» الفهرست

» مقدمة
» العبد الصالح الذي سأل الملك الجبار
» الاعتبار من قصة شريك النخعي
» الخلاصة


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك﴾(1).

 

:. مقدمة

إنّ ما يصدر عن الإنسان إمّا أن يكون حسنة وخيراً ينتفع به، أو سيئة وشرّاً يضرّه.
هذه الآية الكريمة تخبر الإنسان أنّ ما يصيبه من حسنة ونفع وربح وخير وكلّ شيء في صالحه فإنّما هو من الله تعالى، لأنّ الله لا يريد لأحد شراً أو سوءاً. وأمّا السيّئات والمصائب التي تصيب الإنسان فهي من الإنسان نفسه. وكلّ ابتلاء يصيب الإنسان فسببه الإنسان نفسه.
وهذه الآية تخاطبنا جميعاً، فإنّ الإنسان بطبعه حسن الظن بنفسه؛ ففي الحديث عن أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عينه»(2). أي إنّ أحدنا ينتبه حتى للشعرة الصغيرة في عين أخيه ـ أي يرى عيوب الناس جيداً ـ لكنّه لا يرى عيوب نفسه مهما كانت كبيرة.
تريد الآية أن تقول لنا: إنّ أحدكم قد يعمل شيئاً سيّئاً ولا يظهر أثره السيئ إلاّ بعد مرور عشر سنين أو عشرين سنة أو أكثر أو أقلّ، وربما تظهر الثمرة السيّئة لبعض الأعمال عند الموت! فلا ينبغي للإنسان الذي تصيبه السيّئة أن يعجب ويقول: لماذا أصبت بهذا البلاء السيّئ؟ فلعلّ جذوره تعود إلى ما قبل خمسين سنة وهو لا يدري؛ فإنّ الله تعالى جعل لكلّ شيء قدراً وحدّاً ومقياساً، ومقياس الله لا يختلف ولا يتخلّف.

 

:. العبد الصالح الذي سأل الملك الجبار

نقل العلاّمة المجلسي (رحمه الله) حديثاً في البحار عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه قال: «كان في زمن موسى صلوات الله عليه ملِك جبّار قضى حاجة مؤمن بشفاعة عبد صالح» أي إنّه كان يعيش في زمن واحد ـ أي في زمن موسى وفي عهد ذلك الملك الطاغي ـ عبد صالح منشغل عن الناس بالعبادة يريد التقرّب بها إلى الله سبحانه، فيما الملك مشغول بشهواته ولذّاته وظلمه وطغيانه. فاتفق أن مات الملك وذاك العبد الصالح كلاهما في يوم واحد. ولاشكّ أنّ ذلك لم يقع مصافة لأن لكلّ شيء سبباً عند الله تعالى وإن كنّا نجهله، وهذه الحقيقة تثبتها هذه القصة نفسها؛ يقول نص الحديث: «فتوفّي في يومٍ» أي في يوم واحد «الملك الجبّار والعبد الصالح، فقام على الملِك الناس» أي اهتمّوا بموت الملك وقاموا بتشييعه ودفنه وتركوا أعمالهم وأغلقوا دكاكينهم ومحلاّتهم احتراماً له وحداداً عليه، وكما ورد في نص الحديث «وأغلقوا أبواب السوق لمدة ثلاثة أيام».

أمّا ذلك العابد فقد بقي مطروحاً كلّ هذه المدّة في بيته دون أن يعلم أو يكترث به أحد، حتى تفسّخ بدنه وعلته الرائحة الكريهة وبدأت الديدان تأكل من لحمه. تقول الرواية: «وبقي ذلك العبد الصالح في بيته وتناولت دوابّ الأرض من وجهه، فرآه موسى بعد ثلاث فقال: يا ربّ، هو ـ أي الملك ـ عدوّك، وهذا ـ العبد الصالح ـ وليّك!» فما هي العلّة؟ ولماذا جعلت موته في هذا الوقت بالذات فيُغفل عنه؟ ولماذا كان موت ذلك الطاغي وهو عدوّك في عزّ واحترام، وموت هذا العبد الصالح وهو وليّك في ذلّ وهوان؟!
«فأوحى الله: يا موسى إنّ وليّي سأل هذا الجبّار حاجة فقضاها فكافأته».
أمّا الملك فكانت له عندي يد وأردت أن أجازيه عليها، وهي أنّه يوم سأله هذا العابد ـ وهو وليّي ـ لم يردّه بل قضى حاجته، فأصبحت له يد عندي لأنّه أحسن إلى عبدي ووليّي، فكافأته بهذا التشييع والتجليل ـ في الدنيا ـ ليأتيني ولا يد له عندي وهو عدوّي فأدخله النار. وأمّا عبدي ووليّي فقد «سلّطت دواب الأرض على محاسن وجهه لسؤاله ذلك الجبّار»(3).

إذا أردت أن تتصور سيّئة العابد بصورة أفضل فافرض أنّ لك خادماً أو ولداً يشتغل عندك ويأكل من طعامك، ويسكن بيتك، ويحترمه الناس بسببك، ثم احتاج مالاً زهيداً فذهب إلى عدوّك دون أن يسألك، واستغلّها العدو فرصة لكي يمنّ بواسطته عليك فلم يردّ طلبه، أرأيت كم يكون تصرّفه سيّئاً ومشيناً ومسخطاً لك؟!
فكذلك الحال عندما ذهب ذلك العبد الصالح للملك الجبّار في زمانه، فإنّ العبد الذي يعرف مولاه ويعظّمه لا يفعل مثل ذلك! ولذلك عاقبه الله بأن سلّط الديدان على لحم وجهه تأكله لأنّه أراق ماء ذلك الوجه الذي منّ الله به عليه أمام عدوّه وعدوّ مولاه، وصفّى حسابه مع ذلك الملك أيضاً لأنّه الرب الحكيم المقتدر، وهو القائل: ﴿وما أصابك من سيّئة فمن نفسك﴾.

ولا أحد منّا يعلم كم كانت المدّة بين سؤال ذلك العبد للملك وبين موتهما، وربما استغرقت مئة سنة، سيّما وإنّ الناس كانوا يعمّرون قديماً، ولكن العمل السيّئ أعطى ثماره السيّئة وإن طالت المدة.
ونحن قد تصيبنا في الحياة سيّئات ولا نعرف جذورها لأنّنا غافلون. فربما ظلمنا إنساناً أو غصبناه حقّه وإن لم نكن منتبهين، فإنّ الآثار التكوينية للأعمال لا تغيّرها النوايا ولا الجهل بها، فهي تترك آثارها، سواء عَلِم الإنسان بها أم لم يعلم!
فلو أخذتَ حبة شعير وتصوّرت أنّها حبة قمح وبذرتها في التربة، فهل ستنبت حسب تصوّرك أم بحسب واقع الحبة؟ لاشكّ أنّ النبت سيكون حسب واقع الحبة. فمن يزرع قمحاً يحصد قمحاً ومن يزرع شوكاً لا يحصد إلاّ الشوك، وإن تصوّر أنّه كان غير ذلك!

 

:. الاعتبار من قصة شريك النخعي

شريك بن عبد الله بن سنان النخعي أحد علماء البلاط في العصر العباسي، كان يتصوّر نفسه عالِماً في قبال الإمام الصادق سلام الله عليه وكان يتظاهر بالعبادة والزهد والابتعاد عن الحكّام. وكان العباسيون يصرّون عليه أن يقترب منهم ولكنه كان يرفض. في إحدى الأيام طلبه المهدي العباسي قائلاً: علَيَّ بشريك النخعي. ولما جاءوا به قال له. أعرضُ عليك ثلاثة أمور فإمّا أن تقبل بأحدها وإلاّ فمصيرك السجن! (وكانت هذه الأمور الثلاثة تصبّ كلّها في أمر واحد وهو أن يظهر النخعي مرتبطاً بالنظام الحاكم) وقال له المهدي: إن لم ترتبط بنا فسيقول الناس: "لاشكّ أنّ الحاكم غير جيد، وإلاّ لم يقاطعه النخعي وهو عالِم معروف!" لذا عليك أن تختار واحداً من ثلاثة أشياء: إما أن تقبل القضاء أي تكون قاضياً لنا، أو تكون محدّثنا ومعلّم أولادنا، أو تأكل عندنا وتكون ضيفاً علينا.

فكّر شريك قليلاً ثم قال: إذا كان ولابدّ فأختار الثالث، وإنما اختار الثالث لإنّه رأى أنّه أسهل من الأمرين الآخرين ولا يلزم منه أن يبقى كلّ حياته قاضياً للظالم أو محدّثاً له ومعلّماً لأولاده، فإنّ الأمر ينتهي بأكلة واحدة لا تترك انطباعاً كبيراً لدى الجمهور عن علاقة النخعي بالنظام.
ولكن المهدي العباسي كان أذكى من النخعي فأمر طبّاخه بأن يعدّ أطيب الأطعمة وألذّها، وأخّر النخعي لعدّة ساعات لكي يشتدّ جوعه، ثم دعاه إلى المائدة.
وتكمن المشكلة في أنّ النخعي لم يكن عابداً وزاهداً حقيقياً، بل كان متظاهراً بهما، وإلاّ لأكل قليلاً من الطعام ثم اعتذر بالشبع، ولكنّه وجدها فرصة لا تعوّض، فلم يقتصر على الضروري في تناول الأكل المحرّم الذي لم يعلم مصدره ولا ما فيه!

بعد بضعة أيام بعث المهدي يطلب النخعي مرة أخرى، ولكنّ الأخير لبّى مسرعاً في هذه المرّة، ثم بعث خلفه ثانياً وثالثاً ورابعاً
ـ ومن يهن يسهل الهوان عليه ـ حتى بلغ به الحال أن أصبح قاضياً للمهدي ومحدّثاً، أي من علماء البلاط، ومؤدّباً لأولاده.
بل بلغ الحال بهذا الرجل الذي كان يبتعد عن المهدي العباسي وحكومته، أن يتقاضى منه مرتّباً شهرياً. وفي إحدى المرات التي كان يحمل شيك المرتّب للصرّاف اعتذر منه الصراف بكثرة المشترين وقلة النقود وأوكله إلى الغد. لكن النخعي اعترض قائلاً: لقد أتيتك بنفسي وأنا مَن تعلم، أفتردّني وتوكلني إلى وقت آخر؟ وتشاجرا وارتفعت أصواتهما وقال له الصراف: هل بعتني بُرّاً لتستعجلني بالثمن؟ فقال في جوابه: بل بعتك ما هو أغلى! تعجّب الصراف وقال: وما بعتني؟ قال: بعتك ديني!

ورآه يوماً سفيان الثوري فقال له: يا شريك أبعد الإسلام والفقه والصلاح كلّما يُسأل عنك يقال عند المهدي أو الهادي العباسي؟!وقضى شريك بقية حياته في خدمة السلاطين حتى نيّف على المئة فطرده الرشيد العباسي في قصّة ليس هذا محلّ ذكرها. ولكن المهمّ هو النتيجة والاعتبار منها، وهي أنّ الأكلة المحرّمة الواحدة عملت عملها وأثمرت هذه الثمرة السيّئة!يقول المسعودي راوي القصة: إنّ الطباخ قال للربيع (صاحب الخليفة) بعدما خرج النخعي: لقد عملتُ له أكلة لا أراه ينجو منها بعد ذلك! وهكذا كانت بالفعل، والله وحده يعلم ماذا كان قد وضع الطباخ في تلك الوجبة مما حرّم الله من الخبائث فضلاً عن كونها مغصوبة ومن يد الظالم!

 

:. الخلاصة

إذن، كلّما أصبتَ بسيّئة فابحث عن السبب لأنّ الله عادل لا يظلِم أحدا ﴿وما ربّك بظلاّم للعبيد﴾(4) بل هو مبعث الإحسان والكرم. ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله﴾، أمّا السوء الذي يصيب الإنسان فمن نفسه، وكلّما عدّل الإنسان سيرته في الحياة قلّت إصابته بالسيّئات.
أما الذي لا يكترث فإنّ النتيجة السيّئة ستلحقه ـ والعياذ بالله ـ طالت المدّة أو قصرت. وعلى الإنسان أن يكون حذراً ولا يغترّ. يقول أمير المؤمنين علي سلام الله عليه: «يابن آدم إذا رأيت ربّك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره»(5). أتدري لماذا؟ لأنّ هذا معناه أنّ الله أخّر له السوء في الآخرة. وهناك المصيبة أعظم! لأنّ الدنيا تنتهي وتنصرم والإنسان ينجو منها على كلّ حال، أمّا السوء في الآخرة فليس فيه منجى.
نسأل الله تعالى أن يكفّر عنّا سيّئاتنا ويتوفّانا مع الأبرار.
وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


* ألقيت المحاضرة في جمادى الثانية عام 1399 هـ..
(1) سورة النساء، الآية: 79.
(2) شرح نهج البلاغة، ج 9 ، ص 69.
(3) بحار الأنوار: ج2، ص373.
(4) سورة فصّلت، الآية: 46.
(5) نهج البلاغة، تحقيق: الشيخ محمد عبده، ج4، ص7، ط: بيروت.