» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين (*)

عظّم الله أجورنا وأجوركم بمصابنا بسيّدنا الإمام الحسين سلام الله عليه وجعلنا وإيّاكم من الطالبين بثاره مع وليّه الإمام المهدي من آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وعجّل الله تعالى فرجه الشريف.
ما أُنجز أمس واليوم على مستوى الأرض كلها ـ بل في السماء والجنان أيضاً ـ للإمام الحسين سلام الله عليه من تعازٍ وإقامة شعائر وإطعام وخدمات وهداية وإرشاد وتثقيف و... لا نحيط به ولا نملك إحصاءه، بل لا يمكننا ذلك، وذلك لا يحصيه إلا الله تعالى والمعصومون، ومن شاءت إرادة الله تعالى له ذلك.
لو فرضنا أنّ أحداً استطاع أن يُحصي ما بُذل في هذا السبيل على وجه الأرض، فأنّى له بإحصاء المبذول في السماء والجنان؟
هب أنّ أعداد المعزّين في الأرض بلغوا كذا مليون نسمة ـ ذلك أنّ هذه التعازي لا تقتصر على الشيعة ولا على المسلمين وحدهم ـ فكيف يمكن للمرء أن يحصي قطرات الدمع التي ذرفت منهم خلال هذه المدة؟ ثم أنى له أن يعرف القيمة التي تبلغها؟ هل تساوي قطرة الدمعة الواحدة على الإمام الحسين سلام الله عليه بالآلاف أم بالملايين أم بالمليارات؟ نحن لا نعلم ذلك. ويختلف الأمر بطبيعة الحال من باكٍ إلى آخر؛ فإنّ الدمعة الواحدة التي تنزل من عين السيدة الزهراء سلام الله عليها على الإمام الحسين سلام الله عليه لا يعادلها العالم كلّه بما فيه؛ إذ لا سنخية بينهما ولا يمكن المقارنة.
لتقريب الفكرة إلى الأذهان نستعين بمثال من الأشباه والنظائر:
يُنقل هذا المضمون(1): أنه عندما كان الحسنان سلام الله عليهما صغيرين قالا لجدّهما صلى الله عليه وآله يوماً: إن لبعض الأطفال مركوباً يركبانه ونحن ليس لدينا مركوب، فأركبهما صلى الله عليه وآله على كتفيه.
فقالا: وإنّ المركوب يصدر أصواتٍ، فشرع صلى الله عليه وآله بالقول: إلهي العفو، إلهي العفو، فنزل جبرئيل سلام الله عليه وقال له: لو بقيت تطلب العفو فإنّ الله تعالى سيطفئ نار جهنم.
ولا شك أن جهنم يجب أن تكون موجودة لأنها من مقتضيات العدالة الإلهية، وإلا من سيجازي أمثال حرملة وشمر بن ذي الجوشن لعنهما الله، فهؤلاء لو قُطّعوا وقُتلوا في هذه الدنيا آلاف المرات لما كفى عقاباً لهم.
فهذا تأثير قول العفو الصادر من النبي صلى الله عليه وآله، وشتّان ما بينه وبين قول العفو الذي يصدر من غيره.
وهكذا الحال مع البكاء على الحسين سلام الله عليه وقيمة الدموع التي تهمل عليه فليست كلها على مستوى واحد، ولكنها غالية جميعاً على كلّ حال.
أربعة في العالم هم أفضل من الإمام الحسين سلام الله عليه وهم جدّه وأبوه وأمّه وأخوه صلوات الله عليهم، كما صرّح بذلك الإمام الحسين سلام الله عليه نفسه عندما قال في كربلاء: «جدّي خير مني وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني»(2). ولكن ما أقيم على الإمام الحسين سلام الله عليه من مجالس للعزاء وبكاء وحزن وإطعام وشعائر وخدمات مختلفة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية يفوق جميع مجالس العزاء التي تقام على المعصومين الثلاثة عشر الآخرين جميعاً طيلة العام كلّه؛ لأنّ الله تعالى شاء ذلك، وجعل من الإمام الحسين سلام الله عليه وقضيته استثناءً، كما تعامل على ذلك الأساس النبي صلى الله عليه وآله نفسه والإمام أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والإمام الحسن وكلّ الأئمة من بعد الحسين وصولاً للإمام المهدي صلوات الله عليهم وعجل الله تعالى فرجه الشريف.
فقد ورد عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بحقّ جده الإمام الحسين سلام الله عليه أمورلم يرد مثلها بحقّ أي معصوم آخر من أجداده المعصومين، ومنها قوله: «ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً»(3). وهذا ما لم يقله الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بحقّ أيّ من أجداده حتى جدّته الزهراء صلوات الله وسلامه عليها.
إن قضية الإمام الحسين سلام الله عليه استثنائية، فحتى ما قمتم به خلال الأيام والليالي الماضية من إقامة للشعائر هو استثناء أيضاً فاعرفوا قدره، وكونوا بمستوى مسؤوليّته؛ واعلموا أن هذه الشعائر والمجالس لا تثمّن أبداً بكلّ أموال الدنيا. فإن قلنا إنّ هذه المجالس جوهرة ثمينة مثلاً، فإن في قولنا هذا تنقيصاً لها، ولكن هذا القول من باب ضيق الدنيا، لأن الناس يعرفون الذهب والجواهر في هذه الحياة الدنيا فتقارن بها، وإلا فهي من سنخ آخر، ولا يصح مقارنتها بهذه الأمور الدنيوية.
هناك مسألة مهمة أودّ أن أذكّر بها جميع مقيمي الشعائر والقائمين عليها والمشاركين بها وهي من الاستثناءات التي خُصّ بها الإمام الحسين سلام الله عليه أيضاً؛ والتي قلّما أشير إليها في كتب الخصائص الحسينية: لقد وقعت حروب كثيرة في العالم بل وقع ظلم كثير وفجائع وقتل وسبي، قبل كربلاء وبعدها. فما أكثر الظلم على مرّ التاريخ، وما زال وفي كلّ مكان.. ولكن واقعة كربلاء امتازت بخصائص كثيرة، ومنها:
أنّ الإمام الحسين سلام الله عليه ـ وهو القائد الأعلى ـ كان يأتي ويحضر عند رأس الشهيد الذي يسقط من أهل بيته وأصحابه، ويحول ـ ما أمكنه ـ دون أن يهانوا بعد استشهادهم بأيّ نحو من أنحاء الإهانة المتصوّرة في الحروب آنذاك.
ولم يحرم شهداء الطف من هذه المزية لأنّ الإمام الحسين سلام الله عليه كان آخر من استشهد يوم عاشوراء.. حتى عبد الله بن الحسن الذي صرع بعد مصرع الإمام استشهد قبل الإمام أيضاً.
جاء على لسان الروايات أو المؤرخين ممّن حضر الواقعة أن الإمام الحسين سلام الله عليه كان يمتطي فرسه ويراقب الأوضاع، وكان ما أن يسقط الشهيد حتى يحضر عنده فوراً قبل أن يفارق الحياة، وحسب تعبير بعضهم، كالصقر المنقضّ، لئلا يوجّه إليه أولئك القتلة أية إهانة ثم يسارع لنقله إلى الفسطاط.
فحضر الإمام سلام الله عليه عند علي الأكبر والقاسم بن الحسن وأخيه العباس وعند حبيب بن مظاهر الأسدي ومسلم بن عوسجة وكذلك حضر عند شيخ العشيرة الحر بن يزيد الرياحي، وجون المولى ونقلهم ـ وكذا غيرهم ـ إما بنفسه أو بمساعدة بني هاشم عندما لم يقو بسبب ثقل المصاب، إلا أبي الفضل العباس سلام الله عليه الذي كان يرى نفسه مولى (عبداً) للإمام رغم أنه أخوه، فإن له قصة خاصة، وشاء الله أن يكون له مزار متميز في كربلاء.
لقد كان الشهيد في الطف يسقط وهو في الرمق الأخير من حياته، أي أنه كان سيفارق الحياة حتى من دون الضربة الأخيرة القاتلة أو حزّ الرأس، لأن عدد الضربات في بدنه لم تكن قليلة، فالأعداء كثر وهم كجبال الحديد أي مدججين بالسلاح كما ذكره العلامة المجلسي في بحار الأنوار(4)، ولكن الإمام سلام الله عليه ـ في الغالب ـ كان يوصل نفسه إلى الشهيد قبل أن تفارق روحه الطاهرة بدنه، فيجلس عنده ويضع رأسه في حجره ويمسح عنه الدم والتراب، ويكلّمه... فأي شعور كان يشعر به ذلك الشهيد وهو يرى رأسه في حجر الإمام؟! أي مقام كبير كان يشعر به إذ ذاك؟ فلم لا يكونوا توّاقين للشهادة، وهم يسلمون الروح في حجر سيد الشهداء؟! فما أسعدهم وأحسن عاقبتهم وأعظم مقامهم ومنزلتهم في الآخرة؟! فياليتنا كنا معهم فنفوز فوزاً عظيماً.
ومن هنا نفهم معنى وجد برير ليلة العاشر من المحرم وما دار بينه وبين شخص آخر من أنصار الإمام الحسين سلام الله عليه وهو عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري.
يقول الراوي: فلما كان الغداة ... فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن: يا برير أ تضحك! ما هذه ساعة ضحك ولا باطل. فقال برير: لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً وإنما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه فو الله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم بها ساعة(5).
لقد كان برير فقيهاً عالماً لم يمازح في شبابه فكيف في كهولته؟ ويبدو أن ذلك المزاح كان بطبيعته مما يناسب الشباب، ولذلك عاتبه عبد الرحمن، فأجابه برير: إنك لم تعرفني جيداً ولكن قومي يعرفونني ويعلمون أني لم أمازح مثل هذا المزاح حتى في شبابي، ولكن الآن هو الوقت المناسب للمزاح؛ لأنه لم يبق بيننا وبين النعيم الأبدي سوى سويعات. هذه الروحية العالية اكتسبها الأصحاب من الإمام الحسين سلام الله عليه.
لقد دفع الإمام الإهانات عن أصحابه بنفسه الكريمة؛ خلافاً لما هو المتعارف عليه في كلّ الحروب حتى حروب الأخيار، حيث يتحمل الأنصار الإهانات عادة ويحولون دون توجيهها للقائد، إلا في كربلاء؛ فكان الأمر استثنائياً.
لقد شاء الله أن تكون قضية الإمام الحسين سلام الله عليه استثنائية في كل جوانبها. ومن الاستثناءات التي تميز بها الإمام الحسين سلام الله عليه شدة الحزن والبكاء عليه وإقامة العزاء على مصابه، وشدّ الرحال لزيارته في كل مناسبة إسلامية مهمّة. فإنّ ما ورد من الحثّ على ذلك من النبي وسائر المعصومين سلام الله عليهم بشأن الإمام الحسين سلام الله عليه لم يرد في أيّ منهم ولا حتى في النبي صلى الله عليه وآله نفسه؛ فلقد ذكرت الروايات الواردة عنهم سلام الله عليهم من الأجر لزائر الحسين ومعظِّم شعائره والمقيم العزاء عليه ما لم يرد مثله لغيره.
ومن هنا فإنّ المقولة التي تردد أحياناً من أن كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء غير صحيحة لأنها تتعارض مع ما ورد من روايات المعصومين سلام الله عليهم من أنه لا أرض مثل كربلاء ولا يوم كعاشوراء.
يقول الإمام الصادق سلام الله عليه: «إنّ أرض الكعبة قالت: مَن مثلي وقد بنى الله بيته على ظهري ويأتينـي الناس من كلّ فج عميق وجُعلت حرم الله وأمنه! فأوحى الله إليها أن كفّي وقرّي، فوعزّتي وجلالي ما فضل ما فضِّلت به فيما أعطيتُ به أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت من ماء البحر! ولولا تربة كربلاء ما فضّلتك، ولولا ما تضمّنته أرض كربلاء لما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به؛ فقرّي واستقري...»(6).
وعن النبي صلى الله عليه وآله: ـ في حديث طويل ـ « ... كربلاء ... وهي أطيب بقاع الأرض وأعظمها حرمة»(7).
وفي حديث آخر:«سلّط الله المشركين على الكعبة وأرسل إلى زمزم ماءاً مالحاً حتى أفسد طعمه»(8).
وبهذه المضامين وردت روايات مستفيضة فما الداعي لأن يتحدث الإنسان بشيء مخالف لروايات المعصومين سلام الله عليهم ثم يصير بصدد توجيهه؟!
أجل، لقد تحمّل الإمام سلام الله عليه بنفسه الإهانات كلها ودفعها عن أصحابه، ومنها:
أن الإمام سلام الله عليه طلب لنفسه الماء من الأعداء عدة مرات في يوم عاشوراء. لاشك أنّ الإمام سلام الله عليه وهو أعقل العقلاء كان يعلم أنّ القوم لا يستجيبون له وأنّه لا يليق بالإنسان أن يطلب من عدوّه شيئاً لأن في ذلك منّة، فلماذا كان الإمام يكرر هذا الطلب؟ الجواب على ذلك أنّ الإمام سلام الله عليه كان يريد إتمام الحجة عليهم وبيان مدى سقوطهم وانحرافهم، فأدى الإمام سلام الله عليه ذلك الدور بنفسه رغم مشقّته النفسية، ولم يترك أداء هذا الدور لأي من أهل بيته وأصحابه، فلم نسمع أن علياً الأكبر أو العباس أو حبيب أو حتى جون يقوم بذلك الدور الشاقّ نفسياً وهو طلب الماء لأنفسهم، لئلا يشعروا بالمهانة! وهذا أيضاً من الاستثناءات في قضية كربلاء، لأن مهمة الأنصار أن يتحملوا عن القائد وليس العكس.
وما أكثر التضحيات النفسية التي قدّمها الإمام سلام الله عليه في سبيل الله تعالى دون أصحابه! قبل الحرب وأثناءها وبعدها؛ ومنها أيضاً: قال الراوي: وجاء رجل فقال: أين الحسين؟ فقال: ها أنا ذا. قال: أبشر بالنار تردها الساعة. قال: بل أبشر بربّ رحيم وشفيع مطاع، من أنت؟ قال: أنا محمد بن الأشعث. قال: اللهم إن كان عبدك كاذباً فخذه إلى النار واجعله اليوم آية لأصحابه فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله في الركاب فضربه حتى قطعه(9).
وقال أيضاً: عندما حان وقت الصلاة قال الإمام عليه السلام: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلّين. ثم قال: سلوهم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي. فقال الحصين بن نمير إنها لا تقبل. فقال حبيب بن مظاهر: لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله و تقبل منك(10).
أما في الحرب فقد صنعوا بالإمام ما لم يصنع بأيّ من أهل بيته وأصحابه، وكما في التاريخ: «ففرقة بالسيوف وفرقة بالرماح وفرقة بالنبال وفرقة بالحجارة وفرقة بالحطب»(11) في حين إن الإمام سلام الله عليه لم يسمح أن يُصنع مثل ذلك بأصحابه.
وكذلك عندما هوى الإمام سلام الله عليه إلى الأرض جرى له ما لم يجر مع أيّ من الأصحاب أبداً؛ يُنقل عن المرحوم الشيخ جعفر الشوشتري ـ وهو من كبار العلماء ـ أنه كان يقول: لو أمهل الإمام قليلاً لأسلم الروح قبل أن يذبحوه. ثم إنّهم قاموا بتلك الجريمة التي لا أستطيع ذكرها أبداً.
فلنتعلم من الإمام سلام الله عليه تحمّل الأذى الروحي والنفسي في سبيل تعظيم شعائر الإمام الحسين سلام الله عليه إضافة لما نقدّمه من تضحيات جسمية ومادية في هذا الطريق، ولا نكترث بما يعيبه الأعداء فينا من إقامة هذه الشعائر.
فعَن مُعَاوِيَةَ بنِ وَهبٍ قَالَ: استَأذَنتُ عَلَى أَبِي عَبدِ اللَّهِ سلام الله عليه فَقِيلَ لِي: ادخُل، فَدَخَلتُ فَوَجَدتُهُ فِي مُصَلاهُ فِي بَيتِهِ فَجَلَستُ حَتَّى قَضَى صلاته فَسَمِعتُهُ وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ ساجداً ويدعو لزوّار الإمام الحسين عليه السلام ولمن يجزع لمصابهم وأمثالهم، فقال فيما قال: « اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم فلم ينههم»(12).
فلو عاب عليكم أحد لا تقولوا:
لقد بقي التعب في أبداننا بسبب جرح اللسان لأنه أشدّ من جرح السنان، بل تحمّلوه أيضاً من أجل الإمام الذي قدّم كل هذه التضحيات في سبيل الله وتحمّل الإهانات عن الأعداء بنفسه الشريفة ودفعها حتى عن أصحابه وأنصاره وأهل بيته.. فإن اقتديتم بالإمام في تحمّل الهوان في سبيل الله تعالى ـ وهو العزّ بعينه ـ أصبحتم مشمولين لدعاء الأئمة سلام الله عليهم ولدعاء الإمام الصادق أعلاه. لا فرق في ذلك بين أن يكون التعيير أو التثبيط صادراً من قبل العدو أو الصديق.
يُنقل أن المرحوم السيد الجليل بحر العلوم الكبير (1155- 1212هـ) شارك في عزاء طويريج الجماهيري الذي ينطلق بعد صلاتي الظهرين في العاشر من محرم كل عام في كربلاء المقدسة صوب الحرم الحسيني الطاهر، ولقد توسّع هذا العزاء حتى نقلوا أنه كان متواصلاً هذا العام لمدة أكثر من ساعتين ونصف، ولم يقتصر على كربلاء، بل خرج في العديد من مدن العالم.
قالوا: رئي السيد بحر العلوم مشاركاً في هذا العزاء، يلطم على صدره ووجهه، وإذا به يرمي بعمامته ويهرول مع الجموع حافياً، فقال له بعض ذويه بعد انتهاء العزاء: ما كان يليق بك أن تفعل ذلك وأنت مرجع، فقال: كيف لا أفعل وقد رأيت الإمام الحجة سلام الله عليه مشاركاً في هذا العزاء؟!
فإذا كان الإمام الحجة سلام الله عليه بعد أكثر من ألف سنة بعد استشهاد الإمام الحسين سلام الله عليه يشارك في هذا العزاء، الذي يسخر منه البعض قائلاً: من يقول إن هذه الشعائر صحيحة ؟ وما أدراك أنّ كل المشاركين فيه من المصلين والملتزمين شرعياً؟ وو...؟
فما أضعف ما يردّد من هذه الأقوال؟
إن الله تعالى ربما يغفر لمن عصاه سريعاً ولكنه لا يغفر لمن يسيء للإمام الحسين سلام الله عليه، فقد أقسم على ذلك وأن لا يجوزه ظلم ظالم(13).
حقّاً مَن يقف وراء هذه الشعائر وعظمتها ليس إلا يد الغيب والقدرة الإلهية؟! إن النبي صلى الله عليه وآله أفضل عند الله تعالى من الإمام الحسين سلام الله عليه، ولكنه سبحانه لم يرسل زيارة للنبي، بينما أرسل زيارة عاشوراء، فهذه الزيارة كما نعلم حديث قدسي، أي وردت عن الله مباشرة، ـ وإن كان كل ما يرد عن المعصومين سلام الله عليهم إنما هو عن الله تعالى لأنّهم لا ينطقون إلا عنه ـ (روى جدنا عن جبرئيل عن الله)(14).
فهذه كلها استثناءات، وأنتم أيضاً اسعوا أن تكونوا استثنائيين في تحمّلكم أنواع الصعاب والتعيير، وأن لا تردّوا أو تشتبكوا مع المعاند حتى وإن كنتم قادرين على ذلك.
أرجو ببركة الإمام الحسين سلام الله عليه وهو الرحمة الإلهية الواسعة أن يكتب الأجر الجزيل لكل الذين ساهموا وتحمّلوا العناء المادي والنفسي في سبيل شعائر الإمام الحسين سلام الله عليه. وأن يديمها فينا وفي ذريّاتنا.
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


(*) بمناسبة ليلة الحادي عشر من محرم الحرام1427 للهجرة والتي تسمى بليلة ( الوحشة) ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله هذه المحاضرة حول مصاب مولانا سيد الشهداء الإمام الحسين سلام الله عليه بجموع المعزين في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة.
(1) بحار الأنوار/ ج43/ص285.
(2) العوالم/الإمام الحسين سلام الله عليه/ص246.
(3) المزار/لمحمد بن المهدي قدس سره/ص 501.
(4) بحار الأنوار/ج45/ص93.
(5) اللهوف على قتلى الطفوف/للسيد ابن طاووس/ص95.
(6) كامل الزيارات/ الباب88/فضل كربلاء/ص450.
(7)  المصدر نفسه/ص447.
(8) المصدر نفسه/ص455.
(9) بحار الأنوار/ج45/بقية باب37/ص31.
(10) المصدر نفسه.
(11) شجرة طوبى/ج2/ص213.
(12) فروع الكافي/ج4/باب فضل زيارة أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه/ص582.
(13) أمالي الشيخ الصدوق(قده)/ص733.
(14) السيد شرف الدين/أجوبة مسائل جاد الله/ص144.