» النَص

انتهى عاشوراء هذا العام أيضاً وبقي شيئان؛ أحدهما الثواب الجزيل، والآخر العقاب الأليم، والأوّل هو الرحمة الإلهية الواسعة، والآخر: الغضب الإلهي الشديد، وهكذا كان يوم عاشوراء عام 61 للهجرة؛ فلقد تميّز الفريقان، واستحقّ أصحاب الإمام الحسين سلام الله عليه الثواب والرحمة، وحقّ على أعدائهم السخط والعقاب. أجل في مثل هذه الليلة انتهت أحداث عاشوراء الأولى في فصلها الذي سبق الأسر، وكانت النتيجة انقسام الناس فريقين، وكما قالت الأية الكريمة: «يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ»(1)، فهي وإن كانت مختصّة بالقيامة، ولكن القيامة تبدأ من هنا.
لقد كان حبيب بن مظاهر الأسدي وشمر بن ذي الجوشن كلاهما من مدينة واحدة، وعاشا معاً سنوات طويلة، ولكن شتّان ما بين عاقبتيهما وما آل إليه أمر كلّ منهما في يوم عاشوراء. فهذا خُتمت حياته وهو في صفّ الإمام الحسين سلام الله عليه ومعسكره، وذلك انتهى به الأمر لأن يكون في زمرة أعدائه وقاتليه.
كان زهير بن القين رجلاً عثمانيّ الهوى، وكان وهب نصرانياً، في بداية أمرهما، ولكنهما بلغا في عاشوراء منزلة بحيث صارا ضمن من وقف ويقف الملايين أمام قبورهم ويخاطبونهم بالقول: «بأبي أنتم وأمي» أي يفدّونهم بالآباء والأمّهات، وفيهم العلماء والمحدّثون والمؤمنون فضلاً عن عامّة الناس. هذا في حين لم يحظ بهذا الشرف الرفيع أشخاص كانوا يعدّون من الشيعة مثل عبيد الله بن الحرّ الجعفي، الذي دعاه الإمام الحسين سلام الله عليه كما دعا زهيراً، ولكنه لم يلبّ دعوة الإمام ومال عنه، فخسر الدنيا والآخرة، ولا يُعلم الآن ما هو مصيره الأليم، وفي أيّ عذاب يقيم حتى أبد الآبدين؟!
أجل، في هذا العام أيضاً حدث نفس ما حدث بالأمس ـ أي في عام 61 هـ والأعوام التي تلته ـ فهناك من خدم وضحَّى في طريق الإمام الحسين سلام الله عليه وبذل الجهد في سبيل إقامة شعائره التي هي من شعائر الله تعالى، وهناك من صنع المشاكل ووضع العراقيل في طريق هذه الشعائر وآذى واستهزأ بالمقيمين لها؛ فسقط في الفتنة ولم يكن من المشمولين بدعاء الإمام الحسين سلام الله عليه في قنوته، والذي نقله النائب الخاص الثالث للإمام الحجة عجّل الله تعالى فرجه الشريف؛ إذ روي أنّ سيّد الشهداء سلام الله عليه كان يقول في قنوته: «وأعذ أولياءك من الافتتان بي»(2)، أي: ارحم يا إلهي الشيعة وأولياءك بأن تحفظهم من السقوط في الإمتحان الصعب بسببي.
إنني لم أر في أيّ دعاء من أدعية المعصومين سلام الله عليهم مثل هذا الدعاء، وهو بلا شكّ لايشمل أولئك الذين لا يتبعون سبيل أهل البيت سلام الله عليهم؛ فإنّهم ليسوا بأولياء ولا أحبّاء لله تعالى لأنهم ليسوا أولياء لأهل بيت نبيّه صلوات الله عليهم أجمعين، وإنّما المقصودون هم أتباع آل البيت سلام الله عليهم خاصّة، فهم من عناهم الإمام في دعائه.
إنّ حادثة عاشوراء حادثة سقط ويسقط فيها كثيرون، حتى ممن كانوا يُعدّون من أتباع أهل البيت سلام الله عليهم، ليس في عامها الأول فحسب، بل في كل عام، وفي هذا العام أيضاً، وفي الأعوام اللاحقة، حتى قيام الساعة.
وأوّل طائفة سقطت في قصة عاشوراء هم أكثر من ألف شخص دخلوا مع سيد الشهداء سلام الله عليه إلى كربلاء(3)، وكانوا ممن يصلّون خلف الإمام ويقبّلون يديه ويسألونه عن مسائلهم الشرعية؛ فكانوا على استقامة في الاعتقاد بالإمام الحسين سلام الله عليه إلى ليلة عاشوراء، إلا أنهم سقطوا في تلك الليلة بخذلانهم الإمام الحسين سلام الله عليه وتفرّقهم عنه، لأنهم لم يعاذوا من هذا الافتتان فأخذوا ينفرطون من حوله جماعات جماعات.
ولكن نجح في هذا الامتحان الصعب القليل من أتباع أهل البيت سلام الله عليهم وهم القلّة الباقية مع الإمام سلام الله عليه، إذ أعاذهم الله من الافتتان به.
والاستعاذة من هذا الافتتان بحاجة إلى شيئين؛ الأول: الدعاء، والثاني: العمل، فقد قال الله تعالى: «قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ»(4)، وقال عزّ من قائل: «وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى»(5)؛ ما يعني أن الأمرين مطلوبان معاً.
صحيح أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه دعا لنا ولكن يجب علينا أيضاً أن نهتمّ بذلك وأن ندَعَ إثارة المشاكل والأثرات؛ ذلك أنّ الشعائر الحسينية شعائر إلهية، والتخصّص في إعطاء الرأي في مفرداتها للمراجع الذين ينبغي السؤال منهم، فحذار أن يحكم أحد بغير ما أنزل الله فيها فيسقط ـ لا سمح الله ـ.
إنّ عاشوراء فيصل وممتحن للناس يُمتحنون به؛ سرعان ما ينتهي بسببه الانسان إلى الجنة والسعادة أو إلى النار والشقاء.
فلنجنّب أنفسنا وأهلينا وإخواننا في النسب ومن أهل الإيمان من السقوط في هذا الإمتحان؛ وذلك بالنصيحة لهم، وكما يقول القرآن الكريم: «بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ»(6).
إنّ من المؤسف جدّاً أنّ يسقط في هذا الإمتحان بعض من هو في العقيدة من أتباع أهل البيت سلام الله عليهم. جاءني قبل أيام شخص يعتقد أنه من أتباع أهل البيت وكان يشكك بواحدة من شعائر الإمام الحسين سلام الله عليه، فسألته عن سبب تشكيكه فقال: لإشكالين؛ الأول: أنّ هذه الشعيرة لم تكن موجودة في زمن النبي صلّى الله عليه وآله والأئمة المعصومين سلام الله عليهم. والثاني: أن بعض من يمارس هذه الشعيرة قد يرتكب بعض المحرّمات أو يتخلّف عن بعض الواجبات.
أما عن الإشكال الأول فقلت له: إن هذا من كلمات الوهّابية، فلا ينبغي لكم ترديده، والوهّابية لا يرجعون إلى سند قويّ؛ إنهم يستندون في أفكارهم وفقههم إلى أمثال أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، وهؤلاء أقلّ ما يقال فيهم أنهم ليسوا بأكثر من جهلة لا اطلاع صحيح لهم عن الدين، أما نحن فنستند في عقائدنا وفي فقهنا إلى مدرسة أهل البيت سلام الله عليهم الذين لا يقاس بهم من الناس أحد.
ثم إنني أسأل من يعترض على هذه الشعائر بدعوى عدم وجودها في زمن النبي صلّى الله عليه وآله: ماذا يقول في قباب الأئمة، والحسينيات، والكتب الحديثية، والمدارس الدينية والمراجع و... فهذه كلّها لم تكن في زمان النبي ولا زمان الأئمة سلام الله عليهم، مع أنّ سخف القول ببطلانها من الواضحات.
ويجاب على هذا الإشكال بجوابين فقهيين:
الأول: أنّ هذه الشعائر داخلة تحت العمومات، وهي تشمل الجميع. فكما أنها تشمل قبّة الإمام الحسين سلام الله عليه وضريحه ولم تكن في زمن الأئمة سلام الله عليهم، فكذلك تشمل الشعائر كلّها.
الثاني: إن هذه الشعائر من مقدّمات وجود الواجب، ومقدّمات وجود الوجوب ـ كما هو معلوم ـ واجبة، عينية كانت أو كفائية، وإنّ علماء الشيعة من الشيخ المفيد وحتى زمننا الحاضر بحثوا هذه المسائل بتحقيق وعمق وبسط.
إذن فهذا الإشكال غير وارد، وهو كلام الذين لم يقرأوا القرآن أو قرأوه ولم يفهموه، أو لم يقرأوا الحديث أو قرأوه ولم يعوه.
أما الإشكال الثاني فجوابه: أنّ الشخص العادي ـ فضلاً عن المتفقّه ـ يدرك أنّ وقوع الحرام أو التخلّف عن الطاعة في مكان أو مقام، لا يعني عدم مشروعية ذلك المكان أو المقام، وإنما تنحصر الحرمة في الفعل نفسه. فلو أنّ إنساناً بات في مسجد مثلاً من طلوع الفجر حتى طلوع الشمس، وبسبب تساهله فاتته الصلاة، فهل يؤمر بغلق هذا المسجد أم يجب هداية ذلك الإنسان بالحكمة والموعظة الحسنة؟
روى السنة في كتبهم ـ فضلاً عن الشيعة ـ مايلي: ذكر ابن حزم من طريق الليث عن جرير بن حازم عن حميد عن أنس قال:
إن زينب بنت جحش أهدت إلى رسول الله وهو في بيت عائشة ويومها جفنة من حيس، فقامت عائشة فأخذت القصعة فضربت بها الأرض فكسرتها(7).
فهل يجب والحال هذه إغلاق بيت النبي صلّى الله عليه وآله لأنّ عائشة ارتكبت فيه معاصي عديدة في قصة واحدة؟!
إنّ ما أودّ أن أنبّه إليه في المقام أنّ على المؤمنين التورّع من إبداء الرأي في أحكام الله تعالى وأنّ عليهم التقيّد بالرجوع إلى من لهم الحقّ في الإفتاء وبيان أحكام الله تعالى؛ لأنّ أحكام الله سبحانه وتعالى مهمة جداً وعظيمة عنده، ولا تنال بسهولة في كل أحد؛ بل يبذل الفقهاء الجهد لسنوات من أجل الوصول إليها، ورُبّ مسألة واحدة يستغرق البحث فيها أسابيع قبل أن يتوصّل الفقيه في نهاية الأمر إلى فتوى فيها وقد لا يتوصّل.
ذكر المرحوم الوالد قدس سره أنه مع بضعة فقهاء بقوا يبحثون في مسألة ـ وذكرها ـ ثلاثة أسابيع ثم لم ينتهوا إلى شيء، أي لم يفتوا فيها.
ولو راجعتم موسوعة الفقه للأخ الراحل أعلى الله درجاته، لرأيتم أن بعض المسائل التي تتألف من عدة كلمات يبحثها قدس سره في أكثر من عشر صفحات؛ ربّما استغرقت منه شهراً من الوقت!
إن الإفتاء ليس بالأمر الهيّن، حتى لقد قيل: المفتي على شفير جهنم(8). وهذا معناه أنّ أقلّ انحراف يؤدّي به للسقوط في جهنم. فحذار حذار من مخالفة الاحتياط ولاسيما ممن لا أهلية له؛ فتكون تبعته عظيمة.
إنّ في الحج آلاف المسائل، حتى لقد قال الراوي للإمام الصادق سلام الله عليه: يا بن رسول الله، أربعون سنة ونحن نسألكم مسائل الحج ولم تنته بعد! فقال له الإمام: أتريد أن تنتهي مسائل الحج بأربعين سنة(9). هذا مع أنّ الإمام الصادق لم يكن مثلنا بحاجة إلى الفحص والتتبع للوصول إلى الأحكام لأن علمه كان لدنيّاً أي من الله تعالى، فكان يجيب فوراً دون حاجة للتأمل حتى ثانية واحدة.
أقول: في مسائل الحج التي هي بهذه الكثرة، هناك مسألة واحدة يكون على السب كفارة مع أن السبب لا كفارة عليه (غالباً) وأنّ الكفارة على من ارتكب الحرام فقط، إلا في مورد الإفتاء بغير ما أنزل الله تعالى، فيما لو سأل شخص من أحد الحجاج عن حكم مسألة تقليم الأظفار فأفتاه بغير ما انزل الله، فعليه الكفارة أيضاً(10).
إنّ النبي هو أفضل الخلق عند الله وأعزّهم لديه، ولم يخلق الله تعالى ـ شاء أن لا يخلق ـ له نظيراً، حتى لقد قال فيه من ساواه بنفسه ـ الامام علي سلام الله عليه ـ : أنا عبد من عبيد محمد(11)، ولقد بلغ صلّى الله عليه وآله من المكانة أن قال الله تعالى فيه: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(12) وقال: «فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى»(13) ولكن عندما تصل النوبة للأحكام يقول الله تعالى: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ. لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ»(14). ويقول العلماء إن القضية الشرطية صادقة حتى مع عدم صدق الطرفين.
لا شكّ أنّ النبي صلّى الله عليه وآله لا يفعل ذلك، ولكن الله تعالى يريد أن يخبرنا عن قضية مهمة وهي عظمة أحكام الله تعالى وحرمة الإفتاء بأن يُنسب إلى الله ودينه مالم يقله، فكيف إذا كان هذا الإفتاء ـ بغير ما أنزل الله ـ في حق سيد الشهداء سلام الله عليه وقضيته وشعائره؟!
إننا لا نستغرب من التشكيك الذي يمارسه البعض بشأن قضية الحسين سلام الله عليه بعد أن أعيتهم الحيل في مواجهتها؛ وذلك لأن الشيطان هو الذي علّم أولياءه التشكيك في مثل هذه المواقف، فلقد جاء في كتاب كامل الزيارات الذي يعدّه بعض علماء الشيعة أصحّ حتى من الكافي والتهذيب والاستبصار، وهو بحقّ من أفضل كتب الروايات لدى الشيعة، رواية تقول إن زينب سلام الله عليها سألت أباها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه عن حديث أم أيمن ـ وهو نفس الحديث الذي أخبرت به زينب ابن اخيها الإمام زين العابدين سلام الله عليه في كربلاء والذي جاء فيه «وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة...»(15)؛ فقال لها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: الحديث ما حدّثتك به أم أيمن. وفي هذه الرواية التي نقلتها عن أمير المؤمنين سلام الله عليه وعن أم أيمن عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أن إبليس أمر شياطينه قائلاً: يا معاشر الشياطين ... فاجعلوا شغلكم بتشكيك الناس(16).
إن إبليس لما عرف أنه وأتباعه لا يستطيعون أن يواجهوا قضية الإمام الحسين سلام الله عليه دعاهم للتشكيك بها، فعلى الذين يفترض أن يكونوا ممن دعا لهم الإمام الحسين في قنوته، أن يحذروا من دعوة إبليس هذه وأن لا يكونوا من المشككين.
إنّ قضايا عاشوراء لم يبلغنا منها إلا القليل، فلقد أحرق الأعداء كتب الشيعة، فضاع الكثير مما يتعلق بعاشوراء وغيره.
من المعلوم أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه خرج من مكة المكرمة في الثامن ذي الحجة، ووصل كربلاء في الثاني من محرم، أي استغرقت مسيرته (24) يوماً، وكان يرافقه في هذه المدة ألف مائة شخص حتى ورد كربلاء. فكم مسألة سألوا الإمام سلام الله عليه خلال هذه المدة؟ أين صارت؟ وأين خطبه سلام الله عليه؟
ثم إننا نعلم أنّ قول المعصوم وفعله وتقريره حجّة، فكم من قول وفعل وتقرير صدر عن الإمام سلام الله عليه خلال هذه المدّة مقابل أكثر من ألف إنسان؟ إنه لم يبلغنا حتى واحد بالمائة منها.
وقالوا: إنّ السيد المرتضى كان عنده (80) ألف كتاب انتقلت بعد وفاته للشيخ الطوسي رحمه الله، وقد أحرقت مكتبة الطوسي في بغداد.
كما نسمع أن فلاناً الرواي نقل (30) ألف رواية مثلاً عن الإمام، مع أنه لم يصلنا منها ألف رواية. وأن فلاناً نقل مئة رواية، لكنا لم نسمع منها حتى عشر روايات. فأين ذهبت الروايات الباقية؟
إن التشكيك بقضايا وشعائر الإمام الحسين سلام الله عليه ليس لعباً في نار الدنيا فقط وإنما هو يفسد آخرة الإنسان أيضاً.
من جهة أخرى: إن من المستحبات الدعاء للقائمين بالشعائر الحسينية بأن يوفّقهم الله تعالى ويعينهم ويلهمهم الصبر وزيادة التحمل في هذا الطريق.
وهذا المستحب مأخوذ من الرواية المتواترة ولا أقل بالتواتر الإجمالي والمنقولة عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنّه دعا حال السجود لزوّار قبر الإمام أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه وأولئك الذين يبذلون جهداً في عزائه فقال: «فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا»(17).
ويقول العلماء في أمثال ذلك: إن المورد ليس مخصصاً، فالعبرة بإطلاق الوارد لا بخصوص المورد.
ومن الشعائر في هذه الأيام أن بعض الموالين يأتون بأطفالهم الرضع تشبيهاً برضيع الإمام الحسين سلام الله عليه فيحملونه على الأكفّ ليشتدّ بكاء الناس، ولا شك أن لهم بذلك أجراً إن كان في مقام تعظيم شعائر أبي عبد الله سلام الله عليه؛ ولقد روي أن الإمام الصادق سلام الله عليه كان جالساً يستمع لمرثية شاعر في مصاب الإمام الحسين سلام الله عليه وكانت النسوة خلف ستار يستمعن أيضاً فجيء بطفل من وراء الستار فوضع في حجر الإمام سلام الله عليه فلما رآه الإمام اشتد بكاؤه. هذا مع أنه كانت تمرّ على حادثة عاشوراء ومقتل الطفل الرضيع عقود من الزمن، ولكنها كانت مؤثّرة جدّاً.
لقد تألم الأئمة من كل ما جرى على الإمام الحسين سلام الله عليه يوم عاشوراء، وتأثروا عميقاً ودائماً من كل واحدة من المصائب من قتل علي الأكبر والعباس والقاسم والأصحاب، ولكن مصيبة الرضيع كانت مصيبة مقرحة.
ويوم خرج المختار الثقفي بعد خمس سنين، وجاء المنهال إلى المدينة ودخل على الإمام السجاد سلام الله عليه، قال له الإمام: ما صنع حرملة بن كاهل الأسدي(18)؟
لقد كان موقف الإمام الحسين سلام الله عليه يوم عاشوراء عند مقتل الرضيع موقف المتأمل ما يصنع بطفله الرضيع بعد أن ذبحوه، أيرجعه إلى أمّه أم يدفنه أولاً ثم يخبرها بمقتله؟ إنه كان قد ذهب ليطلب له الماء، فماذا يصنع وما سيقول لأمه وقد عاد به قتيلاً؟! ولئن كان الإمام معصوماً فإن أمه ليست معصومة؛ واختار سلام الله عليه أن يدفنه ولم يذهب به مذبوحاً إلى الخيام، وإن كان الأمران كل واحد منهما صعب وفي منتهى الألم.
إن هذه المصائب كان من شأنها أن تذيب الحديد، ولكن الإمام سلام الله عليه كان معصوماً والمعصوم وإن كان أرقّ الناس عاطفة، ولكنه أيضاً أكملهم عقلاً، ويسير لعقله بأمر الله تعالى. أما الحوراء زينب فكادت أن تذوب أيضاً لولا أن الإمام سلام الله عليه وضع يده المباركة على صدرها ودعا لها فألهمها الله الصبر.
روي أنّه حتى الأرض والسماوات لم تتحمّل عظم المصيبة وطلبت من الله أن يقضي على أولئك القوم بزلزال من الأرض أو صاعقة من السماء، وملئ ما بين السماء والأرض بالملائكة الذين كانوا يحملون بأيديهم قطعاً من النار وهم ينتظرون الإذن من الإمام لكي يحرقوا أولئك الظالمين(19)؛ إلا أن الإمام سلام الله عليه كان قد اختار ما اختاره الله تعالى وهو أن يبذل دمه ودماء أهل بيته في سبيل الإبقاء على الإسلام وإقامة الصلاة.
ونُقل أن المرجع الكبير السيد عبد الهادي الشيرازي كان قبل أن يكبّر لصلاة الجماعة يسلّم على الإمام الحسين سلام الله عليه ثم يدخل في الصلاة، وعندما سئل عن السبب قال: لولا الحسين سلام الله عليه لما أقيمت الصلاة.
ولم يقل هذا من عند نفسه، فإن المعصوم هو من قال في حق سيد الشهداء: أشهد أنك قد أقمت الصلاة.
إن هذه المشاهد هزّت الملائكة ولذلك تدخّلوا لأنهم كانوا قد لاحظوا من قبل وفي حوادث ومواقف أقلّ إثارة لسخط الله من هذه الحادثة أن الله تعالى كان يأخذ الظالمين فوراً أو يغضب لأوليائه؛ لذلك طلبوا منه هذه المرة أيضاً أن يتدخل وينزل غضبه على هؤلاء القوم ولا يدع سيد الشهداء سلام الله عليه يقتل بذلك النحو الفجيع.
فمن الحوادث التي يمكن الاستشهاد بها في المقام مثلاً حادثة خروج النبي صلّى الله عليه وآله من مكة ليلاً بعدما أراد قومه أن يقتلوه في قصة المبيت المشهورة؛ ثم عاد إليها بعد 8 سنوات، وكان صلّى الله عليه وآله يعلم أنه سيعود ظافراً وسيحكم مكّة. ولكنه عندما خرج من مكة في تلك الليلة تلفت إليها وبكى لأنها كانت مسقط رأسه وفيها بيته وبيت أبيه وأمه وتاريخ أجداده ابراهيم وإسماعيل وعبد المطلب.
روي عن النبي والأئمة سلام الله عليهم أنّه من أجل ذلك أي بسبب بكاء النبي صلّى الله عليه وآله غضب الله على مكة(20) وهي البقعة الوحيدة في العالم التي تضمّ بيته سبحانه؛ فكرَّه المبيت فيها. فصار من المندوب على من يذهب للحج أن يبيت خارجها ليلاً ثم يعود إليها نهاراً، ولقد عمل بهذا الحكم الشرعي النبي صلّى الله عليه وآله والإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه مع أنّ المواصلات لم تكن يومذاك ميسّرة كما في أيامنا هذه.
وهكذا ما روي عن قصة صالح وما جرى على ثمود الذين عقروا الناقة؛ يقول الله تعالى: «فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا»(21) وهذه الفاء في «فدمدم» هي فاء الترتيب الاتصالي، كما قال العلماء، فان الله تعالى لم يمهلهم بل قتلهم في مساء نفس اليوم الذي عقروا فيه الناقة.
وحيث إن الملائكة يعلمون بهذه الأمور ورأوا أن ما يجري في عاشوراء هو أعظم منها بكثير، لذلك توجهوا إلى الله يطلبون منه أن يحولوا دون وقوعها.
ولكن الإمام الحسين سلام الله عليه كان قد اختار ما اختاره الله تعالى له، فواصل طريق الشهادة حتى نهايته ليكون دمه ضمانة لحفظ الإسلام عن الانحراف.
فحذار حذار من التشكيك في قضايا الحسين وشعائره، فكما أن الأجر والمقام والأمل والثواب عظيم لمن يقف في صف الحسين وشعائره، فكذلك العقاب عظيم لمن يشكك فيها أو يعرقل إجراءها. واعلموا أن ما يجري في السماوات من تعظيم هذه الشعائر لهو أعظم بكثير مما يجري في الأرض في بلاد الشيعة وغيرهم من مجالس وإطعام وشعار وكتب وأقراص مدمجة وما يبث عبر الفضائيات وينشر على الإنترنيت وغير ذلك.
أسأل الله أن يشملنا بفضله العميم وأن يجنّبنا نقمته وغضبه التي جعلها لمن وقفوا أو يقفون في وجه الإمام الحسين سلام الله عليه وشعائره. وأن يجعل جميع المؤمنين من المشجّعين للشعائر الحسينية المتريثين في إطلاق ما لا يعلمون حكمه وأن يرجعوا في ما يختلفون فيه إلى المراجع فعليهم تقع المسؤولية، وأن يتقبل الله من الجميع ما بذلوه في هذا السبيل.


(1) سورة الروم: الآية 14.
(2) مهج الدعوات/ قنوت الإمام الحسين سلام الله عليه/ ص 48.
(3) بحار الأنوار/ ج45/ ص 74.
(4) سورة الفرقان: الآية 77.
(5) سورة النجم: الآية 39.
(6) سورة النحل: الآية 125.
(7) عمدة القاري/ج13/ ص 36 والسيل الجرار/ ج3/ ص 16. كما ذكر ابن حجر في فتح الباري/ج5/ ص 125 الحادثة نفسها مع أم سلمة.
(8) منية المريد للشهيد الثاني (ره)/ ص47.
(9) وسائل الشيعة/ ج8/ الحج/ أبواب وجوبه/ الباب 1/ ص 7/ ح12.
(10) المصدر نفسه/ ج9/ الحج/ أبواب بقية كفارات الإحرام/ الباب 13.
(11) أصول الكافي/ ج1/ باب الكون والمكان/ ص 90/ ح5.
(12) سورة القلم: الآية 4.
(13) سورة النجم: الآية9.
(14) سورة الحاقة: الآيات 44ـ 47.
(15) كامل الزيارات/ الباب التسعون إن الحائر من المواضع .../ ص 260.
(16) المصدر نفسه/ص 444.
(17) ثواب الأعمال/ ثواب من زار قبر الحسين سلام الله عليه/ ص 94.
(18) الأمالي للطوسي/ المجلس التاسع في بقية أحاديث.../ ص 238.
(19) معالي السبطين/ ج1/ ص 18.
(20) وسائل الشيعة/ ج9/ ص 342/ ح8.
(21) سورة الشمس: الآية 14.