» الفهرست

» تقدير الله للعلم والعلماء
» قيمتنا عند الله يحددها دفاعنا عن أحكامه

 

» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

قال الله تعالى: ﴿ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد منه حاجزين)(1).لاشك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو أفضل الخلق وأعزّهم عند الله تعالى، فهو أشرف المخلوقات، بل إنّ الله تعالى ما خلق الخلق إلاّ لأجله صلى الله عليه وآله، وهو الذي قال له يخاطبه ليلة المعراج ـ كما في الحديث القدسي : «يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك»(2).
كما لا شك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لا ينطق عن الهوى ِـ كما عبّر عنه ربه الكريم ـ ولا يخون رسالة ربه. ولكن الله تعالى أنزل هذه الآيات ردّاً على جماعة من المشركين كذّبوا النبي وكانوا يقولون: إنّ الله لم يوحِ إليه بشيء وأنه يتقوّل على الله، أي ينسب أقوالاً إلى الله لم يقلها الله سبحانه. فلم يردّ الله تعالى في هذه الآيات على هذه المزاعم فحسب بل شدّد في التعبير أكثر من ذلك موضحاً أنّ هذا النبي على عظمته وعلوّ مقامه لو تقوّل علينا بعض الأقاويل ـ وليس القرآن كلّه أو النبوة كلّها ـ بل لو أخبر عن أمور بسيطة قال إنّ الله قالها ولم يقلها، فإنّنا سنقطع يمينه وقدرته، ووتينه وهو العرق الكبير في الجسم الذي بانقطاعه يموت الإنسان، ثم لا يستطيع أن يحول بيننا وبينه أحد!!
حقاً إنّ هذه الآيات من أعجب آيات القرآن وتستدعي التأمل كثيراً، إذ يتحدّث الله بهذه الشدة عن أحبّ الخلق إليه عندما يتعلّق الأمر بأحكامه تعالى. وهذا يكشف عن أنّ أحكام الله تعالى وحدوده أحبّ وأعظم وأكبر عنده من كلّ شيء، حتى أوليائه المقرّبين ورسله والناس أجمعين.
قد يُتساءل: كيف؟ أقول: لقد أخبر الله تعالى في مواطن عديدة من القرآن الكريم أنّه بعث أنبياء إلى الأمم لتبليغ أحكامه ورسالاته، لكن الناس قتلوهم واستهزءوا بهم ونكّلوا بهم. وهذا يعني أنّ الله تعالى كان يقدّم أنبياءه وأولياءه وكذلك الأئمة المعصومين سلام الله عليهم قرابين على طريق أحكامه وضحايا من أجل رسالاته. ولاشكّ أنّ ما يُضحَّى له أغلى مما يُضحَّى به. فلو أنّ أحداً مرض ـ لا سمح الله ـ فإنّه سيبذل ماله من أجل استعادة صحته، مما يعني أنّ الصحة أغلى عنده من المال، وأنّ الأقل قيمة يضحّى به في سبيل الأعلى قيمة.
لنتأمل جيداً في الآيات، لا يقول الله تعالى إنّ أحكامه أغلى من حبيبه فحسب بل يستعمل شدة في التعبير توحي إلى السامع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أشرف الأوّلين والآخرين، يبدو لا شيء إلى جنب أحكام الله تعالى، بحيث لو أراد أن يتلاعب بها أدنى تلاعب أو ينسب إلى أحكام الله ما لم يقله، فإنّه سيأخذه بهذه الكيفية!
إذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله اليوم فينا ـ وهو حي عند الله ـ فإنّ أحكام الله تعالى موجودة بيننا، فكيف سنحافظ عليها؟
وإذا كان الله تعالى يتحدث عن سيد رسله مقابل أحكامه بهذه الكيفية، فما بالك بي وبأمثالي بل وبمراجع التقليد مثلاً، أو غيرهم من سائر الناس؟
إنّ أحكام الله تعالى تتمثّل في حلاله وحرامه، في آياته وتشريعاته، في القرآن الكريم والروايات المعتبرة، وفي المسائل الشرعية الموجودة في الرسائل العملية التي أتعب العلماء أنفسهم في استخراجها من القرآن الكريم وكلمات المعصومين سلام الله عليهم.

 

:. تقدير الله للعلم والعلماء

ومن تقدير الله لأحكامه تقديره تعالى للعلماء، فهم حفظة الأحكام؛ والله تعالى يقدّر حفظة أحكامه والعاملين بها؛ قال تعالى في وصف العلماء: ﴿إنّما يخشى الله من عباده العلماء﴾(3).
كما ذكر تعالى العلم في القرآن أكثر من أيّ شيء آخر إلاّ اسمه الكريم «الله» تعالى حيث كان له الصدارة في القرآن، ثم يأتي بعده مباشرة كلمة «العلم» وليس الصلاة والصيام والجهاد أو قصص الأنبياء و…
فمما نُقل من تقدير الله عزّ وجلّ للعلماء ما حكي عن بقاء جسد الشيخ الصدوق (رحمه الله) طرياً رغم مرور أكثر من ألف عام على موته.
الشيخ الصدوق (رحمه الله) هو من علماء الطائفة الحقّة واسمه محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي. يمضي على وفاته اليوم أكثر من ألف سنة، وهو مدفون في إيران عند مزار السيد عبد العظيم الحسني في مدينة ري. أُريدَ تعمير مقبرته في العهود الأخيرة فحصل ثقب أو حفرة في القبر فظهرت على أثره جنازة الشيخ الصدوق غضّة طرية وكأنه مدفون لتوّه رغم مرور كلّ هذا الزمان على وفاته!

قد يقول قائل: ماذا يستفيد الشيخ الصدوق من بقاء جسده طرياً وهو غير حالٍّ فيه؟
لكنّا نقول في الجواب: إنّ هذا نوع من التقدير لما قدّمه من الأعمال، كما نمتثل قائمين مثلاً للمرجع إذا دخل؛ إشعاراً منا بتقديره واحترامه، مع أنّ قيامنا نفسه غير مؤثر بحالنا ولا حال الشخص الذي نقوم له.
للشيخ الصدوق (رحمه الله) كتاب ثمين جداً يسمى «ثواب الأعمال وعقاب الأعمال» جمع فيه جزاء الأعمال الحسنة كالصلاة والصدقة والصبر وغيرها تحت عنوان ثواب الأعمال، وجزاء المحرمات والأعمال السيئة كالغيبة والكذب وغيرهما تحت عنوان عقاب الأعمال.
يروي الشيخ الصدوق في هذا الكتاب أحاديث في ثواب مَن قلّم أظافره في يوم الخميس، ومن قلّمها يوم الجمعة. ثم يقول الشيخ (رحمه الله): من الأفضل للإنسان إذا أراد أن يحصل على الثوابين أن يقلّم أظافره يوم الخميس إلاّ بعضها يتركه ليوم الجمعة

وعندما رئي جسده بعد أكثر من ألف عام طرياً تحت التراب لوحظ أنّ أصابعه كلّها مقلّمة إلاّ إصبعاً واحدة كان قد تركها ليوم الجمعة إلا أن الأجل لم يمهله.
في التراب خاصية بحيث حتى الحديد لو دفن فيه لتآكل ـ كما نعلم ـ فكيف بقي ظفر هذا الرجل العالِم مع جسده حياً كلّ هذه السنين بقدرة الله تعالى؟ إلاّ تقديراً منه تعالى لحفظة أحكامه! فكم سيكون سخطه علينا لو فرّطنا في أحكامه؟ وكم سنكون مقرّبين منه تعالى لو قدّرنا تلك الأحكام؟!
وهناك قصة أخرى عالِم آخر من علماء الطائفة هو السيد مهدي بحر العلوم (رحمه الله) توفي قبل أكثر من مئتي سنة وهو مدفون في النجف الأشرف ـ قرب مسجد الطوسي رحمه الله ـ في شارع الطوسي وهو الشارع الممتد من باب صحن المولى أمير المؤمنين سلام الله عليه والمسمّى بباب الطوسي متجهاً إلى مقبرة وادي السلام.

نقل القصة في وقتها مَن شاهدها عياناً وكان أحد طلبة المدرسة الهندية - سابقاً - في كربلاء المقدسة يسمّى الشيخ عباس القمي، يقول:
كنت في النجف الأشرف نازلاً في مدرسة قوام ـ وهي مدرسة للعلوم الدينية بالقرب من قبر السيد بحر العلوم ـ وكان العمال مشغولين بالحفر عندما جاءوا إلى أحد أحفاد السيد بحر العلوم وهو السيد محمد تقي بحر العلوم وقالوا: لقد لقينا جنازة جديدة.
يقول الشيخ عباس القمي راوي القصة: فجاء السيد وأنا معه، فنَزلت إلى القبر فوجدناها جنازة السيد مهدي طرية بحيث عندما وضعت يدي على الجسد ثم رفعته فوجئت أنّه كان يشبه البدن الحي الذي لو ضغطت عليه فترة ثم رفعت يدك فإنّه يبيض أوّلاً ثم يعود للاحمرار بسبب جريان الدم فيه مجدداً.. وكان حال السيد أشبه بشخص نام من ساعتين!
فهذا من تقدير الله تعالى للعلماء الزهاد من حفظة أحكامه.

 

:. قيمتنا عند الله يحددها دفاعنا عن أحكامه

إنّ أعظم قيمة لنا عند الله تعالى يتحقق بمقدار ما ندافع عن أحكام الله تعالى وبمقدار ما نعمل بها ونطبقها على واقع سلوكنا عملياً، وبمقدار ما نحفظ أحكام الله لكي نبلّغها إلى الأجيال القادمة.
يقول النبي صلى الله عليه وآله لسبطه الإمام الحسين سلام الله عليه: «وإنّ لك في الجنة درجات لا تنالها إلاّ بالشهادة»(4). فماذا فعلت شهادة الإمام الحسين سلام الله عليه إلاّ أنها أبقت على الإسلام، أي حفظت أحكام الله تعالى من الضياع في زمن يزيد بن معاوية؟!
وهكذا مجالس الإمام الحسين سلام الله عليه، فهي استمرار لأحكام الله تعالى ودعم لها وللقرآن والسنّة وأهل البيت سلام الله عليهم.
ترانا هل نقيم لأحكام الله تعالى وزناً كما يقيم بعضنا للدرهم والدينار؟ إنّ بعض الناس لو سمع بوجود مال وضيع مَرميّ في مكان ما، بحَث عنه وسعى للحصول عليه، ولكن إذا قيل له إن ّالشيء الفلاني حرام أجابك: هل هذا كلّ ما في الأمر؟ فهو لا يقيم وزناً لأحكام الله سبحانه حتى بمقدار عشرة دنانير يركض خلفها ويبحث عنها لمجرد احتمال حصوله عليها.

إنّ مَن لا يكرم أحكام الله تعالى فلا كرامة له عند الله، لأنّ الله تعالى أحكامه أعزّ شيء عنده. صحيح أنّ الله تعالى إحسانه عظيم ولطفه عميم فهو يشمل المؤمن والكافر برزقه وعطفه في الحياة الدنيا، لكن هذا لا يعني تكريماً للكافر بل هو يشبه الدعوة العامة لوليمة تدعو إليها، وقد يحضرها مَن لا تحب رؤيته، لكنك لا تمنعه لأنّ الدعوة عامة، ولا يُعد ذلك تكريماً له للسبب نفسه.
إذن لنقرّر من الآن فيما بين أنفسنا وبين ربنا ـ والله على ما نقول ونسمع ونعقل ونقرّر شهيد ـ أن ندافع عن أحكام الله عزّ وجلّ، فنأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، في البيت، ومع الأصدقاء، والجيران والغرباء بالمقدار الذي نتمكن. وليس المطلوب منا أن نجرّد سيوفنا ونحارب بل ليكن سلاحنا الكلمة الطيبة نقولها، فإن سُمعتْ منا فبها ونعمت، وإلاّ نكون قد أدينا ما علينا وأبرأنا ذمتنا.
كذلك فلنبدأ من الآن فصاعداً بحفظ أحكام الله تعالى وتعلّم المسائل الشرعية حتى تلك التي لا يجب علينا تعلّمها، فلنتعلّمها أيضاً. فهب أن تعلّم أحكام الزكاة والتجارة ليست واجبة عليَّ ولكن ليكن تعلّمي لها من أجل حفظها ونشرها.

ليأخذ أحدنا الرسالة العملية ويقرّر أن يحفظ عدة مسائل منها كلّ يوم، في مختلف الأبواب، فيعرف حكم الله تعالى في التجارة والزراعة والصلاة والأراضي ومعاشرة الإخوان والجيران والأرحام والوالدين والأولاد؛ فإنّ أصحاب الأئمة سلام الله عليهم لم يكونوا كلّهم فقهاء متفرغين بل كان فيهم البقال والكاسب والتاجر والطحان والقصاب والتمار، ومع ذلك حفظوا لنا هذه الروايات وحفظوا لنا الأحكام حتى هذا اليوم؛ فإن استطعت أن تحفظ بعض الأحاديث ثم تقوم بطبعها ونشرها فاعمل، لعلّ الله تعالى يهدي بك بعض الناس ويبقى لك ثوابه.
إذن لنوقّر أحكام الله تعالى أوّلاً، ولنطبقها في حياتنا ثانياً، ونسعى في تقليل تخلّفنا عنها، ولنحاول الرجوع إلى الرسائل العملية ونقوم بتعلّم وحفظ عدة مسائل من مسائل الأحكام والحلال والحرام كلّ يوم، لأنّنا إذا عملنا ذلك كان مقامنا عند الله عزّ وجلّ أعزّ من كلّ شيء لأنّا نكون قد وقّرنا أحكام الله، وأحكام الله مكانتها عند الله تعالى لا يضاهيها شيء أبداً.
وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


* ألقيت المحاضرة في ذي الحجة عام 1398 هـ.
(1) سورة الحاقّة، الآيات: 44 - 47.
(2) بحار الأنوار، ج16، ص405.
(3) سورة فاطر: 28.
(4) بحار الأنوار، ج58، ص182.