» الفهرست

» عيد الله الأكبر
» الغدير ووفور النعمة
» الغدير والتعاطف مع الناس
» مبادئ مدرسة الغدير
» الغدير والمشاعر الإنسانية
» مسؤوليتنا تجاه الغدير


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

:. عيد الله الأكبر

طبقاً للروايات الإسلامية فإنّ عيد الغدير هو أعظم أعياد الله تبارك وتعالى.
روي عن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله أنّه قال: «يوم غدير خمّ أفضل أعياد أمّتي وهو اليوم الذي أمرني الله ـ تعالى ذكره ـ فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب علَماً لأمّتي يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين وأتمّ على أمّتي النعمة ورضي لهم الإسلام ديناً»(1).
وعن عبد الرحمن بن سالم عن أبيه قال سألت أبا عبد الله عليه السلام «هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قال: نعم، أعظمهما حرمة، قلت: وأيّ عيد هو جعلت فداك؟ قال: اليوم الذي نصّب فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه. قلت: وأيّ يوم هو؟ قال ... يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة»(2).
فعيد الغدير ليس يوم أمير المؤمنين علي سلام الله عليه وحده، بل هو يوم الرسول الكريم صلى الله عليه وآله أيضاً، بل يجب القول بأنّه يوم الله تعالى، لأنّ الله تعالى والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين سلام الله عليه في امتداد بعض.

لقد ذكر الله تعالى هذا اليوم فقال: «اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً». وحسب هذه الآية الكريمة فإنّ كمال الإسلام حصل عندما أعلنت ولاية علي سلام الله عليه كفريضة.
كما روي عن الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه قوله: «وكانت الفرائض ينزل منها شيء بعد شيء، تنزل الفريضة ثم تنزل الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله عزّ وجلّ: اليَوْمَ أكْمَلْتُ... يقول الله عزّ وجلّ: لا أنزل عليكم بعد هذه الفريضة فريضة، قد أكملت لكم هذه الفرائض»(3).

لقد أوحى الله عزّ وجلّ بالأحكام والواجبات الواحدة تلو الأخرى حتى ختمها بالولاية، لأنّه عندما تمّ بيان هذا الحكم، أنزل الله هذه الآية «اليَوْمَ أكْمَلْتُ ...»، ليعلن أن لا فريضة بعدها. فبعد نزولها وتنصيب أمير المؤمنين سلام الله عليه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله أدرك الناس مراد الله تعالى من الآية الكريمة: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، وعلموا أنّ عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله الامتثال لطاعة أمير المؤمنين وأبنائه الطاهرين سلام الله عليهم.
يقول الإمام محمد الباقر سلام الله عليه: «آخر فريضة أنزلها الله الولاية: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسْلامَ ديناً»(4).
إذن، فريضة الولاية كانت آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ومن ثمّ قُبض صلى الله عليه وآله.

 

:. الغدير ووفور النعمة

ممّا يثير الانتباه في هذه الآية الكريمة أنّ الله تعالى قد ربط إتمام نعمته على الخلق بموضوع الولاية، أي كما أنّ تحقّق كمال الدين ارتبط بالولاية فإنّ إتمام النعمة أنيط بإعلانها من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله. والمقصود بالنعمة جميع النعم، ظاهرها وباطنها مثل العدل والمساواة والاتحاد والأخوة والعلم والأخلاق والطمأنينة النفسية والروحية والحرية والإحساس بالأمن، وبعبارة موجزة جميع أنواع العطايا.
لذا، فموقف الذين سعوا إلى تفسير النعمة بالشريعة والولاية واعتبارها مجرّد مسألة معنوية محلّ تأمّل ونظر، لأنّ الآية المذكورة لم تتطرّق لمسألة أصل النعمة، بل الحديث يدور حول «إتمام النعمة»، فأينما ورد ذكر إتمام النعمة في القرآن الكريم كان المراد منها النعم التي يصيبها الإنسان في الدنيا(5)، ومن هنا توجد علاقة مباشرة بين ولاية أمير المؤمنين علي سلام الله عليه والتمتّع بالنعم الدنيوية، وإحدى الشروط المهمّة والرئيسية للوصول بنا إلى مجتمع الحرية والبناء القائم على أساس العدالة والأخلاق وسيادة القيم والفضائل الأخلاقية الإنسانية أن نسلّم لما بلّغ به رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم الغدير، وأن نقبل عملياً بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه، بعبارة أخرى: إنّ الأخذ بولاية أمير المؤمنين سلام الله عليه، له أثر تكويني، ويوجب سبوغ البركات والخيرات على الناس من الأرض والسماء.
ژيقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: «وَلَوْ أنَّهُمْ أقاموا التَوْراةَ وَالإنْجيلَ وَما اُنْزِلَ إلَيْهِم مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أرْجُلِهِم»(6).

لو أردنا أن نشرح الغدير في عبارة موجزة نقول: الغدير هو الوعاء الذي تصبّ فيه جميع تضحيات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وهو مخزن الأحكام والآداب التي أوحى الله تعالى بها إلى رسوله الأمين، وفي إشارة إلى هذه الحقيقة يقول جلّ وعلا: «يا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه»(7).
والغدير روضة الفضائل والأخلاق والمكارم والمحاسن بل هو المكارم بعينها، ويدين التطور الحضاري والمعنوي له؛ وذلك لأنّه كان أهمّ عامل في حفظ كيان الإسلام والدين، ويعدّ إنكاره بمثابة إنكار لجميع القيم الإسلامية السامية الممتدّة على أرض الإسلام الواسعة.

على هذا ، كلّ عقيدة لا تغرف من معين الغدير فإنّها على وهن وفاقدة للأساس، والغدير بجوهره وروحه يعني مدرسة أمير المؤمنين سلام الله عليه التي تصلح لإسعاد البشر أجمع. فأمير المؤمنين سلام الله عليه هو بعد الرسول صلى الله عليه وآله أعظم آيات الله عزّ وجلّ ولا تضاهيه آية، وفي هذا يقول الإمام الباقر سلام الله عليه للّذي أراد سبر معرفة الله بدون أمير المؤمنين سلام الله عليه: «فليشرّق وليغرّب»، أي لن يبلغ غايته ولو يمّم وجهه شرقاً وغرباً. إنّه لمن تعاسة الإنسان وسوء حظّه أن يطلب العلم والمعرفة من غير طريق علي وآل علي سلام الله عليهم، وهذا العلم، إن حصل، فإنه ليس بذاك لأنّه مفرّغ من القيم الأخلاقية والمعنوية، وبعيد عن روح الشريعة.

 

:. الغدير والتعاطف مع الناس

إحدى خصال الإمام علي سلام الله عليه خاصة في فترة خلافته هي تعاطفه مع الناس، ويتجلّى تعاطفه مع أفقر الناس من خلال عمله وقد قال: «ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه»(8).
فهو سلام الله عليه لم يضع حجراً على حجر، ولم يسكن قصراً فارهاً ولم يمتطِ فرساً مطهّماً، وتحمّل كلّ المصاعب هذه لئلا يكون هناك فرد في أقصى نقاط دولته يتبيّغ بفقره لا يجد حتى وجبة غذاء واحدة تسدّ رمقه، وهو القائل: «لعلّ هناك بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع»(9). لذا، فإنّه لمجرد أن يحتمل سلام الله عليه وجود أفراد في المناطق النائية من رقعة حكومته جوعى، لم يكن ينام ليلته ممتلئ البطن، وقد حرم نفسه حتى من متوسط الطعام واللباس والمسكن ولوازم الحياة العادية.
أراد الإمام علي سلام الله عليه بنهجه هذا تحقيق هدفين: الأول: أن يُبعد عنه أي شبهة كحاكم إسلامي، ويسلب منتقديه أي حجّة تدينه، هؤلاء المنتقدين الذين أنكروا عليه حتى مناقبه(10).
والهدف الثاني: هو تذكير الحكّام المسلمين بمسؤولياتهم الخطيرة تجاه آلام الناس وفقرهم في ظلّ حكوماتهم، وضرورة إقامة العدل والتعاطف مع آلامهم وعذاباتهم، والسعي بجدّ من أجل تأمين الرفاهية والعيش الكريم لهم.

من هذا المنطلق، فإن مجرّد احتمال وجود أناس يتضوّرون جوعاً في أبعد نقاط الحكومة الإسلامية يعتبر في ميزان الإمام علي سلام الله عليه مسؤولية ذات تبعات، لذا فهو سلام الله عليه يؤكّد على الحكّام ضرورة أن يجعلوا مستوى عيشهم بنفس مستوى عيش أولئك، وأن يشاركوهم شظف العيش.
وهنا تتجلى عظمة الغدير أكثر فأكثر، وتسطع أنوار القيم والتعاليم السامية التي يحملها يوماً بعد آخر، تلك القيم التي تؤمّن التوازن السليم بين المتطلبات الروحية والعقلية والمادية والمعنوية للبشر، لتحقّق السعادة للجميع أفراداً ومجتمعات، حكاماً ومحكومين.

 

:. مبادئ مدرسة الغدير

وهي مبادئ واسعة وعميقة لدرجة أنّه لا يستطيع أحد الإحاطة بها وبكنهها جميعها، إلاّ قبساتها التي تشعّ. ومن أقوال الإمام علي سلام الله عليه، على سبيل المثال، ألفت نظركم إلى العبارة التالية الموجزة الكلمات والعميقة الغور: «والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت»(11).
النقطة البالغة الأهمية التي تتضمّنها هذه العبارة أنّ الإمام سلام الله عليه قد استخدم كلمة «لو» وهي كما يذكر علماء الأدب ليس مجرد حرف شرط، بل حرف شرط يدلّ على امتناع لامتناع أي امتناع الجواب لامتناع الشرط. يقول الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز: «لَوْ كانَ فيهما آلِهَةٌ إلاّ اللهُ لَفَسَدَتا»(12)، أي لو كان في الأرض والسماء آلهة غير الله عزّ وجلّ لانفرط عقد الكون، ولكنّ الأمر ليس كذلك، فالسماوات والأرض باقيتان على حالهما ممسكتان، إذن ليس فيهما آلهة إلا الله. فحرف (لو) سلفاً يدلّ على أن ما بعده من الشرط غير ممكن.
وهكذا نحو قولنا: لو كان لي جناحان لطرت بهما، فانتفى طيراني لعدم امتلاكي جناحين. فـ (لو) ابتداءً يدلّ على انتفاء مدخوله، من هنا، يكون معنى قوله سلام الله عليه «والله لو أعطيت...»: أن عصياني لله تعالى في ظلم نملة بهذا المقدار القليل لا يمكن تحققه حتى إذا كان بإعطائي مقابله الأقاليم السبعة. وهذا المعنى يؤشر عليه حرف (لو).

والإمام سلام الله عليه غير مستعدّ للفوز بملك الأقاليم السبعة في مقابل معصية الله ولو في سلب قوت نملة واحدة، ففي القول دلالة على نملة مفردة.
ونقطة ثانية مهمة في العبارة المذكورة: هي استخدام كلمة «جلب شعيرة»، وهي قشرة حبة الشعير الرقيقة، والتي تنزع عنها تلقائياً، ولو كان يوجد ما هو أتفه شأناً من جلب الشعير لقارن الإمام سلام الله عليه به. من هنا، فقد أقام الحجّة على جميع الحكّام وولاة الأمر، واضعاً إيّاهم أمام مسؤولياتهم الخطيرة، هؤلاء الحكّام الذين لا يتورّعون عن ارتكاب أي جريمة، فيبيدون الحرث والنسل، ويزهقون الآلاف من الأرواح الطاهرة البريئة من أجل شبر من الأرض أو مال قليل أو بلوغ المناصب والتمتّع بحطام الدنيا الزائل.
حسب ثقافة الغدير، فإنّ في سلب النملة جلب شعيرة معصية، فما بالك بقتل الأفراد بالظنّة والشبهة. في النقطة المقابلة، نجد المنطق الأموي والعباسي الذي كان يعاقب الأفراد بتهمة حبّهم لعلي سلام الله عليه، ويقمع الخصوم الفكريين لأدنى شبهة.

والحكام السابقون للإمام علي سلام الله عليه أيضاً كانوا يسيرون على هذا النهج نفسه ـ أي نهج الحكام الأمويين والعباسيين ـ حيث كانوا يخنقون أصوات المعارضين لأتفه الأسباب، فمثلاً أرسل أبو بكر جيشاً بقيادة خالد بن الوليد للإجهاز على معارضيه، وقد أدّى خالد المهمّة بوحشية وبشاعة بإهراقه دماء فريق من المسلمين في حروب سمّيت «بحروب الردّة»، وتحت ذريعة محاربة المرتدّين، إلاّ أنّ معظم الذين سفكت دماؤهم من قبل خالد وجيشه كانوا من المسلمين الأبرياء، ولم تكن تهمة الارتداد سوى ذريعة(13).
بل إنّ الأساليب التّي اتّبعها خالد في حربه ضدّهم كانت مخالفة تماماً لنهج الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وتعاليم الإسلام، وتتلخص أساليب خالد في: قتل المسلمين بقذفهم من المرتفعات والأماكن العالية، وحرقهم وهم أحياء، والتمثيل بهم، وقطع أوصالهم، وإلقائهم في الآبار، في حين كان الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ينهى عن المثلة حتى بالكلب، في هذا يوصي الإمام علي سلام الله عليه أهل بيته محذراً إيّاهم من التمثيل بقاتله، بقوله: «..فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور»
(14). وهذا غيض لفيض من الفظائع التي ارتكبها خالد وهو منطلق بأمر أبي بكر.


:. الغدير والمشاعر الإنسانية

بركة أخرى من بركات الغدير هي الوقوف على الجانب العاطفي من شخصية الإمام علي سلام الله عليه والأئمة سلام الله عليهم الذين نصّبهم رسول الله صلى الله عليه وآله لخلافته من بعده، ففيهم تتجلّى الرحمة الإلهية على الخلق وهم التجسيد الحيّ لأسمائه الحسنى، حيث ورد في بعض الروايات أنّ الآية الكريمة: «وَللهِ الأسْماء الحُسْنى فادْعوهُ بِها»(15) نزلت في شأنهم.
فمن شفقة أمير المؤمنين سلام الله عليه على الخلق أنه أعطى طعامه للأسير واليتيم والمسكين وبات جائعاً هو وزوجته وولداه الحسن والحسين سلام الله عليهم أجمعين ثلاثة أيام متواليات، ولم يكن طعامهم سوى أقراص خبز. وعلى فراش الشهادة أوصى سلام الله عليه بإعطاء مقدار من الحليب الذي كان يتناوله كدواء إلى قاتله ابن ملجم، وأن لا يُبخس حقّه في المأكل والمشرب والمكان والملبس المناسب  (16). بل كان يطالبهم أن يعفوا عن ابن ملجم حيث قال لهم: «إن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة فاعفوا، ألا تحبّون أن يغفر الله لكم»(17).

يروي المؤرخون أنّه بعد استشهاد الإمام علي سلام الله عليه كانت له درع مرهونة عند يهودي، بينما بلغت أموال عثمان بن عفان بعد مقتله 150 ألف دينار ومليون درهم، وكانت لعثمان أيضاً أملاك في وادي القرى وحنين ونواحي أخرى تقدّر بـ200 ألف دينار، هذا بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الإبل والفرس(18).
فلتقارن هذه الثروة العظيمة التي خلّفها عثمان مع الدَيْن الذي كان بذمّة الإمام علي سلام الله عليه عند استشهاده ليتبيّن لنا البون الشاسع بين المنهجين، ونكتشف عظمة علي سلام الله عليه والغدير أكثر فأكثر. وهنا، ينجلي لنا جانب من السرّ الذي تنطوي عليه عظمة الغدير ومقولة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله باعتباره أهمّ الأعياد.

 

:. مسؤوليتنا تجاه الغدير

لكي نعرف طبيعة وحجم المسؤولية التي يلقيها الغدير على عاتقنا، يجب أولاً أن نسأل أنفسنا، إلى أي مدى تعرّف العالم المعاصر على الغدير وسبر أسراره العميقة؟ وإذا كان يجهل الغدير فمن الذي يتحمّل مسؤولية هذا الجهل؟ وما طبيعة المسؤولية التي نضطلع بها في الغدير أمام الله عزّ وجلّ وتجاه المجتمعات الإسلامية؟
في الحقيقة، لا يحمل الجيل الحالي عموماً تصوراً واضحاً وصحيحاً عن الغدير، و تقع مسؤولية ذلك على عاتقنا نحن في الدرجة الأولى، فلو أدّينا واجبنا في شرح فكرة الغدير للناس لكان الوضع أفضل ممّا نحن عليه الآن.
كان علينا أن نوضّح للعالم بأنّ الغدير يعني تحقيق الرفاهية وتوسيع نطاقها، وبلوغ التقدم والرقي والوفور وعمران المجتمعات الإنسانية، الغدير يعني المساواة بين الممسكين بمقاليد الاقتصاد والمال وبين باقي أفراد المجتمع، والقضاء على الطفيلية والعصابات. وحسب ثقافة الغدير، فإنّ المسؤولين عن الشؤون المالية هم المؤتمنون فحسب ولا شيء أكثر من ذلك. الخلاصة، إنّ الغدير يعني ميثاق ولاة الأمر مع الله عزّ وجلّ بأن يجعلوا مستوى عيشهم بمستوى أقلّ الأفراد في المجتمع، وأن يحاكوهم في المأكل والمسكن والملبس والرفاهية ...إلخ.

في الختام، نؤكّد المسؤولية الخطيرة الملقاة على عاتقنا إزاء الغدير وأمير المؤمنين سلام الله عليه، وضرورة الالتزام بهذه المسؤولية فيما يتعلّق بالغدير. ومن أهمّ هذه المسؤوليات في الوقت الراهن نشر مفاهيم الغدير، ودعوة عموم الناس لينهلوا من هذه المائدة السماوية؛ وفي غير الحالة هذه، لا يوجد أدنى أمل في كفّ الحكّام المستبدّين أيديهم عن المستضعفين، وإنقاذ الإنسانية يوماً ما من هذا الوضع السيّئ والخطير، والوصول إلى ساحل الأمن والرفاهية والعدل والحرية.
إذن، عندما يكون الحديث عن الغدير، فإنه في الواقع حديثٌ عن المعاني التي ذكرناها آنفاً، مجسّدة الروح العظيمة لأمير المؤمنين سلام الله عليه.
بقي أن نتساءل: يا ترى هل سينجب التاريخ حاكماً عادلاً يقتفي أثر الإمام علي سلام الله عليه الذي كان يتعاطف مع أضعف مواطني حكومته؟ هنا يتوضّح جلياً مغزى قول الإمام الرضا سلام الله عليه: «لو عرف الناس فضل هذا اليوم بحقيقته لصافحتهم الملائكة في كلّ يوم عشر مرّات»(19).
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


(1) الأمالي، الصدوق، 188/ 197، الإقبال، السيد ابن طاووس، 2/ 264.
(2) أصول الكافي، الكليني، 4/ 149، ح3.
(3) دعائم الإسلام، القاضي نعمان المغربي، 1/ 14.
(4) تفسير العيّاشي، 1/292/20.
(5) سورة المائدة، الآية 3 و6؛ سورة البقرة، الآية 150؛ سورة يوسف عليه السلام، الآية 6؛ سورة النحل، الآية 81، سورة الفتح، الآية 2.
(6) سورة المائدة، الآية 66.
(7) سورة المائدة، الآية 67.
(8) نهج البلاغة، الرسالة 45.
(9) نفس المصدر السابق.
(10) لقد أنكر هؤلاء المنتقدون قصة تصدّقه سلام الله عليه بالخاتم راكعاً، على الرغم من أنّ معظم المفسّرين قد أقرّوا بأنّ الآية الكريمة: «إنّما وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسولُهُ والّذينَ آمَنوا الّذينَ يُقيمونَ الصّلاةَ وَيُؤتونَ الزّكاةَ وَهُمْ راكِعون» نزلت في شأن الإمام علي سلام الله عليه، وهو مصداقها الوحيد.
(11) نهج البلاغة، الخطبة 254.
(12) سورة الأنبياء، الآية 22.
(13) تاريخ الطبري، 3/ 1189ـ 1303، محمد حسين روحاني، كتاب الردّة، محمد بن عمر بن واقد، 140. تاريخ اليعقوبي، 2/9، محمد إبراهيم آيتي.
(14) نهج البلاغة، الرسالة 47، صبحي الصالح.
(15) سورة الأعراف، الآية 180.
(16) كان عليه السلام يقول: أطيبوا طعامه وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا وليّ دمي، فإمّا عفوت وإمّا اقتصصت، وإن أمت فألحقوه بي، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين. البلاذري، أنساب الأشراف، ، 3/ 256. ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، 1/181. وفي رواية أخرى: أطعموه من طعامي، اسقوه من شرابي، فإن أنا عشت رأيت فيه رأيي، وإن أنا متّ فاضربوه ضربة لا تزيدوه عليها. المناقب، الخوارزمي، 388/ 403، مقتل أمير المؤمنين، 23ـ 40.
(17) نهج البلاغة، الرسالة 47، صبحي الصالح.
(18) مقدمة ابن خلدون، 1/393، محمد پروين گنابادي.
(19) بحار الأنوار، المجلسي، 94/ 118.