» الفهرست

» الزهد بين كلمتين من القرآن
» التغيير ممكن
» 1 . التأسّي بأهل البيت سلام الله عليهم
» 2 . الاعتبار بقصص الآخرين!
» السبيل إلى التغيير
» في تربية النفس صلاح الدنيا والآخرة


» النَص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

قال الله الحكيم في محكم كتابه الكريم: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾(1).


:. الزهد بين كلمتين من القرآن

روي عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في تفسير هذه الآية المباركة أنّه قال: «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن. قال الله سبحانه: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ومَن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه»
(2).
فليس الزهد أن تمتنع عن الطعام والشراب أو التملك أو النكاح، بل حقيقة الزهد أن لا تأسى ولا تحزن على ما فاتك من ثروات وقدرات مهما كان نوعها، ولا تفرح بما أوتيت مثل ذلك.
وهذه من‍زلة لا يبلغها المرء بسهولة بل لابدّ له أوّلاً من تمرين متواصل وترويض مستمرّ باستحضار المعنى الذي تحمله الآية المباركة دائماً في مختلف القضايا والأحداث، حتى تصبح الحالة ملكة عنده. ولا شكّ أنّ الآية لا تعني عدم التأثّر مطلقا، فإنّ الإنسان بطبعه يحزن إذا فقد أيّ شيء، كما يفرح إذا أوتي خيراً سواء أكان مادياً أم معنوياً. إنما تنهى الآية عن الحالة التي تكشف عن عبودية النفس لتلك الأشياء، وتدعو الإنسان لتحرير نفسه من هذا الرق.التغيير ممكن


:. التغيير ممكن

إذا كان الإنسان مفطوراً على الحزن لفقد شيء ـ ولو قصيدة يحفظها عن ظهر قلب ثم فقَدها بنسيانها ـ وكذلك على الفرح لكسب شيء، وإن كان زوال نقصٍ ما، فكيف يستطيع الإنسان أن يغيّر نفسه بأن يجعلها لا تحزن على ما فاتها ولا تفرح بما أوتيت؟
صحيح أنّ التغيير صعب ولكنّه ممكن. ولئن قيل في المثل (الشعبي): «إنّ الطبع الذي في البدن لا يغيّره إلاّ الكفن» أي لا يتغيّر حتى الممات، فإنّ هذا إنما يصدق على الإنسان العامي، وليس على العالِم العاقل وصاحب الإرادة والوعي. هذا أوّلاً.
وثانياً ليس المقصود تغيير جذور الطبيعة والعنصر الثابت فيها، بل المقصود درجات الشدّة والضعف والآثار واللوازم التي تترتّب عليها. فنفوس الناس ميالة في الغالب للدعة والراحة، ولا رغبة لها في الأعمال التي تتطلّب جهداً مضاعفاً كطلب العلم مثلاً، ولكنّا نرى بعضهم يتغيّر بفعل الضغوط المختلفة سواء من ذاته أو من الآخرين، فيشمّر عن ساعد الجدّ ويصبح عنده شوق إلى الدراسة بحيث يتحمّل سهر الليالي وشظف العيش من أجل الوصول إلى هدفه.

أجل، يختلف الناس في سرعة التغيّر وشدّته. فبعض الطباع تتغيّر بسرعة فيما بعضها الآخر يتغيّر ببطء. وكلما استحضر الإنسان المنافع التي سيجنيها والمضارّ التي سيدفعها من التغيير، زاد من سرعة تغيّره.
وكما تختلف النفوس، فكذلك تختلف الغرائز والطباع في قوّتها وضعفها، فلقد أُثر أنّ «آخر ما يخرج من قلب المؤمن حب الجاه»، وهذا يعني أنّ حب الجاه من الطبائع الأصيلة والقويّة عند الإنسان.
وكذلك قد تختلف الأجواء والظروف وعوامل الوراثة والبيئة والتربية وغيرها. إلاّ أنّ الأمر المسلّم أنّ أصل التغيير ممكن.


:. 1. التأسّي بأهل البيت سلام الله عليهم

· الملاحَظ من سيرة أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أنهم يحزنون في الأيام الأولى من المحرّم حتى يوم العاشر، فإذا انقضى يوم عاشوراء انتهى حزنهم؟ ولقد سئل أحدهم عن ذلك، فقال سلام الله عليه: إنّا لنحب أن نعافى فيمَن نحب، فإذا جاء أمر الله سلّمنا.
· ولقد روي أن أحد أبناء الإمام الباقر سلام الله عليه قد مرض فاهتمّ به الإمام وحزن عليه، فلما مات خرج على أصحابه منبسط الحال وقال لهم: «إنّا لنحبّ أن نعافى فيمَن نحبّ، فإذا جاء أمر الله سلّمنا فيما أحَبََّ». وقريب من ذلك قضية للصادق سلام الله عليه(3).


:. 2. الاعتبار بقصص الآخرين!

أ. ولا تفرحوا بما آتاكم

· روي أنّ شخصاً فقيراً وصله مال كثير، فخشي ذووه أن يصعق من الفرح إن أخبروه بالأمر دفعة، فانتدبوا طبيباً نفسياً للقيام بهذه المهمة، ففكّر الطبيب أن يقسّط عليه الخبر، وقال له: يا فلان هب أنّك حصلت على عشرة دراهم مثلاً، فماذا أنت فاعل بها؟ قال: كذا. قال: هب عشرين درهماً؟ قال: كذا. قال: فثلاثين. قال: كذا… فمازال يصعد به حتى وصل إلى مئة ألف مثلاً. فقال: هذا لا يحصل. قال الطبيب: وما عليك أن تتصوّر ذلك؟ قال: هذا مبلغ كبير! قال: فكيف بك إن كان أكبر؟ قال: كم مثلاً؟ قال مئتي ألف. قال: لا تمزح ودعني وشأني. فقال له الطبيب المخبِر: لستُ مازحاً. فقال الفقير: ومن أين يأتيني هذا المبلغ؟ وهنا استعدّ الطبيب لإخباره بحقيقة الأمر، فقال: ماذا تعطيني لو بشّرتك بحصولك على مليون دينار مثلاً؟ قال الفقير الذي لم يصدّق بعدُ: أعطيك نصفه. قال له الطبيب: اختم لي هذه الورقة إذاً. وما إن ختم الفقير الورقة حتى سقط الطبيب ومات، لأنّه لم يتحمل صدمة الفرحة المفاجئة بحصوله على نصف مليون دينار غُنماً!
ويبدو أنّ هذا الطبيب كان قد تعلّم الطب النفسي لغيره فقط ولم يتعلّمه لنفسه، وبين الحالتين فرق كبير. فربّ واعظ يجيد وعظ غيره، فهو يحفظ آيات وأحاديث وقصصاً وأمثالاً وعِبَراً وينقلها بصورة مرتّبة مؤثّرة، ولكنه غير متّعظ بها لأنّه اتّخذ الوعظ مهنة أو وسيلة لتحقيق مآرب له، فهذا علمه لغيره وليس لنفسه


ب. لا تأسوا على ما فاتكم

· أذكر أنّ شخصين كانا يتنازعان على أراضٍ واسعة كلّ يدّعي ملكيتها. وانتهى نزاعهما إلى المحاكم، واستمرّا على هذه الحال زهاء خمس عشرة سنة. وأخيراً أصدرت المحكمة النهائية حكماً لصالح أحدهما، وخسر الآخر القضية.
وكان وقْع الحكم على خاسر القضية شديداً لدرجة أنّه شُلّ ولم يستطع حراكاً، فحُمل إلى بيته، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة!
· كما أذكر أنّي رأيتُ طفلاً يكره الذهاب إلى المدرسة ـ كما هو حال كثير من التلاميذ في أوّل سنة دراسية لهم، حتى أنّ بعض الأطفال كان يتمنّى موت المعلّم لكي يستريح ولو يوماً من الذهاب إلى المدرسة. وأذكر أنّ أحد أصدقاء الطفولة كان ينذر بأن يتصدّق بيوميته إذا ما مرض المعلّم. وكان معلّم الصف واحداً في العادة، فإذا ما غاب أو انشغل عاد التلاميذ إلى بيوتهم وتعطّلت حصصهم كلّها ـ.
قيل للطفل: لا تذهب اليوم إلى المدرسة؛ لعذر ما. ففرح الطفل وجلس إلى المائدة لتناول الطعام، وبينما هو يأكل إذ أُخبر أنّ عليه أن يذهب إلى المدرسة؛ فربما زال العذر. فلم يستطع الطفل أن يبتلع اللقمة التي كانت في فمه وغصّ بها لأنّه شعر أنّ الراحة قد فاتته. وعندما رأى الأهل ما حلّ به قالوا له: لا بأس، لا تذهب. فجلس يأكل ثانية فرحاً مسروراً!
قد يستغرب بعض الناس من حالة هذا الطفل أو يضحك، ولكنّه إذا عاد إلى نفسه وجدها لا تختلف عنه إلاّ في الموضوع الذي يحزن بسببه أو يفرح بحصوله. فالمستوى يختلف أما أصل الطبع فواحد.
فصاحب المليون دينار قد لا يحزن إذا ضاع منه دينار واحد ولكنّه يحزن لضياع الألف. أما صاحب الألف فيحزن حتى لضياع الدينار الواحد.


:. السبيل إلى التغيير

إذا كان الأمر كذلك، فكيف يستطيع الإنسان أن يكيّف نفسه لكيلا تأسى على ما فاتها ولا تفرح بما أوتيت؟
للإجابة أقول: هناك طريق واحد، حيث كلّ الطرق ترجع إليه، وهو ما افتتحنا به الحديث، بأن يتذكّر الإنسان دائماً أنّ كلّ شيء أمانة في رقبته وعارية لديه، وأنّ الأمانة لابدّ من إرجاعها يوماً إلى صاحبها ومالكها الحقيقي. فالمال أمانة والعلم أمانة والجاه أمانة وكذا الصحّة والأولاد والأهل والزوجة والعقار وجسمه وروحه وكلّ شيء عنده هو أمانة، حتى السفر مثلاً لو كانت وسائله مهيّأة له ولكنه لأسباب لم يتحقق لا ينبغي له أن يحزن لأنّه كان أمانة!
وإذا استطاع الإنسان أن يركّز على هذا الأمر فستخفّ الوطأة عنده شيئاً فشيئاً حتى يبلغ مرتبة يصدق عليه أنّه لا ييأس على ما فاته ولا يفرح بما أتاه.

إنّ تألّم الإنسان لفقدان بعض الأشياء ـ كالصحّة مثلاً ـ أمر فطريّ، ولكن التربية تخفّف الوطأة على الإنسان وتزيل الألم المضاعف. فتارة يتألم الإنسان بدنياً بسبب مرض ألمّ به، وتارة يتألم نفسياً نتيجة الشعور بفقدان الصحة، وهذا أيضاً شيء طبيعي، ولكن التركيز على الألم النفسي والتحسّر وما أشبه هي الأمور التي تنهض التربية بإزالتها كلّما تذكّر الإنسان أنّ كلّ ما يملكه حتى صحّته وبدنه وروحه أمانة وليس هو مالكها الحقيقي.
· نقل لي أحد الأصدقاء مرة أنّ الطبيب منعه من شرب الماء وأنّه لم يذقه منذ الأمس، ومع ذلك كان صابراً، ونحن ولله الحمد نشرب الماء ولا نعرف بوجود علل وأمراض كهذه. ولكن ينبغي أن نعرف أنّه حتى صحّتنا أمانة ينبغي المحافظة عليها من جهة، ولا ينبغي أن نقتل أنفسنا حسرة إن استُرجعت منّا. ولذلك ورد في الحديث القدسي: «… واحبب مَن شئت فإنّك مفارقه»(4).

وهذا لا يعني أنّ الإنسان لا ينبغي له أن يحزن لمفارقته حبيبه، ولكن فرق بين ذلك وبين أن يحزن ويسخط أو يعترض على حصول الحالة.
ولتوضيح المسألة أذكر لكم الصوم مثالاً، فإنّ الإنسان الصائم يتألم ألم الجوع ولكن لا ينبغي أن يتألم على جوعه ويقول لماذا أنا جائع أو لماذا ينبغي أن أكون جائعاً ويتحسر على الطعام! فألم الجوع ذاتيّ لا يمكن تغييره، ولكن الألم على حصول الجوع وإن كان من الطباع أمر ممكن تغييره، بل يجب القضاء عليه أو تقليله إلى أدنى درجة ممكنة.
وهكذا الحال بالنسبة لمن يفقد عزيزاً أو مالاً أو جاهاً أو حتى علماً، فقد يحفظ أحدكم قصيدة أو كتاباً ثم تعرض له أمور فينساها فيتألّم. وألمه هذا ليس ذاتياً بل هو بسبب فقدانه ما كان يحفظه، وهذا يزول بتذكّر أنّ كلّ شيء أمانة لابدّ أن يفارقها الإنسان يوماً حتى لو كان حفظ شيء عن ظهر قلب!


:. في تربية النفس صلاح الدنيا والآخرة

· فمَن ربّى نفسه على هذه الشاكلة صلحت آخرته ودنياه، لأنّ مشاكل الدنيا ليست بيد الإنسان، فليتذكّر أنّ كلّ بلاء ومصيبة تن‍زل عليه إنما هي بقضاء من الله وقدر، عندها تهون عنده المصيبة ويخفّ البلاء فيشعر بالسعادة وينجح في الاختبار، فتصلح آخرته ودنياه معاً.
والشيء نفسه يصدق على الأفراح، فإنّها قد تأتي الإنسان من دون اختياره، فليوطن نفسه على أنّها زائلة يوماً ما وأنّها لا تعني كلّ شيء وأنّه لا ينبغي أن تستعبده وتستملكه. فإذا كان كذلك جمع الزهد من طرفيه كما قال سيد العارفين والمتكلّمين الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه: «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن». فهاتان الجملتان سُلّم إلى الرضا بقضاء الله تعالى، وهو أرفع درجات الإيمان أو كما قيل هو الدرجة العاشرة من درجات اليقين.

· فما أحوجنا ـ لاسيما نحن أهل العلم ـ لهذا التغيير وهذا الإعداد، لئلاّ يكون مثَلنا مثَل ذلك الطبيب الذي تقدّمت قصته.
فنحن من جهة لنا مشاكلنا الشخصية ونحتاج لأن نربّي أنفسنا لبلوغ درجة الرضا بقضاء الله عزّ وجلّ، فلا نقول أو نفعل أو نشعر بما يسخط الله نتيجة التأثّر والانفعال لما قد يصيبنا، بل علينا أن نذكّر أنفسنا دائماً بأنّ ما من خير نناله فهو من الله تعالى، وأن كلّ ما نُعطاه في هذه الدنيا هو أمانة عندنا، وإنّنا مفارقوها يوماً ما، فلا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا.
هذا بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية والمسؤوليات الدينية والتبليغية الملقاة على عاتقنا. فالأجواء هذه الأيام ملوّثة والمحيطات الاجتماعية موبوءة، قد ضعف فيها الوازع الديني، وقوي حبّ الدنيا في النفوس، فمسّت الحاجة إلى واعظين متّعظين وعلماء عاملين وأطباء روحيين أكثر فأكثر.
وهذا يعني أنّ مسؤوليتنا مضاعفة فلا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما أُوتينا، من المال أو الجاه أو السمعة. فربما لا يُصعق أحدنا ويموت لو فاتته الملايين من الأموال أو جاءته بغتة، ولكن قد لا نكون كذلك لو امتُحنّا في الجاه والمكانة الاجتماعية.
المطلوب من كلّ إنسان أن لا يفرح أو يأسى على شيء ما يحبه ويهواه، وعليه أن يتذكّر دائماً أنّ كلّ النعم التي عنده هي من الله عزّ وجلّ، فإن تجدّدت فهي نعمة أخرى ينبغي الشكر عليها، وإن زالت فهذا شأن الدنيا ونعيمها، فكلّها أمانة عند الإنسان لابدّ أن يفارقها يوماً تأخّر أو تقدّم.

هذه الأمور قولها سهل، كما الاستماع إليها، ولكن المهم هو العمل، وهذا يحتاج إلى تمرين وتذكّر دائم، والإنسان إذا سار في طريق الله تعالى فإنّه يعينه بلا شكّ، وقد وعد الله المؤمنين ذلك، إذ وعدهم بالنصر إن جاهدوا في سبيله، سواء جهاد العدو الخارجي أو الجهاد للتغلّب على العدو الداخلي وهو النفس، وهذا ما سمّاه النبي صلى الله عليه وآله بالجهاد الأكبر؛ فإنّ المؤمن إذا استعان بالله وسار في طريق جهاد نفسه، أتاه المدد والنصر من عند الله عزّ وجلّ.
ولنا في أولياء الله الذين وصلوا هذه المراحل العالية ـ ناهيك عن المعصومين ـ خير دليل على إمكان التحقق. فما الفرق بيننا وبين السيد بحر العلوم ـ مثلاً ـ أو الشيخ الصدوق أو السيد الرضي رضوان الل تعالى عليهم جميعاً؟ فقد كانوا أناساً عاديين أي غير معصومين ولكنهم بتربيتهم أنفسهم أصبحوا أولياء غير عاديين تُنقل عنهم الأعاجيب! وهم الذين عن طريقهم وصل إلينا التراث الموجود بين يدينا
فكيف صاروا هكذا ولم يكونوا معصومين؟ نقول في الجواب: إنّهم ساروا في الطريق متوكّلين على الله تعالى ومستعينين به فأعانهم ونصرهم على أنفسهم حتى بلغوا ما بلغوا من العلم والدين.

لقد كان الشيخ آغا رضا الهمداني (رضوان الله عليه) عالِماً جامعاً وأستاذاً مبرّزاً. بلغ مشارف المرجعية، فأُصيب بمرض السل، ولم يتمكن بعد ذلك من التصدي للمرجعية ولا مواصلة التدريس فجلس في بيته وتفرّغ للتأليف فكتب «مصباح الفقيه» في ثلاثة مجلدات. وكان أحد تلاميذه يقول: هذا لطف من الله تعالى للشيخ لأنّه أغنى بقلمه أكثر مما أفاد بلسانه.
فلنفرض الآن أنّ أحدنا درس كلّ هذه المدّة ـ خمسين سنة مثلاً ـ وأتعب نفسه وسهر الليالي يطلب العلم ويطوي المراحل، حتى إذا صار على أبواب قطف الثمار وإغناء المجتمع أُصيب بالمرض وقعد في البيت عاجزاً عن مواصلة أيّ نشاط، فهل سيأكله الحزن أم يتذكّر أنّ كلّ ما وُهب فمن الله تعالى وأنّه كان أمانة عنده وبالتالي لا ينبغي له أن يأسى على ما فاته؟!
لا شكّ أنّ المطلوب هو الثاني مادام الإنسان خُلق للامتحان. فلا طريق أمام الإنسان المؤمن سوى هذا، وبه يحفظ دينه ودنياه. فما أدرى المرء بما خبّأه الدهر له؟ ومَن يعلم الآتي في حياته؟
فلنمرِّنْ أنفسنا من الآن إذاً ولنكن مستعدّين للامتحان أبداً، وقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين سلام الله عليه: «إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور»(5).

ولا حاجة لأن تشرّق أو تغرّب بعد ذلك وقد أخبرك الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه حيث قال: «الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن. قال الله سبحانه: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ومَن لم يأسَ على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه»(6)بل اسعَ لبلوغهما من خلال التذكّر بانّ كلّ ما عندك فهو أمانة وأنت مفارقها يوماً ما، فإن فكّرت هكذا فستُحلّ كثير من مشاكلك وتحتفظ بدينك ودنياك وتُسعد بهما. أسأل الله تعالى التوفيق لي ولكم.

 وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


* ألقيت المحاضرة 1398 هـ.
(1) سورة الحديد، الآية 23.
(2) نهج البلاغة: الكلمات القصار، رقم 439.
(3) الكافي: ج3، ص226، الحديث 13 و 14.
(4) وسائل الشيعة: ج1، ص85.
(5) نهج البلاغة: ص527، رقم291.
(6) نهج البلاغة: الكلمات القصار، رقم 439.