» الفهرست

» معنى كون الإنسان في نور الله
» المقصود من الحديث الشريف
» نماذج من الواعين لمعنى الحديث
» الخلاصة


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: أربع من كنّ فيه كان في نور الله الأعظم ... ومَن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون...(1).


:. معنى كون الإنسان في نور الله تعالى

إذا كان الإنسان في نور الله عزّ وجلّ فلا يزلّ ولا ينحرف ولا يطغى ولا تسيطر عليه نفسه الأمّارة بالسوء، ولا يسمح للشيطان أن يغويه، وتكون الدنيا بنظره كأهون ما يكون، لأنه يرى بهذا النور حقائق الأشياء، كما يرى بالنور المادّي الأجسامَ ويميّز بعضها عن بعض، فيُقبل على ما يرغب منها ويُدبر عمّا يكره.

إنّ مَن يجلس على مائدة في ظلام لا يعلم بما وُضع أمامه هل هو من الأطعمة أم لا؟ فقد يمدّ يده وإذا بعقرب أو حشرة ضارّة أو سمٍّ وجدَ طريقه عمداً أو خطأً إلى مائدته فيتناوله وهو لا يعلم. أما الجالس في النور فهو يرى الطعام الذي أمامه فيميّزه عن غيره ولا يمدّ يده إلى ما يشكّ أو يحتمل الضرر فيه.

وهكذا الحال في المعنويّات؛ إن لم يكن الإنسان في نور الله تعالى، فسيكون في تيه وظلام وحيرة وضلال وإن كان لا يدرك ذلك ويتصوّر نفسه عارفاً بما حوله.
إنّ الحديث النبوي الشريف الذي افتتحنا به الموضوع يخبرنا أنّ قول: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ يجعل الإنسان في نور الله تعالى أي أنّ الله يمنحه النور ليرى ما ينفعه وما يضرّه، وفيم يصرف عمره، وكيف يعاشر الناس، وكيف يسيطر على نفسه وشهواته، وكيف يتخلّص من حب الدنيا وزخارفها، بل كيف يستطيع أن يعرف ما هو اللائق فيُقبل عليه وما هو المذموم فيصدّ عنه، لأنّ هذا هو حال الإنسان الذي في نور الله عزّ وجلّ.


:. المقصود من الحديث الشريف

هناك أحاديث عديدة وردت في تفسير هذه الجملة من الآية الكريمة حاصلها أنّ هذه الجملة تشتمل على كلمتين؛ الأولى: «إنا لله» والثانية: «إنا إليه راجعون». أما الكلمة الأولى فهي إقرار واعتراف بالملك لله، فكأنّ الذي ينطق بهذه الكلمة يقول: أنا لست لنفسي بل إنني وكلّ ما أملك إنما ملك لله، في حين أنّ الكلمة الثانية: اعتراف بالفناء والرجوع إلى الله تعالى.

لاشكّ أنه ليس المقصود من هذا الحديث الشريف أنّ مجرّد تلفّظ (إنا لله وإنا إليه راجعون) يجعل الإنسان في نور الله، بل الشعور بها وإنشاؤها من أعماق القلب، وذلك باستحضار الإنسان القائل لها أنّه ليس مالكاً لنفسه ولا لسانه وبصره وسمعه ولا لما بحوزته من أموال وعلاقات وشخصية وعلم وغيرها، بل يقول لنفسه: هذه كلّها لله، والله سبحانه جعلها تحت تصرّفي لينظر كيف أعمل. فالملك لله وحده وليس لي، بل لستُ أكثر من عبد أُتي به لتنفيذ ما أمره به مولاه.

فالعبد الذي يُشترى لأجل إعداد الطعام لسيّده مثلاً، عندما يؤتى به إلى المطبخ ويوضع تحت تصرّفه الماء والنار والمواد الغذائية، فهل سينفّذ ما يريده ويشتهيه مولاه، أم يتصرّف بما يحلو له؟ لا شكّ أنّه ليس للعبد أن يقدّم هواه على هوى سيده، وإلاّ كان مصيره العقوبة والطرد. فكذلك القائل: «إنا لله»؛ إذا كان صادقاً فعليه أن يستحضر أنّه عبد مملوك ومطيع لمولاه يقرّ ويعترف على نفسه بالعبودية، ولسيّده بالملك.

فإذا كان كذلك وقال هذه الكلمة يكون في نور الله تعالى، فيبصر عيوبه لأنّ النور هو الذي يكون وسيطاً وسبباً لأن يبصر الإنسان نفسه ويرى ما حوله وما فيه من عيوب ونقائص فيعرف حقائق الأشياء ويتجنّب ما يضرّه وما لا يعنيه وما لا يعود عليه بالنفع، ويتوجّه إلى ما يعود عليه بالنفع في دنياه وآخرته.


:. نماذج من الواعين لمعنى الحديث

كان أحد المؤمنين في كربلاء المقدّسة إذا بلغ كلمة في زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه لا يقرأها ويقول: إني لأستحيي من الإمام أن أكذب وأنا أتكلّم معه، وتلك الكلمة في الزيارة هي عبارة «عبدُك وابنُ عبدك» فكان هذا المؤمن يقول: لا أراني بمستوي العبودية للإمام عليه السلام ولذلك لا أتمكن من إنشاء هذه الكلمة إن وصلتُ إليها.

ونحن لا يهمّنا في المقام توجيه هذا العمل بقدر ما يهمّنا انتباه الرجل إلى أنّه يكلّم الإمام ويعرف أنّ الإمام يسمع الكلام ويردّ جواب السلام  (2)، وكان يعي أيضاً معنى كلمة «عبدُك وابنُ عبدِك» ويعرف أنها درجة لم يبلغها بعد، ولذلك كان يقول: يصعب عليَّ إنشاء هذه الكلمة لأنّي أعرف أنّ علاقتي بالإمام الحسين سلام الله عليه ليست علاقة عبد بسيده كما ينبغي وإلاّ لما خالفت أوامره، وإنّي على علم بأنّ الإمام الحسين سلام الله عليه يعلم ذلك منّي أيضاً.

فنور الله تعالى جعل هذا الرجل يبصر هذه الحقائق، وإلاّ فهناك الألوف بل الملايين الذين يزورون الإمام الحسين سلام الله عليه، وكلّهم يتلفّظ هذه الكلمات مع أنّ حال كثير منهم بعيد كلّ البعد عن فحواها.

نُقل عن بعض العبّاد أنه كان يقول: كلما أشرع بأداء الصلاة وأبلغ قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾(3) يقشعرّ جلدي ولا أستطيع ـ لولا الوجوب ـ إنشاءها؛ لذلك أقوم بقراءتها وكلّي شعور بالتقصير؛ فإن ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ تعني أن العبادة مني لك وحدك؛ إذ لا معبود غيرك.
قد لا يعرف قارئ ﴿إياك نعبد﴾ عمق معناها، وقد يعرف ولكنه لا يعرف من يكلّم بها، فكلاهما قراءة سطحية! ولكن قد يعرف الشخص معنى العبارة ومع من يتكلّم ومع ذلك يعبد مع الله سواه كالدرهم والدينار والزوجة والأطفال والجاه والشهوات أو يرتكب ما حرّم الله، فهذا معناه أنه أشرك بالله سبحانه ولم يصدق في دعواه، وإن لم يكن شركاً اعتقاديّاً مستوجباً للنجاسة والكفر ولكنه على كلّ حال مرتبة من مراتب الشرك كما ورد في أحاديث الرياء.

كان الشيخ أحمد بن فهد الحلي رضوان الله عليه من علمائنا الكبار، ألّف كتباً في الفقه وفي الدعاء والعلوم الإسلامية المختلفة وكان صاحب كرامات أيضاً. توفي قبل عدة قرون ومرقده في مدينة كربلاء المقدسة يقع في طريق الوافدين من النجف الأشرف.

وكان الشيخ ابن فهد رحمه الله مرشداً وهادياً للناس، واستبصر على يديه جمع غفير ممن كان على غير مذهب أهل البيت عليهم السلام في الوقت الذي لم يكن معظم أهل العراق شيعة لأهل البيت سلام الله عليهم، وتقرَّب من الحاكم يومذاك وظلّ يراجعه حتى حوّله إلى التشيّع وضُربت السكة في عصره بأسماء الأئمة الاثني عشر عليهم الصلاة والسلام.

نقل لي أحد العلماء الذين كانوا يسكنون النجف الأشرف أنّه قال: لقد تأثرت كثيراً بالمرحوم ابن فهد الحلي من خلال كتبه وقضاياه فكنت كلّما آتي إلى كربلاء المقدّسة لزيارة الإمام الحسين سلام الله عليه أبدأ به فأزوره؛ لأن المحطّة الأخيرة للسيارات التي تنقل المسافرين من النجف الأشرف إلى كربلاء كانت عند مرقده رحمه الله.

وبعد عدّة سنين من استمراري على هذه الحال رأيت في إحدى الليالي في عالَم الرؤيا بستاناً كبيراً يكتظّ بالعلماء من السابقين واللاحقين كالشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى والعلاّمة الحلّي والمحقّق صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري وغيرهم، ولكني لم أجد الشيخ ابن فهد الحلي بينهم فاستفسرت من أحد العلماء عنه، فقال: إنّه في بستان آخر، فذهبتُ إليه هناك وإذا بهذا البستان يكتظّ بالأنبياء ابتداءً بإبراهيم الخليل فموسى وعيسى وبقية الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين. سألت أحدهم: هل ابن فهد بينكم؟ قال نعم، ودلّني عليه. فذهبتُ إليه وسلّمت عليه وقلت له: إني أعهد قبرك وأقرأ الفاتحة لك وأزورك كلّما جئت لزيارة الإمام الحسين سلام الله عليه. قال: كلّ ذلك يصلني. فسألته: لماذا فصل الله بينك وبين سائر العلماء وجعلك مع الأنبياء عليهم السلام؟ قال:كان يقتضي بحكم دوري في الدنيا أن أُحشر مع العلماء وأكون في بستانهم، ولكنّ عملاً واحداً عملته لله تعالى رفع درجتي مع الأنبياء عليهم السلام، وهو أنّي كنت في كلّ تصرّفاتي وأعمالي أتصرّف تصرف المملوك والعبد مع سيّده، فكلّ عمل كنت أقوم به كان بهذا الدافع، ولهذا رفع الله تعالى درجتي وجعلني مع الأنبياء سلام الله عليهم.

وهذا الأمر لا شكّ يحتاج إلى استحضار دائم بأن يذكّر الإنسان نفسه في كلّ آن أنّه عبد لله، بحيث يسري إقراره لله بالملك في جميع أحواله، فإنّ الإنسان ليس معصوماً من الخطأ والزلل، ولكن كلّما ذكّر نفسه قلّت أخطاؤه حتى يلقى الله وهو مغفور له، وانطبق عليه الحديث المتقدم الذكر.

وهذا الإقرار من قبل العبد لله بالملك، وللنفس بالعبودية والرجوع إليه تعالى، يعدّ أصلاً من أصول الأخلاق؛ لأنّه يميّز المتصّف به عن غيره من حيث تصرّفاته وسلوكه، ولا تعود شهوات الدنيا وزخارفها ومشاكلها تؤثّر فيه، فلا ينفلت بعد لأنّه أضحى دائم الشعور بكونه عبداً ومملوكاً لله تعالى، وإذا كان كذلك فإنّ الله لا يختم على قلبه بل ينوّر قلبه فينتبه إلى المخاطر والمنعطفات والمزالق التي في طريقه فيتجنّبها.


:. الخلاصة

كوننا عبيداً لله تعالى هو الواقع شئنا أم أبينا، ولكن الدوافع الأخرى الموجودة تدفعنا إلى عدم الالتفات إلى هذا الواقع أي العبودية، ولذلك تبدو شيئاً نحاول إقحامه على أنفسنا.

الأمر الآخر الجدير ذكره في المقام أنّ مَن يقرّ بالعبودية لله ويُشعر نفسه بها لا يطرده المولى من رحمته وإن صدرت منه بعض المخالفات لأنّه سرعان ما ينتبه فيعتذر ويعزم على أن لا يعود لمثلها.

وكما أنّ النور المادي ينفع الإنسان في الدنيا لتمييز العدوّ من الصديق والضارّ من النافع، والهوّة عن الطريق الصحيح فكذلك الحال في المعنويات. وكما أنّ زلّة بسيطة أو انحرافاً ضئيلاً بسبب غفلة ما قد تؤدّي إلى معاناة عشرات السنين - ومثاله مَن يخيط بإبرة فتنحرف قليلاً فتدخل عينه - فكذلك الحال مع الأخطاء المعنوية، فربّ خطأ بسيط أو زلّة صغيرة تجعل الإنسان يعيش الحسرة والندامة في الآخرة أحقاباً.

ومثاله: شخص قد يكون ملتزماً بالواجبات والمستحبات، فتراه يصلّي ويصوم ويزكّي ويتهجّد، ويقوم لصلاة الليل، ولكنه مبتلى بمرض كالغرور أو التكبّر وهو غير قادر على التخلّص منه بسبب عدم تركيزه على العبودية، أو مبتلىً بذنوب أخرى تجعله لا يرى هذا المرض أو لا يحسّ به، فيكون حاله في الآخرة حال ذلك الذي أُصيبت عينه لغفلة منه فظلّ محروماً منها ما تبقّى من عمره.

قال بعض الحكماء: إنّ الله تعالى قال عن الدنيا: إنّ متاعها قليل، أو عبّر عنها بالمتاع القليل، تنـزّلاً عند مستوى فهم الإنسان، وتماشياً مع ضعفه، وإلاّ فإنّ الدنيا ليست بمتاع أصلاً؛ ولذلك عبّر عنها الله تعالى في آيات أخرى بأنها لعب ولهو، كما أنّنا نتكلّم مع الأطفال الذين يلهون باللعب على قدر عقولهم ونسمّي ألعابهم أمتعة لهم، وما هي بمتاع.

فإذا كانت إبرة صغيرة تدخل عين الإنسان تجعله مستعدّاً لبذل الملايين من أجل استرجاعها، فكيف بالغفلة عن الانحراف في الأمور المعنوية والخسارة التي تلحق الإنسان بسببها في الآخرة؟ وهي الحياة الحقيقية التي عبّر الله سبحانه في القرآن الكريم عنها بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾(4).

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّقنا وإياكم لنكون من المشمولين بالحديث النبوي: أربع من كنّ فيه كان في نور الله الأعظم: ... ومَن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون...
وصلَّى الله على محمد وآله الطاهرين.


(1) الخصال: 1/222 ح49.
(2) راجع بحار الأنوار: 99/145 باب الزيارات الجامعة، وفيه: «وأعلم أن رسلك وخلفاءك أحياء عندك يرزقون، يرون مكاني في وقتي هذا وزماني، ويسمعون كلامي، ويردّون علي سلامي».
(3) الفاتحة: 6.
(4) العنكبوت: 64.