» الفهرست

» الشرح اللفظي للآية الكريمة
» "تحرير المرأة" شعار جميل الظاهر خاوي المحتوى
» الرجل والمرأة يكمل أحدهما الآخر
» لماذا كان نصيب المرأة من الإرث نصف نصيب الرجل؟
» لماذا وضع الإسلام الطلاق بيد الرجل؟


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف وللرجال عليهنّ درجة والله عزيز حكيم﴾(1).


:. الشرح اللفظي للآية الكريمة

﴿لهن﴾ أي للنساء، من الحقوق ﴿مثل الذي﴾ يجب ﴿عليهنّ﴾ تجاه الرجال. أي إنّ حقوق النساء على الرجال مماثلة لحقوق الرجال على النساء. وهذا حكم ﴿بالمعروف﴾ وليس منكراً. ﴿وللرجال عليهنّ درجة﴾ فوق النساء ﴿والله عزيز﴾ في ذاته ﴿حكيم﴾ في أحكامه.
في هذه المحاضرة نريد أن نبحث باختصار جانباً من قضية المرأة ومكانتها في الإسلام.
يتألف المجتمع الإنساني من شقين، الذكور والإناث. وهذه الظاهرة سارية في الحياة الحيوانية والنباتية والجمادية أيضاً. فهكذا خلق الله الكون نصفه ذكور ونصفه إناث، ﴿ومن كلّ شيء خلقنا زوجين﴾(2). ولكن النصف من الذكور أقل عدداً من الإناث، فالأنثى تمثّل النصف الأكبر عدداً في المجتمع. فما هو حكم الإسلام ونظرته لها؟


:. "تحرير المرأة" شعار جميل الظاهر خاوي المحتوى

هناك في العالم حقائق وواقعيات، وهناك ظواهر وشكليات. قد ترى شخصاً يكلمك عن موضوع ما كلاماً جميلاً جداً ولكن هذا الكلام لا عمق له في قلبه لأنه لا يلتزم به. فمثلاً يدعو الناس إلى ترك شرب الخمر بينما هو رجل سكير، أو يدعو إلى الإسلام وهو أوّل المخالفين له.
وربما ترى الرجل جالساً أمامك بوجه منطلق بشوش ولكن لو شقّ لك عن قلبه لرأيته مليئاً بالهموم والمشاكل. وهذا يعني وجود ظواهر وشكليات إلى جانب الحقائق والواقعيات المخالفة والمناقضة.
إلاّ أنّ مثقالاً من الواقع والحقيقة يؤثر أكثر من قنطار من الظواهر الخاوية. فلو أنّ بين يديك الآن آلاف بل ملايين من البشر لكنهم موتى بلا أرواح، لما كلّمك واحد منهم حتى حرفاً واحداً، ولكن لو تجلب طفلاً صغيراً عمره شهر واحد فقط لملأ لك البيت ضجيجاً. وما ذلك إلاّ لأن الطفل واقع وحقيقة، أما الموتى فلا أثر لهم وإن حدّثتهم لم تسمع لهم جواباً، لأنّه لا واقع للحياة فيهم.
وهذه الدنيا صبغتها الظواهر. وعندما نأتي إلى قضية المرأة نلاحظ أنّ الشعارات التي تُرفع باسمها ليست سوى ظواهر وضجيج فارغ.

فتحرير المرأة مثلاً كلمة جميلة ولكن عندما تنبش قلب هذه الكلمة لكي تعرف حقيقتها والواقع الذي تعيشه المرأة المعاصرة في ظلها تكتشف أنّ فيها تقييد المرأة وإذلالها وليس حريتها كما يزعمون.
أما قول الله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ فكلمة جميلة الظاهر عميقة المحتوى؛ فلو بحثت التاريخ كلّه لما وجدت كلمة في جمال هذه الآية تجمع بين الواقع العميق وبين المظهر الجميل. إنّها عبارة جميلة وذات مضمون رائع حقاً. إنها تتألف من أربع كلمات فقط ولكن لو أُعطيت لأي عاقل ملتفت لقال إنها أحسن ما قيل في حق المرأة(3).
لو أردنا أن نوجز بتفكير وعمق كلّ ما للمرأة من حقوق وما عليها من واجبات لما وجدنا أجمل ولا أجمع من هذه الكلمة. فلو عرضت هذه الكلمة على عقلاء العالم وحكمائه سيقول لك كلّ منهم إنها تعبر عن تقسيم عادل.
ولكنا نريد في هذا البحث الإجابة على سؤالين أو شبهتين تثاران اليوم كثيراً يتعلقان بأحكام المرأة في الإسلام، تقول الأولى: لماذا جعل الله حصة المرأة من الإرث نصف حصة الرجل؟ والثانية: لماذا جعل الطلاق في الإسلام بيد الرجل دون المرأة؟
قبل الإجابة على السؤالين لابدّ من مقدمة:


:. الرجل والمرأة يكمل أحدهما الآخر

لاحظوا بدن الإنسان وهيكله تجدونه مديناً في حركته إلى العظام والغضاريف، والغضروف لا هو لحم ولا هو عظم بل حالة فيما بينهما وهو الرابط بين مفاصل العظام. فلو أنّ جسم الإنسان كان كلّه عظماً لما تمكن أن يدير رأسه ولا أن يرفع يده ولا أن يمشي بل سيكون مضطراً لأن يبقى ممدداً طيلة الوقت في حالة واحدة، لأنّ الغضروف هو الذي يساعد المفاصل على الحركة والقبض والبسط، وهذا شيء واضح.
كذلك إذا كان بدن الإنسان كلّه غضاريف ولا عظم في جسمه، فإنّه أيضاً لا يقوى على الحركة بل سيظل كتلة ملقاة على الأرض لا يتمكن أن يجلس أو يسير لأنّ قوة العظم وشدته هي التي تحمل الإنسان وتجعله يقوى على القيام والقعود وحمل الأشياء و…
ومن ثم كان بدن الإنسان محتاجاً إلى العظم والغضروف معاً ليكمل أحدهما الآخر في مهمة الحركة والقيام بأعباء الحياة.

إنّ مَثل الرجل والمرأة في الحياة مَثل العظم والغضروف في بدن الإنسان، وثم مثل آخر نضربه لتوضيح الموضوع ـ والأمثال كلّها من الطبيعة وكم لها من نظير ـ وهو أنّ الحياة مزيج من العقل والعاطفة، فإنّ الحياة لا تبنى بالعقل وحده ولا بالعاطفة وحدها. فلو أنّ الحياة سُلب منها العقل عادت فوضى لا نظام فيها، ولا وجدتَ مجلساً منعقداً بعض يتكلّم وبعض يستمع، فإنّ العقل هو الذي يحدد العاطفة ويؤطّرها.
كذلك لا تستقيم الحياة لو كانت خلواً من العاطفة وكانت كلّها عقلاً. ولا انعقد مجلس كمجلسنا هذا أيضاً، فلا أنا كنت مستعداً لأن أتكلّم في مجلس كهذا ولا أنتم كنتم مستعدين للحضور في مثل هذا المجلس والاستماع إليَّ. لأنّ كلاًّ منّا كان يفكر أنّه ينبغي أن يكون رئيساً أعلى لدولة كبيرة أو مرجع تقليد كبير؛ أو على الأقل متحدثاً لجمهور كبير بدل أن يتكلّم لمئة شخص مثلاً أو مئتين، فبالعقل المجرد عن العاطفة يبحث كلّ إنسان عن طريق يسود فيه ويفرض شخصيته على الملايين. لكن الحياة بقيت متوازنة بوجود العقل والعاطفة معاً.

ومَثل المرأة والرجل في الحياة كمثَل العاطفة والعقل، ولكن ذلك لا يعني أنّ المرأة عاطفة بلا عقل، وأنّ الرجل عقل بلا عاطفة، بل بمعنى أنّ المرأة كيان عاطفي تترجّح فيه كفة تأثير العاطفة خلافاً للرجل ـ في الغالب ـ فهو كيان يتغلب فيه العقل على العاطفة. فلو قلنا إنّ مجموع العقل والعاطفة مئة فإنّ عاطفة الرجل 40٪ وعقله 60٪ أمّا المرأة فتأثير عقلها 40٪ وعاطفتها 60٪ مثلاً من أجل تسيير الحياة.
ومن الطبيعي أن تختلف واجبات المرأة عن واجبات الرجل بسبب الاختلاف الموجود في طبيعتهما كما تختلف واجبات الغضروف عن العظم، والعاطفة عن العقل. فاستقامة البدن بالعظم وحركته بالغضروف ولو أردتَ أن تساوي بينهما فمعناه أنّك شللت البدن. وفي الحديث «لو أن الناس تساووا لهلكوا».
أو مثَل آخر: لو أردتَ أن تساوي بين المرأة والرجل في كلّ الأمور تكون كمَن يحمّل أطناناً من الحديد في سيارة صغيرة، ويحمّل الشاحنات الكبيرة بضعة كيلوات من أجهزة دقيقة. فلا السيارة الصغيرة ستكون قادرة على حمل تلك الأطنان، ولا الشاحنات استُفيد منها بالوجه الصحيح.

ومثال آخر ـ والأمثلة كما قلت كثيرة ـ : لو ساويت في الأكل الذي تقدمه لببغاء صغير وأسد ضخم، فربما مات الببغاء خنقاً والأسد جوعاً.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف﴾ أي بما يتناسب وطبيعة كلّ منهما. فإذا أردنا أن نُدخِل النساء المعامل الثقيلة أو نُسكن الرجال البيوت للقيام بالمهام المنْزلية، فكلا الفرضين شلل للحياة. والدليل على ذلك ما نلاحظه في الحياة الغربية. فمن أين جاءت هذه المشاكل مع أنّ البشر هم البشر والرجل هو الرجل والمرأة هي المرأة؟ الجواب: لأنّ واجبات المرأة أُخذت منها وخُوّلت بواجبات الرجل، وواجبات الرجل أُخذت منه وأُعطيت للمرأة، لذلك حدث شلل في الحياة الأسرية ومشاكل، وبدأ الرجال يزدادون تنفراً من زوجاتهم، والنساء يزددن تنفراً من أزواجهن، وأخذت نسبة الطلاق تتزايد يوماً بعد يوم.

انظر إلى إحصائيات الطلاق في أيّ بلد من البلاد الغربية المتمدنة منذ سنة 1900م وإلى الآن (عام 1979م) ترى معدّلاتها في تصاعد مستمر. فالعلم يتقدم بالبشر إلى الفضاء ولكن مشاكله تتقدم به إلى الطلاق وانهدام الأسرة وتفكك العائلة وتفاقم المشاكل الزوجية، لماذا؟ لأنّ كلاًّ تخلّى عن بعض واجباته وقام بواجبات الآخر، مع أنّه ليس كفئاً لها، والحياة حياة الأكفّاء، كما هو الحال في الحياة المادية. فالمهندس يدرس أكثر من عشرين سنة لكي يتخصص في مجال ما ويعطيك رأيه في الخصائص التي ينبغي أن يتحلى بها سقف ما ـ مثلاً ـ لكي يتحمّل وزناً ما.
فإذا كان جانب صغير من الحياة المادية يحتاج لكلّ هذه الدراسة والكفاءة، أفيصحّ بعد ذلك أن يكون حال البشر المؤلَّف من المادة والمعنى، ومن الواقع والظاهر، هكذا هملاً ومن دون حساب.
خذ مثلاً آخر على نتائج الابتعاد عن أحكام الله تعالى في حياة البشر، من الحضارة الغربية نفسها وهو مستشفيات الأمراض العصبية فهي أكثر عدداً من المستشفيات الأخرى في الغرب، على العكس من بلادنا! ومن الواضح أنّ 90٪ من أمراض الأعصاب تنشأ من المشاكل، فمن أين تأتي المشاكل؟ هل تأتي من الله ـ سبحانه ـ ينزلها مع أشعة الشمس على البشر؟ أم يفيض بها البحر علينا؟ كلاّ! بل تأتي من أفكارنا نحن، حينما يضع كلّ منا نفسه في غير موضعه.

لقد صعدوا بالمرأة من جانب ونزلوا بها من جانب آخر فتولدت المشاكل. إنّ المرأة مثال العاطفة في الحياة، فالأمور التي تحتاج إلى العاطفة مخوّلة للمرأة، بينما الرجل مثال العقل ولذلك أوكلت إليه الأمور التي تحتاج إلى عزم وتصميم، ومن هنا قال الله تعالى: ﴿وللرجال عليهنّ درجة﴾.
قد يثار هنا سؤال: هل العقل يسيّر العاطفة أم العاطفة تسيّره؟
نقول في الجواب: إنّ العقل هو الذي يسيّر العاطفة. يقولون: إنّ كلّ الثورات التي تحدث في العالم تحتاج إلى أمل وألم.. بل كلّ حركة وراءها أمل وألم. فالألم يحرّك الإنسان والأمل مظهر العقل، والعقل يحدد الأبعاد، فمثلاً الإنسان الشبعان الذي لا يعاني من ألم الجوع لا يبالي بترك أيام من العمل. أمّا الإنسان الذي لا يجد غذاء يتناوله ويشبع بطنه إن لم يخرج للعمل، فهو لا يترك حتى يوماً واحداً من العمل وإن كان عمله الاستجداء والسؤال من الناس، فالألم هو الذي يحرّك الإنسان، ولكن الأمل هو الذي يضع إطاراً وحدوداً للحركة.


:. لماذا كان نصيب المرأة من الإرث نصف نصيب الرجل؟

بعد عرض هذه المقدّمات الطويلة نسبياً نأتي إلى ذي المقدمة وهو قضية المرأة والإجابة على السؤالين المتقدمين، وأوّلهما: لماذا جعل الله نصيب الرجل من الإرث ضعف نصيب المرأة؟
لكي يتضح الجواب، لابدّ من مراجعة أحكام الإسلام المالية فيما يخص الرجل والمرأة، فإنّ الإسلام جعل نفقات المرأة على الرجل سواءً كانت بنتاً أم زوجة أم أمّاً. فحتى أدوات التجميل يحقّ لها تقاضي ثمنها من الزوج بما يتناسب وشأنها طبعاً، ناهيك عن الغذاء والمسكن واللباس والدواء والترفيه وحتى كفن الزوجة إذا ماتت وماء غسلها وثمن الأرض التي تُدفن فيها وأجور الدفن و… ، كلّ ذلك على الزوج حتى إذا كانت الزوجة ثرية تملك الملايين والزوج معسراً، ولكن في حدود المعروف، كما قيَّدت الآية.
إذن لو مات أب وخلّف أولاداً ذكوراً وإناثاً فالإناث ليس عليهن مصارف لأنّ مصارفهن كلّها على الرجال، أما الرجال فيتحملون مصارف أنفسهم ومصارف النساء التي تعود نفقتهن عليهم كالزوجة وهكذا البنت والأم المعسرين!

حقاً لولا لطف الإسلام ورفقه بالمرأة لاقتضى أن يجعل الإرث كلّه للرجال كما كان الأمر في الجاهلية ـ قبل الإسلام ـ وكما هو موجود في بعض الجاهليات الحديثة. ولو تركنا نحن وعقولنا ولم نستضئ بهدي الإسلام لبدا اختصاص الرجل بالإرث كلّه معقولاً، فلماذا نعطي المال للمرأة والرجل يصرف عليها كلّ ما تحتاجه. ولكن الإسلام لم يغفل أنّ المرأة قد تحتاج ولا تطلب من الرجل حياءً ولا يريد الإسلام للمرأة أن تستعطي، ولذلك جعل لها حصة من الإرث. هذا بالإضافة إلى أنّ في منحها حصة من الإرث نوعاً من تطييب نفسها سيما وهي مفجوعة أيضاً بموت قريبها.
فهل يعدّ حكم الإسلام في إرث المرأة بعد هذا ظلماً في حقها وحطّاً من كرامتها أم أنّ الأمر ببساطة ووضوح يتناسب مع الأحكام المالية الأخرى في الإسلام مع أخذ عاطفة المرأة بنظر الاعتبار، لأنّ الإسلام يلاحظ العواطف أيضاً؟!


:. لماذا وضع الإسلام الطلاق بيد الرجل؟

أمّا السؤال الثاني وهو: لماذا وضع الإسلام الطلاق بيد الرجل دون المرأة؟
فنقول في الإجابة عليه: لما كان كلّ فكرين يصطدمان بطبعهما، حتى الأخوين قد يختلفان أو الأب والابن، فكذلك حال الرجل والمرأة فإنّ الاختلاف أمر طبيعي في الحياة، وإلاّ لو لم يكن الاختلاف فلماذا يحصل الطلاق؟ وهل يصح أن نقول للزوجين المختلفين، تفاهما وقررا الطلاق معاً فهو بيدكما معاً وليس لأحد منكما دون الآخر، فكيف يتصوّر أن يتّفقا ويتفاهما وهما مختلفان؟ فأكثر حالات الطلاق إنما تنتج لأنّ الزوجين غير متناغمين، فالزوج قد يكون ثائراً إلى حد الرغبة بالطلاق أما الزوجة فغير ثائرة إلى ذلك الحد. وربما كان الأمر بالعكس، فكيف يتفقان على الطلاق وهما مختلفان. إن التشاجر والنّزاع والصدام هو الذي يؤدي إلى الطلاق، فإذا كان هناك تشاجر ونزاع وصدام فكيف يتصور التفاهم وهو على النقيض من تلك الحالات؟
إذن لابدّ أن يكون الطلاق بيد أحدهما أو بيد شخص آخر غيرهما ولا احتمال آخر. أمّا الاحتمال الأخير وهو أن يكون الطلاق بيد شخص أو جهة غيرهما، فهذا أمر مرفوض بالكامل لأنّ أياً من الزوجين قد لا يبدي كلّ ما في قلبه تجاه الآخر للغير كما يبديه لزوجه، فكيف نترك شأن حياتهما المشتركة بيد شخص ثالث لا يعيش تجربتهما؟!
يبقى عندنا أحد احتمالين، إما أن يكون الطلاق بيد المرأة أو بيد الرجل وقدّمنا أنّ المرأة عاطفية أكثر من الرجل، وهذا التكوين العاطفي للمرأة قد يدفعها لاتخاذ قرار مستعجل بالطلاق سرعان ما تندم عليه بعد زوال أسباب الإثارة، على العكس من الرجل فطبيعته ـ في الغالب ـ لا تجعله يثور بسرعة وإذا ثار واتّخذ قراراً فلا يتراجع عنه بسرعة لأنّه لم يتخذه بتأثير عاطفي سريع الزوال؛ فثورة الرجل عن خلفية وامتداد وإذا حدثت تعمقت وتجذرت، أما ثورة المرأة فكزبد البحر أو الرغوة التي تعلو غسيل الثياب، فلو وضع الإسلام الطلاق بيد المرأة لكان خلاف الحكمة والتكوين الطبيعي لها.

انظر إلى نسب الطلاق في الغرب واستخلص منها العِبر، فلقد كتبت إحدى المجلات: إنّ 87٪ من النساء التي طلَّقْنَ في الغرب أظهرن الندم في غضون شهر بعد الطلاق، ناهيك عن اللواتي لم يعلنَّ ذلك تجلّداً، أما الرجال فلم تبلغ النسبة من النادمين على قرارهم بالطلاق 17٪.
يتبين أنّ حكمة التشريع في وضع الطلاق بيد الرجل هو التقليل من حالات الطلاق ودعماً لأواصر المحبة بين الزوجين واستمراراً للحياة الزوجية.
هذا ولم يتجاهل الإسلام كرامة المرأة واختيارها حتى في هذا المجال، فقد ترك لها الإرادة كاملة قبل الزواج، والحرية في أن لا تتزوج إلاّ بشرط أن تكون وكيلة عن الزوج في الطلاق، فيصبح لها هذا الحق كما للزوج، ولكنه مع ذلك يشجع في خطه العام على الزواج، ويقول للمرأة: أنا أضع أمامك طريق الحياة السعيدة حتى مع كون الطلاق بيد الرجل، ولكن في الوقت نفسه، ولكي لا تشعري بالإجبار والإكراه، لا أجبركِ على شيء، وبإمكانك أن تضعي هذا الشرط قبل الزواج. وهذه المسألة طرحت في عهد الإمام الصادق سلام الله عليه.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


* ألقيت المحاضرة في ربيع الأوّل عام 1399 هـ.
(1) سورة البقرة، الآية: 229.
(2) سورة الذاريات، الآية: 49.
(3) لقد سئل الإمام العسكري سلام الله عليه: كيف نعرف العاقل؟ فقال: لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه. أي أن العاقل يفكر أولاً ويأخذ تصوراً كاملاً عن الموضوع ثم يتكلم، أي أن الكلام ينطلق من مخزن القلب إلى اللسان، أما الأحمق فبالعكس، أي أنه يتكلم أولاً ثم يفكر في ما قال. (منه حفظه الله).