» الفهرست

» مقدمة
» أشدّ آية في القرآن
» أهمية الكيف
» مثال من واقع الحياة
» من علامات الكيف المقبول
» المؤمن يرتبط قلباً بالله لا بغيره
» الرب أعرف بمصلحة المربوب وحاله


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين*.

قال الله الحكيم في كتابه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾(1).

 

:. مقدمة

يحاول الإنسان غالباً أن يُحسن ظاهره، بل هو مجبول على إخفاء عيوبه ونواقصه، ولذلك فهو يسعى أن يخفي حقيقته وباطنه لئلا يكتشف الآخرون اختلافه عن ظاهره وما يتظاهر به؛ لأنّ المفترض ـ عادة ـ مطابقة الظاهر مع الباطن، وهو الانطباع المأخوذ عن كل إنسان في الوهلة الأولى إلاّ أن يثبت خلافه.
فإذا رأيت شخصاً يواظب على الحضور في صلاة الجماعة، تحكم بأنّه إنسان خيّر وأنّه ملتزم بالحضور إلى صلاة الجماعة بدافع قلبي. وهكذا الحال إذا رأيت شخصاً عالِماً أو شخصاً يرتاد الأماكن المقدّسة أو المساجد، أو يحضر مجالس العلماء أو يختم القرآن عدة مرات في شهر رمضان، فإنّك ستحمل عن واقعه فكرة إيجابية تحاكي الظاهر نفسه. أي أنّك نعتبر ظاهره هذا دليلاً على أنّه إنسان خيّر في جميع جوانب حياته.

يصف الإمام أمير المؤمنين عليّ سلام الله عليه في بعض خطبه المنافق بقوله: «… وقارب من خطوه وشمّر من ثوبه…»(2)، أي جعل ظاهره بنحو يأخذ الناس عنه انطباعاً أنّه رجل خيّر، فيقال: إن الدليل على ذلك التزامه بترك المكروهات فضلاً عن المحرمات، ومواظبته على المستحبات حتى الصغيرة؛ ولذلك تراه إذا مشى لا يمشي بسرعة بل يمشي بتؤدة وسكينة وهدوء، موحياً للآخرين أنّه يصدر من سكينة القلب في حين إنّه ليس كذلك!
وإذا كان الإنسان قادراً على خداع أخيه الإنسان بظاهره، فإنّه لا يقدر على ذلك مع الله تعالى لأنّه سبحانه يعرف القلوب ويعلم ما في الضمائر، وكما في الحديث الشريف المرويّ بصيغ متعدّدة أحدها: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، إن الله ينظر إلى قلوبكم»
(3).

فكأنّ الله تعالى يقول للإنسان: جمّل باطنك فأنا عالِم بالباطن وعلى أساسه سأحاسبك، وكلّ ثوابي وعقابي منصبّ على الواقع وليس الظاهر وحده.
وهذا لا يعني البتة أنّ الظاهر لا ينبغي أن يكون جميلاً، بل المقصود أن جمال الباطن مطلوب مع جمال الظاهر. فلا عقد سلبٍ هنا للقضية ـ على حدّ تعبير المنطقيين ـ بل لها عقد إيجاب كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾(4). فهل معنى الآية سقوط الواجبات (كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) عن الشخص الذي يعمل بعض المنكرات؟ هل معناه أنّه لا يجوز لشارب الخمر مثلاً أن ينهى غيره عن شرب الخمر؟
كلا بالطبع، بل إن صيغة التعبير في الآية نوع من التحريض، كما لو قيل للشخص: مادمتَ تأمر بالحسن، فمن الأَولى بك أن تأتمر به أوّلاً، أو مادمتَ تنهى عن القبيح فالأحرى أن تنتهي عنه أيضاً! فلا يقال للمصلّي إذا كان شارباً للخمر: مادمتَ تصلّي من جهة وتشرب الخمر من جهة أخرى، فلا تصلِّ إذاً، بل يقال له: مادمتَ تصلّي فانتهِ عن شرب الخمر. وهذا النوع من التحريض والترغيب موجود في العرف أيضاً، ومثاله أن يقال لشخص: لماذا تفعل كذا وأنت ابن فلان؟

 

:. أشدّ آية في القرآن

في مجلس ضمّ بعض العلماء والفضلاء دار الحديث عن أشدّ وأشقّ آية في القرآن على الإنسان، فأدلى كلّ بدلوه؛ قال بعضهم: إنّ أصعب آية وأشدّها قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أُمرتَ﴾(5)، فإنّ الاستقامة شاقّة على الإنسان، والدليل على ذلك أنّ فئة قليلة من البشر يستقيمون، فقد روي عن ابن عباس أنه قال: قال رجل: يا رسول الله أسرع إليك الشيب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: شيّبتني هود (أي سورة هود). قال ابن عباس: ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله آية كانت أشدّ عليه ولا أشقّ من هذه الآية(6) يعني ﴿فاستقم كما أُمرتَ﴾.
أقول: صحيح إنّ الاستقامة صعبة وشاقّة جداً، ولكنّها قد لا تكون كذلك بالنسبة لبعض الأشخاص. ففي بعض الظروف لا يغدو العمل بهذه الآية شاقاً كما لو كان الشخص مجبولاً على التقشّف والزهد بأن يحبّ من أعماقه الأكل الجشب واللباس الخشن ولا يفكّر بالفراش الوثير والدعة والعيش في رفاه، بل هو مصدود عنها على أثر معاشرته الأتقياء والزهاد. فمثل هذا الشخص إذا ابتلي مدّة في مكان لا يوجد فيه أكل لذيذ ولا فراش وثير ولا راحة، تراه يستلذّ بدلاً من التذمّر. ومن هنا لا أرى أنّ هذه الآية أشق آية في القرآن على النفس.

وقال آخرون: إنّ أصعب آية في القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾(7). حقاً أيّ إنسان ذاك الذي يترك كلّ العلائق ويضحّي بها من أجل الله ورسوله وجهاد في سبيله إذا حصل تعارض بينهما، مع أنّ أغلب الناس يضحّون من أجل هذه الأشياء!! لا شكّ أنّ هذا الموقف يتطلّب بطولة نادرة تجعل من هذه الآية أصعب آية في القرآن.
وبدر إلى ذهني أنه لا تلك أصعب آية ولا هذه بل إنّ الآية التي تأخذ ـ حسبما أرى ـ بمجامع القلوب ولابدّ أن تستوقف الإنسان كلّ يوم عشرات المرّات قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. ومركز الصعوبة في الآية كلمة «كيف» فإنّ الملايين من المسلمين يتّجهون إلى القبلة يومياً سواء في صلوات الجماعة أو فرادى.. وكلّهم يصلّون الصلاة نفسها، ولكن ما يختلف فيها هو كيفها. ولعلّ الآلاف يقومون لأداء صلاة الليل في مدينة واحدة من المدن المقدسة فقط، ولكنّها تختلف فيما بينها من ناحية الكيف.

 

:. أهمية الكيف

تخبرنا الآية المباركة أنّ الله تعالى لم يقبض آباءنا وأمّهاتنا لأنّه سبحانه كان ينظر إليهم نظرة سلبية، وأنّه تعالى لم يجعلنا خلائف في الأرض من بعدهم، لأنّ نظرته إزاءنا إيجابية، فلا أولئك أساءوا كافّة فاستحقّوا الإماتة ولا أننا أحسنّا جميعاً فأُعطينا القدرات من بعدهم، بل إنّ الله تعالى أعطى كلاًّ فرصة في هذه الحياة لينظر كيف نعمل.
والكيف هو المهمّ في العمل، وإلاّ فقد يتشابه عملان من حيث الظاهر، وهما مختلفان في الكيف اختلافاً فاحشاً، وخير مثال على ذلك البون الشاسع بين صلاة أصحاب الإمام الحسين (عليهم سلام الله) في يوم عاشوراء وبين مثل صلاة عمر بن سعد وجماعته (عليهم لعائن الله)، فإنّ بينهما ما لا يُحصى من الدرجات تبدأ نزولاً إذا ما قيست بصلاة الإمام الحسين سلام الله عليه ـ كصلاة الخيرة من أقربائه مثل علي الأكبر وحبيب بن مظاهر ـ وصعوداً إذا ما قيست بصلاة عمر بن سعد التي لم تكن صلاة.

إذن: الكيف أصعب ما نواجهه يومياً عشرات المرات. فالإنسان يواجه عائلته وأقرباءه وأصدقاءه وأعداءه وأساتذته وطلاّبه، وهو يواجه المال أيضاً، ويختلف بعض الناس عن بعض في كيفية إنفاق المال، وكذلك صرف الوقت. قد يكون هناك شخصان يقرآن القرآن الكريم في آن واحد لكن يوجد بينهما بون شاسع من حيث الكيف، فالأوّل يقرأ ليختمه، بينما الثاني يقرأه لينتبه من غفلته، ولا شكّ أنّ بينهما فرقاً كبيراً مع أنّ كليهما يقرأ القرآن. ومن الأمثلة على ذلك:
ـ رجلان أنفقا مالهما في سبيل الله، أحدهما أنفق ماله رياءً، والآخر أنفقه تشجيعاً للغير.
ـ رجلان أدّيا صلاة الليل وكان كلاهما فرحاً بها، الأوّل فرحته فرحة موفقية، أما الثاني ففرحه فرح عُجب، والعياذ بالله!
ـ ذكرتُ مرّة أنّ اثنين من أئمة الجماعة ـ في قصّتين مختلفتين ومن بلدين متباعدين ـ وقعت لهما حادثة متشابهة وهي أنهما تذكّرا في أثناء الصلاة عدم الكون على الوضوء. ما حدث أنّ كليهما أبطل صلاته (لأنّها صلاة في الظاهر فقط؛ لعدم توفّرها على شرط الصحّة وهو الطهارة) ثم استقبل كلّ منهما المأمومين وهم يواصلون صلاتهم، وقال: أيّتها الجماعة لقد تذكّرتُ أنّي لستُ على وضوء، فأكملوا صلاتكم فرادى.

بيد أنّ الفرق بينهما ـكما استمعتُ لقصّة كلّ منهما على انفرادـ أنّ الأوّل عمل ذلك فوراً لئلاّ يوسوس له الشيطان، فكان إبطاله لصورة الصلاة غير المستوفية للشرط، عملاً خالصاً لله مئة في المئة كما يظهر من نقله. أما الثاني فقال: عندما انتبهت أنّي لست على وضوء خجلت كثيراً أن أعلن ذلك للناس وقلت في نفسي: سيقول الناس ربما كان متوضّئاً قبل الصلاة ولكن صدر منه أثناء الصلاة ما ينقض الوضوء؛ فتدارك الأمر بهذه الصورة!
يقول الشخص: ولكن عند هذه النقطة بالذات خطرت في ذهني فكرة، وقلت في نفسي: إنّ هذه فرصة جيدة تحققت لي، وذلك لأنّ المأمومين سيزداد حسن ظنّهم بي ويقولون: إنّ هذا إمام جماعة متديّن جيداً بحيث إنّه لم يخفِ علينا الواقع خجلاً بل بادر بإعلانه والتوقف عن إمامتنا في الصلاة!
فكلا الرجلين قطع صلاته لكونها غير مسبوقة بالطهارة، ولكنّ الأوّل قطعها بنيّة رحمانية، بينما الثاني قطعها بنية شيطانية، رجاء أن يكثر المأمومون خلفه. وقد بلغني بعد ذلك أنّ المأمومين قد كثروا بالفعل ووصل الرجل إلى مطلوبه. ولكن شتّان بينهما، والفرق في الكيف؛ وسيجازى كلّ حسب نيّته ولا يجازى الاثنين جزاءً واحداً مع أنّ العمل واحد!

 

:. مثال من واقع الحياة

لو اتّفق أن التقيت صديقاً فدعاك إلى وليمة مفاجئة، وكانت الدعوة مثار دهشتك لأنّه لم يدعُك طيلة عمره. ثم اكتشفتَ عند دخولك داره أنّ الوليمة كانت معدّة بالأساس من أجل صديق حميم له وأنّ دعوته لك كانت محض مصادفة، ربما لأنّه فكّر أن ينتهز فرصة متاحة لدعوتك على هامش دعوة ذاك الصديق.. فهل سيكون امتنانك لمضيفك وشعورك بفضله كما لو كانت الدعوة موجّهة لك في الأساس واستقلالاً؟!لاشكّ أنّ الأثر الذي ترتّبه على كلّ حالة يختلف عن الأخرى مع أنّ الصورتين واحدة في الظاهر. فكلاهما دعاك إلى موضوع واحد، وربما كان الطعام عند الأوّل أدسم، ولكنّك لا تنظر إلى الطعام أو الصورة بل إنّ نظرك يتّجه إلى القلب في حال أردتَ أن ترتّب الأثر.

 

:. من علامات الكيف المقبول

ذكر بعض علماء الأخلاق علامات للكيف المطلوب والمقبول في عمل ما، في قوله تعالى: ﴿لننظر كيف تعملون﴾؛ منها: أنّ العبد لا تتزعزع ثقته بالله على أثر تبدّل حال شيوخه في الدين أو مشاهدته زلّتهم أو انحرافهم. ولا شكّ أنّ المعصومين سلام الله عليهم مستثنون من هذا الأمر أي من الزلّة والانحراف لأنّ الله تعالى هو الذي عصمهم وطهّرهم فلا يتصوّر انحرافهم أصلاً. أما في غير المعصومين فهذا ممكن ووارد، فهل سيتغيّر المؤمن وتضعف ثقته بالله إذا رأى بعض الكبراء في الدين يزلّ أو ينحرف أو تضعف ثقته بالله؟
أعرف شخصاً كان من المؤمنين الأخيار، أو هكذا كان يبدو من أفعاله، كإنفاقه وبذله في سبيل الله وتعامله الحسن مع الناس، وتصرّفاته العامة حيث كان يظهر منها أنّها منبعثة عن نفس مؤمنة، وهذا الأمر صار سبباً لأن يتأثّر به الآخرون ويلتحقوا بركب الأخيار، وكان من جملتهم شابّ تأثّر به كثيراً وصار هو الآخر من المؤمنين الملتزمين.
ولكن اتّفق بعد مدّة أن صدرت من ذلك الشخص زلاّت، فكان لذلك أثر سيئ في ذلك الشابّ حيث ترك الإيمان بعد أن عاش في ظلّه عدة سنوات، مما يدلّ على أنّ كيفية ارتباطه بالله كانت مختلّة، فلم تكن خيوطه معقودة بالله بل بذلك الرجل. ولو كان ارتباطه بالله حقاً لما تغيّر حتى لو كان مَن تأثّر به أوّلاً قمّة في الخير وصدّيقاً ثم صدرت منه آلاف الزلاّت، ولا ينبغي أن يحدث ذلك ضعفاً ووهناً في ثقته وإيمانه بالله.

هناك ظاهرة خاطئة في المجتمع، وهي أنّ كثيرين يقولون إذا كان فلان ـ مع ما له من المقام العلمي أو الديني ـ يعمل المنكرات أو في حياته زلات، فماذا تتوقّعون منّا نحن الناس العاديين؟
لا شك أن هذا الكلام ليس صحيحاً، بل هو يمثل ظاهرة خاطئة، ويدلّ على أنّ قلب المتفوّه به غير مرتبط بالله، بل بغيره، مع أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى قلوبنا ولا ينظر إلى صورنا! كما تقدّم آنفاً .
صحيح أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال لعمار بن ياسر: «يا عمار إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس كلّهم وادياً فاسلك مع علي فإنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى»(8)، مما يعني أنّ علياً هو مقياس الحق، ولكن الصحيح أيضاً أن هذا لا يصدق في غير المعصوم بالغاً ما بلغ، وإن بلغ القمة أيضاً.
فنحن نتبع علماءنا وقادتنا ونتعلّم منهم، ولكن لو انحرف أيّ منهم بمقدار أنملة فنحن لا ننحرف معه وإن كان هو السبب في هدايتنا؛ وذلك لأنّ القلب يجب أن يرتبط بالله تعالى والله ينظر إلى قلوبنا هل هي مرتبطة به أم لا؟ فإن كانت مرتبطة به وحده فهو الكيف المطلوب الذي خُلقنا من أجله حيث قالت الآية: ﴿لننظر كيف تعملون﴾، وإلاّ فلا فائدة ترتجى في العمل.

مثال مادي: والغريب أنّ هذا الأمر ندركه جيداً ونمارسه في الماديات، ولكن إدراكنا له في الأمور المعنوية صار صعباً؛ لضعف تأمّلنا. ومثاله المادّي لو أنّ صديقاً أرشدك إلى محلّ لبيع بضاعة بسعر أرخص ونوعية أجود مما كنت تشتريها من محلّ آخر وكنت غافلاً عن المحلّ الجديد ولا علم لك به، فلا شكّ أنّك ستتحوّل إلى المحلّ الجديد وتكون شاكراً لصديقك أن هداك إليه.
ولو افترضنا أنّ صديقك امتنع بعد مدة عن التسوّق من صاحب هذا المحلّ وبدأ يطعن في بضاعته لسبب من الأسباب أو لاختلاف حصل بينهما، فهل ستستجيب وتترك التسوّق من هذا المحلّ مع أنّ بضاعته أجود وأرخص، أم لا تكترث بتغيّر حال مَن أرشدك إليه لأنّه كان مصيباً في ما هداك إليه، وهو الآن مخطئ في تخلّيه عنه؟
لا شكّ أنّ تصرّفك سيكون هو الثاني؛ والسبب في ذلك أنّ ارتباطك وعلاقتك التسوّقية ليست بهذا الصديق الذي كان واسطة أوّل الأمر، بل بصاحب المحلّ نفسه، ولا داعي لتخريبها مادمت لمستَ بنفسك صدقه ورخْصَ بضاعته وجَودتها.

 

:. المؤمن يرتبط قلباً بالله لا بغيره

إذا كان الأمر هكذا في المادّيات، فلماذا إذاً تنحرف الأمم غالباً بانحراف قادتها؟ إلاّ لأنّ الناس في العادة متكاملون في المادّيات ولكنّهم قليلو المعرفة في المعنويات.
إذن، من علامات الكيف المقبول للعمل وارتباطه بالقلب أنّ الإنسان لا ينحرف حتى إذا انحرف الأشخاص الذين كان يعتبرهم قدوته في الإيمان والتقوى والفهم وفوقه بألوف الدرجات، ولا يحدث أدنى ثغرة في إيمانه وإن كان ارتباطه بالله بواسطتهم. إلاّ إذا كان الإيمان مستودعاً ـ كما في الحديث(9) ـ ويتقلب مع الزمن، وهذا يعني أنّ ارتباطه ليس بالقلب، وإنّ الله لا يقبل هذا الإيمان من صاحبه إذا نظر إلى قلبه، لأنّه ليس الكيف المطلوب.
فلنختبر قلوبنا، ونتصوّر لو أنّ فلاناً الذي نعتقد بإيمانه المتفوّق علينا منذ أكثر من خمسين سنة مثلاً، ظهر لنا في يوم ما أنّه كان مرائياً، فهل سن‍زلّ ويتزعزع إيماننا، أم سنواصل المسير لأنّنا نعتقد أنّه هدانا إلى الطريق الصحيح وإن انحرف بعد ذلك، فنأسى لحاله دون أن يفتّ في عزيمتنا وثقتنا بالله تعالى؟!
إنّ الإنسان إذا وجد الجوهر فهل سيكترث بالأمور الاعتبارية بعد ذلك؟ وإذا كانت الأمور الاعتبارية تتغيّر وتختلف في أسعارها وقيمها حسب العرض والطلب في السوق ـ كالثلج الذي يرتفع سعره في الصيف خاصة إذا اقترن بانقطاع التيار الكهربائي وينخفض في الشتاء لقلّة الطلب عليه ـ فإنّ الجوهر لا تغيّر فيه، والله تعالى هو الجوهر ـ ولا شكّ أنه حتى تعبير الجوهر غير لائق بالله تعالى ولكن استعمال هذا اللفظ إنما هو من ضيق الخناق ـ فإنّ الله تعالى هو الأصل، والذات الإلهية منبع كلّ خير.

لو أنّ قلوبنا ارتبطت حقاً بالله فهي لا تتغيّر بتغيّر القلوب الأخرى وإن كانت أحسن حالاً منا سابقاً. ولئن قيل: «إذا زلّ العالِم يزلّ بزلّته العالَم»(10)، فنرجو أن لا نكون ممّن يتأثّرون بزلّة العالِم، لأنّ ذلك دليل على خلل في كيفية ارتباطنا بالله تعالى.
إنّ مَن وجد الله تعالى لا يكترث بعد ذلك بما حصل لزيد أو عمرو. تعلّم من زيد وعمرو إن كانا أهلاً لذلك ودلّياك على الإيمان وأرَياكَ منبع الخير، ولكن بعد أن وجدتَ منبع الخير (وهو الله تعالى) وثّق اتصالك به واستعِن به دائماً واستعذ به من الشرور ومن الشيطان ومن النفس الأمارة حتى لا تتأثر حالك ونيّتك وإخلاصك بتغيرات أحوال الآخرين.
فلو كان شخص ما بنظرنا أكبر قدّيس أو عابداً ثم زلّ أكبر زلّة فيجب أن لا يتغيّر إيماننا أيضاً، إلاّ أن يكون إيماناً في الاسم فقط، ولنعرف أنّ الله ينظر إلى قلوبنا، وأنّه بمقدار لياقتنا يعطينا توفيقاً وقابلية وسعادة، إذ ليس من الحكمة ـ والله أحكم الحاكمين ـ أن يعطي إنساناً فوق لياقته واستحقاقه.

فإذا كنّا نحن البشر على قدر صغر عقولنا نحاول أن لا نعمل ما ليس بحكمة فكيف نتوقع ذلك من الله سبحانه؟!
أمثلة: إذا لم يكن إمام الجماعة عادلاً فنحن لا نأتمّ به، وهذه من الحكمة قبل أن تكون تشريعاً فقهياً.
إنّنا لا نسلّم ثروة بالملايين لطفل غير مميّز لأنّه ليس من الحكمة فعل ذلك، فكذلك لا يسلّمنا الله الجواهر الغالية ما لم نكن لائقين لها.
جاء في بعض المرويات أنّ الله تعالى لا يُدخل أحداً النار في يوم القيامة إلاّ بعد أن يتبيّن أنّه لم يكن لائقاً لأكثر من ذلك. فقد يتصوّر أحدنا في الدنيا أنّه إنسان خيّر ولائق، ولكن الأمر في الآخرة مختلف لأنه يؤتى بمَن كانت ظروفه أصعب منه ولكن خدمته أكثر ونيّته أصدق، فيعرف حينها أنّه لم يكن لائقاً كما كان يتصوّر.
وربما يكتشف بعض الناس في الآخرة سبب عدم استجابة دعائه في الدنيا بأنّه لم يكن لائقاً للاستجابة.

 

:. الرب أعرف بمصلحة المربوب وحاله

من مشاهدات الحياة الاجتماعية أنّ بعض الأطفال يتوسّل إلى أبيه أن لا يسجّله في المدرسة ويقول: إنّي لا أحب الدراسة ولا أريد أن أصبح طبيباً مثلاً، فيقول له الأب: قد تصبح حمّالاً إذاً، فيقول الطفل لا بأس. وهنا قد يجبر الأب ابنه وربما يضربه لحمله على الدراسة، ولا يفهم الطفل أنّ أباه إنما يفعل ذلك من أجل مصلحته إلاّ بعد أن يكبر، وحينذاك يدرك الطفل أنّه لم يكن من الصحيح أن يستمع أبوه إلى كلامه ويعمل ما يتمنّاه بأن لا يسجّله في المدرسة ويدعه يلعب ويرتاح. ولو فعل الأب غير ما فعل واستجاب لرغبات ابنه، فلربما لعن الابن أباه حين يكبر ويرشد.
قيل إنّ حمّالاً سُئل: مَن أنت؟ فقال: ابن فلان ـ وكان معروفاً ـ. فقال له السائل: نِعمَ الأب وبئس الولد.
فقال بل قولوا: نِعمَ الجدّ وبِئس الأب، وذلك لأنّ جدّي عني بشأن أبي فبلغ ما ترون، أما أبي فأهمل أمري فصرت حمّالاً.
والحقّ برأيي مع الحمّال، وكلامه أجمل من الكلام الذي قيل له.
فهل ننتظر من الله عزّ وجلّ وهو أحكم الحاكمين أن يعاملنا بتصوّراتنا الخاطئة وهو الناظر إلى حقائق أعمالنا وإلى قلوبنا؟
فلنهتمّ إذاً بكيفية أعمالنا ونيّاتنا ولن‍زدد إيماناً بالله ولا نضعف لو انكشف لنا ضعف إيمان قادتنا أو معلّمينا أو مَن عرّفونا بالله. فإنّ مَن يبلغ الهدف يتمسّك به ولا يكترث بمَن تخلّى عنه بعد أن أوصله إليه. أسأل الله التوفيق لي ولكم وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


* ألقيت المحاضرة عام 1398 هـ.
(1) سورة يونس، الآية: 14.
(2) نهج البلاغة: ص75، أصناف المسيئين.
(3) بحار الأنوار: ج67، ص248.
(4) سورة الصف، الآية: 2ـ3.
(5) سورة هود، الآية: 112.
(6) الخصال: ج1، ص199.
(7) سورة التوبة، الآية: 24.
(8) بحار الأنوار: ج38، ص38.
(9) راجع بحار الأنوار: ج66، ص 212، باب34 أنّ الإيمان مستقرّ ومستودع.
(10) المناقب: ج1، ص4.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنما أتخوّف على أمّتي من بعدي ثلاث خصال: أن يتأوّلوا القرآن على غير تأويله، أو يتّبعوا زلّة العالِم أو يظهر فيهم المال حتى يطغوا ويبطروا» (الخصال: ج1، ص164، ح216).