18 كانون‌الثاني 2021م
آخر تحديث: 17 كانون‌الثاني
 
  رقم الخبر: 16750       تاريخ النشر: 6 ربيع الثاني 1442









 









 

النصّ الكامل لكلمة سماحة المرجع الشيرازي دام ظله
بذكرى استشهاد النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله 1442 للهجرة


 
تعريب: علاء الكاظمي
أعزاءنا! أدناه النصّ الكامل لكلمة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، التي ألقاها بمناسبة ذكرى استشهاد سيّد الكائنات، أشرف الخلق أجمعين، وأفضل الأنبياء والمرسلين، حبيب إله العالمين، المبعوث رحمة للعالمين، سيّدنا ومولانا النبيّ الأعظم محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله، في يوم الثامن والعشرين من شهر صفر الأحزان لسنة 1442 للهجرة (16/10/2020م) في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، بجموع المعزّين، من العلماء، ورجال الدين، والفضلاء والطلبة والمؤمنين، من مدينة قم المقدّسة، وغيرها من المدن الإيرانية:
بسم الله الرحمن الرحيم
تعازي
أرفع التعازي للمقام الرفيع والمنيع، لمولانا بقيّة الله الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف، بمناسبة ذكرى استشهاد أشرف الأولين والآخرين، النبيّ الأعظم، سيّدنا محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وبناء على رواية، ذكرى استشهاد سبطه الأكبر، مولانا الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه، وذكرى استشهاد مولانا الإمام الرؤوف الرضا صلوات الله عليه. علماً انّ الرواية الأصح بخصوص استشهاد الإمام السبط المجتبى صلوات الله عليه هو يوم السابع من شهر صفر الأحزان.
كما أقدّم التعازي إلى الشيعة كافّة ولكل الذين تحمّلوا المصائب بسبب فقدان هؤلاء المعصومين عليهم السلام. وأعزّي المؤمنين والمؤمنات خاصّة في كافّة أنحاء العالم لاسيما المظلومين الذين تعرّضوا للظلم والأذى ولازلوا. وأسأل الله عزّ وجلّ وبعنايته الخاصّة أن يعجّل في الظهور الشريف لإمام العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، لكي ينجو العالم من المصائب التي ابتلي بها.
النبيّ جاء بالطيّبات
من آيات القرآن الكريم التي تتطرّق إلى النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله، قوله عزّ من قائل: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ). وتتضمّن هذه الآية الكريمة الكثير من المطالب. ويكفي أن نعرف آثارها في تعامل وسيرة النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله. والطيّبات يعني الجيّد والحسن، وهي جمع (الطيّب) الذي يقول عنه علماء اللغة العربية بالجمع المحلّى بالألف واللام. ومعنى (الخبائث) التي وردت بالألف واللام أيضاً، يعني السيئ وغير الجيّد وغير الطيّب.
هذه الآية الكريمة وبنظرة خاصّة تبيّن بشكل كامل سيرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله. ومن إحدى خصائص مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، تبيين وتعريف كل ما هو حسن في مختلف أنواعه، وكذلك تبيين كل ما هو سيئ، وهذا يمكننا أن نقول عنه بأنّه كان تعامل رسول الله ودوره صلى الله عليه وآله المهمّ. ويعني انّه صلى الله عليه وآله أتى للإنسان والناس بالطيّبات في الجوانب الاقتصادية، والعسكرية، والسياسية، والاجتماعية، وحتى العائلية، والفردية والشخصية، ومنها الوصايا الضرورية الصحيّة، وسلامة الجسم والروح والنفس. فالطيّبات ناظرة إلى مفهوم كل ما هو جيّد وحسن، وبوسعتهما وشمولهما.
بالمقابل، الخبائث هي كل ما هو غير جيّد وسيئ، وكل أمر يؤذي الإنسان ويخرّب حياته، التي نهى عنها النبيّ صلى الله عليه وآله، في الجوانب كافّة، أيضاً، أي الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والعسكرية. بل إنّه صلى الله عليه وآله قد بيّن وأتى بوصايا حتى في زمن الحرب والسلم، وحتى قبل بدء الحرب، بشكل ميسّر وسهل.
من باب الواجب
قبل أن أواصل الحديث، أرى من باب الواجب عليَّ والوظيفة، أن أشكر كثيراً، كل الحاضرين، والذين شاركوا في مراسيم الأربعين الحسيني، وأعرب عن تقديري لهم جميعاً. وأشكر من صميم قلبي، شكراً خالصاً، كل الذين وفّقوا واستطاعوا أن يحيوا ويقيموا شعيرة الأربعين الحسيني المقدّس، في كل مكان بالعالم، سواء في الدول الإسلامية وغير الإسلامية، وسعوا وخطوا في هذا السبيل، وبالأخص الذين وفّقوا لزيارة المرقد الطاهر لمولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه. علماً أنّ أجرهم كلّهم، سيكتب في صحائف أعمالهم، وأجرهم لمحفوظ عند الله تبارك وتعالى.
أنا من باب الوظيفة، أشكر كافّة الذين سعوا في إحياء شعيرة الأربعين المقدّس، أي الذين وفّروا وسائل وسبل مجيء ورواح الزائرين، والذين مشوا بأقدامهم الحافية ـ كما في الروايات الشريفة ـ عشرات ومئات الكيلو مترات من المسافات، في داخل العراق وخارجه، نحو مدينة كربلاء المقدّسة، لأجل إقامة شعيرة الأربعين، والذين أطعموا، والذين بذلوا وباعوا كل ما عندهم وما ليس عندهم لأجل الأربعين الحسيني المقدّس، ممن باع دار سكناه، أو رهن بيته، أو اضطرّ لبيع سيارته، بالخصوص الذين استدانوا واستقرضوا الأموال في سبيل الأربعين الحسيني، بل وبعضهم، وكما نراه في سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله ـ قد اضطرّوا إلى الاستدانة والاستقراض لأجل تسديد ديونهم السابقة، ليتحمّلوا ديوناً مرّة أخرى.
من باب الوظيفة الشرعية، دعوت لهم جميعاً، في صلواتي، وأدعو لهم، وأفخر بهذا العمل، وأعدّه فضيلة لي، فالإمام المعصوم صلوات الله عليه، كان في سجوده يبكي ويدعو للزائرين الحسينيين ولمقيمي الأربعين الحسيني، وهذا العمل من الإمام المعصوم صلوات الله عليه هو حجّة علينا ولنا. ولذا، فإنّ دعائي لهم، أعدّه وظيفة شرعية عليَّ. وإن شاء الله، يقوم بالدعاء للزائرين الحسينيين ولمقيمي الأربعين الحسيني، ويعمل على إعانتهم، كل من يسمع كلامي، أو سيسمع كلامي بعدها، ليزيد من رفعة مقامه.
إنّ الاستدانة والقرض في هذا السبيل، ليس أمراً غير محمود، بل هو فضيلة وجديرة بالفخر والتقدير. وعلماً أنّه، علينا أن نسعى إلى إعانة من استدان لأجل إحياء شعيرة الأربعين، لكي يسدّد ديونه، وإذا لم يتيسّر هذا الأمر، أحياناً، إلاّ بالاستدانة والقرض، فلا نتردّد في هذا العمل. فإحياء الشعائر الحسينية، يوجب الخلود والفخر، في الدنيا والآخرة. ولذا علينا، بالتتبع والاستفسار، أن نهب إلى مساعدة، كل من تعرّض للمشاكل وابتلي بها من الناحية السياسية والاقتصادية والعائلية، وأن نسعى لرفعة مقامنا عند الله عزّ وجلّ أكثر وأكثر.
تبعات منع الزيارة الحسينية
الويل لكل من عرقل الزيارة الأربعينية الحسينية المقدّسة، بأي نحو كان. وبهذا الصدد توجد رواية، حقّاً تزلزل النفس عند سماعها، وهي رواية معتبرة من حيث السند، وتبيّن لنا مدى غفلة البشر عن أمور عظيمة، وكم هي تعاسة أن يحرم الإنسان نفسه منها.
بعنوان مقدّمة لبيان الرواية، أقول: لا شكّ انّ زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه هي أفضل من الحجّ. ولا يمكن لأي مسلم، سواء كان شيعياً أو من العامّة، أن يستشكل على هذا المطلب، لأنّ ذلك قد ورد في روايات الخاصّة والعامّة، ولا مجال فيه للشبهة ولا مكان فيه للشكّ. وإذا أردنا أن نجمع الروايات في هذا الخصوص، من الخاصّة والعامّة، فستكون كتاباً كاملاً، خاصّة إذا قام به أحد الفضلاء وأحد أهل العلم، ويزيد من فائدة الكتاب بشرحه للروايات.
الحجّ فريضة، وهي واجبة بمكانها ولا يوجد بحث في هذا الخصوص. وأما زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه، فقد قال عنها العلماء بأنّها كالحجّ، تجب مرّة بالسنة، سوى المرحوم العلاّمة المجلسي ووالده. وقال باقي العلماء بشكل عام باستحبابها. والمشهور من علماء الشيعة أنّهم قالوا بالاستحباب المؤكّد لزيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه، وهو مستحبّ بلا نظير في باقي المستحبّات وله المقام الأعلى.
يليق بك المرض!
الرواية هي عن اسحاق بن عمّار، أحد ثقات أصحاب مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه. ويعمل بروايات إسحاق الألوف من فقهاء الشيعة، من الشيخ المفيد والشيخ الطوسي، وإلى فقهاء اليوم. وقد نقل إسحاق للإمام الصادق صلوات الله عليه، وقال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) إِنَّ رَجُلًا اسْتَشَارَنِي فِي الْحَجِّ وَكَانَ ضَعِيفَ الْحَالِ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَحُجَّ؟ فَقَالَ (عليه السلام): مَا أَخْلَقَكَ أَنْ تَمْرَضَ سَنَةً.
إنّ الراوي وهو اسحاق بن عمّار، قد قال لشخص ضعيف الجسم والبنية بأن لا يذهب للحجّ المستحبّ وقال له بأنّك معذور، أي رأى بوجهة نظره عدم لزوم ذهاب ذلك الشخص للحجّ. وهذا الكلام الذي كان استنتاج الشخص الراوي، كان نصيبه الرفض عندما طرحه بين يدي الإمام الصادق صلوات الله عليه. فإعطاء وجهة النظر حول الأحكام الإلهية المتعالية، عمل صعب وخطير جدّاً، وله تبعات في الآخرة أيضاً، وليس في دار الدنيا فقط. وقد بيّن جواب الإمام الصادق صلوات الله عليه لإسحاق خطأ عمله. وقد قلّ نظير مثل هذا البيان، أو لا نظير له في الألوف من الروايات عن الإمام الصادق صلوات الله عليه وعن آبائه وأبنائه المعصومين صلوات الله عليهم.
إنّ الإمام الصادق صلوات الله عليه لم يقل لإسحاق بأنّك قد أتيت بعمل غير جيّد، بل قال له «مَا أَخْلَقَكَ أَنْ تَمْرَضَ سَنَةً». وهذا ما حدث ووقع. فقد تمرّض اسحاق لمدّة سنة، ولم ينفع معه أيّ علاج خلال سنة كاملة.
كان الراوي المذكور من الأصحاب المعروفين للإمام الصادق صلوات الله عليه، وقد نقل عن الإمام المئات من المسائل الشرعية الموجودة اليوم بين أيدينا. ولكن لأنّه منع ذلك الشخص من الذهاب إلى الحجّ المستحبّ، تمرّض لمدّة سنة. وطوبى للذين يرون جزاء عملهم غير الصحيح في الدنيا، ولا يوكل جزاءهم إلى يوم الآخرة.
المتوكّل والمخالفين للزيارة الحسينية
إذا كان النهي عن الحجّ له مثل تلك العقوبة، فالويل لمن يمنع زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه. والويل لمن يعرقل الزيارة الحسينية. فأين هم أمثال هارون والمتوكّل الذين منعوا الناس من زيارة المرقد الطاهر للإمام الحسين صلوات الله عليه؟ وأين هارون الذي كان يخاطب السحاب بقوله: أمطري حيث شئت فخراجك لي. وأين هو الآن مثل هذا الطاغية اللئيم العنيد الذي لم ير التاريخ مثله سوى القليل؟
إنّ معظم قبور خلفاء بني العباس مجهولة. ولكن من بينهم، يوجد قبر لهارون، خلف المرقد الطاهر لمولانا الإمام الرضا صلوات الله عليه. علماً أنّ كل من يذهب لزيارة الإمام الرضا صلوات الله عليه، إذا تذكّر مكان قبر هارون يلعنه بصوت عال، ويردّد بعده من حوله من الزائرين بقولهم: اللهم العنه أكثر. وهذا هو حقّه. فهارون منع الكثير من الناس عن زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه، وضربهم وسجنهم، بل وقتل بعضهم. ونقل التاريخ أنّ هارون بنفسه وبيده كان يضرب الزائرين الحسينيين بالسياط.
الخليفة العباسي الآخر هو المتوكّل، وله تاريخ أسود في محاربته للزائرين الحسينيين. وقد وصفه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه بأنّه أكفر خلفاء بني العباس. وقد قال الإمام صلوات الله عليه ذلك الكلام في زمن لم يكن فيه المتوكّل بالدنيا بعد. وقد احتفظ التاريخ بالكثير من الوقائع عن ظلم المتوكّل للزائرين الحسينيين وتعريضهم للأذى، ومحاربته لمقيمي العزاء على الإمام الحسين صلوات الله عليه. وبهذا الخصوص، أذكر بعض ظلم المتوكّل للزائرين الحسينيين وهي موجود في كتب التاريخ.
من جرائم المتوكّل العباسي
لقد كانت أصعب الأيّام على الزائرين الحسينيين في التاريخ هي بزمن حكم المتوكّل العباسي. فالمتوكّل الجائر حكم سنين طويلة، ورأى فيها زائري الإمام الحسين صلوات الله عليه صعوبات ومشقّات كثيرة. ولكن كان الظالمون ينشغلون ببعضهم في سنتين أو ثلاث سنوات، كانشغالهم بالنزاع والتقاتل حول عرش الحكم. وكانت هذه الفترة تطول لسنتين أو ثلاث، وكانت خير فرصة لزائري الإمام الحسين صلوات الله عليه ومحبّيه لكي يظهروا مودّتهم وحبّهم للإمام، فكانوا يتهاتفون على زيارة مرقده الطاهر من كل الأطراف، وكانوا يبنون على المرقد بناء، ويبنون لهم بيوتاً حوله، وبسبب تلك الأوضاع كان أعداد الناس تتزايد للسكن بجنب وقرب المرقد الطاهر. فأحدهم كان يبني بيتاً، والآخر يبيع، والثالث يؤجر. وكان بعضهم يضع الغرف والبيوت بشكل مجاني باختيار الزائرين الحسينيين، وعلى هذا المنوال تشكّلت مجموعة من المدن أو الأحياء الصغيرة أطراف مرقد الإمام الحسين صلوات الله عليه. ولكن، بعد فترة كان المتوكّل وغيره من خلفاء بني العباس، ينتبهون لما جرى، فكانوا يأمرون أعوانهم وجلاوزتهم بأن يذهبوا إلى كربلاء ويخربوا كل الأبنية التي بنيت أطراف المرقد الطاهر، ويعملوا القتل والظلم بسكانها.
ذكر التاريخ عن المتوكّل أنّه ولمرّات عديدة قد أمر رئيس شرطته بذلك الفعل، فكان الأخير يجمع قوّاته ويقصد كربلاء، ويرى الكثير من الناس قد بنوا البيوت والأسواق وسكنوا كربلاء، فكان يأمر قوّاته فوراً بتنفيذ حكم القتل بحقّ كل من يبقى أطراف المرقد الطاهر. فذات مرّة جاء مأمور المتوكّل إلى كربلاء وأعلن بالقتل، فتقرّب إليه أحد محبّي الإمام الحسين صلوات الله عليه، وقال له: لا نترك هذا المكان، حتى إن قتلتنا، ولكن اعلم انّك لو قتلتنا، فسيأتي غيرنا، ولا يدعوا هذا المكان خالياً من الناس والسكنى. فاضطرّ مأمور المتوكّل، إثر ما سمعه ورآه من صلابة ذلك الشخص، أن يوصل الخبر إلى المتوكّل، ويبيّن له ما جرى. وحينما وصل الخبر للمتوكّل، كان الأخير منشغلاً بمشاكل، فقال: حالياً، دعوهم واتركوهم، لكي أتفرّغ للمشاكل الأخرى، على أن أرجع للبت في أمرهم بعدها.
السجن العباسي المرعب
مرّة أخرى بعث المتوكّل أحد جلاوزته إلى كربلاء لكي يأتيه بأخبارها، فواجه مبعوثه الكثير من الزائرين، ولكن لم يعدهم بالقتل، بل قال فيهم بصوت عال: كل من يبقى هنا سيكون عقابه (المطبق)، أي سجن المطبق. وكان هذا السجن نوعاً خاصّاً من أنواع العقاب والتعذيب في النظام العباسي، وكتب عنه بشكل مفصّل العلاّمة المجلسي في موسوعة بحار الأنوار وكذلك في كتب التاريخ عند العامّة مع جزئياته. ويقال أنّ مؤسسه هو المنصور العباسي، واستمر عليه من بعده المتوكّل ومن تلاها.
هذا السجن (المطبق) هي حفرة كبيرة المساحة، وحفروها وسط الصحراء البعيدة، وبنوا في أطراف جدران السجن الأربعة، وبفواصل بضعة أمتار، زنزانات صغيرة جدّاً، كانت بأسقف ناصية بشكل كان السجين لا يمكنه أن يجلس فيها، ودقوا في كل زنزانة مسماراً بالأرض ليربطوا بها الأغلال التي غلّوا بها السجين.
بلى، كانوا يجعلون زائر الإمام الحسين صلوات الله عليه في هكذا زنزانات، وبعض الأوقات يعطونه مقداراً من الماء والخبز حتى لا يموت سريعاً، فكانوا بهذا التعامل يعذّبون السجين بحيث يضعف جسمه إلى أن يموت.
العجيب هو أنّ ابن العربي يمدح المتوكّل ويعلّي بشأنه من حاكم كسائر الحكّام الذين تربّعوا على كرسي الخلافة إلى أنّه بمقام وبمرتبة النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله! ومنصوب من قبل الله تعالى!
حقّاً، من هم هؤلاء، أي أمثال المتوكّل، بحيث تراهم هكذا قساة وبلا رحمة؟!
لقد وصف الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، المتوكّل بأنّه أكفر الخلفاء، وقد سبق وفاق غيره في تعذيب زائري الإمام الحسين صلوات الله عليه وإلحاق الأذى بهم. فما كتبه التاريخ عنه، أنّه في المرّة الأولى التي بعث فيها المتوكّل مبعوثه إلى كربلاء وصاح بالناس انّه من يبقى يُقتل، لم يترك الكثير من الناس كربلاء ولم يرحلوا عنها واستعدّوا للموت بجوار مولاهم الحسين صلوات الله عليه، ولكن في المرّات التالية وحينما وعد وهدّد مبعوث المتوكّل بسجن المطبق، رحل الناس كلّهم عن كربلاء فوراً ولم يبق حتى شخص واحد منهم. وهذا يدلّ على مدى فظاعة التعذيب والآلام في سجن المطبق.
لا أثر لهم
لو فتّشت في الآثار عن أثر لأولئك الخلفاء فلا تجد لهم أي قبر ولا أي أثر، فقبورهم اليوم ليست إلاّ خرابة. فبمسافة ثلاثة كيلو مترات أو أقلّ، عن الروضة العسكرية الطاهرة للإمامين الهادي والعسكري صلوات الله عليهما، أي في الصحراء بصوب أثر (الملوية)، توجد منطقة يابسة وجافّة وبائرة، وتسمّى بالخلفاء، وفيها قبور ستة من خلفاء بني العباس، ولهذا السبب سمّيت بأرض الخلفاء، ومن اولئك الستة هو المتوكّل. فهذه القطعة من الأرض، صحراء يابسة ولا يوجد فيها حتى آجرة واحدة، وفيها قبور متروكة ومهملة، لا يزورها حتى شخص واحد. وكانت هذه القطعة في مركز مدينة سامراء، أي زمن بني العباس، وزمن حكمهم، ولكن خلت اليوم حتى من أثر قليل ومن مزار صغير.
لا للنهي عن زيارة الإمام الحسين عليه السلام
إنّه من الغبن، أن منعت الكثير من دول العالم في السنة الجارية، الناس من زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه في مناسبة الأربعين. علماً أنّ بعض تلك الدول هي غير إسلامية ولا يُشكل عليها كثيراً، ولكن ما هو غير المتوقّع ما تفعله الدول الإسلامية. فهل إنّ الله سبحانه وتعالى قد منحهم الولاية على الناس حتى يمنعونهم من زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه؟
في بعض الأزمنة، وخصوصاً زمن الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، كان الظالمون يقطعون أيدي وأرجل من يذهب لزيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه. وحقّاً إنّه لمنظر مؤلم أن تشاهد شخصاً يقدّم يده لكي يقطعوها بالسيف أو بالساطور حتى يسمح له بالذهاب لزيارة الإمام سيّد الشهداء صلوات الله عليه. ومع كل هذه الصعوبات، لم يمنع الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، الشيعة عن الذهاب للزيارة أبداً، بل ورغم الصعوبات والأخطار التي كانت تتضمن الزيارة، كان الأئمة صلوات الله عليهم يشجّعون الناس على الزيارة.
عقاب من يمنع الزيارة
ففي زمن المتوكّل، قال مولانا الإمام الهادي صلوات الله عليه: (يا أبا هاشم ابعث رجلاً من موالينا إلى الحير ـ الحائر الحسيني ـ يدعو الله لي). وكانت الزيارة حينها أمراً صعباً وشاقّاً بل تحيطها الأخطار. فهل إنّ الإمام الهادي صلوات الله عليه لم يك يعلم بتلك الأخطار؟ والجواب، ولا شكّ،: كلا. فالإمام صلوات الله عليه كان على علم بما يجري بزمانه وبما تحيط الزيارة من أخطار، ولكن زيارة الإمام الحسين صلوات الله عليه هي استنثناء. وهذا الاستثناء موجود في الشعائر الحسينية كلّها، وبما يرتبط بالقضية الحسينية أيضاً. ولذا لا يمكن بسهولة أن نمنع الناس عن الذهاب إلى الزيارة الحسينية. فهم (أي الحكومات) وعوض أن يسهّلوا الزيارة، بأن يعينوا ويساعدوا ضعاف المال، مثلاً، تراهم يسدّون الطريق على الناس! فالويل لهم، والويل لكل واحد منهم! فإذا أراد الله تعالى أن يرحمهم يجعل عذابهم في الدنيا، ولكن إن يؤخّر عذابهم إلى يوم الآخرة، فالله العالم ماذا سيجري بهم وعليهم، حيث لا انتهاء ولا نهاية للآخرة. فلقد قال مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه لإسحاق بن عمّار الذين كان من الثقاة وأعطى وجهة نظره لشخص كان ضعيف الجسم بأن لا يذهب إلى الحجّ المستحبّ: مَا أَخْلَقَكَ أَنْ تَمْرَضَ سَنَةً. أي ترى الجزاء في الدنيا أفضل من أن تراه بالآخرة. وقال إسحاق: فمرضت سنة.
ضرورة التعريف بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله
اسعوا إلى أن توصلوا للدنيا مثل تلك الأمور. فقد أكّد مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله في وصاياه الشريفة على ذلك. ففي خطبة الغدير الشريفة قال ولمرّات عديدة (فليبلّغ). واللام في (فليبلّغ) هي لام الأمر. وتبليغ مثل تلك الأمور من أوامر الدين ويجب الطاعة. فمن الوسائل المتوفّرة اليوم في أيدي الكثير منّا، هو جهاز الهاتف المحمول، ويمكن عبره تبليغ حقائق الدين وأحكامه للناس، من مسلمين وغير مسلمين. ويجب أن نعدّها مسؤولية وأن نشعر أنفسنا بهذه المسؤولية. وأنا أشكر جميع الذين خدموا في سبيل شعيرة الأربعين الحسيني المقدّس، وبالخصوص الذين عرّفوا الأربعين الحسيني المقدّس للعالمين عبر القنوات الفضائية، فالتبليغ في هذا السبيل مهمّ جدّاً وذات أهميّة خاصّة.
لقد قضى النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله، ثلاثة عشر سنة من سنين تبليغه للرسالة في مكّة المكرّمة، وكانت تلك السنين محفوفة بالصعوبات والمشاكل، ولكنه صلى الله عليه وآله لم يترك تبليغ شريعة الإسلام. ومن المصادر الجيّدة التي تذكر حياة النبيّ صلى الله عليه وآله والمشاكل الكثيرة التي تعرّض لها هي موسوعة بحار الأنوار في الأجزاء 14 إلى 22. ففي السنين التي قضاها مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله خارج مكّة المكّرمة، أي في المنفى، كان صلى الله عليه وآله يسعى كثيراً إلى الرجوع لمكّة، مع أنّ المشركين كانوا قد هدّدوه بالقتل إذا رجع إليها. وقام صلى الله عليه وآله، بهذا الخصوص، بإرسال رسائل كثيرة إلى كبار القبائل بمكّة، دعاهم فيها إلى أن يدعوه للقدوم إلى مكّة ويعلنوا حمايته حتى لا يتعرّض له أحد.
كان ذلك العمل من رسول الله صلى الله عليه وآله لأجل تبليغ الرسالة بين القبائل العربية. فعند حضوره في مكّة، كان صلى الله عليه وآله، يذهب إلى مختلف القبائل ويبلّغهم الرسالة. وفي إحداها ذهب النبيّ صلى الله عليه وآله إلى قرابة ثلاثة عشر أو سبعة عشر قبيلة، ودعاهم إلى الإسلام، ولكنهم لم يقبلوا دعوته. ولو كنّا بمكان النبيّ صلى الله عليه وآله، في هكذا مواقف، ربما لتركنا العمل التبليغي، وقلنا مع أنفسنا: هذا العمل لا يؤثّر عليهم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ييأس أبداً، وواصل العمل بمسؤوليته الموكلة إليه من الله تعالى، بتوكلّه على الله عزّ وجلّ.
ضرورة الاقتداء بالنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله
ألم يأمرنا القرآن الكريم بقوله تعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»؟ ولذا علينا أن نقتدي بالنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله ونتبعه في تبليغ شريعة الإسلام وأحكامه، بأن نشمّر عن سواعدنا ونهتمّ بهذا العمل، ونشجّع الآخرين عليه أيضاً. فيجب علينا أن نبلّغ كل ما وصلنا من أهل البيت صلوات الله عليهم، سواء من الأمور المستحسنة التي يجب العمل بها، ومن الأمور المنبوذة التي نهى أهل البيت صلوات الله عليهم عنها، وأن ننشرها عالمياً. ويوجد بهذا الخصوص الكثير من القصص والروايات، وهي مفيدة ونافعة لتحصيل المقصود.
أنا أشكر كل الذين مارسوا التبليغ، بالخصوص أصحاب القنوات الفضائية الشيعية والقنوات السليمة التي مارست التبليغ وبيّنت ثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم، سواء في قضايا التولّي أو التبرّي، وأعرب عن تقديري لهم كافّة. ومن الجدير بنا جميعاً أن نؤيّدهم كلّهم حتى بقولنا (نعم). ولا شكّ أنّ الله تعالى سيجازينا على ثواب تشجيعنا لهم. وقد ذكرت الروايات الشريفة كثيراً أنّ كل صغيرة وكبيرة من أعمال الإنسان محفوظة الأجر والثواب عند الله عزّ وجلّ. فإسحاق بن عمّار مع جلاله، ومقام احترامه عند الإمام الصادق صلوات الله عليه، تراه تعرّض لألم وصعوبة كبيرة بسبب قوله كلمّة واحدة (لا تذهب للحجّ). وهذا يدلّ على مدى التأثير الكبير حتى لكلمة واحدة، في مصير الإنسان، وأنّ لها العقاب أو الثواب في عالم الآخرة. فمثل هذه الأمور يجدر نشرها وتبليغها.
تأكيد للشباب
إنّ كل ما هو موجود بين أيدينا من المؤلّفات والكتب وكل ما قالوه حول سيرة وتعامل مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو لقليل وقليل، وكذلك حول تعاليمه صلى الله عليه وآله. فعلى الشباب الأعزّاء أن يهتمّوا كثيراً لمعرفة تلك التعاليم، وبالخصوص تاريخ النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله، ولو بمطالعة كتاب مختصر، أو مطالعة بسيطة عن سيرته صلى الله عليه وآله.
يوجد اليوم بين أيدينا الكثير من الكتب الجيّدة بخصوص تاريخ وسيرة مولانا النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله، وكذلك حول تعاليمه، بحيث لو قرأ أحدنا، حتى بنسبة واحد بالألف منها، سيحصل على معلومات كثيرة عنه صلى الله عليه وآله ويزداد وعياً، وهذا مفيد ونافع جدّاً لإرشاد نفسه والآخرين. ومنها كتاب (كحل البصر في سيرة سيّد البشر) لمؤلّفه المرحوم الشيخ عباس القمّي رضوان الله تعالى عليه. وكذلك كتاب (منتهى الآمال) في الجزء الذي كتب فيه عن النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله، فهو خير مصدر ومفيد. فيجدر، بهذا الخصوص، المطالعة، ثم العمل على نشره وتعريفه، عبر الوسائل والأساليب الموجودة اليوم، كالصحف، والإذاعات، وقنوات التلفاز والقنوات الفضائية، وحتى عبر جهاز المحمول (موبايل) والعالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي. فيوجد اليوم في العالم، نسبة من الحرية، فيجب اغتنام هذه الفرص، وهذه مسؤولية على جميع المسلمين، رجالاً ونساء.
الجميل والقبيح في الإسلام
تتحدّث الآية الكريمة التي صدّرنا بها الكلام، وهو قوله تعالى: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ»، حول كل ما هو جيّد وحسن، وحول كل ما هو قبيح وغير جيّد وسيّئ. فالجيّد والحسن مطلوب وهو المراد في كل جوانب الحياة، حتى في علاقات الناس بعضهم مع بعض، فعليهم أن يراعوا الأمور الطيّبة والحسنة. أي المرأة مع زوجها، والزوج مع زوجته، والتلميذ والطالب مع معلّمه وأستاذه، والمعلّم والأستاذ مع تلامذته وطلبته، والبائع مع الكاسب، والكاسب مع البائع، والأب والأمّ مع أبنهائهما، والأبناء مع آبائهم وأمّهاتهم، وحتى الحاكم مع شعبه، والشعب مع الحاكم، وغيرها من المراعات اللازمة، أي معرفة الطيّبات وتمييزها من بين المسيئات أو السيّئات واجتنابها، وبناء أساس التعامل وجعله على الطيّب والنظيف.
في هذا المجال، أشير إلى بعض النماذج من تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله في تعامله بالطيّبات وتركه للخبائث، في حياته صلى الله عليه وآله السياسية والاجتماعية. فرسول الله صلى الله عليه وآله أسّس الحكومة الإسلامية في المدينة المنوّرة وقام بإدارتها لمدّة عشر سنوات. وواجه صلى الله عليه وآله خلال تلك السنين، أنواع المشاكل من قبل المنافقين الذين كانوا بداخل المجتمع الإسلامي ومن المشركين ومن أهل الكتاب. وكانت تلك المشاكل كثيرة في التاريخ السياسي والحكومي لرسول الله صلى الله عليه وآله، بحيث لا يمكن أن نتصوّر أنّ حكومة من الحكومات في التاريخ قد واجهت مثل ما واجهته حكومة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله من مشاكل. ففي العشر سنوات لحكومته، واجه النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله أكثر من ثمانين حرب ومعركة.
سبب الانتحار
آخر حرب خاضها النبيّ صلى الله عليه وآله هي فتح مكّة وفيها استسلم المشركون بلا حرب. وفي أكثر الحروب، بشكل عام، كان المنافقون في داخل الحكومة الإسلامية يتجسّسون لصالح المشركين وأعداء رسول الله صلى الله عليه وآله، ويثيرون فتنة الحرب. وكل هذه الوقائع مسجّلة في كتب التاريخ.
ما أريد أن أركّز عليه هي في العشر سنوات من حكومة النبي صلى الله عليه وآله، مع كل المشاكل التي واجهتها، لم يكتب حتى مؤرّخ واحد أنّ أحداً مات بسبب شدّة الجوع خلال وفي حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله. أليست هذه هي الكفاءة الاقتصادية؟ فأين بالعالم، الإسلامي وغير الإسلامي، تجد فيه حكومة بظروف حكومة النبي صلى الله عليه وآله، فيها الكفاءة الاقتصادية؟ أنا شخصياً وخلال مطالعاتي لم أجد مثلها. وأما في عالم اليوم، وحتى في الدول المتقدّمة والمتطوّرة، ترى الكثير من الأفراد ينتحرون بسبب الفقر والمشاكل الاقتصادية. فكيف يتبجّحون بالكفاءة الاقتصادية مع هذه الظواهر غير المرضية الموجودة عندهم؟! بل هي نوع من التعاسة والنكبة الاقتصادية، حيث وبسبب آلام المشاكل الاقتصادية يقوم بعض الناس بالانتحار.
بسبب تقصير الحكّام والعلماء
جزء من تلك المشاكل والنكبات، بسبب تقصير الذين بإمكانهم أن يبلّغوا أحكام الإسلام، ويبلّغوا تعامل وسيرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله للدنيا، ولكنهم لم يقوموا بذلك. والكثير من ذلك بسبب شقاء الناس أنفسهم، ويقول القرآن الكريم: «بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ». ولكن الذي يطرح للسؤال هو: لماذا يستمرّ أصحاب الحكومات الجديدة على النهج نفسه للحكومات التي سبقتها وحكمت الناس ولسنوات معدودة بالسوء والظلم؟ ألم يروا عاقبتهم السوء، والمصير الأسود؟ فلماذا يستمرّون على نهجهم نفسه؟ وهل الحكومات السابقة قد أوصت الحكومات التالية بأن تسير على نهجها نفسه؟ فلقد أوصى القرآن الكريم بالجيّد والحسن، بقوله عزّ من قائل: «وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ». فهل هؤلاء (الحكومات الماضية والقادمة) قد عملوا بالعكس، وأوصوا بعضهم بعضاً بالفساد والإفساد والظلم؟ بل الواقع إنّهم كلّهم من الصنف نفسه، فهم حكومات طاغية، «بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ». وهؤلاء بأجمعهم، قد سلكوا ما يغاير سيرة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله. وعلى سبيل المثال: يعتبر الاختطاف اليوم بالعالم من الجرائم الفضيعة، ولكننا نسمع بين حين وآخر عن هذا الفعل ونقرأ عنه في صحف الدنيا. فهل كان مثل هذه الحالات (الانتحار وغيرها) في حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فجميع تلك القضايا ترجع إلى الكفاءة الاقتصادية في حكومة النبي صلى الله عليه وآله. وهكذا كان الأمر في حكومة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، أي سالبة من السيئ وغير الجيّد وما شابههما.
الحكومة النظيفة
أشير إلى نماذج من المحاسن في حكومة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ففي زمن خلافة الإمام، واجه معاوية قضية ترتبط بالعفّة والشرف في الشام، ولم يك يعلم أو يعرف حلّها، لا هو ولا غيره ممن هم في الشام. فكتب مشكلة القضية، وأرسلها بيد شخص غير معروف إلى الإمام حتى يحصل على حلّها من الإمام، وأوصاه بأن لا يقول هي من معاوية. فجاء الشخص إلى الإمام وسأله وأجابه الإمام. وبما أنّ القضية كانت ذات صلّة بالعفّة والشرف، قال له الإمام صلوات الله عليه: أين هذا الشخص المبتلى بهذه القضية؟ فهذا ليس بأرضي.
لقد كانت رقعة الأرض التي يحكمها الإمام علي صلوات الله عليه كبيرة وواسعة، بحيث امتدّت من الشرق من أبعد من إيران وبلاد فارس، ومن الغرب إلى عمق أوروبا وأفريقيا، سوى الشام التي كانت بيد معاوية العاصي للإمام والمتمرّد. وفي هذه الرقعة الكبيرة من الأرض، يقول الإمام صلوات الله عليه بكل ثقّة واطمئنان أنّه (ليس بأرضي) أي مثل هذه القضية بخصوص عدم العفّة. وهذا لا نظير له في الحكومات البشرية، لا في الماضي ولا في الحاضر، ولا شكّ هي نتيجة الكفاءة الاقتصادية لحكومة الإمام عليّ صلوات الله عليه.
منتهى النبل
لقد تعرّض النبي الكريم صلى الله عليه وآله لحروب كثيرة في زمن حكومته بالمدينة المنوّرة، ولم يسمح لأصحابه أبداً بأن يمنعوا عن العدو حتى قطرة واحدة من الماء، في حين إنّ الأعداء قد منعوا الماء عن النبيّ صلى الله عليه وآله في ساحات القتال. ففي إحدى الحروب، طلب الأصحاب من النبيّ صلى الله عليه وآله أن يجفّفوا عين الماء لكي يمنعوا الماء عن الأعداء حتى يضطرّوا للاستسلام. فلم يسمح النبي صلى الله عليه وآله بذلك، ورغم إصرار الأصحاب وقولهم أنّه بهذا العمل سيجعل عدد القتلى أقلّ، وسيكون النصر سريعاً، ولكن النبيّ صلى الله عليه وآله رفض ولم يقبل.
كذلك في واقعة صفين، وقبل بدء الحرب، تسلّط جيش معاوية على الماء ومنعه عن جيش الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. فأمر الإمام أفراد جيشه بأن يقتحموا المشرعة ويتسلّطوا على الماء، ففعلوا، وأبعدوا جيش معاوية عن الماء. فعمّ الرعب والوحشة بين جيش معاوية، لأنّهم ظنّوا أنّ الماء سيمنع عنهم لأنّهم قد منعوا الماء عن جيش الإمام، وأنّهم سوف يضعفون بسبب فقدان الماء، وبالتالي يكون نصيبهم الانكسار في الحرب. فوصل خبر ذلك لمعاوية وعمرو بن العاص. والعجيب أنّهما قالا: إنّ علياً صلوات الله عليه لا يمنع الماء عنّا! ولهذا السبب يُعدّ معاوية من أهل التابوت، لأنّه كان يعلم ويعرف الحقّ والحقيقة لكنّه جحد بهما، كما يقول القرآن الكريم: «يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا».
إذن، أليس هذا الأمر من الكفاءة الإنسانية، والجدارة الأخلاقية؟ وكم هي نسبة إسلامنا مع الإسلام الذي عمل به مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله في سيرته العملية؟ وكم هي نسبة العمل بسنّة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسيرته في الدول الإسلامية؟ والواقع أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله بنفسه قد قال حول أوضاع آخر الزمان: «لاَ يَبْقَى مِنَ اَلْإِسْلاَمِ إِلاَّ اِسْمُهُ».
قسّ مستبصر يبلّغ لأهل البيت عليهم السلام
تحظى مثل هذه الأمور، من سيرة النبيّ الكريم والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما، بأهمية ومقام خاصّين في الدين، ولذا فإنّ نشرها وتبليغها مسؤولية عامّة وعلى عاتق الجميع. وبهذا الخصوص، أكرّر ما ذكرته سابقاً، عن نموذج من عمل موفّق وجيّد وحسن لأحد مبلّغي الإسلام، حتى نتعلّم.
قبل قرابة مئتين سنة، وفي مدينة أرومية الإيرانية، عاش قسّ مسيحي، وكان صاحب استعداد وذكاء في أعماله، بحيث ذاع صيته حينها في كل إيران. وهذا الشخص صار قسيساً بعمر الثانية عشر من عمره، ونمى وازداد وعياً بسرعة حتى نال بعد عدّة سنوات مقاماً عالياً في الكنيسة. وكانت كنيسة أرومية تقود باقي الكنائس في إيران. وذات مرّة التقى بهذا الشخص عدد من الشباب الشيعة في أرومية وجلسوا معه عدّة جلسات وتباحثوا فيها عقائدهم وناقشوها وتبادلوا حولها وجهات النظر، فاهتدى إثرها القسّ المسيحي وجعل اسمه محمّد صادق. وسمّى اسمه محمّداً لأنّه صار من المسلمين، واسم صادق لأنّه استبصر بنور أهل البيت صلوات الله عليهم.
ثم قام هذا القس المستبصر بدراسة العلوم الإسلامية وتعاليم أهل البيت صلوات الله عليهم، وشمّر عن ساعديه وقام يمارس التبليغ، وطاف لأجل التبليغ العديد من مختلف المدن الإيرانية. وقد عاصر القس، صاحب الجواهر، والمرحوم كاشف الغطاء، أي كان قبل الشيخ الأنصاري والميرزا الشيرازي. وبخطاباته في مختلف المدن الإيرانية استطاع أن يحوّل الألوف من المسيحيين ويجعلهم من المسلمين الشيعة. ومن إحدى مؤلّفاته المعروفة (بيان الحقّ) في عشرة مجلّدات، وقد طبع منها مجلّدين. وقد عثرت على مجلّد واحد منه في زمن أخي الراحل وأتيت به إليه. ويتطرّق المجلّد الرابع من مؤلّفه حول نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله. وقد ذكر هذا المسيحي المستبصر، معاجز النبي الكريم صلى الله عليه وآله نقلاً من الكتب القديمة والخطيّة للنصارى واليهود، التي لا توجد في كتب الحديث والتاريخ الإسلامية، فلا تجدها حتى في موسوعة بحار الأنوار. والمجلّد الرابع من كتابه، طبعة حجرية، ويرجع زمنها إلى قبل مئة وخمسين سنة. وإذا أرادوا أن يحقّقوا هذا الكتاب ويبوّبوه ويطبعوه سيكون في عشرة مجلّدات، علماً أنّ ثمانية أجزاء من الكتاب الأصلي مفقودة، ولا يعلم مصيرها، هل هي ضائعة أم لا، أم تعرّضت للحريق أو تلفت. وكثيراً ما ترى نسخة من كتاب قديم وقيّم وثمين في زوايا المكتبات في إحدى دول العالم، ولا دراية لأهل العلم وأصحاب التحقيق بها وعنها. فأنا شخصياً، ذات مرّة، وخلال قراءتي لفهرس كتب إحدى المكتبات في دولة أجنبية رأيت كتاباً خطيّاً للعلاّمة الحلّي، وكنّا لا نعرف به إلى ذلك الحين. فكيف وصل كتاب العلاّمة الحلّي قدّس سرّه إلى تلك المكتبة؟ لعلّه تم خطفه، أو جرى بيعه من أحد المسلمين وبثمن بخس إلى الأجانب وهو لا يعرف قدر الكتاب وقيمته. فيجدر بالشباب المؤمنين أن يسعوا إلى البحث عن باقي مجلّدات الكتاب القيّم (بيان الحقّ)، وأن يدقّقوا في فهارس المكتبات في أرجاء العالم، كما سعى عدد من الشباب المسلمين الغيارى وحوّلوا صاحب الكتاب المذكور، أي القس المسيحي، إلى الإسلام والتشيّع. فمن الحسن أن يسعوا إلى العثور على آثار هذا العالم الجليل ويخرجوا مؤلّفاته إلى النور.
النبيّ الأكثر مظلوماً بزماننا
لعل بعضنا يتردّد في ضرورة ووجوب القيام بمثل تلك الأعمال. لكن تبليغ سيرة النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وتعريف شخصيته وسيرته إلى البشرية ونشرها عالمياً، ليس بالمستحبّ، بل واجب، ولكنه كفائي. وطالما لا يوجد من فيه الكفاية، وطالما يجهل الكثير من الناس في العالم، نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ولا يعرفونه، فهذا العمل واجب عيني على الجميع، إلاّ من لم يقدر على هذا العمل بسبب ضعف قدرته وقلّة استطاعته. فمثلاً في تزاحم الواجبات العينية، يسقط هذا الواجب عن شخص ما. وإلاّ، فعلى الجميع، وبالأخص الشباب المؤمنين، بنين وبنات، في كل العالم، عليهم أن يهتمّوا كثيراً إلى تعلّم ومعرفة مثل تلك المطالب ويعملوا بها، وبعدها يبلّغونها في الدنيا كلّها.
يمكن اليوم القول بكل جرأة، أنّه في عالمنا الحالي، لا مظلوم أكثر من نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين. فحسب تتبعي أنا شخصياً، يوجد الكثير من القنوات الفضائية التي تعمل، ليل نهار، على بثّ الأكاذيب والتهم وإلصاقها بشخصية ومقام مولانا النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وتنسبها إليه. وتدار هذه القنوات بميزانيات ضخمة وتكاليف باهضة، وليس لها مهام أو وظائف إلاّ نشر الأكاذيب وإنسابها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وما شابهها. وبعض الأوقات تنسب تلك القنوات، أكاذيب إلى شخصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، يخجل اللسان من قولها، بل وسماعها يؤلم قلب كل مسلم ومؤمن.
إضافة إلى القنوات التي ليست بقليلة، ولعلّه أكثر من مئة قناة، هناك الكثير من الصحف والمطبوعات في العالم، تمارس الأسلوب نفسه، بإلصاق التهم والافتراءات بشخصية النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم. فما يبعث على الأسى، أنّه قبل فترة، قام ناصبي في إحدى الدول الإسلامية المجاورة، بتوجيه إهانة إلى مقام مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، حيث نسب بعض الأكاذيب بحقّ الإمام صلوات الله عليه، وهي بعيدة عن الشأن الرفيع للإمام، وليس لها أي أساس أو إسناد. وبما أنّ ذلك البلد توجد فيه نسبة من الحريّة، فإنّ بعض المؤمنين رفعوا شكوى عند الدوائر والمحاكم القضائية على الناصبي المذكور. فحكم القاضي لصالح أصحاب الشكوى وأصدر حكم السجن للمفتري، ولكن أقرانه من النواصب، الذين تربطهم صداقة بالناصبي المفتري، أعطوا الرشاوى وصنعوا الحيل، وتمكّنوا من إطلاق سراح الناصبي المفتري من السجن وأن يحصلوا على إلغاء وإبطال الحكم الصادر بحقّه.
أهميّة التولّي والتبرّي
الذي يجب أن نعرفه جيّداً هو أنّ ممارسة التبليغ ركن أساسي في الدين ويبعث على دوامه وبقائه. ومن هذا المنطلق، يجب على الجميع أن يعدّوه مسؤولية لا مناص منها وهي عاتق الجميع. ونحن الآن على أعتاب انتهاء شهر صفر الأحزان، وتستمر أيّام العزاء لأهل البيت صلوات الله عليهم إلى الثامن من شهر ربيع الأول، ذكرى استشهاد مولانا الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه. ونحن نقيم كل مراسيم العزاء، عملاً وامتثالاً منّاً ووفقاً لأمر الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم حيث قالوا: «وَيَفْرَحُونَ لِفَرَحِنَا وَيَحْزَنُونَ لِحُزْنِنَا». ونعيّد في يوم التاسع من شهر ربيع الأول كما قالوا صلوات الله عليهم بأنّ التاسع من الشهر المذكور هو يوم عيد، فنعلن فيه عن فرحنا وسرورنا. ويوجد حول هذا اليوم، حديث قدسيّ، ورد فيه كلمة (تعيّد). وقطعاً، تعني كلمة (تعيّد) الفرح والسرور، وهذا الفرح والسرور ليس بالقلب فقط، بل لهما مفهوم عام، وأوسع. فالعيد مناسبة إلهية ولها شؤون وأعمال خاصّة.
إنّ التولّي والتبرّي، ركنا الإيمان، وتوأمان ضروريان للدين، ولا نفع ولا فائدة من وجود أحدهما دون الآخر. وعليه وبما أنّ ما يرتبط بالتبرّي ملحقة في فروع الدين، ولكنها بمصاف العقائد المهمّة، لأنّها تتضمّن أعمال وواجبات يجب الإتيان بها. ولذا يجب أن لا نتوانى في مجال التبرّي، وأن لا نعدّه من قليل أو عديم الأهميّة.
أدركوا الشباب
يجب إيصال تلك الحقائق للعالم وبالأخص للشباب. ويجب علينا أن نعرف: لماذا يضيع بعض الشباب؟ فيجب علينا أن نسعى في مجال إرشادهم والاهتمام بهم كثيراً. وعدم الاهتمام بهذا الأمر، هو نوع من القصور، سواء كان من الآباء والأمّهات أو من غيرهم. فيجب على المعلّمين أن يهتمّوا بإرشاد الشباب، وكذلك على الشباب أنفسهم أن يهتمّ بعضهم ببعض. فالشباب وبسبب تقارب أعمارهم مع بعض، لهم القدرة الأحسن على الإدراك، وتكون العلاقات بينهم أفضل. فيجب أن نشعر أنفسنا المسؤولية، بين الأرحام والأقارب، وبين الزملاء، وفي الدرس والصف والبحث، وفي أيّة مجموعة أخرى، وأن نقوم بدور الإرشاد مع بعضنا. فإذا ضعف أحد الشباب أو حصل عنده نقص في المسائل الدينية لابدّ أن نساعده. وإن وجدتم في أنفسكم عدم القدرة على الحوار مع الشاب أو إرشاده فأوكلوا ذلك لمن يقدر عليه. فيجب أن لا نمرّ مرور الكرام من مثل هذه الأمور.
في زمن مولانا رسول الله والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، ومع وجود الممارسات السلبية والمخربّة الكثيرة التي كانت تصدر من المنافقين والتي أدّت إلى ضلال الكثير، لم يسلم الشباب من الدعايات والإعلام المغرض والسيئ أيضاً. ولكنهما صلوات الله عليهما كانا بالإرشاد والنصائح المؤثّرة والمفيدة للشباب، يحولان دون ضياع الشباب وانحرافهم وضلالهم، إلاّ القليل منهم. واليوم يجب أن لا نكون لا أبالين تجاه قضية ضياع الشباب، وأن نشعر أنفسنا بالمسؤولية، وأن يكون لنا ردود أفعال تجاهها. فترى بين الشباب، الكثير منهم قد ترك الواجبات، وبعضهم صار يرتكب المحرّمات ويقترف الذنوب ويلوّث نفسه، فضلاً عن الكثير ممن أصابه الوهن والضعف والريبة في عقائده.
علماً أنّ سبب الكثير من الفساد والضلالة هي فعاليات القنوات الفضائية المعاندة. فالإعلام الواسع لهذه القنوات في مجال تشويه صورة الإسلام، وتشويه شخصية نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار صلوات الله عليهم في وجهة نظر الشباب، والتحريف والتشكيك في معارف القرآن، قد أدّت بالإضرار الكبير بين جيل الشباب المسلمين. والشباب أنفسهم لا يخرجون عن دائرة التقصير، أيضاً، حيث لم تصدر من الكثير منهم أي ردّة فعل تجاه أقرانهم من الشباب ولم يشعروا أنفسهم بالمسؤولية تجاههم.
الاستقامة بالتبليغ
مما يجب أن نجعله نصب أعيننا بكل تأكيد في ممارسة التبليغ والإرشاد، أن لا يقلّ عزمنا للاستمرار في العمل ومواصلته، وأن لا يصيبنا الفتور. فلا نييأس إن لم يقبل أحداً من الشباب وغيرهم النصيحة، بل قولوا له ولهم عشرات المرّات بل مئات المرّات، واسعوا إلى أن تؤثّر نصائحكم. فقد كتب التاريخ أنّ الله تبارك وتعالى قد أرسل إلى قبيلة واحدة إثنى عشر أو ثلاثة عشر رسولاً، وقد قضوا الكثير من الأيّام في الحديث مع أناس تلك القبيلة وإرشادهم، ولكن لم ينفع مع تلك القبيلة، ولم يؤمن منهم حتى شخص واحد. ولقد جعل القرآن الكريم، نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله أسوة للناس كافّة، ودعاهم إلى الاقتداء به والتعلّم منه ومن تعامله ووصاياه. فيجب أن نتعلّم منه صلى الله عليه وآله الإصرار والمتابعة في ممارسة التبليغ، إلى جنب سائر ما نتعلّم منه صلى الله عليه وآله. ولذا علينا أن لا نتعب أو يقلّ عزمنا لأول جواب سلبي أو كلمة (لا) نسمعهما من الطرف المقابل، وأن لا نيأس.
المسؤولية الأكبر على العلماء والحكّام
من باب أولى، وبدليل معرفتهم الأكثر بأحكام الدين، ووعيهم الأكثر، يجب على أهل العلم ومن يخوضوا الدراسات الحوزوية، أن يسعوا إلى ممارسة التبليغ وتوعية الناس، ولا يتوانوا في ذلك. وهذا لا يعني أنّ مسؤولية التبليغ تنحصر على من مرّ ذكرهم فقط، أو ساقطة عن غيرهم، فالمسؤولية تقع علينا جميعاً، كباراً وشباباً. بلى إنّ أهل العلم يحصلون على نتائج أفضل من التبليغ، ولكن يجب على الآخرين أن يسعوا أيضاً.
صنفان من الأمّة، مسؤوليتهما أكبر من الآخرين، وهما العلماء والأمراء أي الحكّام. وهذا ما يؤكّده الحديث الشريف عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، حيث قال: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي إِذَا صَلَحَا صَلَحَتْ أُمَّتِي وَإِذَا فَسَدَا فَسَدَتْ أُمَّتِي. قِيلَ يَا رَسُولَ اَللهِ وَمَنْ هُمَا قَالَ: اَلْفُقَهَاءُ وَاَلْأُمَرَاءُ». فالأمراء والحكّام بما أنّهم أصحاب قدرات وثروات كثيرة وطائلة، لهم التأثير الأكبر والكثير على الناس الذين يحكمونهم. فيتعلّم الناس منهم بكثير من الأمور، ويقلّدونهم في أعمالهم وتعاملهم. ومن هذا المنطلق، إذا سار الحكّام على نهج الصلاح والفلاح، فسيرشدون الناس وشعوبهم نحو الطيّبات والجيّد وما هو لائق وجدير، وبالعكس، أي ـ لا سمح الله ـ إذا ابتعدوا عن مسير الصلاح وتلوّثوا بالفساد، فسيتلوّث شعوبهم، ويتعلّمون منهم الفساد وينساقون صوب المساوئ وما هو سيئ. والعلماء من باب أولى هو قدوة للناس، فإذا انحرفوا عن مسؤوليتهم ودورهم، ووقعوا في الفساد، فسيضلّ بسببهم جمهرة كبيرة من الناس بل الكثير من الناس.
أأكّد مرّة أخرى، إنّ الهداية والإرشاد لا ينحصران بالصنفين المشار إليهما، أي الحكّام والعلماء، بل يشمل كافّة أصناف الناس. فالكل مسؤول تجاه تعامله وعمله، بعضهم مع بعض. فكل واحد، إن وجد شابّاً من أرحامه ومعارفه قد انحرف، أخلاقياً أو عقائدياً، فعليه أن يسعى إلى إصلاحه وإرشاده، ولا يمرّ مرور الكرام عن مثل هذه الأمور، وأن يشعر بمسؤوليته. وعليه أن يعدّ هذا العمل بمصاف الفريضة الواجبة عليه، وأن يسعى بجدّ وبمتابعة في تنفيذها.
زواج الشباب بين الأمس واليوم
نحن على أعتاب أفراح أهل البيت صلوات الله عليهم، وهي فرصة سارّة لأعمال الخير. فمن الجدير أن يجري في هذه الأيّام البحث والتحقيق بين الأقارب، ومن هم حولنا، وحتى في بيئتي الدرس والعمل، كالجامعات والحوزات، عن شاب يريد الزواج ولكن لا يعطونه البنت التي يريدها، بأن نتوسّط له، ونسعى إلى كسب وتحصيل موافقة البنت وعائلتها له. وإن لم يتحقّق الأمر المذكور، نبحث له عن مورد زواج غيره، ونعمل على توفير حياة زوجية مفيدة له. فلقد أكّد الإمام زين العابدين صلوات الله عليه، الذي قضى عمره الشريف كلّه بالحزن والبكاء على أبيه صلوات الله عليه، وبيّن أنّ رؤية الإسلام للزواج، سهلة جدّاً، وأنّه من أسهل الأمور فيه. ولكننا اليوم، نقيم هذا الأمر المقدّس والضروري، بتكاليف باهضة، وبصرف أموال طائلة، خارجة عن قدرة واستطاعة الكثير من العوائل.
كما يبيّن الإمام السجّاد صلوات الله عليه بأنّه يمكن الاكتفاف بإقامة وليمة مراسيم الزواج والزفاف في الإسلام، بطعام ثريد ماء اللحم أو أقلّ منه تكلفة. وقد ذكر الإمام صلوات الله عليه مراسيم الزواج التي حصلت في زمان جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله أو بوساطته. فرسول الله صلى الله عليه وآله كان بعد تناوله لطعام الثريد، يقوم بعقد قران شاب وشابّة، وكان يجعل مهر البنت حلقة من حديد، وليس من ذهب أو فضّة. وذات مرّة قال صلى الله عليه وآله لشاب لم يستطع توفير حتى حلقة حديد: هات شيئاً أجعله مهراً للبنت. فقال الشاب لا أملك شيئاً. وكان هذا الشاب من أهل الصفّة الذين كان رسول الله صلى الله عليه وآله يوفّر لهم الطعام. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله له: هل تعرف شيئاً من القرآن؟ فما تعرفه من القرآن اجعله مهراً للبنت وعلّمها القرآن. فلهذا المستوى سهّل صلى الله عليه وآله الزواج، وكان يسهّل قضية زواج الشباب.
اليوم نحن بعيدون جدّاً عن سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد صار الزواج اليوم من أصعب الأمور على الشباب! فيجب علينا أن نسعى إلى الاقتراب من سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر واكثر، وأن نعمل على تسهيل وتبسيط قضية زواج الشباب، ونجعلها بلا تكلّف، فالزواج من أهم القضايا بالنسبة لجيل الشباب.
أتذكّر، قبل قرابة ستين سنة، في كربلاء المقدّسة، أنّ الناس كانوا يسعون كثيراً إلى تسهيل قضية الزواج، وكذلك كان الأمر نفسه في باقي المدن والمناطق. ففي ذلك الزمان، إن قصد شاب الزواج، كان الناس يساعدونه، سواء كان متمكّناً أو لا. فكان كل شخص يشرك نفسه في عمل ما، ويقضي أمراً من أمور الزواج، فكانت قضية الزواج تكمل وتتمّ في شهر أو شهرين. فعلى سبيل المثال، كان أصدقاء الشاب أو معارفه وأهل محلّته ومن حوله، يشمّرون عن سواعدهم فور معرفتهم واطّلاعهم عن تصميمه وعزمه على الزواج، وكان يعينونه، مهما كان عمل الشاب ومهنته، سواء كان طالباً أو كاسباً وغيرها من الأعمال والمهن. فكان الشاب يتزوّج ويبني حياته الزوجية ويؤسّس بيت الزواج بشهر أو شهرين.
لكن الأوضاع اليوم تختلف جدّاً، فظروف الزواج باتت صعبة ومعقّدة كثيرة، وصارت الإمكانات اللازمة كثيرة وكبيرة، يصعب على الشباب توفيرها أو يعجزون عن توفيرها. وكذلك، اختلف الناس عمن كانوا في السابق، فلا يشاركون في قضية الزواج ولا يهتمّون لها إلاً بقليل، وكذلك قلّت المساعدات بخصوص التزويج، في حين أنّه يجب في الظروف الصعبة الموجودة اليوم، مساعدة الشباب أكثر وأكثر، وإعانتهم.
تسهيل زواج الشباب
إنّ الولد والبنت يكونان مستعدّان للزواج حال بلوغهما، وإن لم يتزوّجا، فحقيقة ماذا يفعلان بغريزتهما الجنسية المتوهّجة؟! فلا شكّ، انّ هذا الأمر ليس له إلاّ حالتين، لا ثالث لها. فإمّا ـ لا سمح الله ـ ينجرّا إلى الفساد، فيفسدان أنفسهما وغيرهما، أو يكونان أصحاب إيمان قوي وراسخ ويحصّنان أنفسهما عن الذنب، ولكن بالمقابل سيصبهما المرض، شيئاً فشيئاً، بسبب نار شهواتهما وغريزتهما المستعرة بباطنهم.
لأجل ذلك، وفي مناسبة التاسع من شهر ربيع الأول، الذي هو يوم عيد، ابحثوا عن قضية زواج الشباب، بين أرحامكم وأقاربكم ومعارفكم، فإن وجدتم من هو على أعتاب الزواج، سواء كان ولداً أو بنتاً، فاخذوا بأيديهما، وأعينوهما بأي نحو ممكن. فإن كان أحدهما لديه مشكلة مالية فساعدوه قدر وسعكم، وإن كان غير موفّقاً في جلب ونيل رضا البنت فساهموا في هذا الطريق الخير. فإن لم يوفّق الشاب مع شابّة أخرى للزواج، فاقترحوا عليه وأرشدوه إلى غيرها من البنات المؤمنات الجيّدات العفيفات اللاتي لسن بالقليلات، حتى لا يبقى بلا زوجة. ومثل هذه الوساطات تبعث على أن لا ينحرم الشاب من نعمة الزوجة، ولا يبقى البنات اللاتي هنّ في مقام وسنّ الزواج، بلا زوج.
هذه مسؤولية عامّة، وأعياد أهل البيت صلوات الله عليهم خير فرصة لأجل القيام بعمل الخير. ففي يوم القيامة يتحسّر المرء على انّه لم يقم بالكثير من الأعمال الخيرة. وبهذا الخصوص تقول الروايات الشريفة أنّ بعض الأشخاص، يبقى يتحسّر آلاف السنين، لفوات أجر الأعمال الجيّدة والحسنة منه، ويكون نادماً. ولا ريب، يتحسّر يوم القيامة الكثير من الأشخاص على عدم مسعاهم وسعيهم لأجل تزويج الشباب، أو أنّهم كان لهم قدرة القيام بإنجاز هذا العمل. فتحكي الروايات الشريفة، وبالأخصّ حول الزواج وعقد القران، عن الأجر الكثير لمن يخطو ويساهم في قضية التزويج، وكذلك تذكر الكثير من الثواب الجزيل حولها.
كذلك على الشباب الأعزاء، بنين وبنات، أن يسعوا إلى ما يسهّل قضية زواج أصدقائهم ومعارفهم، فهم يمكنهم أن يقدّموا خدمات قيّمة، ويعملوا على تسهيل زواج أقرانهم ومن هو بعمرهم.
العمل ولا شعار فقط
والإسلام يعني مثل تلك الأمور التي مرّ ذكرها. فالإسلام الواقعي والصحيح، علينا أن نبحث عنه في تعاليم وسنّة وتعامل وسيرة مولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم، فما عند غيرهم ليس بإسلام. علماً أنّه هناك فرق شاسع وبُعد، كبعد السماء عن الأرض، بخصوص الشعار والواقع. فهل إذا اكتفينا بكتابة كلمة ماء أو خبز على ورقة، سنحصل عليهما ويكونا بين أيدينا؟ وهكذا هو الإسلام. فلا يكفي بيان وذكر المسائل الإسلامية لأجل تحقّق أحكام وتعاليم الإسلام الحقيقية الأصيلة. بل يجب أن نحقّق ونقيم الإسلام بالعمل به، لا بالبيان الفارغ من العمل.
أسأل الله تبارك وتعالى، أن يمنّ عليكم بالنشاط والتوفيق في الأشهر العشرة الباقية من السنة، لأفراح وأعياد الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم ولأمري التولّي والتبرّي، اللذين هما توأمان ولا يفترقان، كما منّ عليكم بالنشاط والتوفيق في شهري محرّم الحرام وصفر الأحزان لإقامة العزاء.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG