» الفهرست

» مقدمة
» الإنسان بطبعه ميّال لذاته
» الشيخ محمد تقي الشيرازي ونكران الذات
» أمثلة على حب الذات
» نكران الذات مصدر كل الفضائل
» مثنى وفرادى
» واقعة فيها عبرة
» العمل بالآية
» الخلاصة


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

قال الله تعالى: ﴿قل إنّما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكّروا﴾(1).

 

:. مقدمة

هذه الآية الكريمة من عجائب آيات الذكر الحكيم، فإنّ الله سبحانه وتعالى يأمر نبيّه صلى الله عليه وآله أن يقول لعبدة الأصنام والمشركين والنصارى واليهود وغيرهم: ﴿إنّما أعظكم بواحدة﴾ أي لا أطلب منكم سوى الإصغاء إلى موعظة ونصيحة واحدة فقط.
لاشكّ أنّ مواعظ النبي صلى الله عليه وآله والقرآن كثيرة، بل إنّ القرآن معظمه مواعظ، كما لا شكّ أنّ كلّ ما أتى به الأنبياء عليهم السلام وما نزل عليهم يتلخّص بالقرآن الكريم فهو عصارة الرسالات السماوية كلّها، كما أنّ مواعظ النبي صلى الله عليه وآله تختزل مواعظ الأنبياء الذين سبقوه كافة، أي مواعظ مئة وثلاثة وعشرين ألفاً وتسعمئة وتسعة وتسعين نبياً، ولكن الله سبحانه يطلب من نبيّه أن يلخّص المواعظ كلّها بكلمة واحدة؛ يقول تعالى لنبيه الكريم: ﴿قل إنّما أعظكم بواحدة﴾ و﴿إنّما﴾ كما هو معلوم ـ تفيد الحصر، أي بموعظة واحدة وحسب.

فما هي الموعظة التي يأمر الله نبيه أن يقول لمخاطبيه إنّه يعظهم بها وحسب؟ تقول الآية المباركة: ﴿أن تقوموا لله﴾ أي أن يكون قيامكم ونيّتكم وتوجهكم وتفكيركم خالصاً لله. ولا يراد من القيام هنا القيام للصلاة أو أداء العبادات الأخرى، بل المقصود التفكير وإخلاص النية، وبتعبيرنا المعاصر نكران الذات والتجرّد عنها وأن يكون الله تعالى هو الهدف والنية والوجهة، وليس الذات ومصالحها.

 

:. الإنسان بطبعه ميّال لذاته

كلّ إنسان يعيش على وجه البسيطة ـ إلاّ القليل منهم ـ يوقّر ذاته ويحترمها ويراها أعلى من كلّ شيء، مع أنّ كلّ البلايا والمصائب وكلّ ظلم وتجاوز يأتي من حبّ الذات؛ وذلك عندما يحترم كلّ منّا ذاته في مقابل الحقّ سبحانه وفي مقابل الأخلاق والمجتمع والفضائل. فأكثر الأشخاص يرى الله ويرى ذاته معه؛ يرى المجتمع ويرى ذاته معاً؛ يرى الأخلاق ويرى ذاته معاً، ولذلك ترى الناس في الغالب يسحقون كلّ شيء من أجل ذواتهم.
فالذي يفعل الحرام أو يأكل الربا أو يظلم الناس إنّما يفعل ذلك من أجل ذاته.. فهو يريد لها المال.. يريد لها التقدير والظهور والوجاهة والزعامة وتحقيق كلّ رغباتها. فإذا لم يكن يرى الله وينكر ذاته تراه يسحق أحكام الله ولا يبالي، ويولّي ظهره لله ولأنبيائه ويتّخذ نفسه إلهاً من دون الله.
ومن هنا كان نكران الذات وحبّ الله أساس كلّ فضيلة، وهذه الآية تلخص هذا المعنى. فكما أنّ الإنسان الذي يحبّ ذاته يرتكب كلّ رذيلة من أجلها ـ وكما في الحديث النبوي الشريف: «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة»(2) ـ فكذلك يكون معرفة الله والقيام له ونكران الذات أساس كلّ فضيلة. فمن ينكر ذاته يترفّع عن الرذائل. وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

 

:. الشيخ محمد تقي الشيرازي ونكران الذات

كان المرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي رضوان الله عليه (مفجّر ثورة العشرين في العراق ومحرّره من الاستعمار الإنجليزي وهو في الثمانين من العمر) مرجعاً دينياً كبيراً عُرف بالورع والتقوى، حتى أنّ تلاميذه عندما كانوا يُسألون عن عدالته كانوا يجيبون: سلوا عن عصمته وهل هو معصوم أو لا ـ ولاشك أنه غير معصوم ولكن التعبير من باب المبالغة ـ. هذا الرجل العالِم الورع كان يفتي بأنّه لا يجوز استئجار غير العادل لقضاء ما فات الميت من صلاة وصيام وإن كان ثقة، بل يشترط فيه العدالة. ولا يخفى أنّ الفقهاء يختلفون في هذه المسألة، فبعض لا يشترط العدالة ويرى أنّ مجرّد الثقة بأنّ الشخص سيؤدّي هذه الصلوات والعبادات يكفي ولا يلزم أن يكون عادلاً، بينما يشترط آخرون ـ كالشيخ محمد تقي الشيرازي (رحمه الله) مثلاً ـ العدالة في الشخص الذي يتقاضى أجوراً لقاء قضاء ما فات الميت من صلاة وصيام.

ينقل المرحوم الوالد (رضوان الله عليه) أنّ أحد المؤمنين جاء يوماً إلى الشيخ (الشيرازي) وشكا عنده الفقر والعسر وطلب منه أن يحوّل إليه قضاء صلاة أو صوم عن بعض الأموات ـ فإنّ الورثة والأوصياء يعطونها في العادة للمرجع لكي يحوّلها إلى مَن يراه صالحاً ـ ولكن الشيخ محمد تقي الشيرازي (رحمه الله) اتفق أنه لم يكن آنذاك عنده من العبادات الاستيجارية شيء، فاعتذر وقال: لا يوجد عندي الآن. ولما كان الرجل (السائل) قد أضرّ به الفقر وضغط عليه لم يتمالك نفسه فأخذ يسبّ الشيخ (هذا العالِم الورع الذي كان تلامذته يرونه في التقوى تالي تلو المعصوم)!

وبعد بضعة أيام جاءوا للشيخ بصلاة وصيام قضاء عن الميت أي جاء له بعض المؤمنين وأعطاه مالاً لاستئجار مَن يصلّي عن أبيه مثلاً. وهنا بادر الشيخ محمد تقي الشيرازي ووجّه أحد أفراد حاشيته ليذهب بذلك المال إلى ذلك الرجل الذي سبّه لاستئجاره في قضاء هذه الصلوات!
وهنا تعجّب هذا الشخص الذي هو من أصحاب الشيخ وحاشيته وقال: شيخنا، ألستم تشترطون العدالة فيمَن يُستأجر للقضاء عن الميّت؟ قال: بلى، فقال: ولكن هذا الرجل على فرض أنّه كان عادلاً ولكنّه فقد العدالة عندما سبّكم وكلّنا نعلم أنّ سبّ المؤمن حرام، وارتكاب الحرام مسقط للعدالة. ولا شكّ أنّه يصدق على الشيخ أنّه مؤمن، فضلاً عن أنّه مرجع تقليد ومضرب المثل في الورع والتقوى.

فتبسّم الشيخ ثم قال: سبّ الفقراء للعلماء غير مسقط للعدالة. اذهب وأعطه المال؛ فإنّه لم يكن ملتفتاً حينما سبّ.أجل إنّ مَن هيمنت عليه حالة الغضب لا يشعر ما الذي يقول، وخاصة الفقير الذي لا يدري كيف يرجع بلا قوت إلى عائلته، وهو لا يتوقع الرد من العالم..
أجل، كلّ هذا صحيح، ولكن لو لم يكن نكران الذات عند الشيخ (رضوان الله عليه) لما قال إنّ الرجل لم يكن يشعر حين شتمني! خاصة وأنّه غير مستعد لتحمل مسؤولية قضاء صلاة الأموات وصيامهم من أجل فذلكة خلقية، لكنه شخّص أنّ هذا الرجل غير فاسق، وإلاّ لما أعطاه المال لقضاء الصلوات وهو المشترط للعدالة في هذا الأمر.

 

:. أمثلة على حب الذات

هكذا فعل نكران الذات. تعالوا الآن وانظروا في الطرف المقابل إلى الرؤساء والحكّام في الدنيا. إنّ شتيمة واحدة توجّهها للحاكم كفيلة بأن تطيح برأسك، أو تعرِّضك للتعذيب، وربّما تعرِّض أبناءك وإخوتك وعشيرتك وأصدقاءك إلى التحقيق والتعذيب والاستجواب بسببها.
لقد أصدر الحاكم العسكري العام في العراق أيام عبد الكريم قاسم قانوناً بالسجن لمدة عشر سنوات لمَن يسبّ الزعيم (عبد الكريم قاسم) وأُخذ كثيرون وسجنوا بالظنّة والتهمة أيضاً.
وقد طالعتنا مجلة معروفة أنّ أحد المجرمين الجلاوزة أذاق اثنين من المؤمنين أنواع التعذيب ولمدة شهرين حتى فارقا الحياة، ثم تبيّن له بعد ذلك أنّه كان مشتبهاً بهما وأنّ آخرَين كانا هما المقصودين!
تصوّر كيف تنقلب المعادلة عندما تصبح الذات هي الحاكمة. إنّ الاحتمال وحده يكفي لقتل الناس وظلمهم! لماذا؟ لأنّ نكران الذات غائب. والذات تقول أنا كلّ شيء. أمّا الذي عنده نكران الذات فيقول: الله أكبر وهو فوق كلّ شيء.

 

:. نكران الذات مصدر كلّ الفضائل

إنّ نكران الذات مصدر كلّ الفضائل، ومن ثم لخّص القرآن الحكيم هذا الأمر فقال: ﴿قل إنما أعظكم بواحدة﴾ أي لا حاجة إلى كلام كثير ومواعظ جمّة بل موعظة واحدة تكفي إن التزمتم بها؛ لأنّها خلاصة المواعظ كلّها.
إنّ مَن أنكر ذاته لا يرجّح المال على الله، ولا يرجّح الشهوات ولا البطن ولا الشهرة ولا التجارة على الله. وهذا لا يعني أن يترك الإنسان الدنيا ويتخلّى عنها فإنّ الله خلق الدنيا للمؤمنين وهم أَولى بها من الظالمين وأعداء الله؛ فإنّها خلق الله والمؤمنون أولياء الله، ولكن المقصود أن لا تملكهم الدنيا بل يملكوها ويأخذوا منها ما استطاعوا على أن يكونوا في الوقت نفسه مستعدّين للتخلّي عنها ببساطة لو دار الأمر بينها وبين الله وأحكامه. ففي الحديث الشريف: «الزهد تركك كلّ ما يشغلك عن الله من غير تأسّف على فوتها»(3).

المؤمن يلزم جانب الله دوماً كلّما حدثت معارضة بين الذات وبين الله. قد يجمع المؤمن الملايين من الأموال، ولكنّه بمجرّد أن يشعر أنّ هذا المال قد يؤدي به إلى جهنّم وسخط الله يترفع عنه ويتخلى عنه بكلّ سهولة ويصرف النظر عنه كلّه. وهكذا الحال مع الأولاد والنساء وأكل الطيّبات و…
يقول الله تعالى مخاطباً نبيه الكريم في آية أخرى: ﴿قل الله ثم ذرهم﴾(4)، أي قل للمشركين إنّ الله وحده بيني وبينكم، فنظري وفكري كلّه منصرف إليه.
وأكرّر القول إنّ هذا لا يعني أن لا تأكل ولا تشرب ولا تملك ولا تلبّي رغبات بدنك.. بل المقصود أن لا تكون هذه الأمور معلّقة بقلبك يتوقف قلبك إن حُرمت منها، وبحيث تضحّي بكلّ شيء من أجلها وتسحق كلّ خلق وفضيلة في سبيلها.

 

:. مثنى وفرادى

يوصينا الله تعالى: وليكن قيامكم لله مثنى وفرادى. أي ليكن توجّهكم إلى الله ونكرانكم للذات سواءً حال كون بعضكم مع بعض، أو بصورة انفرادية، كأن يجلس أحدكم وحده، في جوف الليل مثلاً، ويفكّر ولو قليلاً، ويتساءل مع نفسه: مَن أنا؟ أنا لا شيء وليس عندي شيء، وكلّ ما عندي فهو من الله، لم أكن أملكه يوماً ولم أكن أملك أيّ شيء، ثم ملّكني الله كلّ ما أملك. وسأعود مع كلّ ما أملك إلى الله مرّة أخرى (إنّا لله وإنّا إليه راجعون).

 

:. واقعة فيها عبرة

لقد شهدتُ هذه القصة بنفسي وتركتْ أثرها فيّ حتى لكأنّي أرى الحالة أمامي الآن!
كنّا جالسين على مائدة للغداء أيام كنا في كربلاء، وكان يجلس شخص إلى يساري وآخر إلى يميني.
وضع الشخص الجالس عن يساري لقمة من الطعام في فمه ـ وكان خبزاً مع الكباب المشوي ـ وشرع يلوكها ويحضّر لقمته الثانية حيث لفّ مقداراً من الكباب في الخبز وهمّ برفعها إلى فمه عندها لاحظنا يده تسقط تلقائياً إلى الأرض ثم سقط هو أيضاً. عندما هرع الجالسون ليعرفوا ما الذي حدث له، رأوه قد فارق الحياة إثر سكتة قلبية، وكانت اللقمة الأولى مازال قسم منها في فمه، فأخرجها من بين أسنانه بعض الجالسين بصعوبة. وفارقَنا الرجل وفارق الدنيا منذ ذلك اليوم وإلى يوم القيامة.
أنا لا أنسى هذا المشهد ما حييت، وكلّ مَن كان بمكاني قد لا ينساه أيضاً، ولكن عندما يأتي وقت المعصية ينسى الإنسان كلّ شيء!

:. العمل بالآية

الآية الكريمة تدعونا إلى التذكّر والتفكّر دائماً مثنى أي مع بعض، وفرادى أي إذا خلونا بأنفسنا خاصة إذا هدأت العيون. فليفكّر كلّ منا مع نفسه ويقول: مَن أكون لكي أظلِم أو أوذي الناس أو أفعل المحرّمات؟ ثم إلى ماذا سيكون مصيري؟ وأين أبي وجدّي وأقربائي وأصدقائي الذين عاشرتهم ثم مضوا؟ فهل سأبقى أم سأرحل مثلما رحلوا؟ أَكُتبَ الموت والحساب لهم دوني أم كلّنا ملاقٍ هذا المصير؟
هذا التفكير هو خلاصة مواعظ القرآن الكريم.
وحقاً إنّ مَن يصبح عنده وجدان كهذا - أي يجد هذا الشيء من نفسه - ويفكّر بهذه الصورة قد يستحيل أن يقدم على المعصية. وهل مصدر المعصية والظلم إلاّ حب الذات، فالذي يتّخذ هواه إلهاً فإنّ ذاته تهمّه قبل كلّ شيء ولا يكترث إن عصى الله في هذا السبيل، فالمهمّ عنده توقير ذاته و تلبية رغباتها وتحقيق احترامها! أمّا الإنسان المنكر لذاته فهو يرى الله تعالى. يقول الإمام الحسين سلام الله عليه مخاطباً ربه تعالى: «عميت عين لا تراك»(5)، العين التي ترى الله لا تعصي الله أبداً، والمقصود عين البصيرة.

ويقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته»(6). فمع أنّ هذا الأمر ـ أي سلب النملة ـ ليس معصية، ولا يقول فقيه إنّه عمل محرّم بحيث إنّ الشخص العادل يفقد عدالته لو ارتكبه، بل هو عمل غير لائق.. ومع ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه إنّه غير مستعدّ لارتكابه حتى لو أُعطي الدنيا كلّها!
لقد عرض القوم على الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أن يقول: «أسير بسيرة الشيخين» على أن يضرب بقوله هذا عرض الجدار بعد استلامه الخلافة، ولكن الإمام سلام الله عليه رفض وفضّل أن تخرج الخلافة من قبضته ـ لا بل فلتذهب الدنيا كلّها ويصبح العالَم كلّه ضده ـ ولا يتخلّى عن مبادئه، وهل هذا إلاّ بسبب نكرانه لذاته؟!

 

:. الخلاصة

إنّ التوجّه لله أهمّ كلّ شيء.
النقطة التي تجبرك على أن تتوجّه في صلاتك، وتمنعك عن أكل الحرام، والنظر الحرام والاستماع الحرام والنطق الحرام وظلم الناس وإيذائهم، والتي ركّز عليها القرآن هي «أن تقوموا…» فهذه نقطة أساسية يجب علينا الانتباه إليها أكثر من أيّ عمل مستحبّ أو خلق مستحبّ آخر، لأنّها جامعة لكلّ الفضائل.
أسأل الله التوفيق لي ولكم.
وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين


* ألقيت المحاضرة عام 1421 هـ.
(1) سورة سبأ: 46.
(2) بحار الأنوار: ج51، ص258.
(3) بحار الأنوار، ج70، ص315.
(4) سورة الأنعام: 91.
(5) بحار الأنوار ج64، ص142، وج95، ص226، وهو دعاء الإمام الحسين يوم عرفة.
(6) نهج البلاغة، ص346.