الحرية التي يؤمن بها الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه

قبل أربعة عشر قرناً حيث كانت الحكومات في قمة الاستبداد والدكتاتورية والظلم حكم الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وأتاح الحرية بكافة أبعادها للجميع، حتى لأعدائه، بل منح الحرية لممارسة خلاف ما كان يأمر به ويصدره من حكم. ولم يكن للحرية التي منحها الإمام أي شبيه أو نظير، لا في حكومات زمانه ولا في تلك التي حكمت دول العالم من بعده وإلى يومنا هذا.
لقد كان حتى تدوين الحديث ـ بل روايته ـ ممنوعاً يعاقَب مرتكبه بالضرب والحبس، وهذا ما جرى فعلاً من تهديد بعض الصحابة بالطرد والنفي، رغم أنّهم من أتباع السلطة وأنصارها(1).
في ظلّ أوضاع كهذه ـ حيث الحرية مغيَّبة إلى هذا الحدّ والمشاكل تحيط بالأمة من كلّ جهة ـ تسنّم الإمام سلام الله عليه زمام الحكم، فكيف تصرّف مع الناس، وما هي حدود الحريات التي سمح بها لهم، سواءً في عاصمته الكوفة، حيث اختلاف المذاهب والمشارب والأعراق والأذواق والقوميات والقبليات، أو في البصرة بعدما تمرّدت بعض الطوائف ضدّه في حرب الجمل بقيادة عائشة وطلحة والزبير، أو مع غيرهم من المارقين والقاسطين كالخوارج بقيادة ذي الثدية حرقوص بن زهير السعدي وأهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان؟
عندما حلّ شهر رمضان المبارك في السنة الأولى من حكومة الإمام نهى صلوات الله وسلامه عليه أن تصلى النافلة في ليالي شهر رمضان المبارك جماعةً (التراويح) وأوصى بأن تصلَّى فرادى، كما سنّها رسول الله صلى الله عليه وآله، محتجّاً عليهم بقوله سلام الله عليه: إنه ما زال هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من يشهدون أنّه صلى الله عليه وآله جاء إلى المسجد الليلة الأولى من الشهر الكريم يريد أداء النافلة فاصطفَّ المسلمون للصلاة خلفه فنهاهم وقال: هذه الصلاة لا تؤدَّى جماعة ثم ذهب إلى بيته للصلاة(2).
فمن هنا كان منطلق الإمام سلام الله عليه في نهيه وأعلن ذلك وأوصى المسلمين أن يصلّوا نوافل الليل في شهر رمضان فرادى سواء في المساجد أو في البيوت.
إلا أنّ أولئك الذين اعتادوا على أدائها كذلك طيلة سنين لم يطيقوا منعها، فخرجوا في مظاهرات تطالب بإلغاء المنع، وكان شعارهم «واسنّة عمراه»، فماذا كان ردّ فعل الإمام سلام الله عليه؟
هل واجههم بالسلاح؟ هل اعتقلهم وسجنهم، أم نفى أحداً منهم؟ هل أحالهم إلى المحاكم على أقلّ تقدير؟ كلا ثم كلا. فبالرغم من أنّه قال شيئاً واستدلّ عليه وكان استدلاله محكماً بحيث لم يستطع أحد أن يشكّك فيه حتى أولئك الذين ما برحوا يختلقون الإشكالات الباطلة ويثيرونها في وجهه(3)، إلا أنّه سلام الله عليه لم يفعل أيَّ شيء من ذلك معهم. فلم يقمع المظاهرة ولا استعمل العنف والقوّة ضدهم، بل على العكس من ذلك فقد استجاب لمطالبهم ورفع قرار المنع الذي أصدره بحقّهم وسمح لهم بممارسة ما يريدون رغم أنّ ما وقع عليه المنع من ممارستهم تلك لم تكن حتى من الباطل المدلَّس بالحق بل كانت باطلاً واضحاً لا شكّ في بطلانها ولا شبهة، خصوصاً وأنّهم يعلمون أنّ علياً سلام الله عليه هو الإمام الحق ، والحاكم المتنفذ الذي يجوز له أن يُعمل ولايته ويحكم بما يراه تتميماً لأمره واستتباب حكمه كما فعل من(4) سبقه ـ على رأي القوم على أقلّ تقدير ـ ومع ذلك قال الإمام لابنه الحسن سلام الله عليه: قل لهم صلّوا(5).


(1) انظر تذكرة الحفّاظ للذهبي: 1 / 7، كما أفرد البكري باباً له في كتاب عمر بن الخطّاب: 171 باب منعه تدوين الحديث، فراجع.
(2) نهج الحق: 289.
وظلّت هكذا الى أن تسلّم عمر بن الخطاب الحكومة، فقال: «أرى أن يصلّي الناس هذه الصلاة جماعة». فصلاَّها الناس كذلك وأسموها بـ «التراويح». روي عن عبد الرحمن بن عبد الباري قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه. ـ عن دلائل الصدق للمظفّر: 3/ 78. صحيح البخاري بحاشية السندي: 1/ 342 ـ .
(3) حتى بلغ الأمر بهم أن يعدّوا بعض فضائله رذائل، كما عابوا عليه خلقه الذي هو فضيلة عظيمة فقالوا: «إنّه امرؤ فيه دعابة». راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير: 2 / 460 أحداث سنة 23.
(4) كما قال النبي صلى الله عليه وآله: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار، الشافي في الإمامة للشريف المرتضى: 1 / 202.
(5) روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: لمّا قدم أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة أمر الحسن بن علي عليه السلام أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة. فنادى في الناس الحسن بن علي عليه السلام بما أمره أمير المؤمنين عليه السلام، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن علي سلام الله عليهما، صاحوا: وا عمراه وا عمراه! فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين سلام الله عليه، قال: ما هذا الصوت؟ ... فقال أمير المؤمنين سلام الله عليه: قل لهم صلّوا. تهذيب الأحكام: 3 / 70 ح 30.