» الفهرست

» ما المقصود بالزينة؟
» المال وتحديده
» معاني كلمة «دنيا»
» الباقيات
» وقفة تأمّل
» خير للمرء أن ينفق من ماله في حياته
» الصالحات
» قصتان فيهما عبر
» سارعوا في الخيرات


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربّك ثواباً وخير أملاً﴾(1).

 

:. ما المقصود بالزينة؟

لقد عبّر القرآن الكريم عن المال والبنين أنّهما زينة الحياة الدنيا. وإنّنا سنتناول في هذه المحاضرة الشق الأوّل وهو المال، ولكنّنا قبل ذلك نعطي شرحاً لفظياً لمفردات الآية الكريمة ونبدأها بكلمة «الزينة» فنقول:
الزينة هي المظهر الخارجي أو ما يعبّر عنه بـ«الديكور» حسب الاصطلاح العصري (ولذلك يقال للحلاقة الزِيان وللحلاّق الزيّان لأنّه يصفّف الشعر ويرتّبه).
وهذه الحياة الدنيا التي نعيشها مثَلها كمثَل الدار لها أعمدة وسقف وجدران ولها ديكور ورتوش وزخرف وزينة. تمثّل الأعمدة والسقف والجدران وما تألفّت منه من حديد وإسمنت وخشب وطابوق و… أساس وعمارة وبناء الدار، ولا غِنى عنها ليصدق على المورد أنّه دار. أمّا المصابيح والستائر والصبغ وسائر الأمور الظاهرية فهي زينة الدار، ويمكن أن يقوم الدار بدونها.
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول: إنّ الله تعالى عدّ المال والبنين من القسم الثاني في الحياة الدنيا؛ أي إنّ الإنسان إذا كان صحيح الجسم قويّ البنية والإرادة راضياً بما قسم الله له، ولكنّه فقير، فحياته كاملة من حيث الأساس ولا ينقصها إلاّ الزينة والديكور، وكذلك إذا كان فاقداً للأولاد، فإنّهم زينة الحياة الدنيا وليسوا عمادها. وهذا معنى قوله تعالى﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾.

 

:. المال وتحديده

المال ـ في اللغة ـ مشتقّ من (م ي ل) أي أنّ ألفه ـ كما يقول علماء الصرف ـ منقلبة عن ياء، والميل يعني الرغبة. وهذا واضح لأنّ صاحبه يميل إليه. فمَن كان عنده دنانير يميل إليها، فالدنانير مال إذاً. والسجّاد مال لأنّ القلب يميل إليه، والأراضي مال، والمزارع مال، والعقارات والدور والبساتين مال، لأنّ القلب يميل إليها، وهكذا الذهب والفضّة والليرة والريال، والأسهم في الشركات و…
فمَن كان عنده شيء من هذه الأمور مالَ قلبه إليها وفكّر في قيمها وهل ستصعد أو تن‍زل في الأيام القادمة، وما أشبه.

هذا ويكون المال مع الإنسان مادام في هذه الحياة، فإذا مات انفصمت العلاقة بينهما. فالتوقيع الذي يخطّه مليونير على شيك بمبلغ مئات الملايين قد لا يستغرق منه ثواني، ولكن هذا المليونير نفسه لا يستطيع أن يخطّ خطاً قيمته فلس واحد ولو لساعات، بمجرّد أن تفارق روحه بدنه. فلم يعد عنده مال بل كان عنده مال فيما مضى؛ ولذلك ورد في الحديث عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه:
«إِنَّ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ ثَلاثَةَ أَخِلاءَ. فَخَلِيلٌ يَقُولُ لَهُ: أَنَا مَعَكَ حَيّاً وَمَيِّتاً وَهُوَ عَمَلُهُ. وَخَلِيلٌ يَقُولُ لَهُ: أَنَا مَعَكَ حَتَّى تَمُوتَ وهُوَ مَالُهُ، فَإِذَا مَاتَ صَارَ لِلْوَارِثِ. وَخَلِيلٌ يَقُولُ لَهُ: أَنَا مَعَكَ إِلَى بَابِ قَبْرِكَ ثُمَّ أُخْلِيكَ، وَ هُوَ وَلَدُهُ.»(2).
هذا إذا كان أولاده ممّن يحضرون لتشييع أبيهم. أمّا أولاد هذا الزمان فأكثرهم لم يعودوا كذلك. ولقد حضرت شخصياً تشييع مرحومٍ كان مليونيراً ولم يحضر تشييع جنازته أيّ من أبنائه، فاستأجر أحد المنتسبين إليه حمّالين لتشييعه وكنت ممّن حضر تشييعه!

 

:. معاني كلمة «دنيا»

الدنيا تعني الدانية أي القريبة، وربما سميت هذه الحياة بـ«الدنيا» لأنّها قبل تلك الحياة، فهي أقرب إلينا وأُولى، وتلك أبعد وآخرة. فهي من الدنوّ إذاً.
وقد تكون من الدناءة، فالدنيا بمعنى الدنية، أي السافلة التي لا قيمة لها. وحقّ أن توصف كذلك؛ فكلّ مَن تضرّر إنّما فيها تضرّر، وكلّ مَن شقي ففيها شقي.
لقد وصف الله تعالى ـ في هذه الآية ـ هذه الحياة بأنّها دنيا ثم عدّ المال والبنين زينة لها، لا أساساً وعماداً. فالمليونير المحكوم عليه غداً بالإعدام عنده زينة، ولكنّه لا يملك عماد الحياة الدنيا، فلا فائدة من تلك الزينة إذاً.
أمّا مَن كان يعيش راضياً مطمئنّاً فهو متمتّع بالحياة وإن كان عديم المال أو الولد؛ لأنّ المال ليس أكثر من ميل بل وهم، وحدّه مع الإنسان إلى موته. والولد زينة أيضاًً وحدّه مع الإنسان إلى قبره ـ كما في الحديث القدسي ـ إن كان بارّاً.

 

:. الباقيات

تشير الآية ـ في المقطع الثاني ـ إلى المال الذي يستثمره صاحبه في هذه الحياة من أجل الحياة الآخرة، وتسمّيه باقياً. فالمليونير إذا مات لا يبقى له من ماله الذي خلّفه حتى فلس واحد، أمّا المال الذي قدّمه لنفسه في تلك الدار فهو المال الذي يبقى له.
روي أنه: ذبح رسول الله صلى الله عليه وآله شاة في حجرة عائشة فاطّلع عليها فقراء المدينة، فجاءوا وسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يعطيهم، فلمّا دخل الليل لم يبقَ منها إلاّ رقبتها، فسأل عن عائشة ما بقي منها، فقالت:لم يبقَ منها إلاّ رقبتها. فقال صلى الله عليه وآله: قولي بقي كلّها إلاّ رقبتها!(3)

 

:. وقفة تأمّل

لاحظ هذا المال نفسه، الذي يصفه الله تعالى في هذه الآية بأنّه زينة الحياة الدنيا أي أنّه زينة أوّلاً وليس عماداً، ولهذه الحياة الدنيا ثانياً وليس للحياة الباقية العليا، هذا المال نفسه يصفه الباري بسبعة أوصاف عظيمة إذا تركته لله عزّ وجلّ!
الموصوف هنا «أل» الموصولة في قوله تعالى ﴿الباقيات﴾. أمّا الأوصاف فهي أنّها:
1. باقيات.
2. صالحات.
3. خير.
4. عند ربّك. وهذا تقويم كثير وتثمين عظيم. فهذا الذي لا يساوي شيئاً أكثر من كونه زينة للدنيا، وليس أساساً حتى للدنيا، يكون ذات قيمة عند ربّك.
5. ثواباً. أي إنّ هذه الأموال التي لا قيمة لها تنقلب إلى ثواب الله سبحانه.
6. خير؛ تأكيد.
7. أملاً.
ولو بحثتم في القرآن لرأيتم أنّه لم يستعمل كلمة أمل إلاّ مرّتين فقط، إحداهما في الشرّ، والثانية في الخير وهي هذه الآية.
وخير أملاً

يقول الله تعالى عن هذا المال الذي تنفقه في سبيله إنّه خير من جهتين، الأولى أنّه سينقلب ثواباً لك عند الله تعالى، والثانية أنّه خير أمل تعوّل عليه في حياتك؛ فإنّ لكلّ إنسان يعمل عملاً، أملاً يصبو إليه ويتمنّاه. فالذي يدرس يأمل أن يصبح دكتوراً أو مهندساً أو طبيباً أو فيلسوفاً أو أستاذاً في العلوم و… والذي يشتغل أمله أن يكسب مالاً وفيراً. ومَن يعمل في حقل السياسة يؤمّل أن يصبح في يوم ما وزيراً أو مديراً عامّاً أو ما أشبه. ومَن يدرس العلوم الدينية يرجو أن يكون يوماً ما خطيباً بارعاً أو مرجع تقليد أو مجتهداً… وهكذا لكلّ إنسان في هذه الحياة أمل. بيد أنّ الله تعالى يخبرنا أنّ أحسن الأمل هو أن تسلف مالك إلى ذلك العالَم.

 

:. خير للمرء أن ينفق من ماله في حياته

في الأثر أن أحد الصحابة لما حضرته الوفاة أوصى أن يدفع ملء غرفة تمراً من ماله إلى رسول الله ليتولى هو صلى الله عليه وآله بنفسه توزيعها على فقراء المسلمين ـ والتمر يومذاك طعام وإدام ـ . وبعد أن وزّع النبي صلى الله عليه وآله التمر بقيت حشفة (وهي أردأ التمر الذي لا لحم فيه، أو اليابس أو المنقور من الطيور والعصافير) فقال النبي صلى الله عليه وآله: لو أنه أنفقها في حياته لكان خيراً من كلّ هذا الذي أنفقه بعد مماته. (الحديث بالمضمون)
فمن اليسير على الإنسان أن يكتب وصية يوصي فيها أن ينفقوا أمواله في سبيل الله ولكن الأهمّ أن يفعل ذلك بنفسه وفي حياته، لأنّ المهم هو قطع هذا الميل وهذا هو الأصعب.
الشياطين تمسك بيد المنفق
مما يروى أنّه إذا همّ أحد بأن ينفق أمسك خمسة وعشرون شيطاناً بيده... .

ومما يدلّ على ذلك أنّ كثيراً من الناس وعندما ينوي إخراج مبلغ من المال لمشروع خيري ويمد يده في جيبه تراه يتراجع أو يقلّل من المبلغ الذي كان ينوي إعطاءه إذا تأخّر المستطعي قليلاً.
أعرف رجلاً من المؤمنين الأخيار أعطى قولاً للمساعدة في مشروع بمبلغ (500) دينار وكان ذلك في بيت الله الحرام وعند الكعبة المشرّفة، ولكن عندما عاد إلى بلاده تراجع متذرّعاً بذرائع واهية، ولكنّه خسر بعد ذلك بأسبوعين في صفقة واحدة زهاء ثلاثة ملايين دينار!!!

 

:. الصالحات

لقد جاءت كلمة الصالحات في القرآن زهاء مئة مرّة. فما هو معنى الصالح؟
الصالح يعني النافع. فإنّ المال الذي نتركه بعد الممات قد يبقى ولكنّه يكون وبالاً علينا أحياناً، أمّا ما أنفقناه في سبيل الله فهو من الباقيات الصالحات، أي التي تصلح لنا وتنفعنا.
فمَن يبني سينما ويموت، فإنّ السينما تبقى بعده، ولكن هل بقاؤها صالح أم ضارّ عليه؟!
أمّا مَن يبني مسجداً أو حسينية ويدركه الموت، أو يطبع كتاباً دينياً أو يصرف أمواله للفقراء والمساكين أو المشاريع الدينية.. فهذه باقيات وصالحات.
في الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له»(4).
فربّ مساجد في العراق وإيران والحجاز وغيرها يعود تاريخها إلى (1300) سنة أو أقلّ، فهنيئاً لمَن ساهم في بنائها، فهي الباقيات الصالحات حقاً!

 

:. قصتان فيهما عبر

حكى المرحوم والدي (رحمه الله) عن تاجر مؤمن ومسنّ في كربلاء أو النجف سمع قصة إنفاق الرجل بيت تمر بيد رسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته وأنّه كان خيراً له لو أنفقها في حياته.. فقرّر أن يعمل بها.. فأقام لنفسه مجلس فاتحة وهو حي، أطعم خلالها الطعام ووزّع المصاحف لتُقرأ على روحه .. و.. و...
وهكذا الحال في الأربعين والسنة، ثم توفّي بعد رأس السنة بأيام!!
إنّ عمله جميل حقاّ وإن استُهجن من قِبل بعض الناس.
كما أنّ المرحوم الحاج محمود صفر وكان من المشتركين في بناء حسينية ومكتبتها العامة، رئي في عالم الرؤيا من قِبل بعض المؤمنين فسأله عن حاله، فقال: لقد أحسَنوا إليَّ كما أحسنت في بناء الحسينية، وها أنا الآن في مكان كبير وجميل وسط بساتين وأشجار فرحاً مسروراً.

 

:. سارعوا في الخيرات

فلنشمّر عن ساعد الجدّ، ولنضع بعض أموالنا في خدمة المشاريع والمؤسسات الخيرية. فمَن لم يستطع بناء مسجد وحده فليساهم وليبذل مقدار استطاعته. فهذه هي الباقيات الصالحات؛ نسأله تعالى أن يوفّقنا لها ولما يحبّ ويرضى.
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين


* ألقيت المحاضرة عام 1398 هـ.
(1) سورة الكهف، الآية: 46.
(2) وسائل ‏الشيعة ج100، ص106 باب16 وجوب الاشتغال بصالح الأعمال.
(3) مستدرك الوسائل، ج7، ص266.
(4) المعتبر، المحقّق الحلّي، ج1، ص341.