» الدعاء والاستعانة بالله

بعد أن افتتح الإمام دعاءه بالصلاة على محمد وآله، انتقل عليه السلام إلى مقام سؤال حوائجه من الله تعالى مبتدئاً بهذه الكلمات الأربع: (بلّغ بإيماني أكمل الإيمان) أي أنا لا أستطيع الصعود والبلوغ بإيماني إلى أكمل الإيمان من دون عونك وتسديدك يا ربّ، وأنت الكفيل بذلك فأعنّي.


الإنسان بحاجة إلى تسديد الله دوماً
مهما بلغ الإنسان من المراتب العالية ـ سواء الدينية أو الدنيوية ـ فهو بحاجة إلى عون الله تعالى وتسديده.
حتى الذين توفّرت فيهم ملكة العدالة بأعلى درجاتها وأصدق معانيها، واجتنبوا في مقام العمل كلَّ المحرّمات، وأتوا بكلّ الواجبات، وكان عندهم فوق ذلك كلّه ورع كامل، ليسوا بقادرين على النهوض والارتقاء من دون أن يعينهم الله تعالى على ذلك ويأخذ بأيديهم؛ لأنّ الشهوات المختلفة من شأنها أن تحول ـ ولو شيئاًـ دون ذلك.
إنّ الإنسان محاطٌ بالشهوات شاء ذلك أم أبی، والتفت أم تغافل. فقد يتأمّل الإنسان فيلتفت إلى مختلف شهواته، وقد يغفل فلا يلتفت.
إنّ الله سبحانه وتعالى أودع فينا الشهوات لكي يختبرنا ويَميز الخبيث من الطيّب.
قد ينجح المرء في كبح بعض شهواته، كالمرتاضين الذين يحقّقون ذلك ببعض الممارسات، ولكن ماذا يفعل الإنسان حيال الشهوات التي لا تعدّ ولا تحصى؟ وإن استطاع الإنسان أن يخفف من غلواء بعضها بالترويض والتمرين فإنّ هذا وحده لا يكون كفيلاً بكبح بعضها الآخر الذي يمكن أن يثقله ويشدّه إلى الأرض؛ وإليك مثالاً واحداً على تنوّع الشهوات وشدة ابتلاء الإنسان بها:
يقول بعض الفقهاء: إنّ الرياء قد يكون بترك الرياء!! مثلاً: قد يطيل شخص ركوعه وسجوده ويُحسن القراءة ويتظاهر بالخشوع بسبب وجود شخص آخر ملتفت إليه. فهذا هو الرياء المتعارف.
وقد يعمد إلى خلاف ذلك ـ إذا علم أنّ الملتفت إليه إنسان ذكيّ يعرِف من حاله فيما لو أطال وحسّن من ظاهر صلاته أنّها ليست صلاته العادية وأنّه يرائي فيها ـ فيأتي بصلاة عاديّة لكي لا يقول عنه الناظر إنّه مراءٍ. وهذا هو المقصود من قولهم: إنّ الرياء قد يكون في ترك الرياء، أي في ترك التظاهر بالخشوع وما أشبه.
هكذا هو الحال في الشهوات فهي تحيط بنا من كلّ صوب وجانب. ولعلّ أكثر الناس يفهمون هذه الأمور جيداً وإن لم يستطيعوا التعبير عنها بشكل جيد.
إنّ مثَلنا في هذا الطريق مثَل الإنسان البدين أو الشخص الذي يحمل أثقالاً كثيرة، فهو لا يستطيع تسلّق الجبال أو القفز والوثوب بسهولة، وربّما هوی وسط الطريق.
مهما كان الإنسان ذكياً وواعياً ونشطاً، مستوعباً لأطرافه وما يحيط به، غير أنّه لا يستطيع أن يصنع شيئاً مع ما عليه من ثقل الشهوات ـ وهو ثقل واقعي غالباً ما يحول دون الإنسان ورقيّه ـ ما لم يُعنْه الله تعالى ويأخذ بيده، وهذا بحاجة إلى الدعاء؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأ ُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ﴾(1). والإمام السجّاد عليه السلام يرشدنا في هذا الدعاء ويعلّمنا أن نطلب من الله تعالى أن يأخذ بأيدينا ليبلغ بنا أكمل الإيمان.

 

لزوم العمل إلى جنب الدعاء
قد يجري الإنسان ألفاظ الدعاء على لسانه فقط، فيكون دعاؤه سطحياً. وقد ينطلق الدعاء من أعماقه، وهذا أفضل من الأول بلاشكّ، ولكنّه أيضاً لا يكفي، بل لا بدّ أن يكون إلى جانب الدعاء والخشوع سعي من قبل الإنسان نفسه لتحصيل ما يطلب من الله مستفيداً مما أعدّه الله سبحانه وتعالى للعباد، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر(2).


الأدب في الدعاء
ثمّ إنّ هاهنا نكتة مهمة تتطلّب المزيد من الالتفات، وهي أن يهتمّ الإنسان بجمال العبارة وصياغتها وصبّها في وعاء جميل؛ فإنّ الإمام لم يغفل عن هذا الجانب حتى حين يدعو الله سبحانه وتعالى، بل ثمّة نكات لغوية نجدها في كلمات الإمام سلام الله عليه ذات آفاق فوق الإدراك المتعارف، ولكنّا نشير إلى نكتة واحدة فيها وهي البلاغة والبراعة في استعمال الألفاظ؛ فالإمام لم يقل مثلاً: «وبلِّغ بإيماني أكمل الإيمان وبيقيني إلى أكمل اليقين وبنيتي إلى أكمل النيات وبعملي إلى أكمل الأعمال» بل أبدل الفعل في كلّ جملة كما أبدل صيغة التفضيل فيها، فاستعمل سلام الله عليه من الأفعال: (اجعل، انتهِ)، ومن صيغ التفضيل: (أفضل، وأحسن) ولم يقتصر على «بلّغ» و «أكمل» في باقي الجمل.
صحيح أنّ هناك واقعيّة وراء هذه التعابير والألفاظ، ولكن في التغيير تجميل للعبارة أيضاً، والجمال في كلّ أمر محمود، كما روي عن الإمام أمير المؤمنينسلام الله عليه أنّه قال: « إنّ الله جميل يحبّ الجمال »(3).
إنّ الإمام في حالة دعاء وتضرّع ومناجاة مع الله تعالى. إنّه في حالة سؤال وطلب من الربّ الجليل، وليس في مقام الحديث مع الناس، ومع ذلك نراه لم يغفل هذا الجانب، بل أولاه الأهمية أيضاً، فهو يغيّر التعبير ويقلّل من التكرار لملاحظة تستوجب ذلك، فلم يكرّر مثلاً كلمة «بلغ» أو «الكمال» بل استعمل المترادفات مع ملاحظة الفروق الدقيقة بينها؛ الأمر الذي يدلّ على أنّ المطلوب من الإنسان الداعي أن يصبّ دعاءه في قوالب جميلة حينما يسأل الله تعالى.


العلاقة بين الإيمان واليقين والنية والعمل
ثمّة نقطة أخرى تجدر الإشارة إليها قبل التعرّض إلى جمل هذه الفقرة والترابط فيما بينها، وهي أنّه ليس كلّ من كان قريباً من النور يمكن أن يستفيد منه، ما لم يكن أهلاً للاستفادة، كما هو الحال في القريب من البحر الفرات فإمّا أن ينهل من درره وعطاياه ويرتوي من عذب مائه أو يغرق فيه ويكون من الهالكين.
وهكذا هو الحال فيمن كانوا قريبين من أهل البيت سلام الله عليهم والذين عاشوا في عصرهم، حيث قُيّض لكثير منهم أن غنم وفاز في الدارين، حتى جاء في بعضهم المدح والدعاء عن المعصوم بينما تاه البعض الآخر في ضلالته وتردّى في غوايته رغم أنّه كان قريباً من المعصوم أو معاصراً له.
ونحن اليوم عندما نقرأ أدعيتهم عليهم السلام ونستلهم العبر من أقوالهم، فهذا يعني أنّنا قريبون منهم، وإن كنّا لا نرى أشخاصهم ونعيش في غير عصرهم، أمّا من لم يطّلع على أدعيتهم ولم ينهل من معين علومهم، فليس بمستوى أن يوفّق إلى الخير لأنه لم يتعرّف عليهم ولم يعرف قدرهم وعظمتهم التي يقصر البيان عن وصفها.
ففي هذه الفقرة من دعاء مكارم الأخلاق وحدها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ يكمن مفتاح كلّ خير; فالإمام يطلب من الله تعالى من الإيمان أكمله، ومن اليقين أفضله، ومن النيّات والأعمال أحسنها، ولاشكّ أنّ هذه الخصال صنعت عظماء كأبي ذر وسلمان وحبيب بن مظاهر والشيخ المفيد والسيّد بحر العلوم والمقدّس الأردبيلي وأمثالهم.
بعد هذه المقدّمة نقول:
لعلّ هذا الترتيب الوارد في هذه الفقرة من دعاء الإمام عليه السلام (الإيمان، اليقين، النيّة الحسنة ثمّ العمل الحسن) يبيّن نوعاً من التسبيب الخارجي الواقعي. فبنسبة درجات الإيمان يكون المجال مفتوحاً أمام النسبة المناسبة من اليقين، وبنسبة درجات اليقين يكون المجال مفتوحاً أمام النسبة المناسبة من النيّة الحسنة، وبنسبة درجات النيّة الحسنة يكون المجال مفتوحاً للنسبة المناسبة من العمل الحسن.
ومن دون اكتمال هذه الحلقات الأربع لا يتحقّق التكامل. فالإيمان وحده غير كاف بل لابدّ له من اليقين، واليقين وحده غير مجدٍ من دون النيّة الحسنة، والنيّة الحسنة لا معنى لها إن لم تترجم إلى عمل حسن.
فهذه العناصر الأربعة تكمل بعضها بعضاً ويدعو بعضها لبعض. فالإيمان يدعو إلى اليقين، واليقين يدعو إلى النيّة الحسنة، والنيّة الحسنة تدعو إلى العمل الحسن. ولكن حيث إنّ هناك جواذب ومؤثّرات ضخمة وقويّة تثقل من حركة الإنسان نحو التكامل وتبطئه، اقتضى الأمر أن يُعمل الإنسان كلّ قدراته وطاقاته من أجل أن يجمع بين هذه العناصر كلّها.
ومن هنا يمكن أن نفهم موقف مسلم بن عقيل رضوان الله عليه وعدم إقدامه عندما عُرض عليه أن يفتك بابن زياد، مبيّناً ذلك بقوله: لحديث حدّثنيه الناس عن النبي صلى الله عليه وآله: أنّ «الإيمان قيّد الفتك»(4).
وعلی النقيض من ذلك ما حكاه الكتاب العزيز عن بعض الكافرين الذين لم يردعهم يقينهم عن الجحود والإنكار للحقّ، كما في قوله سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أنْفُسُهُمْ﴾(5) ، وهو ما يعني أنّ يقين بعض الكافرين في أمر مّا قد يفوق يقين بعض المؤمنين، ولكنّهم يجحدونه، فلا يعملون به، ومن ثمّ فلا قيمة ليقينهم هذا.
ولا ينصرف لذهن أحد منكم أنّ اليقين المشار إليه في الآية الکريمة إنّما هو مجاز. بل هي كلمة مستعملة في معناها الحقيقي، ولكنّه يقين أبتر لا يتبعه نيّة ولا عمل، ولذلك يؤول إلى الجحود والكفر.
إنّ العلاقة بين العناصر الواردة في هذه الفقرة من الدعاء تشبه ما يصطلح عليه أهل العلم بالعلاقة بين أجزاء المركب الارتباطي(6); أي بعضها مرتبط ببعض. فإذا فُقد جزء منها فُقد الكلّ، وإذا عرض لبعضها مانع فكأنّما عرض للكلّ. فإذا وجدت في النفس نيّة صدّقتها الجوارح، ويكون التصديق هذا متناسباً مع النيّة قوّة وضعفاً.
ولتقريب المطلب أذكر هذا المثال:
أتذكر مولّدة الكهرباء القديمة في مدينة سامراء ـ وفّقنا الله جميعاً لزيارة مشاهد الأئمة سلام الله عليهم فيها وفي غيرها ـ وكيف أنّها كانت ضعيفة، فكان الزوّار الذين يفدون إلى سامراء لا يشاهدون حتى المنارة أثناء الليل، وكانوا يقولون عن المصابيح التي تعمل على هذه المولّدة إنّها لا تُري إلا نفسها!!
فكلّما كانت المولّدة قوية كانت الإضاءة الصادرة منها مثلها، أمّا إذا كانت ضعيفة فلا يمكن أن نتوقّع منها إلا النور الضعيف الذي لا يكاد يبين ما حوله.
وهكذا الحال بالنسبة لانعكاس الإيمان والحالات النفسية للإنسان على أعماله وتصرّفاته. فذو النفس الكريمة لا تبخل يده، ومن كان شجاع النفس لا يصفرّ وجهه، وصاحب اليقين لا تحطّم المشكلات أعصابه، ومن كانت نيّـته خالصة لله لا يعير لمدح الناس أو ذمّهم أدنى أهمّية.
ولئن خفيت عنّا بعض الآثار فإنّها لا تخفى على الله تعالى فإنّه يعلم ما في نفوسنا، كما يعلم كلٌّ منّا ما في نفسه; ﴿بَلِ الإنْسَانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ ألْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾(7).


(1) الفرقان: 77 .
(2) الدعوات: 19 ح11.
(3) الكافي: 6 / 438 ، باب التجمل وإظهار النعمة.
(4) راجع مقاتل الطالبيين: 65.
(5) النمل: 14 .
(6) ما لا يمكن التفكيك بين أجزائه في الامتثال. مثاله: الصلاة؛ خلافاً لأجزاء المركّب غير الارتباطي كالحقوق المختلفة في ذمّة الشخص، فسقوط بعضها بالأداء يبرئ ذمّته في المورد.
(7) القيامة: 14 و15.