم الشامل ـ حرّم الخمر، ولعن فيها عشرة أشخاص، وحذّر منها وأوعد عليها العذاب.. وصاغ الحكم بالتحريم في قوالب مختلفة من التطميع والتخويف، والنصيحة وغيرها، ردعاً للناس عن هذه الآفة الموبقة والبلاء الفتاك.
وظلت القرون تتعاقب والمسلمون يكفون من استعمال الخمر إطلاقاً، ويمتنعون من صنعه وشرائه وبيعه وشربه، و... وإلخ، ولا يبيحون لمن عاهدهم من الكفار أن يعلنوا بشرب الخمر أو بيعه وشرائه أو صنعه في بلاد المسلمين، وإلا فسيعتبر ذلك نقضاً وخرقاً للوثيقة الموضوعة بين المسلمين وبين الكافرين. كل ذلك في حين كان الكفار والذين لا يدينون بالإسلام ـ على مختلف أديانهم وعقائدهم ـ يسخرون من المسلمين هذا الزهد، وهذه السلبية في ملذات الحياة ومطايب الدنيا.
لكن كانت الظاهرة البارزة والفارق البين ما كان يتمتع به المسلمون من صحة وعافية في الجسم، وقوة في العقل، ونشاط في التفكير، بينما كان الكفار يرزحون تحت وطأة من الأمراض الفتاكة، ويئنون في ظل ضعف من العقل، وخمول من
التفكير.
مضت تلك الأدوار، وجاء دور العلم والتقدم، وظل الناس يتمتعون بعصر الاختراع، ويعيشون في ظلال الاكتشافات.
وتوصل العلم إلى أضرار خطيرة ومفاسد عظيمة كامنة في (الخمر).. آنذاك علم الناس الهدف الأسمى الذي كان الإسلام يبتغيه للمسلمين ـ والعالم أجمع ـ بتحريم الخمر، والنهي عنه، حيث أعلن القرآن الحكيم في آيات متعددة بلهجة لاذعة شديدة:
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)(2).
(إِنَّمَا الْخَمْرُ ... رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(3).
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)(4).
العلم كشف أمراضاً .. وأمراضاً ـ من خطيرة الأمراض ـ كان سببها الوحيد الخمر، أو كانت الخمر من أهم أسبابها.
وهذا الكراس محاولة عجلى سريعة لعرض (الخمر) على مقياس الإسلام، ومقياس الطب الحديث، علّه يكون سبباً لانتشال البعض عن هوة إدمان الخمر إلى ذروة اجتنابها، والله الموفق وهو حسبي ونعم الوكيل.

كربلاء المقدسة
صادق مهدي الحسيني


(1) راجع الكافي: ج1 ص58 باب البدع والرأي والمقاييس ح19.
(2) سورة البقرة: 219.
(3) سورة المائدة: 90.
(4) سورة المائدة: 91.