» الفهرست

» القرية في الاستعمال القرآني
» معنى البركة
» لنزول البركات سببان؛ تكويني وتشريعي
» مثال البركات التكوينية
» الإصلاح الزراعي في الإسلام
» الإسلام أفضل نظام


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

﴿ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾(1)

 

:. القرية في الاستعمال القرآني

القرى جمع قرية، والقرية قد تُطلق ويراد بها معناها العرفي وهو ما يقابل المدينة فيكون المقصود من القرى البلدان الصغيرة خارج المدن. وقد يراد منها معناها اللغوي وهو المصر الجامع وكلّ مكان اتّصلت به الأبنية واتّخذ قراراً، فتقع على المدن وغيرها.
الاستعمال القرآني للكلمة يلحظ المعنى اللغوي، فعندما يطلق القرآن كلمة قرية فإنّما يريد بها المدن والبلدان والأمصار. فالكويت مثلاً قرية في الاستعمال القرآني وكذلك بغداد والقاهرة ومكة المكرمة التي أسماها القرآن الكريم أمّ القرى بهذه المناسبة.

 

:. معنى البركة

البركة في اللغة: نماء وزيادة، أو هو الخير الدائم. فلا يقال عن شيء شرّ أو سيّئ ولا عن الخير المنقطع أنّه مبارك. وسُمّيت البِرْكة بِركة لاستمرار الماء فيها وهو خير ونماء؛ قال تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كلّ شيء حي﴾(2).
فعندما نبارك لشخص تزوّج حديثاً فإنّما نتمنّى له دوام السعادة في زواجه، وكذلك عندما نبارك لشخص اشترى داراً فهذا يعني أنّنا نتمنى له دوام هذه النعمة عليه ونماءها وزيادتها وارتقاءها.
ويقول الله تعالى عن كتابه أنّه ﴿ذكر مبارك﴾(3) لأنّ القرآن خير نامٍ ومستمرٍّ.

 

:. لنزول البركات سببان؛ تكويني وتشريعي

إنّ الله تعالى هو خالق الإنسان وهو أعرف بما يصلحه، سواء من الناحية التكوينية أو التشريعية ﴿ألا يعلم مَن خلقَ وهو اللطيف الخبير﴾ (4). ولذلك سنّ الله تعالى قوانين لمصلحة الإنسان ونظام حياته بعضها تكويني هو مجبر عليها، وبعضها الآخر تشريعي ترك للإنسان تنفيذه. فإذا التزم الإنسان بتشريعات الله وما سنّه له من قوانين تصلح حياته نزلت عليه البركات التي مفتاحها القوانين التشريعية ـ إضافة إلى البركات التي أنزلها عليه بإرادته التكوينية التي لا دخل للإنسان فيها ـ وإلاّ عاش في خبط وظلام، وقد يحرمه الله من بركاته التكوينية أيضاً.

 

:. مثال البركات التكوينية

كان في انجلترا جسر يسمى بجسر الانتحار، يقصده الشباب الذين سُلبوا العقل والعاطفة ليلقوا بأنفسهم من على مرتفع منه صوب الجهة التي يتدفّق الماء فيه بسرعة وقوّة ليتلقّفهم ويضرب بهم يميناً وشمالاً بالصخور ثم يموتون!
عندما لاحظ المفكّرون هناك أنّ معدّلات الانتحار في حالة ارتفاع مستمرّ، فكّروا في إيجاد طريق لتقليله - وهذا هو الفرق بين الإسلام وغيره، فإنّ الإسلام يستأصل المشكلات والأمراض من الجذور، أمّا الأنظمة الأخرى فتفكّر في تقليله، وهي لا تنجح حتى في ذلك. فإنّ الإسلام يطرد الفقر والقلق من حياة الإنسان. أمّا الحضارات الأخرى وبتعبير آخر التفكير البشري، فيحاول تقليلهما ولا ينجح -.
وبعد أن اجتمع الخبراء والمفكّرون والعلماء وقاموا بتجارب كثيرة اهتدوا إلى شيء خلقه الله عزّ وجلّ منذ آلاف السنين، حيث اكتشفوا أنّ اللون الأخضر أكثر الألوان تأثيراً في مخّ الإنسان، فالخضرة أقوى وأجمل لون يناسب المخّ. فقاموا بصبغ الجسر باللون الأخضر. وكانت النتيجة تدنّي معدلات الانتحار في السنوات القادمة بنسبة ثمانين في المئة.
والآن تعال إلى الطبيعة وانظر بأيّ لون كساها الله تعالى، لكي تطرد القلق والسأم عن الإنسان؟ إلاّ اللون الأخضر للأشجار؟
فكما أنّ خالق الطبيعة خلقها وفق نظام وقوانين تصلح للإنسان، فكذلك تشريعات الله! ولكن مع فرق أنّ الله تعالى ترك الإنسان حرّاً في تطبيقها! ولذلك يقول الله تعالى: ﴿ولو أنّ أهل القرى…﴾ الآية.

 

:. الإصلاح الزراعي في الإسلام

ينطلق الإصلاح الزراعي في الإسلام من هذه الآية الكريمة التي صدّرنا بها البحث، ومن كلمة الرسول الخالدة، المذكورة في كتب الحديث كافة، حيث قال صلى الله عليه وآله «مَن غرس شجراً أو حفر وادياً بدياً لم يسبقه إليه أحد وأحيى أرضاً ميتة فهي له؛ قضاء من الله عز وجل ورسوله»(5). ومعنى الحديث أنّ الأرض لله تعالى وللإنسان الذي يعمر تلك الأرض؛ وأنّ هذا هو حكم الله ورسوله.
وفي الحديث الشريف أيضاً: «إنّ الأرض لله عز وجل ولمَن عمَّرها»(6).
يمرّ اليوم أكثر من أربعة عشر قرناً على صدر الإسلام، وبسبب التطوّر العلمي الحاصل خلال هذه الفترة تطوّرت الزراعة وأساليبها. ولكن مقارنة بين أوضاع الزراعة في العصور الإسلامية وعصرنا الحاضر يكشف لنا بوضوح أنّ الإصلاح الزراعي موجود في الإسلام وليس في التشريعات الأخرى، لأنّ مشرّع الإسلام هو الله سبحانه، وما عداه فهو فكر بشري قاصر لم يحقّق سوى إفساد الزراعة والنظام الزراعي!

يقول جرجي زيدان (الكاتب العربي المسيحي المعروف) في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»: إنّ الأراضي المزروعة في مصر اليوم تبلغ ستة ملايين فدّان. ثم ينقل عن الاصطخري أنّ الأراضي المزروعة في مصر في القرن الرابع الهجري (أي قبل ألف سنة) بلغت ثلاثين مليون فدّان.
ثم يذكر نموذجاً آخر عن السدود المنشأة على نهر دجلة في العراق من بداية دخوله عبر تركيا إلى العراق في مدينة الموصل في شمال العراق حتى بغداد في وسط العراق فيقول نقلاً عن الاصطخري أيضاً أنّها كانت تبلغ على هذا النهر في هذه المسافة التي تبلغ حوالي (500كم) زهاء أربعين سدّاً، فيما لا نعلم اليوم بوجود أكثر من سدّين هما سد سامراء وسد الثرثار!!
إنّ المفروض في كمية الأراضي المزروعة في مصر اليوم ـ ومصر نموذج ومثال وإلاّ فهذا حال كلّ العالم الإسلامي ـ أن تكون أضعاف ما كانت عليه في العصر الإسلامي لو أخذنا بنظر الاعتبار التقدّم الحاصل في الآلات والمكائن الزراعية، بل إنّ أكثر الأعمال الزراعية كانت في العصور الإسلامية الأولى باليد. ومع ذلك فإنّ الزراعة كانت تغطّي معظم أراضي مصر حيث تبلغ مساحتها ستّة وثلاثين مليون فدّان فقط. والشيء نفسه يقال بالنسبة للسدود المقامة على نهر دجلة في العراق.

هذان النموذجان لأفضلية النظام الإسلامي من خلال أفضلية النتائج المحقّقة على أرض الواقع ذكرهما جرجي زيدان في كتابه «تاريخ التمدّن الإسلامي»، وأنا أضيف إليهما مثالاً ثالثاً، وهو السدّ العالي في مصر. فقد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها عندما أنشأوا هذا السد، والذين عاصروا تلك الفترة يتذكّرون الضجيج الذي ملأ الآفاق عن السد العالي وأنّه خدمة للبلاد وإنجاز للأمة العربية، وتحدّثتْ الإذاعات وتناقلت الصحف أنباء بنائه، وبالفعل فقد ازدهرت الزراعة في مصر نسبياً فوصلت إلى سبعة ملايين وثمانمئة ألف فدّان، أي لم تبلغ الثمانية ملايين فدّان.
أقول مع الأجهزة الحديثة والجرارات والأدوات، ومع السدّ العالي لم تصل نسبة الأراضي المزروعة في مصر إلى ثمانية ملايين فدّان؛ بينما وصلت في العهد الإسلامي رغم بداءة الوسائل إلى ثلاثين مليوناً!

 

:. الإسلام أفضل نظام

عندما نقارن هذه النتائج سنكتشف صلاحية النظام الذي أثمر النتائج الأفضل؟ إنّ هذا دليل على صلاحية الإسلام وأنّه عرَف كيف يصلح الزراعة ويسير بها نحو الأفضل.
الإسلام ليس مجرّد نظريات بل كلّه فكر قابل للتطبيق، ولقد طُبّقت تشريعاته في العهود الإسلامية وأعطى نتائج باهرة.
ينقل المؤرّخون أنّه كانت توجد في مدينة البصرة أنهار تسير فيها الزوارق؛ بلغ عددها - أي الأنهار - اثني عشر ألفاً!
وروي أيضاً أنّ رجلاً قدم العراق - قبل ألف سنة من الآن - وصنع للعراقيين شيئاً, وعندما أراد أن يعود إلى بلده قالوا له: نريد أن نكافئك على صنعتك، فاطلب ما بدا لك. فقال: أريد منكم جريباً من الأرض جرداء في العراق أزرعها (والجريب ألف متر مربع). فتعجّبوا من قوله، وقالوا: هذا هيّن، اطلب ما هو أعظم منه. ولكنه أصرّ على طلبه. وعندما بحثوا لم يجدوا في العراق جريباً خالياً من الزرع!
ولعلّ الرجل كان يريد أن ينبّههم إلى النعمة التي يرفلون فيها. والقصّة ليست قصّة العراق أو مصر بل قصّة الوطن الإسلامي برمّته. اقرأوا التاريخ لكي تعلموا أنّ كلّ الوطن الإسلامي كان هكذا؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا…﴾. لاحظوا كتب الفقه والحديث عند الشيعة والسنة على السواء، تجدون حرية في الزراعة لا توجد في أيّ نظام وتشريع، وإليها يعود الازدهار الزراعي في الإسلام.
فكلّ شخص يزرع أرضاً فهي له سواء كان مسلماً أم يهودياً أم نصرانياً أم مشركاً أم عابد وثن. يقول الإسلام: الأرض لله فمن يزرعها فهي له، ولا يسأل عن الزارع بعد ذلك؛ ما دينه؟ وما لونه؟ وما هي جنسيته؟ ومن أيّ منطقة هو؟ وهل هو من أهل البلد أم لا؟ ولا تسأل عن عمره، وعن المادة التي يريد زراعتها. يقول لك الإسلام: ازرع ما شئت ومهما شئت ما لم يكن من الأمور المحرّمة الضارة بالمجتمع فإنّه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

ابحث في كلّ الحضارات المعاصرة والبائدة هل تجد مثل هذه الحرية وهذا التمليك؟ أم ستلاحظ وجود مئات القيود والمواد القانونية التي تحرم الكثيرين من زراعة الأرض وإعمارها؟
يقول الإسلام: «مَن أحيا أرضاً مواتاً فهي له»(7)، والأرض الموات هي الأرض الجرداء غير المزروعة والتي لا يوجد فيها نهر ولا قناة وغير مسيّجة مثل أكثر الأراضي المتروكة في البلاد الإسلامية.
وهذا النص ذو حدّين. فمن جهة هو يمنع الاحتكار، فلا يحق لك أن تحتكر هكتاراً من الأرض وتتركها جرداء، ومن جهة أخرى يدفع نحو الإعمار الزراعي فإنّك إن استطعت أن تزرع الأراضي الجرداء مهما بلغت مساحتها فهي لك. إنّ الإسلام يريد أن تنتشر الزراعة وأن تعمّ البركات الأرض كلّها.
لماذا خلق الله الأمطار؟ هل لتن‍زل على أراضٍ جرداء وتذهب هكذا هباءً؟! أم لكي تسقي الأرض ويستثمرها الإنسان؟ لقد خلق الله تعالى الأرض والمطر والإنسان وربط بينهم وأطلق يد الإنسان ليحصل على بركات السماء والأرض.

لقد وزّعت إحدى الحكومات الأراضي على الناس فأعطت كلّ مواطن هكتاراً من الأرض، وعدّت ذلك إنجازاً عظيماً وتقدّماً وإصلاحاً، بينما هو خطأ من جهتين: فإنّ إعطاء شخص ما هكتاراً وهو لا يستطيع زراعة أكثر من جريبين مثلاً، تبديد للثروة وحرمان لغيره الذي يستطيع أن يزرعها كلّها.
كما أنّ إعطاء هكتار واحد فقط لمن يستطيع أن يزرع أكثر منها تبديد للطاقات وحرمان المجتمع منها، فكيف يساوى مَن عنده مال وطاقة وكفاءة ويستطيع إحياء عشرة هكتارات مثلاً بمَن لا يستطيع إحياء هكتار واحد؟!
إنّ في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة مفاتيح لتنظيم معاشر الناس بصورة صحيحة سوء في مجال السياسة أو الاجتماع أو التربية أو الاقتصاد أو الأسرة أو علاقات الأفراد بعضهم مع بعض، ولا طريق لنا إلاّ بالعودة إلى تعاليم الإسلام، فإنّ في كلّ آية وحديث إنقاذاً لنا من باب من أبواب المشاكل التي نعاني منها. فلنرجع إلى القرآن ونطبّقه حرفياً على وضعنا المعاصر يُن‍زل الله علينا بركات من السماء والأرض.
وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين


* ألقيت المحاضرة عام 1398هـ.
(1) سورة الأعراف، الآية: 96.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 30.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 50.
(4) سورة الملك، الآية: 14.
(5) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج7، ص151، ح670.
(6) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي، ج7، ص152، ح672.
(7) تهذيب الأحكام، ج7، ص152، ح673.