» المقدمة

العراق؛ بلد الأنبياء والأئمة الأطهار سلام الله عليهم، عانى ويعاني الكثير من الويلات والمآسي والحرمان، رغم ما فيه من طاقات وثروات وإمكانيات. بلد عاش الخوف والرعب والإهمال؛ من قبل الحكّام قرون مديدة. فقد عاش تحت وطأة ظالم، ثم انتقل إلى حاكم أظلم منه، ومرت الفرصة تلو الفرصة دونما اقتناص واستثمار، وإن حدث ذلك، فقد ذهبت أدراج الرياح...
أما أسباب هذا الواقع المشار إليه، فليست أسباباً يعجز الباحث أو المتابع البسيط عن كشفها، وإنما هي أسباب واضحة المعالم لدى كل من يلم إلماماً عادياً بواقع الحياة العراقية عبر التأريخ الماضي والمعاصر. هذا فضلاً عن اكتشاف أسباب الحياة المريرة التي عاشها الإنسان العراقي والأرض العراقية من خلال المفاهيم والقيم التي نزل بها كتاب ربنا العزيز، وما حوته سنّة نبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسيرة أهل بيته الطيبين الطاهرين سلام الله عليهم، إذ كان القول مفصلاً وواضحاً في الثقلين اللذين تركهما النبي الكريم للأمة الإسلامية فيما يخص السنن الإلهية الحاكمة لحياة الإنسان والمجتمع، ومن جملتها:
• ضرورة تطهير النفس من الأدران والرذائل الأخلاقية التي يعيق وجودها في الفرد والجماعة من حركة عجلة الحياة.
• كما أن منها ضرورة تبيّت النيّة وتكريس الإرادة في التغيير والتطوير الذاتي، لتكون هذه الإرادة الإنسانية مقدمة لتحقق الإرادة الربانية في الأخذ بيد الفرد والجماعة نحو الأفضل.
• ومنها أيضاً وعي العلماء الأعلام والنخبة المثقفة لحقيقة مسؤولياتهم تجاه مجتمعهم وتصميمهم على أداء دورهم البنّاء.
علماء أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم كان لهم الدور الأكبر في دفع عجلة الحياة في العراق، وحفظ ما تبقّى من قيم ومفاهيم سامية وطيبة لدى العراق والعراقيين، لاسيما المؤمنين المخلصين منهم.
وأسرة العلم والفقاهة والاجتهاد؛ أسرة الشيرازي بما تضمنت من علماء مجاهدين كانت في مقدمة من تحمّل مسؤوليته، ووعى دوره في سبيل الإسلام الذي فيه خير نظام يجب أن يسري في عروق العراقيين، لتنبض بالخير والسعادة والتطور.
«ويل العراق؛ فليله لا ينقضي... حتى تقوم حكومة الإسلام»(1).
وهذه الأسرة، سواء كانت في العراق أو خارجه، لم تكن بمنأى عن واقع هذا البلد المضطهد وما يحتاجه من رؤى ووسائل للتغيير نحو الأفضل، والدفع بأبنائه إلى بناء كيانهم كما تتطلبه الحياة الحرة والكريمة.
والمرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي حفظه الله، وهو سليل هذه الأسرة المجاهدة، لا يضيع فرصة في التوجيه، بل إنه ليخلق الفرص الطيبة خلقاً في سبيل إنقاذ العراق والعراقيين مما حلّ بهما من دمار وخسارة طيلة عقود وقرون من الزمن.
وهو دام ظله أصبح، شأنه في ذلك شأن العديد من مراجع الشيعة، محوراً هاماً لتطلّعات وتحركات الشعب العراقي، فتراه محطاً للوفود المتواترة عليه من كل حدب وصوب من العراق، إذ يقوم بتقديم التوجيهات القيمة لتكون بمثابة المنهاج العملي لتحقيق الأهداف والتطلعات السامية، ولتكون أيضاً البلسم الشافي للجراحات العراقية التي تسببت في إيجادها قوى الشر والظلام الطامعة في روح العراق وقيمه وجسده المثخن أصلاً..
وما بين يديك ـ عزيزي القارئ ـ بعض التفاتات سماحته وتوجيهاته القيمة التي أولى بها للشخصيات الوافدة عليه فرادى أو جماعات، في هذه المناسبة أو تلك، حيث يبيّن من خلالها، لزوم أن يعي العراقيون ضرورة التعرّف على مشاكل العراق تعرّفاً جذرياً، كما لابد من حل تلكم المشاكل والأزمات حلاً جذرياً، دون الإكتفاء بالحلول الآنية والمسكنات التي من شأنها أن تزيد الطين بلّةً.
فقد كان بالغ جهده حفظه الله تعالى أن يرتقي بوعي العراقيين ويقرّبهم من حقيقة أزماتهم وحقيقة حلولها، وهي الغاية في البساطة، إذا ما تمسك الفرد والمجتمع بأصالته ودينه الحنيف وأخلاقه الطيبة الفاضلة وابتعد عن الأنانية والمصلحية، وإذ ذاك سيعرف العراقيون مكامن الخطر، فيميزوا بين الصديق والعدو، ويعملوا على توفير الوسائل الكفيلة لشق طريقهم نحو البناء والتطور، بعيداً عن الشعارات الفارغة والخطب الرنانة واللهاث وراء السراب الكاذب..
وإزاء هذا الجهد الطيب، وجدت (مؤسسة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله الثقافية) نفسها ملزمة ـ بما هو متاح لها من الإمكانات ـ أن تقوم بجمع ونشر ما توفر لديها من كلمات أو حوارات أو نصوص لقاءات تمت من قبل الشخصيات والوفود العراقية مع سماحته دام ظله، لعلها ـ المؤسسة ـ تكون قد أدت شيئاً من دورها ومسؤوليتها في نشر آراء ورؤى سماحته فيما يخصّ الشأن العراقي، وكلّها أملٌ في أن تلبّي رغبة المؤمنين في التعرف على فكر المرجعية، وعميق ارتباطها واهتمامها بهموم الأمة الإسلامية والشعب العراقي خاصة، كما تطمح المؤسسة إلى جمع ما يصدر عن سماحته من تصريحات وإنجازات علمية وعملية خاصة بهذا الشأن الهام، وعرضها للمهتمين والمتابعين كما تحرص كل الحرص على إتقان نشاطاتها على صعيد نشرها الثقافي عبر الكتب أو موقعها في شبكة الإنترنت، والله ولي التوفيق.
 


(1) من أشعار الشهيد السيد حسن الشيرازي قدس سره.