الإهداء

إلى من غرس الضوء في مسيرة حياتي العائلية
إلى من غادرنا سريعاً، وافتقدناه كثيراً
إلى العم العزيز عبد الأمير عبد الله خلف
اهدي هذا الجهد والكتاب

مدخل

منذ الأزل والسياحة ملازمه للإنسان، تتطور معه وتأخذ أشكالاً وأنماطاً مختلفة وحيوية في عالم البشر وقبل الحديث لابد أن نعّرف هذا المصطلح حيث يمكن تعريف السياحة بأنها: نشاط السفر بهدف الترفيه، وتوفير الخدمات المتعلقة لهذا النشاط. والسائح هو ذلك الشخص الذي يقوم بالإنتقال لغرض السياحة لمسافة ثمانين كيلومترا على الأقل من منزله. وذلك حسب تعريف منظمة السياحة العالمية. بينما في التعريف الفقهي الشرعي أن يقطع الشخص - حتى يسمى مسافرا- ثمانية فراسخ شرعية - ولو ملفقة من الذهاب والإياب -، والفرسخ الشرعي عبارة عن خمسة كيلومترات ونصف تقريباً.
ولعل الجديد في عالمنا اليوم حول السياحة والسفر هو التالي:
1. أن السياحة تحولت إلى علم من العلوم الحديثة والحيوية حيث أنشأت الدول معاهد وكليات تهتم بهذا الصرح وتخرج متخصصين يبدعون في هذا الفن بل وأنشأت الدول وزارات خاصة بالسياحة.
2. ووضعت الدول خططاً وبرامج لاجتذاب أكبر عدد من السياح لما يمثله ذلك من دخل كبير للاقتصاد حتى أضحت بعض الدول تعتمد اعتماداً رئيسياً في مدخوله القومي على السياحة حيث كشفت الإحصائيات الصادرة مؤخرا عن المنظمة الدولية للسياحة أن فرنسا تحتل المكانة الأولى في العالم بالنسبة للدول التي يفضل السواح زيارتها حيث بلغ عدد السائحين 77 مليون سائح ثم تأتي إسبانيا في المرتبة الثانية حيث بلغ عدد السواح 51.7 مليون وتحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الثالثة وتأتي ايطاليا في المرتبة الرابعة حيث يبلغ عدد سواحها 39.8 مليون سائح ثم الصين 36.8 مليون سائح.وأوضح التقرير انه بالرغم من أن فرنسا تحتل المركز الأول على المستوى العالمي بين الدول المفضلة للسواح إلا أن عائداتها من السياحة تجعلها تقف في المرتبة الثالثة حيث تصل قيمة عائداتها من السياحة 23.3 مليار دولار أي حوالي 26.3 مليار يورو وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الأولى حيث تصل قيمة عائداتها من السياحة 66.55 مليار دولار تلتها إسبانيا 33.6 مليار دولار ثم إيطاليا 26.9 مليون دولار وتحتل الصين المركز الخامس من حيث عائداتها من السياحة التي تصل إلى 20.4 مليار دولار..كما بلغ حجم الإنفاق للخليجين على السياحة 50 مليار دولار سنوياً.
3. أضحت السياحة اليوم الوجه الحضاري والتاريخي للدول من خلال المعالم الأثرية والتاريخية مما ينعكس ثقافيا وفكريا وسياسيا في بعض الأحيان على البلد.

السياحة في العصر الحاضر:

مع تقدم الحياة وتطور العلم أخذت السياحة أنماطاً متنوعة وحيوية تواكب الزمن الجديد المتقدم فتعددت أنواع وأقسام السياحة بشكل كبير:
1. السياحة العلمية والثقافية: حيث أصبح الإنسان اليوم بإمكانه البحث عن أفضل الجامعات والحوزات والمعاهد العلمية المتقدمة في العالم من أجل تلقي العلوم الحديثة ففي العالم أكثر من 3000 جامعة تقدم أنواع العلوم المختلفة والدقيقة في كافة الأصعده. فعلى الصعيد الثقافي مثلاً باستطاعة الشخص حضور المؤتمرات الثقافية والفكرية وزيارة معارض الكتاب السنوية والمتاحف واكتساب زخم ثقافي وفكري عبر الاستفادة من هذا التراث الكبير.
2. السياحة الدينية: تعتبر السياحة الدينية اليوم من أكثر أنواع السياحة انتشارا في العالم فمعظم البشر اليوم على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم يقصدون المزارات والمناطق المقدسة لديهم فملايين المسلمين مثلاً سنويا يتوجهون إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة والنجف وكربلاء ومشهد من اجل القيام بشعائر دينية معينه في كل عام، ويدخل في هذه السياحة، سياحة الدعوة والتبليغ، التي يقوم بها الدعاة والخطباء.
3. السياحة العلاجية: السفر بهدف العلاج والاستجمام في المنتجعات الصحية في مختلف بقاع العالم والبحث عن أفضل المستشفيات والأطباء للحصول على العلاج المتطور حيث عرفت اليوم مجموعة من الدول بهذا التخصص وجذب مجموعة كبيره من السياح من أجل العلاج، فعلى سبيل المثال حمامات المياه المعدنية والعلاجات الفيزيائية وهي معروفة من قديم الزمان في أواسط أوربا وخاصة في ألمانيا ودولة تشيكوسلوفاكيا (سابقاً)، بحيث سميت المدن باسمها: ألمانيا مدينة «بادن بادن»، و«ويسبادن»، و«بادهامبرك» وغيرها التي فيها مقطع كلمة «باد» التي تعني الحمام. وحمامات كارلوفيفاري (كارلوس باد) في جمهورية التشيك، وبيشتاني في سلوفاكيا وكذلك مدينة بادن في سويسرا والدول العربية مثل الأردن وغيرها من المدن والمواقع المنتشرة في أنحاء العالم.
4. السياحة الترفيهية: وهي السفر إلى الوجهات السياحية المعروفة بالمناطق الخلابة والجميلة والجو المعتدل على مستوى العالم.
5. السياحة التجارية: وهي السفر من أجل التسوق من الدول التي تتميز بوفرة في مجمعات الشراء وجودة الأسعار والبضائع والمصانع، ومنها دبي ولندن وباريس فهي وجهات للتسوق العالمية.
6. السياحة الرياضية: وتتجسد هذه السياحة في المواسم الرياضية الإقليمية والقارية والدولية فكأس العالم والمسابقات الأولمبية وغيرها من البطولات، تستقطب الملايين من البشر، حيث يتوجهون إلى المناطق والدول التي تقام فيها هذه البطولات.. لذلك تعتني كل الدول بتطوير منشاتها الرياضية والشبابية.

دعوة قرانيه للسياحة:

 هناك طائفة من الآيات القرآنية تدعو الإنسان إلى الاعتبار وأخذ الدروس من أحوال الأمم السابقة عبر التفكر في أفعالهم ومصيرهم وعاقبتهم وبالتالي عدم الوقوع في الأخطاء بالاستفادة من عوامل النجاح والفشل لديهم.
(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّـهِ مِن وَاقٍ)(1).
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا)(2).
كما قد يحصل الاعتبار أيضا بالسياحة والسير إلى أثار الأمم السابقة الباقية حتى ننظر بعيوننا إلى أثارهم والاستفادة من تجاربهم والتفكر في مصيرهم وكيف استطاعوا أن يعمروا الأرض بهذا البناء العظيم ولكنهم بظلمهم وعدم الاستجابة لنداء الأنبياء كان عاقبتهم الهلكة.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(3).
وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام مر على المدائن فلما رأى آثار كسرى وقرب خرابها قال رجل ممن معه:

جرت الرياح على رسوم ديارهم

فـكأنــهم كــانــوا علــى ميــعاد

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أفلا قلتم: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ)(4)»(5).
قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)(6).
وهناك دعوة من الله عز وجل للإنسان أن يسير في الأرض من أجل النظر في بديع خلقه سبحانه وجميل صنعه ليزداد حبا وإيماناً في الخالق عز وجل.
(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(7).
ووردت ورايات ومأثورات تدعو الإنسان إلى السياحة أيضا لما يكتسبه الإنسان منها تجارب حياتية مهمة وما فيه من ترويح عن النفس: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «سافروا تصحّوا، وجاهدوا تغنموا، وحجوا تستغنوا»(8).
وقال صلّى الله عليه وآله: «سافروا، فإنكم إن لم تغنموا مالاً أفدتم عقلاً»(9).
ومما نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفـريج هــم واكــتسـاب مـعـيـشة

وعلــم وآداب وصـــحبـــة مــاجـــد


سياحة الأنبياء والأولياء:

قضى قسم من الأنبياء والمرسلين والأولياء أغلب حياتهم في السياحة والتنقل يدعون إلى الله ويرشدون الناس إلى الدين والعقيدة والقيم الربانية الأصيلة، فلا تراهم يطيلون البقاء كثيراً في بلد بحثاً عن أقوام يحتاجون إلى الموعظة والنصيحة والهدايه، حتى عرف نبي الله عيسى بالمسيح لكثرة سياحته في الأرض ولقد عبر أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في نهج البلاغة عما يفيد هذا المعنى «وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن وكان إدامه الجوع وسراجه بالليل القمر وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها وفاكهته ريحانة ما أنبتت الأرض للبهائم ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ولا مال يتلفه ولا طمع يذله ودابته رجلاه وخادمه يداه»(10).
وكذلك من الأولياء ذو القرنين والخضر عليهما السلام.

خصائص السياحة الناجحة:

1. التخطيط المسبق: من أهم الأسباب لنجاح السياحة لدى الإنسان هو التخطيط المسبق ووضع برنامج متكامل حول سفره والمناطق التي سوف يذهب إليها، فقسم من الناس للأسف لا يستفيد من سفره إلا التعب والمصروفات الطائله لأنه يقرر في الأوقات الضائعة إن صح التعبير مما ينعكس سلبيا على رحلته فلا تراه يستمتع بسفره، والتخطيط المسبق يقتضي توفير الاستعداد التام للاستفادة من الرحلة السياحية، وتحديد الأهداف والغايات المرجوة من هذه السياحة.
2. المعرفة: حتى يستفيد الإنسان من سياحته لابد أن تكون لديه معرفه ودراية حول الأماكن التي يقصدها وبالتالي يقرأ ويثقف نفسه حتى يكّون لديه حصيلة جيده من المعلومات ويستطيع التعرف والاستفادة من سفره، بل حتى زيارة الأنبياء والأئمة الأطهار عليهم السلام تحتاج إلى هذا النوع من المعرفة ففي كثير من الروايات المروية عنهم عليهم السلام تشير إلى هذا المعنى أنه حتى تحصل على ثواب الزيارة التامة والكاملة لابد من معرفة الإمام وحقوقه وأنه إمام مفترض الطاعة وبالتالي زيارته على أكمل وجه قال الإمام الصادق عليه السلام: «من زار قبر أمير المؤمنين عارفا بحقه غير متجبر ولا متكبر كتب الله له أجر مائة ألف شهيد، وغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبعث من الآمنين، وهون عليه الحساب، واستقبلته الملائكة، فإذا انصرف شيعته إلى منزله، فان مرض عادوه، وإن مات شيعوه بالاستغفار إلى قبره»(11).
عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام: «من زار قبر الحسين صلوات الله عليه عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»(12).
قال رجل من أهل خراسان للرضا عليه السلام: يا بن رسول الله!.. رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله في المنام كأنه يقول لي: كيف أنتم إذا دُفن في أرضكم بعضي، فاستحفظتم وديعتي، وغُيّب في ثراكم نجمي؟.. فقال له الرضا عليه السلام: أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعة من نبيكم، وأنا الوديعة والنجم، ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي، فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاءه يوم القيامة نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والإنس(13).
عن إبراهيم التيمي قال كنت أطوف بالبيت الحرام، فاعتمد علي أبو عبد الله عليه السلام فقال ألا أخبرك يا إبراهيم ما لك في طوافك هذا؟ قال قلت بلى جعلت فداك قال من جاء إلى هذا البيت عارفا بحقه، فطاف به أسبوعا، وصلى ركعتين في مقام إبراهيم، كتب الله له عشرة آلاف حسنه، ورفع له عشرة آلاف درجه(14).
ويتسع مفهوم المعرفة ليشمل معرفة المواقع الأثرية والتاريخية والمعالم السياحية بكل أنواعها.
3. المزج بين الترفيه والاستفادة: لم يغفل الإسلام على الإطلاق مسألة ترويح الإنسان عن نفسه وجاءت الروايات التي تشير أن القلوب تكل كما تكل الأبدان أي تضعف وتصاب بالإرهاق والتعب فيحتاج إلى الترفيه والترويح عنه ولكن لا يمنع مع الترفية الاستفادة من سفره بالاطلاع على ثقافة وأخلاقيات وسلوك وتجارب الشعوب الأخرى وما يمتلكون من علوم فيختار لنفسه الأصلح ويستفيد منه لتطور فكره وحياته ومستقبله، ولكن للأسف هناك مجموعة من الناس لا يعرفون من السياحة إلا الأماكن الترفيه والأسواق فقط بالتالي محدودية استفادتهم من سفرهم وسياحتهم.
4. معرفة الأحكام الشرعية: فلا شك أن السائح اليوم تواجهه كثير من المسائل الشرعية حول صلاته وصيامه وأكله ومعاملاته وأحكام الاختلاط والنظر وغيرها لذلك لابد أن يكون لديه اطلاع جيد حول مسائل السفر والسياحة وهذا الكتاب يعالج هذا البعد الهام من سياحة الإنسان حيث يضم مجموعة كبيرة من المسائل الهامة التي هي موضع ابتلاء للسائح والمسافر.

السيد محمد الصاخن
alsakhen2002@gawab.com
17/ 3/ 1428هـ


(1) سورة غافر: الآية 21.
(2) سورة محمد: الآية 10.
(3) سورة الروم: الآية9.
(4) سورة الدخان: الآيتان 25 – 29.
(5) بحار الأنوار ج75.
(6) يونس 99.
(7) عنكبوت 20.
(8) وسائل الشيعة ج11 الحر العاملي.
(9) مكارم الأخلاق الشيخ الطبرسي رضي الله عنه.
(10) نهج البلاغة خطبة 160.
(11) وسائل الشيعة ج14ص374.
(12) مناقب آل أبي طالب ابن شهر آشوب ج3.
(13) العيون 2/257.
(14) مستدرك سفينة البحار ص 189.