» الفهرست

» الحكومة الإسلامية هي التي تطبّق كلّ أحكام الله
» عود على بدء


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً﴾(1).

هذه الآية المباركة هي من الآيات التي نزلت بشأن حرب الأحزاب، وهي من أهمّ حروب رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فلقد كانت تبدو في أوّل أمرها من أصعب الحروب وأشدّها على المسلمين لكنّها انتهت أسهل من أيّ معركة أخرى، ونزلت بشأنها سورة في القرآن تسمّى سورة الأحزاب.لقد حارب رسولُ الله صلى الله عليه وآله المشركين في عدّة حروب وانتصر عليهم، وحارب اليهود وانتصر عليهم، وواجه النصارى وتغلّب عليهم، وهكذا كان حال المنافقين فلقد جابههم رسولُ الله صلى الله عليه وآله وانتصر عليهم. فكلّما واجهت إحدى هذه الفئات أو الأحزاب الجيش الإسلامي، كانت الغلبة للمسلمين. ومن هنا فكّر قادة هذه الأحزاب أن يجتمعوا ويجمعوا عدّتهم وعددهم ليشنّوا حرباً واحدة حاسمة على رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت حرب الأحزاب، حيث شكّل المشركون مع النصارى واليهود، والمنافقين ـ الذين هم كالطابور الخامس ـ شكّلوا جيشاً تعداده اثني عشر ألف رجل مسلّح اجتمعوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وحاصروا المدينة المنوّرة!

ولم يكن عدد أفراد الجيش الإسلامي ـ كما يذكر المؤرّخون ـ أكثر من بضعة آلاف، وذلك لأنّ كلّ سكان أهل المدينة آنذاك لم يزيدوا على عشرة آلاف نسمة أي أقلّ من أفراد الجيش المحاصِر للمدينة. ولم يكن تسليح الجيش الإسلامي كاملاً، فمعظمهم كانوا رجّالة لا خيول لهم أو لا يملكون السلاح الكافي. وكان في جيش الكفّار عمرو بن عبد ودّ العامري الذي كان يُعدّ بألف فارس.
هذه الحالة من عدم التكافؤ هي التي دعت بعض المسلمين لأن يطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يفاوض جيش الأحزاب، وقال بعضهم: نصالحهم ونرضخ لكلّ ما يقولون حتى لو أمرونا بعبادة الأصنام، فلا قِبَلَ لنا بهم وليس من العقل أن نواجههم، بل ننْزل على رأيهم ونصبر حتى إذا قوينا في المستقبل حاربناهم!
إلى هنا قد يهون الأمر، ويقول القائل: أنّى لهؤلاء القليلين العزّل أن يقاوم ذلك الجيش الكبير الكثيف المدجّج بالسلاح؟ لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فإنّ الآية تصف أولئك المتخاذلين بما هو أفظع من ذلك. يقول تعالى: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً﴾ أي إنّ الأمر بلغ بهم أن يكذِّبوا الله تعالى والنبي صلى الله عليه وآله. هؤلاء الذي حكَموا عقولهم القاصرة قِبال وعد الله ورسوله لهم بالنصر، يصفهم الله بالمنافقين والذين في قلوبهم مرض.

إنّ الله تعالى أراد في هذه الحرب أن يثبت للجيش الإسلامي ولنا ولكلّ المسلمين إلى يوم القيامة أنّ الأمر بيد الله وأنّ النصر من عند الله، فإنّ المسلمين غُلبوا في حروب كان الجيش الإسلامي فيها أكثر عدداً من المشركين ـ وإن كُتب لهم النصر في النهاية ـ لكن في هذه الحرب التي اجتمعت الأحزاب كلّها ضد الإسلام وبلغ جيش الكفّار أكثر من عدد المسلمين في مدينتهم المحاصَرة، تمّ النصر للمسلمين من دون أيّة تضحيات، فلم يُقتَل من المسلمين حتى شخص واحد، الأمر الذي يثبت أنّ النصر لا يوجد إلاّ من عند الله ﴿وما النصر إلاّ من عند الله﴾  (2).

في آية أخرى سبقت هذه الآية يصف الله حالة المسلمين في هذه الحرب بقوله تعالى: ﴿إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر﴾(3)، وذلك أدقّ تعبير عن حالة الخوف والهلع التي كان يعيشها المسلمون، فإنّ الإنسان الخائف لا تكون حركة سواد عينه منتظمة بل تدور من هنا وهناك، والزيغ يعني الميل، فإنّ عين الخائف مفتوحة على الدوام وهو يواجهك ولكن لا يراك، وإذا سلّمت عليه قد لا يردّ جوابك، ولا ينتبه لك، بل قد يجرح الإنسان الخائف وهو غير ملتفت أنّه مجروح، وقد يصطدم بجدار أمامه دون أن يشعر به ولا يراه، فإنّ العين ترى ولكن انشغال الفكر والخوف يكون مانعاً من استيعاب الصورة التي تنقلها العين للفكر ليكون له تأثير على حركة الشخص. وهكذا كان المسلمون في حرب الأحزاب أي أنّ أعينهم كانت تدور ولكن لا يرون شيئاً.

وهناك صورة أخرى تعبّر عن الخوف الشديد هي قوله تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾. كيف تبلغ القلوب الحناجر مع أنّ الفاصلة بينهما تزيد على أربع بوصات؟ إنّ الإنسان الخائف تزداد ضربات قلبه فيشتدّ نفَسه وتنتفخ رئته أكثر من اللازم فتضغط على القلب وهو بدوره يزيد من ضغط الرئة حتى يصاب الشخص بالحشرجة وهو صوت يخرج من الصدر كما عند المصابين بضيق النفس. يقول المؤرّخون: إنّ المسلمين أُصيبوا بالحشرجة عندما عرفوا أنّهم محاصَرون بجيش الأحزاب.
وبعد ذلك يقول الله تعالى في وصف حالهم: ﴿وتظنّون بالله الظنونا﴾ أي تقولون إنّ الله أخبرنا أنّ النصر من عنده، فأين النصر ونحن قليلون وهؤلاء الكفّار محدقون بنا؟
ولكن الله يفعل كلّ ذلك لامتحان العباد، ولذلك خلقهم؛ يقول تعالى: ﴿أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتَنون، ولقد فتنّنا الذين من قبلهم﴾(4).
فكلّ هذه المظاهر امتحانية، وكثير من المسلمين فقدوا إيمانهم في هذا الامتحان وسقطوا، وهم أولئك الذين قالوا: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً﴾.

لقد وقعت حرب الأحزاب في أخريات حياة رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة أي قبيل فتح مكة، ولكن الله يمهل الظالمين ولا يهمل، والنصر حليف المؤمنين وإن جاء متأخراً. إذا كان في المؤمنين أربعة قاموا لله بكلّ قلوبهم وأخلصوا له من أعماقهم وحاربوا من أجله وتكلّموا في سبيله ونطقوا له، فهذا يكفي لأن يحقّق الله تعالى نصره لجميع المسلمين بواسطة هؤلاء الأربعة.
لقد كان في صفوف الجيش الإسلامي ـ غير الذين قالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً ـ عدد قليل بقي ظنّهم بالله حسناً ولم يظنّوا به الظنون، بل قالوا: الأمر لله والله ورسوله وعدانا بالنصر، والنصر سيكون حليفنا وإن كان الجيش الكافر أكثر منّا عدّة وعدداً.
وهكذا كانت النتيجة: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾(5) في أعظم حروب رسول الله صلى الله عليه وآله فعادت أسهل حروبه، وتمّ النصر للمؤمنين بقتل عمرو بن عبد ودّ على يد بطل الإسلام الخالد عليِّ بن أبي طالب سلام الله عليه، وانهزم الجيش الكافر عن آخره ولم يُقتَل مسلم واحد!
وهكذا كلّما تصارع الحق والباطل وبرز من المؤمنين جماعة شجعان نذروا أنفسهم لله فإنّ الله يكتب لهم النصر كما كتبه للمؤمنين في الأحزاب، هذه سنّة الله تعالى ولن تجد لسنّة الله تبديلاً.


:. الحكومة الإسلامية هي التي تطبّق كلّ أحكام الله

المؤسف أنّ بعض الناس يتصوّر أنّ الحكومة الإسلامية هي التي تطبّق الحدود والتعزيرات والعقوبات فقط، مع أنّ هذا لا يشكّل إلاّ جزءاً ضئيلاً من أحكام الإسلام؛ ولو أنّ الإسلام طبّق بعضه دون بعض لارتسمت له صورة غير جميلة، وهكذا تكون التعضية في الغالب. فهذا الإنسان الذي خلقه الله على أحسن صورة ـ ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾(6) ـ لو فصلتَ بعضه عن بعض يكون أقبح الهياكل. فلو أنّ شخصاً جميلاً فقئت عينه فكيف سيبدو؟! وهكذا لو رفعت عظمة قحف الرأس ماذا سترى؟ هل منظراً جميلاً، أم مقرفاً؟ نقل لي أحد الطلاّب ـ والشيء بالشيء يُذكر ـ أنّه كان يحبّ دراسة الطب كثيراً لكن الشيء الذي كان يمنعه هو التشريح واشمئزازه من النظر إلى الأعضاء منفصلة عن بعض. حقاً لو رفع الغطاء الموجود على الجهاز الهضمي لدى الإنسان لاشمأزّ الناظر!

مثال آخر في اللغة: كلمة «لا إله إلاّ الله» هي كلمة التوحيد والإخلاص والخلاص وهي سبب الإيمان والإسلام والفلاح، ولكن ماذا يحدث لو فصلتَ بين جزئيها ونطقت بالجزء الأوّل وحده؟ إنّ مجرّد الفصل بين أجزاء كلمة والأخذ ببعض وترك بعض يغيّر الإيمان إلى الكفر!
إنّ تطبيق الإسلام بصورة ناقصة يعطي صورة مشوّهة عن الإسلام. وهذا هو حال بعض الدول الإسلامية اليوم المتبجّحة بتطبيق الإسلام مع أنّها لا تطبّق إلاّ جَلْد الزاني وقطع يد السارق، فهل هذا هو الإسلام وحسب؟
عندما تراجعون الفقه الإسلامي تجدون فيه خمسين باباً أو كتاباً والكتاب الخمسون منها هو كتاب الحدود. فهو واحد من خمسين كتاباً بل هو الكتاب الأخير، فلماذا يُتصوّر أنّه الإسلام كلّه؟!

إنّ من واجبات الحكومة الإسلامية السماح لمواطنيها بالعمل وفق القانون الإسلامي المعروف ب‍ «إحياء الموات» في المجال الزراعي، ومفاد هذا القانون هو أنّ المسلم باستطاعته أن يتملّك أيّة أرض متروكة غير مملوكة ولا مزروعة، شريطة أن يباشر بزراعتها أو إحيائها، وهذا القانون يستند إلى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله مسند عن الشيعة والسنّة وهو: «مَن أحيى أرضاَ مواتاً فهي له. قضاء من الله ورسوله صلى الله عليه وآله»(7)، ولا يوجد لهذه الحرية التي يمنحها الإسلام للمسلمين ولغيرهم في الزراعة نظير، في أيّ بلد أو بقعة من بقاع العالَم. ولو طُبِّق هذا القانون في أيّ بلد إسلامي لأصبح ذلك البلد جنّة غنّاء، ولما بقي إنسان بلا مسكن أو جائعاً؛ لأنّ كلّ إنسان يمكنه أن يفتّش عن أرض غير مزروعة ولا تعود ملكيتها لأحد (وأرض الله واسعة)، ثم يقوم بزراعتها فيأكل من زرعه ويسكن الأرض التي ملَكها بإحيائه لها.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ هذا القانون يمنع الاحتكار في الوقت نفسه، لأنّ أيّ إنسان لا يحقّ له أن يستحوذ على أرض دون أن يحييها أو يزرعها وإن كانت بواراً لا تعود لأحد؛ لأنّ شرط التملّك هو الإحياء المباشر.
ومن جهة ثالثة سوف لا تبقى يد واحدة عاطلة عن العمل.
فهل طبّقت الدول التي تدّعي الإسلام هذا البند من بنوده الكفيلة بتحقيق السعادة والتقدم والرقي، أم اكتفت منه بضرب السياط وقطع الرقاب وهذا كلّ شيء؟!
ثم بند ثانٍ من بنود الإسلام هو تحرير التجارة وعدم احتكارها من قِبل الدولة حيث تحصرها على أناس معيّنين فيما تحرم سائر أبناء المجتمع وتفرض عليهم الجمارك الثقيلة؟!
في الإسلام مَن يملك ذكاءً أكثر يمكنه أن يعمل أكثر. أمّا في الأنظمة الوضعية التي تدّعي الإسلام فالشرط الأساسي ليس الذكاء والخبرة بل الروابط والعلاقات مع الحاكم، فمَن حظي بشيء منها مُنح امتياز عشرين نوعاً من التجارة، وإن كان من أغبى الناس! فهل هذا من الإسلام؟

سألني بعض الناس في العراق، والآن يسألني بعض أيضاً: هل تهريب البضائع ـ أو ما يُعبَّر عنه باللهجة العراقية (القچق) ـ حرام؟ فقلت لهم: بل هو مشروع ومطلوب. تقولون كيف؟ أقول: ما هو التهريب؟ التهريب معناه أنّ الدولة منعت استيراد أو تصدير بعض المواد وإذا ضبطها مأمور الجمارك فرض عليها ضرائب باهظة. نسأل: ما هو رأي الإسلام في هذه الأمور الثلاثة: إجازة الاستيراد وإجازة التصدير والضرائب المفروضة؟ والجواب: إنّ الإسلام يرفضها جميعاً. إنّ القانون الذي طبّقه رسول الله صلى الله عليه وآله والإمام علي سلام الله عليه لم يكن فيه إجازة للتصدير ولا إجازة للاستيراد ولا ضرائب عليهما، بل على العكس يقول الفقهاء: لا يجب بل لا يجوز العمل بالقوانين الصادرة من الدولة غير الإسلامية، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾(8)، والمقصود بالدولة غير الإسلامية هي الدولة التي لا تحكم بالإسلام أي لا تطبّق قوانين الإسلام، وإن كانت تسمّي نفسها إسلامية، فليس المهم الاسم بل التطبيق والعمل، وكلّ حكم لا ينتهي إلى الله فهو غير مشروع وغير إسلامي وإن كان صادراً عن دولة تسمى إسلامية؛ لأنّ المهم الواقع وليس الظاهر، فلو صنعت من الكارتون شكلاً على هيئة إنسان فهل يصبح إنساناً مع أنّه لا روح فيه ولا يتكلّم ولا يرى ولا يفكّر؟ أم أنّ الإنسان هو هذا الكائن الذي يتحرّك ويريد ويقوم ويقعد ويفكّر. وهل الأسد الذي يُخاف منه هو الأسد الحقيقي أم المنقوش على الستار أم المكتوب بحروف ألف وسين ودال؟ لاشكّ أنّه لا النقش ولا الحروف. وكذلك الإسلام اللفظي أو الكتبي المجموع في حروف ألف، سين، لام، ألف، ميم، لا يفعل شيئاً بل الأثر هو للإسلام الحقيقي. فلا يكفي للحاكم أن يقول: إنّني حاكم إسلامي بل لابدّ أن يكون مستنداً إلى القرآن والسنّة. فما لم يؤيّده القرآن والسنّة والمعصومون سلام الله عليهم ويقولون إنّه من عند الله، فهو في واقعه غير إسلامي وإن تسمّى بالإسلام.

إنّنا لا نسير خلف الأسماء والشعارات بل خلف الواقع، وقد ورد في الحديث: «يأتي على أمّتي زمن لا يبقى من الإسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه»(9).أعود إلى المسألة التي ذكرتها وهي أنّ الدولة التي لا تطبّق الإسلام بحذافيره لو أقرّت قانوناً ما فإنّ العلماء يقولون بالإجماع ـ سنّة وشيعة وبمختلف مذاهبهم ـ إنّه لا يجوز اتّباعها والانصياع لقانونها إلاّ في حال الاضطرار تماماً كما في تناول لحم الخنْزير أو المسكر حال الضرورة وبمقدار رفع الضرر فقط! ويضربون لذلك مثلاً بجوازات السفر التي تصدّرها الدول غير الإسلامية، فإنّ مَن لا ضرورة له إليها ـ كالرجل المسنّ أو المريض ومَن لا يستطيع السفر ـ لا يجوز له الرضوخ لها، لأنّه غير مضطرّ إليها.

فكما أنّ الإنسان إذا كان في مكان منقطع وأشرف على الموت جوعاً ولم يكن عنده ما يدفع عنه خطر الموت من الجوع إلاّ لحم الخنْزير فإنّه يجوز له ولكن لا على نحو الشبع بل بمقدار رفع الضرورة، حتى يصل المكان الذي فيه الأكل الحلال، وكما لو أشرف (الإنسان) على الموت بسبب العطش ولم يجد إلاّ الخمر فإنّه يجوز له أن يتناول منه بمقدار رفع ضرر الموت وليس أكثر حتى يبلغ المكان الذي يجد فيه مائعاً حلالاً… فإنّ حكم القوانين غير الإسلامية كلّها هكذا بإجماع علماء المسلمين، أي لا يجوز الرضوخ لها إلاّ بمقدار الضرورة ومواصلة الحياة. وحتى التهريب يكون حراماً ولا يجوز عند الضرورة فقط، وذلك فيما لو كانت ممارسته تؤدّي إلى إلقاء النفس في التهلكة، والله تعالى يقول: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾(10)، وإلاّ فهو في الأصل جائز إن لم يحمل معه خطر القتل. أمّا الخطر الأدون كالتعرّض للسجن أو الضرب؛ وحتى الإهانة فلم يقل العلماء إنّ دفعها من الضرورات لأنّ «الناس مسلّطون على أنفسهم»(11)، والله تعالى خلق الإنسان مختاراً فلماذا يكون عبداً لغيره، بل لا يجوز له أن يكون عبداً لغير الله تعالى ولا ينبغي له أن ينصاع لغير قوانين الله. إن قوانين الله تعالى هي القوانين التي تلتزم بها الحكومة الإسلامية الشرعية المصدَّقة من قِبل القرآن، فهذه واجبة التنفيذ على الجميع. أمّا القوانين غير المصدَّقة من قِبل الله تعالى، والأحكام التي تصدر عن الحاكم غير المنصوب من قِبل الله فغير واجبة الاتّباع بل غير جائزة الاتّباع إلاّ في إطار الضرورة وخوف التهلكة فقط!


:. عود على بدء

نخلص من كلّ ما تقدّم أنّ ما نشاهده هذه الأيّام – وعلى مرّ التاريخـ من أحداث توجب إخافة بعض المؤمنين، لا ينبغي أن تزلزل إيمانهم بل عليهم أن يراجعوا القرآن ويقرأوه ويتدبروا آياته ليروا أيّة مواقف نصر الله تعالى فيها المسلمين وكيف نصَرَهم؟!
لقد نصَر الله المسلمين في مواقف كان النصر فيها يبدو مستحيلاً بالحسابات المادية، ومن تلك المواقف وأهمّها معركة الأحزاب.
إنّ الله وعد المسلمين النصر في صدر الإسلام، ولكن المنافقين والذين في قلوبهم مرض كذبوا الله ورسوله عندما رأوا الأحزاب وقالوا: ﴿ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً﴾، ونحن اليوم معرّضون للامتحان نفسه، أفنشكّ في وعد الله للمؤمنين بالنصر، أم نكون من الثابتين على الإيمان، المصدِّقين وعْدَ الله، غير الظانّين به ظنّ السوء؟!
ومن المؤسف حقاً أن بعض الناس يبيع إيمانه بالتافه، فمع أنّه ليس عضواً ولا عميلاً في أجهزة الاستخبارات ولا يتقاضى منهم أجراً ولا مرتّباً ولكنه يعطي كلّ ما عنده للظالمين بلا عوض، ويجعل رقبته جسراً لهم ومعبراً؛ ويكون من الذين قال الله عنهم: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً﴾.
نسأل الله أن يجنّبنا خطل القول والعمل وأن يوفّقنا لمراضيه.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


* ألقيت المحاضرة في ربيع الأول 1399 هـ.
(1) سورة الأحزاب، الآية: 12.
(2) سورة آل عمران، الآية: 126، سورة الأنفال، الآية: 10.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 10.
(4) سورة العنكبوت، الآية: 2 ـ 3.
(5) سورة الأحزاب، الآية: 25.
(6) سورة المؤمنون، الآية: 14.
(7) الكافي ج5، ص180، عن السكوني عن أبي عبد الله الصادق سلام الله عليه.
(8) سورة المائدة، الآية: 3.
(9) العدد القوية، لعلي بن يوسف الحلّي، ص83.
(10) سورة البقرة، الآية: 196.
(11) المكاسب ج6، ص216، وجامع المدارك، للسيد الخونساري، ج3، ص187.