» النَص

عندما أمر الحاكم العباسي المسمّى بالمعتصم، بجلب الامام الهادي عليه السلام من مدينة جده صلّى الله عليه وآله إلى مركز الحكم في سامراء، زار في تلك السنة النجف الأشرف والمرقد الطاهر للإمام أمير المؤمنين عليه السلام لأداء الزيارة وكان في يوم الغدير.
وحيث إن مرقد الإمام أميرالمؤمنين كان قد أصبح معلوماً للجميع منذ عصر الإمام الكاظم عليه السلام، لم تكن زيارته عليه السلام محفوفة بالخوف والتقية كما كانت في السابق، زار الإمام الهادي جده الامام أمير المؤمنين عليهما السلام بزيارة مخصوصة بيوم الغدير، وهي من الزيارات المعتبرة، يشهد بذلك إضافة إلى مضامينها العالية بناء المتدينين والمتشرّعة وسيرتهم على أنها زيارة الامام الهادي سلام الله عليه والتي يزار بها الإمام أمير المؤمنين عن قرب أو بعد، وأنه ينبغي أن تزار بفهم والتفات لما تزخر به من معان رفيعة ومفاهيم جليلة.
وألمح سماحة السيد المرجع دام ظله إلى أن هذه الزيارة حافلة بالمعارف الإلهية والمناقب العلوية وأنها تؤشر إلى الخط الإسلامي الصحيح؛ فقد ورد فيها عبارة: «اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلنا بهم متمسّكين وبولايتهم من الفائزين»(1).
وأوضح سماحته هذا المقطع من الزيارة من خلال توضيح معنى مفردة التمسك فقال:
تسمّي العرب التعلّق والاعتصام بشيء مستحكم وثيق «تمسّكاً»، ولو لم يكن الشيء المتعلَّق به مستحكماً فلا يطلق عليه التمسك أصلاً، وإنما يعبّر عنه بتعابير أخرى كالتشبّث مثلاً. ولو كان الشيء مستحكماً جداً ولكن الشخص لم يتعلّق ويعتصم به جيداً وبقوّة لما عدّ تمسّكاً أيضاً.
وأضاف سماحته:
لا شكّ أن أهل البيت عليهم السلام هم العروة الوثقى الذين يأمن من تمسّك بهم من الوقوع في المهالك، ولكن لا شك أيضاً أن ذلك منوط بالإنسان الذي يريد التمسك والنجاة أيضاً، ومشروط بأن يستمسك المؤمن بحبل ولايتهم بصورة قوية وأن لا يتهاون في هذا السبيل.
وأكد سماحته على الترابط الوثيق بين الاعتقاد بأهل البيت عليهم السلام واتّباعهم في مقام العمل وقال:
ثمة في النصّ الشريف الذي قرأناه من الزيارة الغديرية أمران ذكرا معاً، الأول: يتعلق بالعمل والمتابعة وهو قوله سلام الله عليه: «واجعلنا بهم متمسكين»، والثاني يتعلق بالعقيدة، وهو قوله: «وبولايتهم من الفائزين»، وإنّ غياب أحدهما يضرّ بوجود الآخر.
وأوضح سماحته هذه النقطة بقوله:
قد يقبل علماؤنا روايات بعض محدثي العامة شرط أن يكونوا ملتزمين بالصدق، فيكونوا من الناحية العملية صالحين وعدولاً، ولكنهم ليسوا كذلك من ناحية العقيدة. كما أن هناك ـ من جهة أخرى ـ أشخاصاً ذوي عقائد صحيحة ولكنهم غير ملتزمين بها وبلوازمها.
كما أكد سماحته ضرورة وأهمية مسألة الاعتقاد الصحيح والنظر الصائب فقال:
الجدير بالانسان العاقل أن يتلقى عقائده من أهل البيت سلام الله عليهم، وأن يتجنب الميل ـ فضلاً عن الأخذ ـ الى المذاهب والمدارس الأخر، فكلّها واهية ومصنوعة لغرض مقابلة مذهب أهل البيت ومدرستهم.
واستشهد سماحته بموقف السلف من علمائنا قدّست اسرارهم ووصاياهم في هذا المجال وقال:
لقد دعا المرحوم السيد أبو الحسن الاصفهاني رحمه الله مدرّسي بحث الخارج في عصره إلى اجتماع ثم قال: أعلن من خلالكم وأرجو منكم أن تبلغوا طلاب العلوم الدينية أن المرتب الشهري الذي أعطيه إياهم إنما هو ملكي ـ لأني استقرض ما اعطي، ثم اوفي القرض مهما وصلني من الحقوق الشرعية ـ وأنا لا أرضى للذي يستلم من هذه الأموال العائدة إليّ أن يميل قيد شعرة إلى المذاهب المنحرفة.
وأضاف سماحة السيد حفظه الله:
لقد أجاز الفقهاء الاطلاع على عقائد هذه المذاهب بالحدّ الذي يمكّن الفرد من إثبات بطلانها، مع أن عمر الانسان ليس طويلاً بحيث يسمح له أن يتلفه للاطلاع على تفاصيل مذاهب وعقائد باطلة لا قيمة لها، والأحرى بالانسان أن يصرفه في تلقّي معارف أهل البيت سلام الله عليهم فهي المعارف الأصيلة والنبع الصافي الذي يروي كلّ ظامئ.
وعلّل سماحته ذلك بقوله:
لقد ورد في بعض كتب هذه المذاهب التي عدّوها «صحاحاً» أمور عن الله تعالى أقلّ ما يقال عنها أنها خرافية ووهمية وموهنة جداً.
وأوصى سماحته الطلاب وسائر المؤمنين بمطالعة سيرة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه للاهتداء به والتمسّك بنهجه، وأشار إلى ومضات من سيرته العطرة فقال:
كان الامام سلام الله عليه يكتفي من الطعام واللباس بالقليل، فلم يملك أكثر من الثوب الذي يلبسه، وكما قال هو سلام الله عليه: «وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه».
كما كان سلام الله عليه يكتفي بالحد الأدنى من النوم ولم يخلّف سلام الله عليه شيئاً من المال بل رحل عن الدنيا مديناً مبالغ باهضة كبيرة سدّدها تدريجيّاً ابنه الامام الحسن سلام الله عليه ـ كما تذكر الروايات ـ فهل عهدتم حاكماً يحكم نصف المعمورة، وهو في خريطة العالم اليوم يشكل العشرات من الدول، التي منها ايران، والعراق، والخليج وغيرها؟!
وعقّب سماحته قائلاً: لا شك أنه سلام الله عليه كان يعرف أفضل من غيره كراهة القرض، ولكنه لم يقترض المبالغ لحوائجه الشخصية بل لضعفاء المسلمين ومحتاجيهم، وهذا العمل ليس مذموماً بل هو ممدوح أيضاً.
وأضاف سماحته موضحاً هذه النقطة:
وهكذا كانت سيرة النبي صلّى الله عليه وآله والامام الحسن والامام الحسين والعديد من الأئمة الأطهار سلام الله عليهم أجمعين فقد استشهدوا وفي ذمتهم ديون، فلا غضاضة في ذلك، مادام القرض لقضاء حوائج فقراء المسلمين ومعوزيهم. ولقد اقتدى علماؤنا الابرار أيضاً بهذه السيرة العطرة؛ فلقد نقل ذلك في سيرة بعض مراجعنا العظام كالمرحوم السيد أبي الحسن الإصفهاني والميرزا محمد تقي الشيرازي قائد الثورة العراقية ضد الانجليز عام 1920، فإنهما رحمهما الله ورغم الأموال الكثيرة التي كانت تحت تصرفهما ماتا وهما لا يملكان داراً بل كانت دارهما مستأجرة، والكثير من غيرهما ايضاً.
وقد نقل عن الشيخ الشيرازي رحمه الله انه حيث أصرّت عائلته على شراء بيت وقالوا: نخشى أن لا نستطيع دفع مبلغ الايجار من بعدك، تبسّم رحمه الله وقال: لقد عشت بين هؤلاء الناس عيشة بحيث لا يخرجونكم بعدي من البيت.
وقال سماحته:
إن مطالعة سيرة هؤلاء العظماء ـ كما وردت في كتب مثل: الكنى والألقاب وخاتمة المستدرك وغيرهما، لَتعكِس شدّة تمسكهم بتعاليم أهل البيت سلام الله عليهم وهي مليئة بالدروس والعبر، وذات طابع تربويّ بنّاء.
وأشار سماحته إلى نكتة تربوية مهمة مستلهمة من حياة الامام أميرالمؤمنين فقال:
لم يفرض الإمام سلام الله عليه الزهد على الآخرين مع ما عُرف به من شدة الزهد، ولم يجبر حتى عائلته على الزهد. ويروى في أحواله أنه كان ـ ابان حكومته الواسعة ـ لا يأكل اللحم إلا في يوم واحد من السنة وهو يوم عيد الأضحى المبارك، لأنه يعلم أن كل الناس يأكلون اللحم أو يمكنهم أكله في ذلك اليوم حتى الفقراء.
وروي أيضاً: «أنه كان يطعم الخبز واللحم ويأكل الشعير والزيت ويختم طعامه مخافة أن يزاد فيه. وسمع مقلي في بيته فنهض وهو يقول في ذمة علي بن أبي طالب مقلي الكراكر؟ قال: ففزع عياله وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها امرأتك فلانة نحرت جزوراً في حيّها فأخذ لها نصيب منها فأهدى أهلها إليها. قال: فكلوا هنيئاً مريئاً. قال: فيقال إنه لم يشتك ألماً إلا شكوى الموت و إنما خاف أن يكون هدية من بعض الرعية و قبول الهدية لوالي المسلمين خيانة للمسلمين»(2).
يتبين من هذه الرواية: أن الزاهد الحقيقي وهو المتأسّي بالإمام أمير المؤمنين، لا ينبغي له أن يفرض الزهد على من حوله أو أن يشدّد على أسرته. أجل إنّ الحثّ والترغيب في الزهد أمر محمود، على أن لا يكون هناك فرض أو إجبار أو تضييق بهذه الذريعة.
وخلص سماحته الى أن كثيراً من حالات التهرب من الدين انما هي نتيجة لهذه المضايقات والتعسّفات المخالفة للشرع والتي يتحمّل مسؤوليتها أولئك الذين يفرضون الزهد والتقشف على الناس خلافاً لسيرة أهل بيت سلام الله عليهم.
كما نوّه إلى قضية أخرى من شأنها أن تبعد الناس عن الدين بدلاً من أن تهديهم اليه وهي الدعوة إلى الدين بالعبوس بدلاً من التحلّي بالبشاشة وطلاقة الوجه عند الدعوة؛ وإن على الذين يسلكون الطرق البعيدة عن منهج أهل البيت وسيرتهم وعن ثقافة الغدير، أن يعلموا أن هذه الأساليب ليس لا تهدي الأشخاص الى الدين فحسب بل قد تبعدهم وتنفّرهم منه أيضاً.
وأكّد سماحته:
إن ملاكنا في كل الأمور ـ ومنها قضايا التبيلغ ـ هم أهل البيت سلام الله عليهم وحدهم، وأن كل عمل يخالف سيرتهم فهو باطل من أيٍّ صدر.
وصرح سماحته:
إن التمسّك العملي لا يؤدّي إلى الفلاح ما لم يكن مقروناً بالولاية «وبولايتهم من الفائزين». وهذا هو المستفاد من معنى قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: «علي وشيعته هم الفائزون»(3).
وختم سماحته حديثه برواية تقول: «إذا صعدت روح المؤمن الى السماء تعجّبت الملائكة وقالت عجباً كيف نجا من دار فسد فيها خيارنا»(4).
وقال: لنسع أن نكون من أولئك النادرين الذين تعجب الملائكة منهم في آخر الزمان، لأن حفظ الايمان نادر حقاً في هذا الزمان، فمن الأحرى إذاً من أجل ذلك أن نجسّد في أعمالنا وعقائدنا تعاليم الغدير لتشهد الملائكة أن كلّ أقوالنا وأعمالنا غديرية.


(1) بحارالانوار، ج97، ص 367.
(2) الاختصاص/ ص 152.
(3) بحار، ج 40، ص76.
(4) عيون الحكم والمواعظ للواسطي، ص 136، عن غرر الحكم.