» الفهرست

» معنى الطاغوت
» العروة الوثقى
» حرية اختيار الدين في الإسلام
» رسول الله صلى الله عليه واله القدوة في تطبيق المبدأ
» أمثلة من سيرة أمير المؤمنين سلام الله عليه
» مقارنة
» أنت حرّ ما لم تضر
» التزم بتوجيهات الإسلام ولا تكن عبد غيرك


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ، فمَن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم﴾(1).

 

:. معنى الطاغوت

الطاغوت من الطغيان، وطغيان كلّ شيء زيادته وتجاوزه عن الحدّ؛ قال تعالى: ﴿إنّا لمّا طغى الماء حملناكم في الجارية﴾(2).
ويستعمل الطغيان في الفكر أيضاً، ويراد به عادةً المناهج المنحرفة عن سبيل الله تعالى، ويُسمّى مَن كان في قمة الفكر المنحرف طاغوتاً.

 

:. العروة الوثقى

يقول تعالى: ﴿فمَن يكفر بالطاغوت﴾ أي بالإفراط الفكري ﴿ويؤمن بالله فقد اسمتسك بالعروة الوثقى﴾ أي الشديدة الإحكام، ثم وصفها بأنّها: ﴿لا انفصام لها﴾ أي أنّها ليست ضعيفة فتنقطع بل لا انقطاع لها أبداً، لأنّها عروة حقيقية وصادقة وليست بكاذبة ومزيّفة. فإنّه لا انقطاع وانفصام في الحق والصدق، خلافاً للكذب، فحبله - كما قيل - قصير سرعان ما يقطع بصاحبه.
مثال: فلو أنّك أردت شراء دار وسألت صاحبها عنها، فأخبرك أنّها صالحة وليس فيها عيوب أو مشاكل، وكان صادقاً في إخباره، فإنّك سوف تستمرّ في سكنى هذه الدار دون أن تعترض عليه أو ينقطع تصديقك له. أمّا إذا كاذباً، فإنّك قد تصدّقه حين الشراء، ولكن هذه الحالة ستزول عندما تكتشف ـ أو أحد أبنائك أو أحفادك ـ أنّ الأمر لم يكن كذلك. أي سيحدث انفصام وانقطاع في كلامه.
أمّا دين الله تعالى فلا انفصام فيه. فعندما يخبر الله تعالى الإنسان ويعده أنّه سيسعده إذا ما اتّبع سبيله، فإنّ المسلم الحقيقي لاشكّ سينعم بالسعادة ما حيي، خلافاً لبقية المبادئ التي تعِد الناس ولا تفي ثم يظهر كذبها عاجلاً أو آجلاً.

 

:. حرية اختيار الدين في الإسلامس

من أصول الإسلام المسلّمة والمؤكّدة مسألة حرية اختيار الدين؛ قال تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾. بل ليكن معلوماً ـ قبل كلّ شيء ـ أنّ الإسلام وحده هو دين الحرّية. فحتّى المدارس والمبادئ الأخرى التي ظهرت منذ قرون وما زالت ترفع شعار الحرّية لا واقع للحرية فيها وراء الاسم. أمّا الإسلام فهو دين الحريات مبدأً وشعاراً، وواقعاً وعملاً. وهذا موضوع طويل يتطلّب من الباحث أن يطالع الفقه الإسلامي بتعمّق - من أوّله إلى آخره - لكي يعرف كيف أنّ الإسلام التزم بمبدأ ﴿لا إكراه في الدين﴾ في مختلف مجالات الحياة.

 

:. رسول الله صلى الله عليه واله القدوة في تطبيق المبدأ

لقد شنّ أهل مكّة حرباً ظالمة على رسول الله صلى الله عليه وآله قليلة النظير في التاريخ. فلقد عُرف صلى الله عليه وآله بينهم بالصدق والأمانة حتى لقّبوه بالصادق الأمين، ولكنهم مع ذلك حاربوه ـ إلاّ قليلاً منهم ـ عسكرياً واجتماعياً واقتصادياً ونفسياً، وبلغ بهم الأمر أنّهم كانوا لا يردّون تحيّته إذا حيّاهم (3)
فكان الشخص منهم - وهو مشرك - يخشى إذا ردّ تحيّته النبي صلى الله عليه وآله أن يراه الرائي من المشركين فلا يتبايعون معه بعد ذلك ولا يزوّجونه ولا يتزوّجون منه.
وطردوا رسول الله صلى الله عليه وآله ومَن معه إلى أطراف مكّة وحاصروهم في شعب أبي طالب، فكان لا يحقّ لهم دخول مكّة، وإذا دخلها أحدهم فدمه هدر. واستمرّت الحالة هذه مدّة ثلاث سنين.
وبعدما هاجر الرسول صلى الله عليه وآله إلى المدينة شنّ المكّيون عليه عشرات الحروب أو دفعوا الكفّار إليها. ودامت الحالة عشرين سنة يحارب أهل مكّة النبي صلى الله عليه وآله بمختلف أساليب الحروب حتى أذن الله له بالفتح .. وجاء صلى الله عليه وآله مكّة فاتحاً .. وأصبحت مكّة في قبضته وتحت سلطته.

ورغم كلّ ما فعله المشركون من أهل مكّة مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلاّ أنّ التاريخ لم يحدّثنا أنّه صلى الله عليه وآله أجبر حتى شخصاً واحداً على الإسلام، ولو أنّه صلى الله عليه وآله أراد أن يجبر أهل مكّة على الإسلام لأسلموا كلّهم تحت وطأة السيف، لكنّه صلى الله عليه وآله لم يفعل ذلك ولم يجبر أحداً على الإسلام. أمّا دعوى إسلام أبي سفيان فكان بتحريض وتخويف من العباس بن عبد المطلب (عمّ النبي) وليس من النبي صلى الله عليه وآله نفسه، فالعباس هو الذي طلب من أبي سفيان أن يُسلم حفاظاً على دمه ولئلا يقتله النبي صلى الله عليه وآله، وكلام العباس ليس حجّة ولا تشريعاً، بل كان من عند نفسه. ولو أنّ أبا سفيان لم يسلم لما أجبره رسول الله صلى الله عليه وآله على الإسلام. فكثيرون من أمثال أبي سفيان كانوا موجودين في مكّة ولم يقتل النبيّ أحداً منهم بسبب عدم إسلامه، ولا أجبره على الإسلام، بل تركهم على دينهم مع أنّه باطل وخرافي لكيلا يسلبهم حرية الفكر والدين.
حقاً هل رأيتم مثيلاً لسلوك نبينا صلى الله عليه وآله في التاريخ؛ يحاربه قومه مع ما يعرفونه من صدقه وأمانته ونبله وكرم أخلاقه، بمختلف أنواع الحروب القاسية ويطردونه من موطنه ومسقط رأسه، ثم يتركهم أحراراً وما يختارون من دين وطريقة حياة!

نعم كان الرسول صلى الله عليه وآله يهديهم وينصحهم ويوضّح لهم طريق الرشد ويميّزه عن طريق الغيّ ثم يترك الاختيار لهم ﴿فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر﴾(4)، ﴿قد تبيّن الرشد من الغيّ فمَن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾(5)، ﴿وهديناه النجدين﴾(6)، ﴿إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً﴾(7). هذا هو أسلوب الإسلام، لاضغط ولا إكراه فيه. وهكذا الحال في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله مع اليهود والنصارى. فلقد ردّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله عشرات الحروب والاعتداءات التي شنّها أهل الكتاب دون أن يجبر أحداً منهم على الإسلام. لم يسجّل التاريخ حالة واحدة أجبر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ذمياً على اعتناق الإسلام، والتاريخ حافل بسيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله، وسجّل وحفظ الدقائق عن حياته. فالعلاّمة المجلسي (رحمه الله) وحده خصّص في موسوعته (بحار الأنوار) عشرة مجلّدات ذات أربعمئة صفحة أي ما مجموعه أربعة آلاف صفحة أو أكثر كلّها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وحروبه وأخلاقه وسيرته مع المسلمين ومع المشركين وأهل الكتاب.. لا تجدون فيها موقفاً واحداً أجبر رسول الله صلى الله عليه وآله نصرانياً أو يهودياً على الإسلام، بل تجدون أنّه صلى الله عليه وآله كان له صديق مسيحي أو جار يهودي دون أن يجبره على الإسلام مع أنّه كان الحاكم الأعلى في الجزيرة العربية وكان بيده السيف والمال والقوّة الكافية.

 

:. أمثلة من سيرة أمير المؤمنين سلام الله عليه

ولو انتقلنا من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهل بيته سلام الله عليهم لرأينا الحالة نفسها. فها هو الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه كان مبتلىً بأشخاص ذوي نفسيات وضيعة تردّ عليه وتقطع كلامه وتجادله بالباطل بل تتطاول عليه، وهو مع ذلك لا يأمر بقطع رؤوسهم وهو الحاكم الأعلى الذي بايعته الأمّة قاطبة ناهيك عن كونه منصّباً من قِبل رسول الله صلى الله عليه وآله وبأمر من العلي القدير، بل كان يجيبهم ويترك لهم حرية العقيدة ما لم يتآمروا ويلجأوا إلى استعمال القوة والسيف.
فثم شخص يُسمى ابن الكوا، ملحد زنديق، مشاغب مشعوذ، ذو مشاكل ومتاعب، كان يردّ على أمير المؤمنين سلام الله عليه ويناقشه كلّ حين، حتى والإمام على المنبر، ومع ذلك تركه الإمام وشأنه يعيش في المجتمع دون أن يفرض عليه شيئاً.

وهناك جرثومة أخرى باسم «عمرو بن حريث».. من طراز معاوية وأبيه، منافق سافل، ومهما تقل فيه فقليل بحقّه، كان ممّن يحضر المسجد ويستمع إلى خطب أمير المؤمنين سلام الله عليه ثم يقطع حديثه منتقداً. وإذا أخبر أمير المؤمنين سلام الله عليه عن أمور غير ظاهرة (غيبية) ترك ابن حريث هذا أعماله وجرى خلف ما أخبر به أمير المؤمنين سلام الله عليه يزعم أنّه يريد أن يكشف للناس كذب أبي تراب!! وظلّت هذه الحسرة في نفس ابن حريث تنغّص عليه حياته حتى ذهب إلى القبر دون أن يفلح في كشف كذبة لأبي تراب؛ فليس لأبي تراب كذبة. وعاش هذا المنافق في ظلّ عليّ سلام الله عليه وبعده، والإمام علي سلام الله عليه لم يصنع معه أيّ شيء، ولم يقل له يوماً تخلّ عمّا أنت عليه وإلاّ ضربت عنقك! لأنّه إمام الإسلام؛ دين حرية الفكر والعقيدة.

أجل، إنّ من عرف الحقّ ولم يترك الباطل فإنّ مصيره يوم القيامة إلى جهنّم وبئس المصير. أمّا في الدنيا ‍﴿لا إكراه في الدين﴾ ليتمّ الامتحان ويُعرف الطالح من الصالح، والخبيث من الطيّب . فإنّ ابن حريث هذا امتدّ به العمر حتى كان من الشهود ضدّ ميثم التمّار (رضوان الله عليه) حينما أراد الطغاة الطغام من بني أمية قتله، فقال في حقّه؛ يدلي بشهادته ضد ميثم أنّه من أصحاب عليّ الحق: «هذا الكذّاب مولى الكذّاب» ـ يعني علي بن أبي طالب سلام الله عليه مولى الصادقين وإمام المتّقين ـ .
أرأيت نفسية هذا المنافق الحقيرة؟! إنّ رجلاً مثل هذا عاش مع أمير المؤمنين سلام الله عليه ثلاثين سنة وكان سلام الله عليه رئيساً وحاكماً بيده القوّة، ومع ذلك لم ينل منه! فهل رأيتم في تاريخ العالَم رئيس دولة كعلي؟! وهل رأيتم سماحة كسماحة الإسلام؟ وهل رأيتم حرية كقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾؟!

عن ابن عباس قال:
مرّ أمير المؤمنين سلام الله عليه بالحسن البصري وهو يتوضأ، فقال: «يا حسن أسبغ الوضوء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد قتلت بالأمس أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمداً عبده ورسوله، يصلون الخمس ويسبغون الوضوء، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: قد كان ما رأيت فما منعك أن تعين علينا عدوّنا؟ فقال: والله لأصدقنّك يا أمير المؤمنين، لقد خرجت في أوّل يوم فاغتسلتُ وتحنطتُ وصببتُ عليَّ سلاحي، وأنا لا أشك في أنّ التخلّف عن أمّ المؤمنين عائشة هو الكفر، فلمّا انتهيت إلى موضع من الخريبة نادى منادٍ: يا حسن إلى أين؟ ارجع فإنّ القاتل والمقتول في النار، فرجعت ذعراً وجلست في بيتي فلمّا كان اليوم الثاني لم أشكّ أن التخلف عن أمّ المؤمنين عائشة هو الكفر، فتحنّطتُ وصببتُ عليَّ سلاحي وخرجت إلى القتال حتى انتهيت إلى موضع من الخريبة فناداني منادٍ من خلفي: يا حسن إلى أين؟ مرّة بعد أخرى، فإنّ القاتل والمقتول في النار. قال علي عليه السلام: صدقتَ أفتدري مَن ذلك المنادي؟ قال: لا. قال عليه السلام: ذاك أخوك إبليس وصدقك، إنّ القاتل منهم والمقتول في النار. فقال الحسن البصري: الآن عرفتُ يا أمير المؤمنين أنّ القوم هلكى»(8).

 

:. مقارنة

حقاًَ هل يجرؤ أحد من الرعية أن يكلّم رئيساً بهذا الكلام ـ والإمام مع ذلك يلاطفه ويحاوره ـ حتى في عصرنا هذا؛ حيث يمضي على صدر الإسلام أربعة عشر قرناً، وتطوّر العالَم حتى صار يسمّى عصرنا بعصر الحرّيات؟!
لقد قتل وشرّد «لينين» وحده في عصر الحرية والتقدّم خمسة ملايين إنسان من أجل تطبيق مادّة قانونية واحدة من قانون المزارع الجماعية في الاتّحاد السوفياتي السابق!!
وفي العراق كان أحد رؤساء العراق يخطب فانبرى أحد المواطنين ليردّ عليه ويناقشه، فقام الجلاوزة باعتقاله وسجنه وتعذيبه وقتله، لأنّه قال كلمة ينتقد فيها رئيساً في القرن العشرين!!
وحدث شبيه لهذه القصة في بلد آخر ـ كما طالعتنا الصحف في حينه ـ وحلّ به المصير نفسه!! كلّ ذلك ونحن في ما يُسمّى بعصر الحريات. فهل هذه هي الحرية أم الحرية في ظلّ الإسلام؟!

لقد أُقصي الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه خمساً وعشرين سنة ثم توجّهت إليه الأمّة وتزاحمت على بابه للبيعة حتى لقد وطئ الحسنان(9) كما قال سلام الله عليه في خطبته المعروفة بالشقشقية. ومع ذلك ذكر المؤرخون ـ سنّة وشيعة ـ أنّ الإمام بعدما بويع، ارتقى المنبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وكان المسجد مكتظّاً بالناس الذين حضروا لاستماع أوّل خطبة لابن عمّ رسول الله ووصيّه وخليفته الحقيقي الذي أُبعد عن قيادة المسلمين خمساً وعشرين سنة، بعد أن آل إليه الحكم الظاهري، ثم أمر جماعة من أصحابه أن يتخلّلوا الصفوف وينظروا هل هناك مَن لا يرضى بخلافته. فقال الناس بأجمعهم: يا أمير المؤمنين سمعاً لك وطاعة، أنت إمامنا(10). وحتى طلحة والزبير لم يخالفا في هذا المجلس بل نكثا بعد ذلك، فلم يعترض أيّ أحد في هذا المجلس ولو اعترض لما عاقبه الإمام بالقتل ولا السجن ولا الضرب ولا قال له شيئاً يهينه أوينال منه! فهل رأيتم أو سمعتم مثل هذا في عصر الديمقراطيات الحديثة؟!

الديمقراطية تعني حكم الأكثرية، فلو حصل شخص ما على واحد وخمسين في المئة من الأصوات فهذا يخوّله لأن يصبح رئيساً للبلاد ـ وهذا من أكبر أخطاء الديمقراطية، وبحثه موكول إلى محلّه ـ أمّا الإمام علي سلام الله عليه فقد بايعته الأكثرية المطلقة من الناس ومع ذلك يصعد المنبر ليبحث إن كان هناك معارض له، وما هو سبب معارضته! فهل تجدون لهذا نظيراً في التاريخ؟!
لقد كتب محبّو «صلاح الدين الأيوبي»(11) والذين يشيدون بشخصيته ويعظّمونه أنّه قتل قرابة مليون إنسان ليس إلاّ لأنّهم يختلفون معه في الرأي.
فأين هذا من سيرة النبي صلى الله عليه وآله الذي حاربه قومه عشرين سنة وأخرجوه من داره، ولكنّه عندما عاد إليهم ظافراً بنصر الله وعزّته وقدرته لم يجبر أحداً منهم على اتّباع رأيه ودينه، بل قال: «مَن أغلق بابه فهو آمن، ومَن ألقى سلاحه فهو آمن، ومَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»(12). ولم يقل مَن أسلم وحسب فهو آمن، أو مَن شهد الشهادتين فهو آمن، مع أنّ مهمّته صلى الله عليه وآله هي تبليغ الشهادتين.. ولكنّ حرية الرأي في نظام الله وقانون الإسلام لا تقلّ تقديساً من الشهادتين. فالإسلام يريد أن يجعل الناس أحراراً. قال تعالى: ﴿يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾(13).

 

:. أنت حرّ ما لم تضرّ

أنت حرّ ما لم تضرّيقول لك الإسلام: اعمل ما تشاء، فلك حرية العمل شريطة أن لا تضرّ غيرك؛ فإنّه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، والإسلام يضرب بشدّة على يد الظالم ومَن يريد إلحاق الضرر بالآخرين، فإذا ضمنت ذلك فأنت حرّ في كلّ أمورك، أيّ عمل تعمل، وأيّ مكان تعمل، وما هو نوع العمل. وأنت حرّ في ذهابك ومجيئك وسفرك وصداقاتك، فلا ضغط ولا جبر ولا إكراه ولا كبت للحرية في الإسلام، ولكن ثمة توجيهات وإرشادات تبيّن لك السلوك الأحسن، تقول: هذا صحيح وهذا مستحبّ وهذا مفضّل وهذا مكروه.فلنقرأ عن الإسلام، ولنقرأ عن غيره أيضاً ثم نقارن بينهما. ففي القرون الوسطى كان العالِم يُقتل لمجرّد إبداء رأيه في قضية وإن كانت علمية محضة لا علاقة لها بالدين وتشريعاته!!!
فقتلوا القائل بكروية الأرض، وكذلك الرجل الذي ترجم الكتاب المسمّى عندهم بالمقدّس؛ فقد كان هذا الكتاب حكراً على رجال الدين فقط ولا يعرف لغته غيرهم.
هكذا كانت حالة أوربا في القرون الوسطى أي بعد مرور أربعمئة سنة على الإسلام. فهل يصحّ مقارنتها مع عهد الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه؟ كلاّ بالطبع؛ إذ كيف يصحّ مقارنة الصفر بالكثير بل لابدّ أن يكون مقابل الكثير عدد لتصحّ المقارنة. ومن هنا قيل: مَن فضّل علياً على معاوية فقد كفر، لأنّ معاوية لا فضل عنده ليكون علي أفضل منه. بل لا يقاس بآل محمد من هذه الأمّة ـ ولا من غيرها ـ أحد، فلقد كانوا صلوات الله عليهم أجمعين يمثّلون القرآن.

 

:. التزم بتوجيهات الإسلام ولا تكن عبد غيرك

هناك تهمة وجّهها بعض المستشرقين إلى الإسلام ويردّدها بعض الشباب الذين لا يعرفون الإسلام. فهم يقولون: إنّ الإسلام كلّه محرّمات وقيود ونواهٍ. ونحن نقول لهم: بالعكس تماماً فإنّ الحرية الموجودة في الإسلام لا يوجد لها نظير في كلّ مكان! خذوا أكثر بلدان العالَم اليوم حرية كفرنسا والولايات المتّحدة مثلاً، ترى القيود الكثيرة للسفر منها وإليها. فهذه القيود موجودة في كلّ دول العالَم وإن كانت في بلداننا أشدّ. أمّا الإسلام فلا يوجد فيه مثل هذا! فلا يقول لك الإسلام: أين تسكن؟ وأين تذهب؟ وكيف تذهب؟ ومتى تذهب؟ بل يقول لك: إنّ الله خلقك وهو الذي أعطاك الفكر والعقل فلا تكن عبد غيرك، ولا يجب أن تخبر الدولة عن خروجك ودخولك، وإقامتك ورحيلك، وما تستورد وما تصدّر ـ ما لم يكن ممّا حرّمه الله ـ . لكن الإسلام يضع لك التوجيهات ويقول لك إن التزمت بها تفلح وإلاّ تخسر! الإسلام يهدي ويرسم الطريق، وبعده لا إكراه في الدين أي كلّ أنواع الإكراه يرفضها الدين. (والحريات الموجودة في الإسلام لا نظير لها في التاريخ. وكانت تلك نماذج وهناك مئات بل آلاف النماذج في سيرة النبي وأهل بيته سلام الله عليهم). فمَن يؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. ومَن يتمسّك بالطاغوت ويذهب وراء المبادئ الهدّامة والطواغيت البشرية والفكرية فإنّما يتمسّك بعروة منفصمة، حيث سيكتشف بعد مرور عدّة أيام أو أعوام أنّه كان مخطئاً. إذن: الحرية التي يمنحها الإسلام في مختلف المجالات ليس لها نظير ولا شيء يقرب منها في تاريخ العالَم حتى في هذا اليوم المسمّى بعصر الحريات.
وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.


* ألقيت المحاضرة عام 1396 هـ.
(1) سورة البقرة، الآية: 256.
(2) سورة الحاقة، الآية: 11.
(3) لاشكّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله لم يكن يحيّيهم بتحية الإسلام وهي «السلام عليكم» بل كان يحييهم بأنواع التحية الأخرى؛ لأنّ ههنا مسألة وهي أنّه يجوز للمسلم أن يحيّي الكفّار بمختلف التحيات باستثناء «السلام عليكم» فلا يجوز له أن يقولها إلا لمسلم بل يقول له: أنعِم صباحاً أو أنعِم مساءً، أهلاً وسهلاً، تحية طيّبة، وما أشبه، أمّا كلمة «السلام عليكم» فمختصّة بالإسلام والمسلمين، ووردت فيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته المعصومين عليهم الصلاة والسلام، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحيّي المشركين بمختلف التحيات إلاّ كلمة «السلام عليكم»، فلقد وُضعت للمسلمين خاصة. فإذا حيّى مسلم مسلماً قال له: «السلام عليكم» والحديث المعروف الذي لابدّ وأنّ كثيراً منكم سمعه وهو «تحية الإسلام السلام» يعني أنّ هذه التحيّة خاصّة بالإسلام. (منه حفظه الله).
(4) سورة الكهف، الآية: 29.
(5) سورة البقرة، الآية: 256.
(6) سورة البلد، الآية: 10.
(7) سورة الإنسان، الآية: 3.
(8) بحار الأنوار، ج2، ص141.
(9) الحسنان - بسكون السين - الإبهامان من القدمين. وقرأ بعضٌ: الحسنان - بفتح السين - أي الحسن والحسين سلام الله عليهما.
(10) راجع: بحار الأنوار، ج32، ص27.
(11) ولا أقول «فساد الدين» لأنّ الدين لا يفسد، إنما يفسد دنيا الناس وتكثر مشاكلهم ويُظلمون وتُهضم حقوقهم. أمّا الدين فصالح ومتين أبداً. (منه حفظه الله).
(12) بحار الأنوار، ج97، ص17.
(13) سورة الأعراف، الآية: 157.