» النَص

يصادف اليوم ـ بناءً على المشهور ـ ذكرى استشهاد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، وكذلك ـ على قولٍ ـ ذكرى استشهاد السبط الأول الإمام الحسن المجتبى سلام الله عليه، كما يصادف آخر هذا الشهر ـ على قولٍ ـ ذكرى استشهاد الإمام الرضا سلام الله عليه.
لقد استشهد المعصومون من آل البيت سلام الله عليهم جميعاً، حتى النبي صلّى الله عليه وآله قضى شهيداً، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: «وما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ»(1).
فمصادر المسلمين في التفسير والحديث والتاريخ للشيعة وغيرهم تتفق على أن النبيّ صلّى الله عليه وآله قد استشهد، وأنّ شهادته كانت بالسمّ.
وإذا كان هناك خلاف بين أئمة الشيعة وغيرهم في هذا المجال فهو في من دسّ السمّ إليه صلّى الله عليه وآله.
واستشهد أحد عشر إماماً من الأئمة الاثني عشر، أما الإمام الثاني عشر الحجة المنتظر صلوات الله وسلامه عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف فقد غاب عن الأنظار بإذن الله تعالى، وفي المأثور أنه سيستشهد كذلك بعد ظهوره في آخر الزمان.
المهم أن قضية استشهاد النبي صلّى الله عليه وآله لا شكّ فيها من الناحية الروائية والتاريخية.
أشير في المناسبة إلى نقطة واحدة أقف عندها قليلاً، وهي قضية التأسّي برسول الله صلّى الله عليه وآله. قال الله تعالى في كتابه الكريم: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(2).
ومعنى هذه الآية بعبارة بسيطة: أن تعلّموا أيها المسلمون من النبي صلّى الله عليه وآله كل شيء في حياتكم، واقتفوا أثره في كل ما كان يفعل في حياته. فمثلاً: انظروا كيفية صلاته وتعلّموا منه كيف تصلّون، وهكذا كيفية صيامه وحجّه وجهاده وحربه وسلمه، وتعامله مع أهله وذويه، وعلاقاته مع الناس، وتعاملاته التجارية والدولية، والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وهكذا سائر أموره في حياته. فالأسوة يعني المُقتدى.
ثم إن الآية لم تجعل من النبي صلّى الله عليه وآله أسوة لفئة خاصة، بل قالت «لكم» أي لكل المسلمين، فشملت العالم والكاسب والموظف والمعلم والتلميذ ورجل الدولة والمواطن، والرجل والمرأة، والغني والفقير، والمريض والمعافي، والطبيب والمهندس، ومن يقيم المجالس أو يدفع الأموال لإقامتها أو يجمع الأموال لها، أو يشترك فيها متحدثاً أو مستمعاً...
جاء في التاريخ وفي الروايات الكثير الكثير من السيرة العطرة للنبي المصطفى صلّى الله عليه وآله، وإن وصيّتي للجميع ولاسيما الشباب الأعزّاء أن يطالعوا بأنفسهم تاريخ نبيّهم صلّى الله عليه وآله والكتب في هذا المجال في متناول الجميع، فكتاب (بحار الأنوار) على سبيل المثال موجود في المكتبات، ليطالع الإخوة والأخوات الأعزّاء الأجزاء من الخامس عشر إلى الثاني والعشرين، فكلها تتحدث عن حياة وسيرة النبي المصطفى صلّى الله عليه وآله.
لنصمم على العمل بهذه الآية الكريمة، التي أمرتنا بالتأسّي برسول الله صلّى الله عليه وآله، ولنتخذ منه صلّى الله عليه وآله أسوةً في حياتنا حقّاً، ولنتأسّ به في جميع الأمور ولاسيما بأخلاقه صلّى الله عليه وآله.
لقد أمرنا الله تعالى في هذه الآية أن نتأسى برسوله صلّى الله عليه وآله في كل شيءٍ، ووصفه بأنه الأحسن في كلّ شيء، وأنه سبحانه أثنى عليه صلّى الله عليه وآله في آية أخرى ثناءً خاصاً، وذلك في قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(3).
فالآية الأولى تشير إلى الأسوة العامة، والآية الثانية تشير إلى الأسوة الخاصّة.
لقد بُعث رسول الله صلّى الله عليه وآله يبلّغ الناس الإسلام وهو رسالة شاملة لكل شؤون الحياة، ولكنا مع ذلك نسمع أنه صلّى الله عليه وآله قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(4)، ولم يبلغنا انه قال: إنما بعثت للصلاة أو الصوم والحج والخمس وغيرها من التشريعات والعقائد مع أنه صلّى الله عليه وآله هو الذي أتى بها من قبل الله عزّ وجل.
ولئن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على أهمية الأخلاق في الإسلام؛ فكأنه صلّى الله عليه وآله يقول تتلخص بعثتي في مكارم الأخلاق وهي الغاية.
فلنصمم منذ اليوم أن نحسّن من أحوالنا، ولنستحضر دائماً أن الإسلام جاء من أجل سعادة الإنسان.
لقد حكم النبي صلّى الله عليه وآله وحكم الإمام علي سلام الله عليه ولم يحكم معصوم غيرهما من المعصومين الأربعة عشر ـ إلا ما سيتحقّق في المستقبل إن شاء الله تعالى من الحكومة العالمية للإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ فجسّدا (صلوات الله عليهما وآلهما) الأخلاق في سيرتهما ومنهجهما، وسعد الناس في ظلّهما.
ثم انحسر بعدهما الإسلام ومنهجه في الحكم والحياة، ومعه غابت السعادة عن حياة الناس. ورغم مرور أكثر من أربعة عشر قرناً على ذلك التاريخ لم ينعم الناس بعدهما بما نعموا به في ظلّهما. وزاد شقاء الناس يوماً بعد يوم مع ابتعادهم عن الإسلام وترك التأسّي بسيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله، حتى عاد ما لا وجود له اليوم هو السعادة، وما متوافر بكثرة هو الشقاء والمشاكل.
والسبب في كل ذلك ترك العمل بالآية التي أمرت بالتأسّي بالنبي صلّى الله عليه وآله. أجل كل من عمل بالآية وتأسّى بالنبي صلّى الله عليه وآله نال السعادة بمقدار ما تأسّى، ولكن كحالة عامة غاب التأسّي ولم يبق في الحياة العامة للمسلمين من الإسلام إلاّ اسمه؛ ولذلك بتنا نشهد كل هذه المظالم والتعاسات والمشاكل والأزمات في الواقع.
فلنزد من العمل بهذه الآية والتأسّي بالنبي الكريم، لكي نحقّق السعادة؛ كلٌّ بمستواه ومن موقعه: الأب من موقعه، والأم من موقعها، والأبناء من مواقعهم، والراعي من موقعه، والرعية من موقعها، والرئيس من موقعه والمرؤوس من موقعه، وهكذا الكاسب والموظف والواعظ والمرجع، و... كل من موقعه في المجمتع، عليه أن يتأسّى بالنبي صلّى الله عليه وآله، لتغيير نفسه والمجتمع.
وإذا لم يكن الفرد قادراً على تغيير العالم فهو قادر على تغيير ذاته. فلنجرّب إذن، ولنحاول، ونبدأ بأنفسنا، في ترسيخ ومضاعفة التأسّي برسول الله صلّى الله عليه وآله، سنحسّ بالسعادة أكثر كلما ازددنا تأسّياً به وقرباً منه صلّى الله عليه وآله.
ففي ظل الحكومة النبوية المترامية، لم يُسمع عن شخص واحد مات جوعاً. إلا ما ذُكر عن موت أبي ذر جوعاً في عهد عثمان. أما في عهد النبي صلّى الله عليه وآله نفسه فلم يُسمع عن شيء من هذا القبيل.
وهكذا في حكومة الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه، وكانت واسعة جداً، تغطّي قرابة خمسين دولة من دول اليوم مثل ايران والعراق وسوريا والحجاز و...، هذا بالرغم من المشاكل الكثيرة التي واجهت حكومة الإمام سلام الله عليه.
فإن لم تكن هذه هي السعادة الاقتصادية فما هي السعادة الاقتصادية إذن؟ هل يستطيع أحد اليوم أن يجزم أنّ هذا ( أي الموت جوعاً) لا يحدث في دولة من دول العالم.
أم هل سمعتم بحادثة انتحار واحدة حدثت في عهد حكومة النبي والإمام صلوات الله عليهما وآلهما؟
لا يقال إن ظاهرة الانتحار حديثة ولم تكن في السابق.
فهذه الظاهرة كانت موجودة قبل الإسلام، وغابت بظهوره، ثم عادت بعد غيابه وغياب منهجه في الحكم والحياة.
لقد ذكروا أن في مدينة صغيرة في احدى الدول المعاصرة أقدمت 25 فتاة على الانتحار!
ما الذي أبعدنا عن الإسلام ونبيّه؟ لنعد إليه سريعاً، ليس من أجل انفسنا فقط بل أيضاً من أجل ذوينا وأهلينا وأممنا وشعوبنا وبلداننا والعالم كله.
كان سهيل بن عمرو من الناشطين ضد الرسول صلّى الله عليه وآله، وكان يخطب دائماً ويحرّض الناس على قتال المسلمين. اشترك في معركة بدر وأسر فيها. فجيء به إلى النبي صلّى الله عليه وآله، وبينما كان أسيراً (قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله انزع ثنيتيه يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيباً أبداً)(5). وكانت شفته العليا مشقوقة فلو كسرت أسنانه السفلى لتعذر عليه الكلام بعد ذلك.
ولكن النبي لم يسمح بذلك بل أطلقه أيضاً؛ فهل رأيتم مثل هذا التعامل في دول العالم اليوم حتى التي تدعي التحضّر ورعاية حقوق الإنسان، والاسير والسجين و...
حقاً إن الإسلام جميل جداً. والقرآن وحياة المعصومين الأربعة عشر منهاج عمل لتحقيق السعادة في الدارين. ولكن الكلام وحده لا يكفي، والمطالعة مفيدة في هذا المجال ولكن لابد أن تقرن بالعمل.
إن أسوأ الجنايات التي ترتكب عادة إنما ترتكب في الحروب لاسيما من الظافر فيها أو في حال الغضب، ولكن انظروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله كيف تصرّف خلالهما.
لقد دخل صلّى الله عليه وآله مكة منتصراً ظافراً بعد أن حاربه أهلها ـ إلا قليل جداً منهم ـ طيلة (21) عاماً، وضيّقوا عليه وعلى المسلمين وصادروا أموالهم وحاصروهم... فكيف تعامل معهم وهو الفاتح المنتصر؟
لقد أعطى النبي صلّى الله عليه وآله الراية إلى سعد بن عبادة فسار بها وهو ينادي:

اليوم يـوم الملـحمة

اليوم تسبى الحرمة

ولم يكن سلوك سعد بالمستغرب؛ لأن هذه هي القاعدة التي يسير عليها الناس دائماً، وكان يسير عليها قومه أيضاً؛ وهي أن الغالب ينتقم من أعدائه، خاصّة إذا كانوا قد ظلموه وآذوه، كما صنع مشركو مكة مع المسلمين.
وكان أبو سفيان واقفاً يسمع ويرى. فمرّ به النبي صلّى الله عليه وآله. والعجيب أن أبا سفيان، وهو الذي حارب النبي والرسالة بكل تلك الضراوة المعروفة، ليس فقط لم يخف ولم يختف، ولم يهرب أو حتى يتزحزح عن موقعه، بل بلغت به الجرأة والطمأنينة أن خاطب النبي صلّى الله عليه وآله بقوله: أما تسمع ما يقول سعد؟! فأمر النبي الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أن يأخذ الراية من سعد وأن ينادي:

اليوم يوم المرحمة

اليوم تحمى الحرمة(6)

وروي أن أمير المؤمنين سلام الله عليه بلغه أن أم هانئ بنت أبي طالب عليه السلام قد آوت ناساً من بني مخزوم، منهم الحارث بن هشام وقيس بن السائب، فقصد نحو دارها فنادى:
أخرجوا من آويتم.
فخرجت إليه أم هانئ وهي لا تعرفه فقالت:
يا عبد الله أنا أم هانئ بنت عم رسول الله وأخت علي بن أبي طالب انصرف عن داري.
فقال علي: أخرجوهم.
فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله.
فنزع المغفر عن رأسه، فعرفته، فجاءت تشد حتى التزمته، فقالت: فديتك حلفت لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقال لها: فاذهبي فبري قسمك فإنه بأعلى الوادي.
قالت أم هانئ: فجئت إلى رسول الله وهو في قبة يغتسل وفاطمة تستره، فلما سمع كلامي رسول الله قال:
مرحباً بك يا أم هانئ.
قلت: بأبي أنت وأمي ما لقيت من علي اليوم؟
فقال: قد أجرت من أجرت.
فقالت فاطمة سلام الله عليها: إنما جئت يا أم هانئ تشكين من علي في أنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله!
فقلت: احتمليني فديتك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد شكر الله تعالى سعيه، وأجرت من أجارت أم هانئ لمكانها من علي بن أبي طالب(7).
انظروا كيف تعامل الاسلام مع الأسرى الذين قاتلوه حتى غُلبوا على أمرهم؟
لقد نهي رسول الله حتى عن إيذاء هؤلاء الذين قاتلوه حتى العهد القريب، فضلاً عن قتلهم، وأمّن من تحصن منهم في دار بنت عمّه أم هاني، ومن أغلق عليه بابه أو دخل دار أبي سفيان، بل لم يقتل أحداً منهم وأطلق بيان عفوه المشهور: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»(8).
ليس هذا فحسب، بل وزّع صلّى الله عليه وآله الأسرى على المسلمين ليعيشوا معهم في ديارهم، وربّى المسلمين تربية كانوا بحيث يبيت صاحب البيت جائعاً ـ ان لم يكن ما عنده من طعام كافياً ـ ويقدم طعامه لأسيره.
ولقد أسلم أكثر هؤلاء الاسرى على أثر التعامل الاسلامي الذي رأوه ولمسوه. وحق لهم أن يتأثروا ويسلموا.
فهل رأيتم مثل هذه المعاملة التي عامل بها الإسلام أسراه، عند غيره، قبله وبعده؟ وهل تعهدون لها مثيلاً في عالم اليوم الذي يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان؟
يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في نهج البلاغة: «ولعل في الحجاز أو اليمامة من لا طمع له بالقرص ولا عهد له بالشبع»(9).
ورغم كثرة أعداء الإمام سلام الله عليه لم يُسمع أن أحداً ردّ عليه استعماله لكلمة «لعل» وادّعى بأنّ ذلك موجود حتماً.
ما أبعد المسافة بين الإسلام وواقع المسلمين اليوم؟!
أين ما يجري اليوم في العراق والباكستان وغيرهما من بلاد المسلمين، من الإسلام ومن سيرة النبي صلّى الله عليه وآله الذي أُمرنا بالتأسّي به؟!
إنهم يرتكبون أبشع الجرائم ويقتلون المدنيين الأبرياء المسالمين، المسلمين، والأطفال والنساء والشيوخ والشباب العزّل، الذين يسيرون في الطرقات والأسواق، أو يتوجهون إلى زيارة أئمتهم، ثم يدّعون أنهم إنما يطبّقون الإسلام!
هل حقاً هذه هي سيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله التي امرنا بالتمسك والتأسي بها، والتي نقلنا نماذج منها في التعامل مع العدوّ المحارب وفي حال زهو الغلبة أو في حال الغضب؟! هل الإسلام الذي جاء به رسول الله صلّى الله عليه وآله هو ـ والعياذ بالله ـ إسلام السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة وحزّ الرؤوس وقطع الأيدي والقتل بالجملة بدم بارد؟
نقلوا لي ان أدعياء الاسلام هؤلاء قطعوا يد شخص مسلم موالٍ لآل محمد صلّى الله عليه وآله وفقأوا احدى عينيه، ولكنه مع ذلك توجّه إلى زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه في زيارة الأربعينية وشكا له ما صنع به.
من صنع به هذا؟ اليهود أم النصارى أم المجوس أم عبدة الأوثان أم البوذيون أم عبدة الشمس والقمر أم الملاحدة، أم من يزعمون أنهم مسلمون؟ ولا غرابة فإن أسلافهم من بني أمية قد ادّعوا الإسلام قبلهم وقتلوا ريحانة رسول الله صلّى الله عليه وآله بذلك النحو المفجع.
ولكننا نعتقد أن هذا ليس الإسلام الذي جاء به رسول الله ولم يكن هو صلّى الله عليه وآله هكذا، بل لم يسمح أن يعمل بأقلّ منه مع العدو المشرك المحارب، لأنه نبي الرحمة.
روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً بعد أن صلى الفجر في المسجد وعليه قميصة سوداء، فأمر فيه ونهى، ووعظ فيه وذكر وسمع الناس صوته وتساروا برؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعهم نساؤه من وراء الجدر فهن يمشطن وقلن: قد برئ رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقلت لأبي عبد الله: توفي ذلك اليوم؟
قال: نعم(10).
في الختام أوصيكم بالوصيتين اللتين دأب أخي اعلى الله مقامه أن يوصي المؤمنين بهما غالباً في مثل هذا اليوم في هذا المكان وهما:
1ـ الاهتمام بالمجالس الحسينية
2ـ الاهتمام بالشباب
أما المجالس فلنسع لإقامتها ما استطعنا سواء في المنازل والبيوت أو الحسينيات والمساجد، حتى بعد شهري محرم وصفر، ولنساعد ونرغب في هذا المجال.
إن الذين ترعرعوا في هذه المجالس يختلفون عن غيرهم. احصوا المصابين بالأمراض النفسية في المستشفيات وانظروا كم في المئة منهم من هؤلاء وكم من غيرهم.
لا شك ان الذي يتربّى في هذه المجالس يكون غالباً مصوناً عن مثل هذه الأمراض ولذلك قد لا تجدون واحداً بالمئة من المصابين ممن يحضر هذه المجالس.
كتبت الصحف هذه الأيام ان امرأة جاءت إلى البيت مرهقة الأعصاب فرأت طفلين لها يبكيان فعمدت إلى خنقهما وماتا. وقد نشرت الصحف صورتهما.
فلو كانت هذه المرأة تربت في هذه المجالس لما فعلت هذا.
وكتبت الصحف هذه الأيام أيضاً أن رجلاً له من العمر ثلاث وسبعون سنة قتل زوجته البالغة من العمر سبعين سنة، ثم قطّعها قطعة قطعة، (فلو كان) هذا الرجل من رجال المجالس الحسينية لم يصنع مثل هذا الصنيع الأثيم.
أما أنتم الشباب فوصيّتي لكم أن تطالعوا بأنفسكم سيرة النبي وأهل بيته المعصومين، وأن تتأسّوا بهم، تسعدوا في دنياكم وأخراكم.
وعلى المسؤولين وذوي المال والثروة وكذا الآباء أن يساعدوا في إعداد الأجواء الصالحة للشباب وإبعادهم عن الأجواء الملوثة والمستنقعات الروحية والفكرية، فهي أخطر من المستنقعات التي تغرق جسم الإنسان وتقضي على حياته المادية لانها تقضي على روح الانسان وتخلده في جهنم لا سمح الله. أسأل الله أن يوفّقنا جميعاً لتهيئة الاجواء الصالحة للشباب لتربيتهم كما أراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله.
وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) سورة آل عمران: الآية 144.
(2) سورة الأحزاب: الآية 21.
(3) سورة القلم: الآية 4.
(4) مستدرك الوسائل/ ج11/ باب 6 استحباب التخلق بمكارم الأخلاق/ ص 187/ ح1.
(5) شرح نهج البلاغة/ لابن أبي الحديد المعتزلي/ ج14/ القول فيما جرى في الغنيمة والأسارى/ ص 172.
(6) بحار الأنوار/ ج21/ باب 26 فتح مكّة/ ص 105.
(7) إعلام الورى/ للطبرسي/ ص 110.
(8) بحار الأنوار/ ج 21/ باب 26 فتح مكّة/ ص 106.
(9) نهج البلاغة/ باب الكتب/ الكتاب 45 إلى عثمان بن حنيف/ ص 416.
(10) بصائر الدرجات/ باب 16 في ذكر الأبواب التي علم رسول الله .../ ص 304/ ح10.