28 تشرين‌الأول 2021م
آخر تحديث: 27 تشرين‌الأول
 
  رقم الخبر: 17808       تاريخ النشر: 23 شوال المكرّم 1442









 









 

التقرير الكامل للجلسات العلمية الرمضانية لسماحة المرجع الشيرازي دام ظله
الجلسة الثانية والعشرون ـ 26 شهر رمضان العظيم 1442للهجرة


في ليالي شهر رمضان العظيم يتوافد العلماء والفضلاء وطلاب الحوزة العلمية ومختلف الشخصيات على بيت المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في مدينة قم المقدسة. وخلال لقائهم بسماحته دام ظله يدور الحديث حول المباحث العلمية والمسائل الفقهية والتاريخية والثقافية، إضافة إلى ما يتفضل به سماحته من وصايا وتوجيهات.

بسم الله الرحمن الرحيم

الإطلاقات والمصاديق المتعارفة

بيّن سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في بدء هذه الجلسة ما تم بحثه في الجلسة الماضية بالنسبة لعدم حجيّة رؤية الهلال بالعين المسلّحة، فقال دام ظله:

هنا مطلبان:

1ـ التسالم بين الفقهاء في موضوعات مختلفة لها مصاديق، بعضها متوسّطة وبعضها فيها إفراط، وبعضها فيها تفريط، على أن الملاك هي المصاديق المتوسّطة وليس المقصود من اللفظ المطلق جميع الأقسام الثلاثة بل ينصرف إلى المتوسط.

لقد بيّن الفقهاء ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ منذ زمن المرحوم الشيخ الطوسي وابن البرّاج والشيخ المفيد إلى زمن فقهاء عصرنا، هذه الكبرى بتعابير مخلتفة، حيناً بتعبير الانصراف واُخرى بتعير عدم الظهور في غير المصاديق المتعارفة. وقد اُشير إلى تلك الكبرى في الجواهر مكرراً من كتاب الطهارة إلى كتاب الديات.

كتبت موردان من المرحوم صاحب الجواهر، أحدهما في المجلّد 2 ص169، والثاني في المجلّد5 ص325 بهذه العبارة: «انصراف الإطلاقات إلى المتعارف» فالإطلاق لا يشمل المصاديق غير المتوسطة، وفي مقام الجواب عن التمسّك بالاطلاق والقول بحجّية مطلق الرؤية ولو مسلحة نجيب أولاً بجواب حلّي وهو العمدة في الجواب. والثاني بجواب نقضي: بأنّا لو تمسّكنا في باب الرؤية رؤية الهلال بإطلاق «صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية» وقلنا بشموله علي الرؤية بالعين المسلّحة أيضاً فلازمه الالتزام بجواز التمسّك بالإطلاقات في سائر الموارد ولم يقبل به أحد ولا يمكن الالتزام به.

على سبيل المثال، منها:

قطع التلبية بمشاهدة بيوت مكّة

يستحب للحاجّ أو المعتمر أن يكرّر التلبية بعد الإحرام إلى أن يرى بيوت مكّة، وإذا رأى بيوت مكّة فليقطع التلبية.

في صحيحة معاوية بن عمّار عن الصادق عليه السلام قال: «إِذَا دَخَلْتَ مَكَّةَ وَأَنْتَ مُتَمَتِّعٌ فَنَظَرْتَ إِلَى بُيُوتِ مَكَّةَ فَاقْطَعِ التَّلْبِيَةَ» (وسائل الشيعة ح12 ص389 ح16581). فقال عليه السلام في هذه الرواية: «نظرت» والحال لو شاهد أحد بيوت مكّة من بعيد بالمكبّر فهل يجب عليه أن يقطع التلبية؟ كلّا، لم يقل به أيّ قائل.

المشاهدة هنا تنصرف إلى المشاهدة بالعين المجرّدة، وتُرى بيوت مكّة عادة بفاصلة نصف الكيلو متر بالعين المجرّدة. قال الإمام عليه السلام: «إذا نظرت إلي بيوت مكّة فاقطع التلبية» لأنّ التلبية: إجابة الدعوة، والله تعالى دعا عباده أن يأتوا بيته، يعني: نعم سمعاً وطاعة، ويقول الضيف: نعم على عيني أأتي، إلى أن يبلغ باب بيت المضيّف. وإذا بلغ الباب لا يقول: نعم على عيني أأتي.

بعض العامّة يكرّرون التلبية حتّى في التبلية، وفي رواية قال المعصوم عليه السلام: «أصواتهم أبغض عند الله من أصوات الحمير».

عن أبان بن تغلب قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام في ناحية من المسجد الحرام وقوم يلبّون حول الكعبة، فقال: « أترى هؤلاء الذّين يلبّون؟ والله لأصواتهم أبغض إلى الله من أصوات الحمير». (الكافي ج4 ص540 ـ ح541) مع أنهم يقولون: لبيّك إلاّ أنّ أصواتهم أبغض إلى الله من أصوات الحمير. فلو رأى أحدهم بيوت مكّة بالمكبّر من فاصلة 20 كيلومتراً عن مكّة، فهل يقول لبّيك؟

سئل: المشاهدة غير الرؤية وبينهما فرق، والمشاهدة هي الإبصار من قريب؟

قال سماحته دام ظله: المشاهدة والرؤية مترادفان عرفاً، وهذه الفروق الدقيقة ليس لها ظهورٌ، ومن جانب آخر أظن جاء في روايات قطع التلبية بتعبير الرؤية.

عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «إذا دخلت مكّة وأنت متمتّع فنظرت إلى بيوت مكّة فاقطع التلبية». وعن حنان بن سدير عن أبيه قال: قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام: «إذا رأيت أبيات مكّة فاقطع التلبية». وعن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «المتمتّع إذا انظر بيوت مكّة قطع التلبية». وعن احمد بن محمد عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه سئل عن المتمتّع متى يقطع التلبية؟ قال: «إذا نظر إلى أعراش مكّة عقبة ذي طوى» قلت: بيوت مكّة؟ قال: «نعم» (الكافي ج4 ص399 باب قطع تلبية المتمتّع ح1و2و3و4).

قال أحد الحضور: نعم، يصدق الإفراط على الرؤية بالمكبّر ولا اعتبار لها، ولكن لا يصدق الإفراط على رؤية من نظره حديداً. وعلى هذا من كان ثاقب النظر ونافذ البصر فرؤيتة حجّة لنفسة.

قال دام ظله: إذا قال الفقهاء: المتوسط، والمتعارف، فلا يشمل شخصاً نافذ البصر وثاقب النظر، لأنّه ليس مصداقاً للمتعارف والمتوسط.

سباع الطيور

المثال الآخر: الطير الذي يصيد الحيوانات ويأكل الميتة كالصقر والعقاب ـ إذا كان منقارها ملطّخاً بالدم وملوّثاً بالنجس فهو نجس، وبمجردّ خلوّه عن النجاسة يكون طاهراً. وقد جاء في روايتة معتبرة أنّه سئل المعصوم عليه السلام عن هذه الطيور الّتي تأكل الميتة إذا شربت الماء بمنقارها فهل يتنجّس الماء به أم لا؟ قال عليه السلام: «كلّ شيء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه إلاّ أن ترى في منقاره دماً، فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضًأ منه ولا تشرب» (وسائل الشيعة ح1 ص230 ح 590 ).

هذه الرواية معتبرة ومعمول بها، والمراد من الرؤية ـ على قول الفقهاء ـ هي الرؤية بالعين وإن كان مطلقاً إلاّ أنهّا تنصرف إلى الإبصار بالعين المجرّدة. ويعني لو رأى الدم أو أجزاء النجس في المنقار بالعين المسلّحة، فلا يحكم بالنجاسة، وهذه الرؤية ليست بحجّة. فإن قلنا هنا بانصراف الرؤية إلى الرؤية المتعارفة وإلى الرؤية بالعين المجرّدة، فكذلك في رؤية الهلال أيضاً تنصرف إلى المجرّدة، لأن كلتي الصغريين؛ صغرىً لكبرى واحدة كلّية، وإلاّ فما هو الفارق بينهما؟

كان المرحوم الوالد ينقل عن المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي أنّه سئل: لو رأوا الهلال بالعين المسلحة فهل لها الاعتبار أم لا؟ فقال الميرزا الشيرازي رحمة الله: يعيّنون مكان الهلال بالعين المسلّحة أوّلاً ثم إذا تم رؤية الهلال بالعين المجرّدة بدون المنظار المكبّر فيثبت أوّل الشهر.

استهلاك قطرة الدم بالكر

ومثال آخر: لو تنجّس مقدار من الماء القليل في إناء بقطرة دم ويكفي في تطهيره أن يتّصل بالكرّ وفي هذه الصورة لا تنعدم قطرة الدم ولكن تستهلك في الماء القليل، ولا يمكن أن يرى بالعين المجرّدة، والماء يطهر باتصاله بالكرّ، مع أنّه ربما يرى كريات الدم البيضاء والحمراء بالعين المسلّحة وهي لا ترى بالعين المجرّدة، والحال إذا ترى ذرّات الدم بالمكبّر فهل حكم أحد من الفقهاء بنجاست ذلك الماء؟

كذلك إذا استهلكت قطرة دم في كرّ من الماء، قالوا: لا ينجس الماء مع أنّه يمكن رؤية ذرّات الدم بالعين المسلحّة، لأنّ الاستهلاك هو تفرَق الأجزاء لا الانعدام الحقيقيّ.

قال أحد الفضلاء: كأن الشارع قبل المسامحة العرفية في باب النجاسة والطهارة كلون الدم إذا بقي على اللباس بعد الغسل ولكن هو طاهر.

قال دام ظله: قال الشارع في باب الطهارة والنجاسة: لو لم تر فهو طاهر، فإذا رأى بالعين المسلّحة كيف؟ نعم بمقدار سهّل الشارع نفسه فذاك المقدار متقيّن، ولكن في مورد من الطهارة والنجاسة لو جعل الشارع المعيار على الرؤية واستعمل لفظة «ترى» فماذا تقولون في هذا المورد؟ فهل الملاك هي الرؤية العادية أم يشمل الإطلاقات الرؤية بالعين المسلّحة أيضاً؟ ولنا في مورد بقاء لون الدم على الناس دليل خاص وهو يؤيّد قولنا في مسألتنا هذه، لأنّ ذرات الدم لا ترى بالعين المجرّدة. بلى، يرى أثر الدم أي اللون الباقي.

قال أحد الحضور: لو رأى بالمكبّر شيئاً ففي الواقع لا تراه العين بل يراه الجهاز، ونحن نرى العكس في الجهاز، ولا نرى الأصل؟

قال دام ظله: تراه العين بوسلية الجهاز عرفاً، وتنسب الرؤية إلى الإنسان نفسه، ولا إشكال في أن الرؤية له نفسه، ولكنها رؤية غير متعارفة. وإن قلتم: هذه الرؤية ليست رؤية الإنسان، فليست هي حجّة، لا في الهلال ولا في غيره.

حليب الأبقار والغنم

ومثال آخر: ألبان البقر والغنم والبعير قد يرى فيها الدم ويوجب نجاستها، والحال لو لم يرالدم بالعين المجرّدة بل بالعين المسلّحة، فلماذا لم يقل أحد من الفقهاء أنّها متنجّس، وبعض يقول: اللبن لا يخلو من الدم ولكن لا يرى بالعين المجرّدة.

الفجر الصادق

وكذلك مثال آخر: رؤية الفجر الصادق ـ وقد بيّناها في الليلة الماضية ـ فلو رأى البياض الذي ينتشر بالأفق، بالمكبّر، ساعة قبل الفجر، فهل يجب عليه الإمساك للصوم؟ وهل يصح أن يصلي صلاة الصبح، أم يجب أن يراه بالعين المجرّدة؟ مع أن التبيين مطلق وقال تعالى: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» (سورة البقرة: الآية 187).

جاء في الروايات: «حتى يعترض الفجر فتراه مثل نهر سوداء» (وسائل الشيعة ح 4 ص212 ح4946) والملاك في جميع هذه الموارد هي الرؤية. وقال الفقهاء: المراد من الرؤية هي الرؤية الطبيعية ولا فارق بين رؤية الهلال وبين الرؤية في تلك الموارد، ولا يمكن التمسّك بالإطلاق في جميع هذه المصاديق حتّى تقول: تعتبر الرؤية بالمكبّر، فإذا قال أحد باعتبارها في رؤية الهلال فليلتزم بالقول باعتبارها ـ طبق القاعدة ـ في جميع هذه الموارد تمسّكاً بالإطلاق.

لو كان الملاك هوالإطلاق ـ من وجهة نظر علمية ـ فمن أوّل الفقه إلى آخره في جميع هذه المواد، نرى الإطلاق. ولكن قال الفقهاء مكرّراً: الإطلاقات تنصرف إلى المصاديق المتعارفة أو المتوسّطة. ولذا لوكان أحدهم بصره حديداً، ويرى أقوى من جميع الناس فرؤيته في الموارد الشرعية ليست حجّة حتى لنفسه أيضاً.

الإحرام وحرمة الطيب

ومنها من الأمثلة: الطيب الّذي هو أحد محرّمات الإحرام، ويجب للمحرم أن يتجّنب من الطيب ويحفظ شامّته عن شمّ الطيب، والحال لو كان الطيب، من حيث المكان والمسافة ـ لا يشمّ ولا يفوح عادةً ولكن أحد يشمّه لأنّ شامّته قويّة وحسّاسة أو يشمّ بأجهزه خاصّة، فهل قال أحداً من العلماء: يجب عليه أن يحفظ شامّته عن الاستشمام؟

قيل: لو كان شامّة أحد ضعيفة جدّاً ولا يستشمّ رائحة الطيب المتعارفة فهل تقولون: يجب علية التجنّب من الطيب مع أنّه لا يدرك الرائحة؟

قال دام ظله: بالنسبة إلى هذا الشخص الموضوع منتفٍ، كمثل من كان بصره ضعيفاً ولا يبصر الأجنبيّة.

غسل الوجه بالوضوء

ومنها من الأمثلة: حدّ ما يجب غسله من الوجه في الوضوء، والموجود في الدليل: «مادارت عليه الإبهام والوسطة». وقال الفقهاء: الملاك هو اليد والوجه المتعارفان. وقالوا في الشبر أيضاً: إنّ الملاك فيه هو المتعارف مع أنّه لا يوجد دليل خاص في أيّ واحدٍ منهما، ومن كان شبره أطول بكثير فليس معتبراً حتى لنفسه.

النظر إلى الأجنبية

سأل أحد الفضلاء: لو أن أحداً نظر إلى الأجنبيّة بالمنظار المكبّر من مسافة لا تشاهد بالعين المجرّدة، فهل تقولون بجوازه؟

أجاب دام ظله: لا نقول بالجواز، لأنّه بمناسبة الحكم والموضوع، الحكم محرز. ومن جانب آخر المسألة مرتبطة بالعرض ومهمّة ولهذا لا يجوز النظر، بخلاف ما نحن فيه فإنّ ملاكه ليس محرزاّ.

نفقة الزوجة

سئل: قال صاحب الجواهر في مقدار النفقة على الزوجة التي بذمّة الزوج: لو تمسّكنا بإطلاق «عاشروهنّ بالمعروف» فلا وجه لاستثناء تكاليف المعالجة والأدوية للزوجة من النفقة.

قال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله: حالياً لا يخطر ببالي ما ذكر من الجواهر، ولكن صاحب الجواهر يبحث علمياً أحياناً في موضوع ويفتي بخلاف ذلك. فلابدّ من مراجعة الجواهر في ذلك.

في باب النفقة لنا دليل يحصر النفقة في المأكل والملبس والمسكن فقط. ولم يتمسّك الفقهاء من هذه الجهة لوجوب سائر النفقات بإطلاق (عاشروهنّ بالمعروف).

بلى، المعالجة والأدوية المختصرة لا يستبعد أن تكون جزءاً من النفقة، لأنّ دلائل الحصر منصرفة عن المعالجة المختصرة.

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين
الصفحة الرئيسية نسخة للطباعة ارسال الى الاصدقاء ادخال العنوان
الاسم Email
التعليق
ادخل الرقم
 

تعليقات القراء: (0 التعليق)
 
 
برعاية مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية
بيت المرجع الشيرازي: قم المقدسة، شارع انقلاب، الفرع 6
Powered by: Parseh ITG