» الفهرست

» مقدمة
» الشرح اللفظي لمفردات الآية
» ما أحوجنا إلى هذه الوصايا
» ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى
» ما المقصود بالكفاف؟
» الهدف السموّ الروحي للإنسان
» قصة ذات عبرة


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قال الله تعالى في كتابه الحكيم مخاطباً نبيّه الكريم: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾(1).

 

:. مقدمة

تتناسب الموعظة والنصيحة التي يقدّمها الموصي مع الموصى له، ومن الطبيعي أن تختلف الموعظة على اختلاف درجات طالبها. فلو أنّ تلميذاً جاء إلى عالِم دين أو واعظ وقال له: عظني أو أَوصني، فربما يقول له العالم: أتقِن درسك. أمّا إذا جاءه كاسب وطلب منه النصيحة والموعظة فقد يقول له: تفقّه في مسائل البيع والشراء أو إيّاك والتطفيف والاحتكار.
وهكذا تختلف الموعظة لو كان طالبها عالِماً أو رجل دولة أو غيرهم؛ فإنّ الحكمة تقتضي ذلك، وهذا ما ندركه نحن بعقولنا، فكيف بالله سبحانه وتعالى وهو خالق العقل وربّ الحكمة، فإنّه لاشكّ يلاحظ هذا الأمر. فإذا كان الواعظ الله، والموصى سيّد الأنبياء، فلاشكّ أن تكون الموعظة جامعة للفضائل، والوصية التي يوصي الله الحكيم نبيّه الكريم أبلغ الوصايا وزبدتها.
وهذه القضية يمكن إدراكها ببساطة من خلال ملاحظة كلمات وخطب الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في نهج البلاغة، فإنّ خطبه سلام الله عليه على منبر الكوفة لعامّة الناس تختلف عن تلك التي يلقيها على جيشه، كما تختلف وصاياه العامّة عن تلك التي يوصي بها ولديه الحسن والحسين سلام الله عليهما.

إذا عرفنا ذلك نقول: في هذه الآية الكريمة (التي صدّرنا بها الكلام) يوصي الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريم، فإنّ الوصية موجَّهة له وهو المخاطَب بها، وهذا ما يميّزها، وإن كانت الوصية موجَّهة لكلّ الناس باعتبار أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله هو الأسوة والقدوة في كلّ أعمال الخير، ولكن عندما يكون المخاطَب النبي صلى الله عليه وآله نفسه فلا شكّ أنّ أسلوب القرآن الكريم يختلف، ولابدّ أن تكون الوصية التي يوصى بها خيرة الوصايا.
ما يؤكد أنّ الخطاب موجَّه إلى النبي صلى الله عليه وآله على نحو الخصوصية أنّ الآية الكريمة لم تتصدّر بقوله تعالى: «قل» كما هو الحال في كثير من الموارد؛ مثل قوله تعالى : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا…﴾، ونظائرها من الآيات، بل وجّه النصيحة والموعظة والوصية للنبي مباشرة فقال له عزّ من قائل: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.


:. الشرح اللفظي لمفردات الآية

تنهى الآية النبي من التطلّع إلى ما متّع الله به الآخرين من المتع الدنيوية والنظر إلى ما عندهم من مباهج وزخارف نظرة إعجاب بها وتحسّر على عدم التوفّر عليها؛ لا فرق في تلك المتع والمباهج إن كانت أموالاً أو أولاداً أو أزواجاً أو قصوراً أو إمكانات أخرى من قبيل العلم أو الجمال أو الشخصية والوجاهة، فكلّها في نظر القرآن الكريم زينة لهذه الدار المسماة الدنيا المشحونة بالآفات والكدورات.
وتُلفِت الآية إلى أنّ مَن كان يتمتّع بهذه المتع فهي كلّها من الله تعالى، فمَن كان يملك أموالاً فهو - سبحانه - الذي متّعه بها، ومَن كان ذا علم فإنّ الله تعالى هو الذي أفاضه عليه، ومَن كان يحظى ببسطة في الجسم أو طلاقة في اللسان أو ذكاء مفرط أو جمال ساحر أو بيوت من ذهب أو فضة أو أيّة نعمة ومزيّة فكلّه من الله لأنّ الآية تقول: ﴿ولا تمدّنّ عينيك﴾ أي لا تتحسّر يا رسول الله على ﴿ما متّعنا﴾ نحن ﴿به أزواجاً منهم﴾ أي ذكوراً وإناثاً من الناس ﴿زهرة الحياة الدنيا﴾، فإنّنا نحن الذين أعطيناهم ذلك ومتّعناهم به، وهذا كلّه ليس مهمّاً إنما المهمّ من هذه الأمور كلّها أنّه فيم تستعمل، أمِن أجل الله أم من أجل الشهوات؟ ولذلك تقول الآية: ﴿لنفتنهم فيه﴾ أي أنّنا أعطينا هذه المتع مَن أعطينا لننظر كيف يعمل بها، فهي من باب الامتحان والابتلاء وليست تعبيراً عن التفضيل والاحتفاء.

 

:. ما أحوجنا إلى هذه الوصايا

فما أحوجنا إلى اتّباع الوصايا النبوية، أعم من الوصايا الصادرة من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء، أو الوصايا التي أوصاهم الله تعالى بها، كهذه الوصية التي خصّ الله بها نبيه الكريم محمداً صلى الله عليه وآله.
إنّ الناس يقتدون بنا ـ أهل العلم ـ ويتعلّمون من سيرتنا، فنحن نحاسَب على أعمالنا من جهتين، الجهة الأولى كسائر الناس حيث يحاسَب كلّ إنسان عمّا صدر منه، والجهة الثانية لما يستتبعها من اقتداء الناس بها. فإنّ الخطاب في الآية ﴿ولا تمدّنّ عينيك﴾ وإن كان موجّهاً إلى النبي صلى الله عليه وآله ولكنّه إرشاد لنا أيضاً.

إنّ طالب العلم إذا كان موسراً تراه لا يبلغ المراحل العلمية العالية في الغالب، لأنّها ستلهيه عن هدفه الأصلي. ولا نعني أنّه سينصرف عن الإيمان، ولكن الأموال ستشغله وتأخذ من وقته وفكره، فيتأخّر عن الدراسة وارتقاء الدرجات، ولهذا نرى معظم مراجع الدين ينحدرون من عوائل فقيرة، بل غالباً ما لا يصبح ابن الغني عظيماً، فإذا كان طالب علم في الحوزة لا يصبح مرجعاً، وإذا كان يدرس في الجامعات لا يصبح أستاذاً أو عميداً مثلاً.
وأكرّر القول إنّ هذا ليس في مقام ذمّ الغنى بما هو غنى بل في بيان كونه يهوي بالإنسان غالباً ، والحال أنّ المطلوب من الإنسان في هذه الدنيا أن يسمو ويتكامل ويرتقي، فكلّما طوّقت عوارض الدنيا عنقه حالت دون سموّه بالطبع إلاّ إذا كان قويّ النفس بحيث لا تشغله ولا تحدّه هذه الأمور.

 

:. ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى

«مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله براعي إبل فبعث يستسقيه، فقال: أمّا ما في ضروعها فصبوح الحيّ وأمّا ما في آنيتنا فغبوقهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهمّ أكثِر ماله وولده. ثمّ مرّ براعي غنم فبعث إليه يستسقيه، فحلب له ما في ضروعها وأكفأ ما في إنائه في إناء رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث إليه بشاة وقال: هذا ما عندنا وإن أحببت أن نزيدك زدناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهمّ ارزقه الكفاف. فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، دعوت للذي ردّك بدعاءٍ عامّتنا نحبّه، ودعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاءٍ كلّنا نكرهه! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنّ ما قلّ وكفى خيرٌ ممّا كثر وألهى، اللهمّ ارزق محمّداً وآل محمّد الكفاف»(2).

إنّ أكبر عقل خلقه الله عزّ وجلّ هو عقل رسول الله صلى الله عليه وآله، وأعظم حكمة أودعها الله تعالى في بشر هي الحكمة التي أودعها رسول الله صلى الله عليه وآله.. وهذا منطق رسول الله صلى الله عليه وآله، فإنّ الذي عنده الكفاف هو في مأمن، أما صاحب الزيادة فمعرّض للأخطار. فكلّما ازداد المرء أموالاً زادت التزاماته ومسؤولياته وازداد تحديداً وتقييداً، كالشخص المجرّد يبيت ببيت قرب محل درسه لأنّه غير مقيّد بعائلة يجب عليه المبيت عندهم، ولا نعني من قولنا هذا أن لا يكون عند الإنسان شيء، ولكن نريد أن لا يكون عنده حرص، لأنّ الإنسان بطبعه حريص على الدنيا، وأن الترفّع عنها واكتساب الفضائل يتطلّب تربية وترويضاً للنفس، وإلاّ فهي بطبعها ميّالة للتكاثر، فمَن لا يملك بيتاً يتمنّى أن يكون عنده بيت، وصاحب البيت الصغير يتمنّى بيتاً أكبر وأجمل، خاصة عندما يزور صديقه مثلاً ويرى أنّ بيته أفضل. وهكذا الحال مع باقي النعم وما متّع الله به العباد، كالجاه والملكات والقوى والاستعدادات، ولهذا دعا رسول الله صلى الله عليه وآله بالكفاف لذلك الرجل الذي سقاه وأطعمه.

 

:. ما المقصود بالكفاف؟

الكفاف هو المقدار الذي يكفي الإنسان، فهو يحتاج إلى عدّة أمور منها:
- المقدار الضروري الذي يحتاجه لمعيشته.
- ما يحتاجه لحفظ كرامته. فمثلاً لا يليق بالرجل أن يخرج إلى الشارع بسروال قصير فقط وإن كان يمكنه أن يعيش به وحده، لكنّه يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك لحفظ كرامته الاجتماعية لأنّه لو خرج بسروال قصير فقط لتعرّض للسخرية والحطّ من شأنه وشخصيته.
- ما يحتاجه لتوفير العيش الكريم لمَن يعيلهم، كالزوجة والأطفال، وبحكمهم الضيوف، خاصة لمَن كان من شأنه ذلك. ولاشكّ أنّ الإنسان يستحب له أن يتقشّف في مصارفه الشخصية ولكنّه لا يستحبّ له أن يتقشّف على عائلته وضيوفه بل العكس هو الصحيح.
- ما أمر به الإسلام، وهو العمل من أجل حصول الاكتفاء الذاتي للمسلمين وعدم خضوعهم اقتصادياً للكفّار، ومثاله: التاجر يريد أن يترك عمله لأنّه قد حصل على ما يكفيه من المال، ولكنّ الإسلام يأمر أتباعه بالتجارة لئلاَّ تنتقل أزمة اقتصاد البلاد والعباد إلى الكفّار، وهكذا تكون مواصلة العمل بالتجارة جزءاً من الكفاف المطلوب اجتماعياً وإن كان التاجر المسلم قد وصل إلى مرحلة الكفاف الشخصي.
وما عدا هذه الأمور المتقدّمة يُعدّ زيادة، وفخاً على الإنسان المسلم أن يحذر منه بدلاً من أن يتمنّاه.

 

:. الهدف السموّ الروحي للإنسان

سبق أن قلنا إنّ الإنسان ينبغي أن يتقشف على نفسه، ولكنّه يستحبّ له أن يبذل على عائلته وضيوفه، وقلنا أيضاً إنّ على الإنسان المسلم أن يقنع بما يسدّ حاجته ولا يمدّ عينيه إلى المزيد إلاّ فيما أمر الإسلام وضربنا بعمل التاجر مثلاً، وهذه الأمور وأمثالها تكشف عن أنّ هدف الإسلام هو تربية الإنسان لكي يسمو ويتكامل ويرقى روحياً، ولقد ذكرنا في محاضرة سابقة أنّ ذلك لا يتحقّق إلاّ إذا آثر الإنسان بما يحبّ. قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(3).

والملاحظ أنّ أغلب الناس يأكل الأفضل ويلبس الأجود ويسكن الأرفه… ولكنّه عندما يريد أن يعطي وينفق فإنه يُخرِج الأدوَن والأقلّ وما لا حاجة لنفسه فيه. فإذا أراد أن يعطي فاكهة لفقير مثلاً أعطاه الفاكهة الرديئة، وإذا سُئل عن سبب ذلك قال: لأنّ الفقير متعوّد على أكلها. وإذا أراد أن يعطيه مالاً أعطاه قليلاً جداً مدّعياً أنّ ذلك يكفيه وأنّه لا يأمل أكثر من ذلك؛ غافلاً عن أنّ للإنفاق هدفين، الأوّل سدّ حاجة المنفَق عليه، والثاني - وهو الأهم - تحقيق الكمال للمنفِق نفسه، فإن الله تعالى كان يمكنه أن يعطي الفقير ما أعطى الغني، ولكنّه سبحانه جعل هذا التفاضل من أجل الامتحان والابتلاء والتربية لهما معاً؛ ولذلك قال وهو الحكيم: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.

من مواعظ السيّد المسيح عليه السلام
«ذهب عيسى وأمه ـ إلى مكان ما ـ وصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان ومع عيسى رغيف فقال له عيسى: تشاركني؟ قال اليهودي: نعم، فلما رأى أنّه ليس مع عيسى إلاّ رغيف ندم، فلما نام جعل اليهودي يريد أن يأكل الرغيف. أكل لقمة، قال له عيسى: ما تصنع؟ فيقول له: لا شيْء فيطرحها حتى فرغ من الرغيف كلّه، فلما أصبحا قال له عيسى: هلمّ طعامك، فجاء برغيف فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلاّ واحد، فسكت عنه، وانطلقوا فمرّوا براعي غنم فنادى عيسى: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك. قال: نعم أرسِل صاحبك يأخذها، فأرسل عيسى اليهودي فجاء بالشاة فذبحوها وشووها، ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً فأكلا فلما شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة تثغو(4)، فقال: يا صاحب الغنم خذ شاتك. فقال له الراعي: مَن أنت؟! قال: أنا عيسى بن مريم. قال: أنت الساحر وفرّ منه، قال عيسى لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها كم كان معك من رغيف؟ فحلف ما كان معه إلاّ رغيف واحد، فمرّ بصاحب بقر فقال له: يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك هذه عجلاً. فقال: ابعث صاحبك يأخذ, فقال: انطلق يا يهودي فجئ به، فانطلق فجاءه به فذبحوه وشووه وصاحب البقر ينظر، فقال له عيسى: كل ولا تكسر عظماً، فلمّا فرغوا قذف العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه وقال: قم بإذن الله. فقام له خوار، فقال: يا صاحب البقر خذ عجلك. قال: ومن أنت؟ قال أنا عيسى. قال: أنت الساحر، ثم فرّ منه. قال اليهودي: يا عيسى أحييته بعدما أكلناه؟! قال: يا يهودي فبالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها والعجل بعدما أكلناه، كم رغيفاً كان معك؟ فحلف بذلك ما كان معه إلاّ رغيف واحد. فانطلقا حتى نزلا قرية فن‍زل اليهودي في أعلاها وعيسى في أسفلها وأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى وقال أنا الآن أُحيي الموتى، وكان ملِك تلك القرية مريضاً شديد المرض، فانطلق اليهودي ينادي من يبغي طبيباً، حتى أتى ملِك تلك المدينة فأخبره بوجعه، فقال: أدخلوني عليه فأنا أُبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أُحييه. فقيل له: إنّ وجع الملِك قد أعيى الأطباء قبلك ليس من طبيب يداويه ولا يغني دواؤه شيئاً إلاّ أمر به فصلب. فقال: أدخلوني عليه فإني سأُبرئه، فأُدخل عليه فأخذ برجل الملِك فضربه بعصاه حتى مات فجعل يضربه وهو ميت ويقول قم بإذن الله، فأُخذ ليُصلب فبلغ عيسى فأقبل إليه وقد رُفع على الخشبة فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى الملِك فقام وأنزل اليهودي، فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس عليَّ مِنّة والله لا أفارقك أبداً. فخرجوا فمرّوا بثلاث لبنات فدعا الله عز وجل عيسى فصيّرهن من ذهب قال: يا يهودي لبنة لي ولبنة لك ولبنة لمَن أكل الرغيف. قال أنا أكلت الرغيف»...

ثم إن عيسى عليه السلام تركه مع اللبنات الثلاث وانصرف. فأتاه رجلان، فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه، قال: هو بيننا أثلاثاً، فقالا له: إنّا لا نستطيع هذا الذهب إلاّ أن نحمله على شيء، فخذ من هذا الذهب فاشترِ لنا به طعاماً واشترِ لنا ظهراً نحمل عليه من هذا الذهب. فانطلق لما أمراه به، فأتى الشيطان الرجلين فقال لهما: إذا أتاكما فاقتلاه واقسما المال نصفين، فلما أحكم أمرهما انطلق إلى الآخر فقال: إنك لن تطيق هذين فاجعل في الطعام سماً فأطعمهما واذهب بالمال وحدك، فابتاع من المدينة سماً فجعله في طعامهما فلما أتاهما وثبا عليه فقتلاه ثم قربا الطعام فأكلا منه فماتا، فانطلق عيسى إلى حاجته ثم رجع فإذا هو بهم قد ماتوا عند الذهب فقال لأصحابه: انظروا إلى هؤلاء. ثم حدّثهم حديثهم ثم قال: النجاء النجاء، فإنما هي النار»(5).
لقد انتخب أئمة أهل البيت سلام الله عليهم هذه القصص من سير الأنبياء سلام الله عليهم ونقلوها من أجل تربيتنا ولكي يقولوا لنا: إنّكم أمام امتحان مشابه. فهل ستصبحون كهؤلاء الرجال الثلاثة الذين ضحّوا بحياتهم من أجل ثلاث قطع ذهبية، أم ستعتبرون بقصّتهم؟!
ربما لا نركض وراء الذهب لأنّنا نعلم أنّا لا نحصل عليه، ولكن هل لا تستهوينا أمور أخرى هي أقلّ لمعاناً من الذهب كحبّ التفوّق على الأقران وحبّ الظهور والوجاهة الاجتماعية؟!

 

:. قصة ذات عبرة

قيل: قد كان البهلول يجمع ما يحصل له في موضع خرابة إلى أن جمع فيها قريباً من ثلاثمئة درهم وجاء يوماً بعشرة دراهم كانت معه إلى الخرابة فدفنها وضمّها إلى ما كان، فرآه رجل وكان له دكّان في سوق قريب من الخرابة فلما خرج البهلول ذهب الرجل وأخذ الدراهم، فلمّا عاد إليها البهلول غداً فلم يجدها وكان قد رأى يوم دفنها أنّه مرّ رجل من باب الخرابة فعلم أنّه أخذها فجاء إلى دكانه وجلس وقال: يا أخي إنّ لي دراهم مدفونة في مواضع كثيرة متفرّقة وأريد أن أجمعها في موضع واحد دفنت فيها هذه الأيام عشرة دراهم مع ثلاثمئة كانت قبل فإنّه أحرز من كلّ موضع فأحسب كم تبلغ جملتها. قال: هات. قال: مئة درهم في موضع كذا حتى طرح ثلاثة آلاف درهم. فقال الرجل: ثلاثة آلاف درهم! فقام البهلول ومرّ من بين يديه فقال الرجل في نفسه: الصواب أن أردّ الثلاثمئة والعشر إلى موضعها حتى يجمع إليها هذه الجملة ثمّ آخذها كلّها. فردّها.

ثم جاء البهلول ووجدها في الخرابة وأخذ الدراهم وتغوّط مكانها وغطاه بالتراب ومرّ، وكان الرجل مترصّداً للبهلول وقت دخوله وخروجه فلما خرج مرّ بالعجلة فكشف عن الموضع بيده فتلوّثت يده بالعذرة ولم يجد شيئاً، ففطن لحيلة البهلول عليه.
ثم إنّ البهلول عاد إليه بعد يوم أو يومين وجلس في دكانه وقال: ياسيدي احسِب: عليَّ خمسون درهماً وثمانون درهماً. فحسب الرجل فقال: فمئة درهم، فحسب. قال: شمّ يدك أيّ رائحة تشمّ عنها؟ فوثب الرجل ليضربه، فعدا ومرّ.
جعلنا الله من المستفيدين من مواعظ القرآن الكريم ووصايا أهل البيت عليهم السلام، والمعتبرين بما جرى على الأمم الماضين.
وأسأل الله تعالى التوفيق لي ولكم وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


* ألقيت المحاضرة عام 1398 هـ.
(1) سورة طه، الآية: 131.
(2) الكافي: ج2، باب الكفاف، ص140.
(3) سورة آل عمران، الآية: 92.
(4) الثغاء: صوت الشاة والمعز وما شاكلها. (لسان العرب، مادة ثغا).
(5) انظر: تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر: ج74، ص395.