» أكمل الإيمان

إنّ الإمام سلام الله عليه لم يستعمل كلمة «أبلغ» بل قال: «بلِّغ». ومن الواضح أنّ هذه الصيغة يستفاد منها معنى التدرّج الذي يدلّ على أنّ التغيّر لا يحصل دفعة واحدة ـ وإن كانت المراتب تختلف من شخص لآخر ـ بل الأمر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الخير عادة»(1).
روي عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنّه قال: «إذا صعدت روح المؤمن إلى السماء تعجّبت الملائكة وقالت: عجباً كيف نجا من دار فسد فيها خيارنا؟!»(2).
وهذا معناه أنّ المؤمن عملة نادرة. فالفرد كلّما حاول أن يصبح إنساناً جيّداً واجهته صعوبات كثيرة تحاول أن تثنيه، وربما أثنته. وليس ذلك لضعف في عطاء الله تعالى، بل لتقصير من جانب الإنسان نفسه؛ فإنّ شهواته قد تبلغ من الكثرة والقوّة ما تتطلّب جهداً إضافياً للسيطرة عليها. ونيلُ المعنويات والتغلّب على الشهوات يتطلّبان دائماً قوّة أكثر وعزماً أكبر مما هو مطلوب في سبيل نيل الشهوات، ولذلك ترى الناس عادة ما يبلغون المقصود في تحقيق شهواتهم أكثر مما يبلغون في كسب المعنويات.
فكما أنّه لا خلاف في صعوبة الالتزام بالمعنويات، فكذلك لا خلاف في أنّه كلّما أراد الإنسان أن يحتلّ مساحة أوسع من المعنويات كلّفه ذلك جهداً أكبر، حاله في ذلك حال من يريد الحصول على مساحة أوسع في المادّيات؛ فإنّ ذلك يتطّلب منه بذلاً أكثر. فمثلاً: تكون كلفة شراء بيت سعته ألف متر، أكثر مما هو مطلوب لبيت مساحته مئة متر فقط.
وإذا عرفنا أنّ الشهوات المحيطة بالإنسان كثيرة جدّاً، أدركنا مدى صعوبة صراعه مع المغريات التي يمكن أن تجذبه لتحول دون ارتقائه سلّم المعنويات التي من خلالها يروم الوصول إلى أكمل الإيمان. ولهذا نرى المؤمنين في تفاوت بدرجات الإيمان كما جاء في قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾(3).
رُوي عن أبي عمرو الزبيري أنّه قال: قلت للإمام الصادق عليه السلام: إنّ للإيمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله؟ قال: «نعم»(4).
إنّه لفوز عظيم أن يبلّغ الله تعالى بإيماننا أكمل الإيمان ولو في آخر ساعة من العمر، فنكون ممن حباهم الله تعالى بحسن العاقبة.
وفيما يلي نذكر نماذج من الذين سعوا للإيمان الكامل:


• صهر الأمير ـ الميرداماد ـ
يُنقل أنّ بنت الأمير ـ في إحدى مدن إيران ـ كانت عائدة إلى بيتها في وقت متأخّر من ليلة شاتية، إذ صادفت في طريقها مدرسة دينية، ففكّرت أن تلجأ إليها حتى الصباح، طلباً للأمان، ولم يكن في المدرسة في تلك الليلة إلا طالب علم أعزب ينام في إحدى الغرف وحيداً فريداً. فلما طرقت الباب فوجئ الطالب بشابّة تطلب اللجوء في المبيت عنده حتى الصباح(5)؛ فأدخلها الطالب حينئذ حجرته على وجل! ونامت آمنة مطمئنة حتى الصباح، ثمّ غادرت إلى بيت أبيها الأمير.
عندما سألها أبوها الأمير عن مكان مبيتها ليلة أمس حكت له القصّة. فشكّ الأمير وأرسل خلف طالب العلم ليستوضح الأمر، فتبيّن له بعد ذلك أنّ هذا الطالب منعه تقواه من أن يتكلّم معها فضلاً عن أن يدنو منها أو غير ذلك!
وعندما أراد الأمير أن يشكر الطالب اكتشف أنّ إحدى أصابعه قد أُحرقت حديثاً، فسأله عن السبب فقال: تعلم أنّي شابّ وأعزب، واتّفق أن نامت في غرفتي ابنتك وهي امرأة شابّة ولم يكن معنا أحد غيرنا، فأخذ الشيطان يوسوس لي، فخفت أن أفشل في مقاومته، فكانت في غرفتي شعلة نفطية، فبدأتُ أقرّب إصبعي من النار كلّما وسوس لي الشيطان ـ وقديماً قيل: والجرح يُسكنه الذي هو آلم ـ فصرتُ أسكّن ألم الشهوة بألم الاحتراق، وبقيت هكذا إلى الصباح حتى نجّاني الله من الوقوع في فخّ الشيطان وما توسوس به النفس الأمّارة بالسوء.
وعندما سمعت الفتاة ذلك قالت: هو كذلك، لأنّي كنت أشمّ رائحة شواء، ولم أكن أعلم أنّ هذا المسكين إنّما كان يشوي إصبعه!
وقيل: إنّ الأمير زوّجها إياه بعد ذلك لما رأى من جلَده وتقواه.
وهذا الشابّ هو أحد علمائنا الأعلام الذي عرف فيما بعد بـ «ميرداماد» أي صهر الأمير.


• الشيخ الأنصاري والشيخ خنفر رحمهما الله
كان الشيخ الأنصاري رحمه الله(6) طالب علم ثمّ أصبح مدرّساً فمرجعاً عامّاً للتقليد يرجع إليه الملايين من المسلمين وتجبى إليه الأموال الكثيرة، وعندما مات لم تزد تركته على سبعة عشر توماناً مع أنّه كان يعيل زوجة وأطفالاً وكذلك أمّه التي كانت تعيش معه، كما كان يأتيه الضيوف من كلّ مكان.
وكان يعاصر الشيخ الأنصاري عالم جليل القدر يدعى الشيخ محسن خنفر، وكان رحمه الله أكبر سنّاً منه وإن كان دونه في المنزلة العلمية.
مرض (الشيخ خنفر) أخريات أيّام حياته مرضاً ألزمه داره، فأُخبر الشيخ الأنصاري بذلك؛ فتألّم ودعا له، ولما أعوز الشيخ خنفر بعض المال أرسل له الشيخ الأنصاري كيساً من الذهب ـ وكانت عمدة الأموال يومئذ الذهب والفضّة، وكانت تجبى في أكياس ـ لكي يأخذ حاجته منه.
وفعلاً فإنّ الشيخ خنفر لم يكن ليأخذ أكثر من دينار وثلاثة أرباع الدينار ـ أي مثقالاً من الذهب وثلاثة أرباع المثقال ـ ثمّ أرجع الباقي وقال: أبلغوا شكري للشيخ مرتضى وأخبروه أنّني أخذت كفايتي!
وعندما توفّي الشيخ خنفر بعد مدّة وجيزة تبيّن أنّ ما أخذه كان فعلاً بمقدار حاجته لما تبقّى من حياته(7).
فإذا كانت كلّ تلك الأموال الضخمة ترد على الشيخ الأنصاري ولكنّه لم يترك أكثر من سبعة عشر توماناً، وأنّ الشيخ خنفر قد اكتفى بما يسدّ عوزه، أفلا يعني هذا أنّهما رحمهما الله تعالى قد ارتقيا درجات رفيعة في سلّم أكمل الإيمان؟
لاشكّ أنّ هذا يتطلّب عملاً كبيراً يسبقه عزم أكيد وتوكّل على الله، لأنّ المغريات والشهوات ليست بالقليلة، ومنها شهوة المال والاكتناز، والرئاسة والحكم، والتفوّق والغرور، والجهل والتظاهر بالعلم(8)و...
إذاً فلنتوجّه إلى الله تعالى ونطلب منه أن يبلّغ بإيماننا أكمل الإيمان، وأن نتعظ بالعلماء الأتقياء؛ فإنّهم لم يبلغوا تلك المرتبة الرفيعة دفعة واحدة، بل ـ علی القاعدة ـ هُم أيضاً طلبوا أن يبلّغ الله بإيمانهم إلی الكمال، فأعانهم الله تعالى وأخذ بأيديهم، بعد أن استوفوا شروط ذلك في الورع والتقوى والاجتهاد، فهو سبحانه «باسط اليدين بالعطية»(9).
فإذا كان الله لا يمنعنا عطاءه، وخلقنا ليرحمنا(10) لا ليمنعنا، فلماذا لا نسعى ونهتمّ قليلاً ثمّ نضاعف سعينا لكي يشملنا فيض الله تعالى ونكون من الذين بلّغ بإيمانهم أكمل الإيمان؟ وأوّل شروط الإيمان الكامل هو الالتزام بالواجبات والكفّ عن المحرّمات.


تعلّم علوم أهل البيت عليهم السلام من شروط الإيمان الكامل
• روي عن أبي الصلت(11) أنّه قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يقول: «رحم الله عبداً أحيى أمرنا». فقلت له: كيف يحيي أمركم؟ قال عليه السلام: «يتعلّم علومنا ويعلّمها الناس»(12).
وإذا كان علماء اللغة والأدب يقولون: إنّ الجمع المضاف يفيد العموم، كان معنى العبارة: «يتعلم كلّ علومنا». وهذا الكلام موجّه بالدرجة الأولی لنا نحن طلاب العلم.
فكلّ من تتوفّر فيه شروط الاستطاعة يكون عليه لزاماً أن يتعلّم علوم أهل البيت سلام الله عليهم ليعلّمها الناس فيهتدوا بهديهم سلام الله عليهم.
• ينقل الشيخ شريف العلماء(13) في بعض دروسه مناقشات السيّد مهدي بحر العلوم رحمه الله مع بعض علماء اليهود والنصارى وكيفية إفحامه لهم. فإذا لم يكن عند السيّد بحر العلوم من علوم أهل البيت سلام الله عليهم فهل كان يتمكّن أن يناقش علماء اليهود والنصارى ويفحمهم.
فلنقتدِ بأهل البيت سلام الله عليهم ولنقتفِ آثارهم، ولنعمل بالواجبات ومن أهمّها تعلّم علومهم سلام الله عليهم وتعليمها للناس؛ عسى الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى أكمل الإيمان ببركة محمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم.


(1) عدّة الداعي: 193.
(2) عيون الحكم والمواعظ: 136 الفصل الحادي عشر من الباب الأوّل.
(3) آل عمران: 163.
(4) راجع الكافي: 2 / 40 ح1 باب السبق إلى الإيمان.
(5) الأمر الذي يظهر مدى اطمئنانها إليه لكونه طالباً في مدرسة دينية، وهذا يكشف عن عظم مسؤولية علماء وطلبة العلوم الدينية، لأنّ الناس يضعون فيهم كامل ثقتهم ولا يحتملون صدور الخطيئة منهم.
(6) هو الشيخ مرتضى بن الشيخ محمد أمين بن الشيخ مرتضى بن الشيخ شمس الدين التستري، الدزفولي، الأنصاري ( 1214 - 1281 ه‍ ). يرجع نسبه الى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري. فقيه، أصولي . وُلد بدزفول، وتوفّي بالنجف الأشرف في 18 جمادى الثانية. من آثاره: كتاب في أصول الفقه ويعرف بالرسائل، كتاب في المتاجرة ويعرف بالمكاسب، كتاب في الطهارة، كتاب في الصلاة، كتاب في النكاح، إلی غير ذلك.
(7) هذه القصّة موجودة في «أعيان الشيعة» وفي «أعلام الشيعة»، وتعود إلى أيام الشيخ الأنصاري رحمه الله أي لما قبل زهاء مئة وأربعين سنة.
(8) قد يحتَّم على الإنسان أحياناً أن يُظهِر علمه ولا يجوز له السكوت؛ عملاً بتكليفه الشرعي، خصوصاً إذا ما استشرت البدع في الناس وطغى الباطل ومحق الدين؛ فقد روي عن الصادقين عليهما السلام أنّهما قالا: إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سُلب نور الإيمان (وسائل الشيعة: 16/ 271، ح9) ولا كلام في هذا، ولكن ما أكثر الحالات التي ليس فيها وجوب ولكن الفرد لا يستطيع أن يملك نفسه عن التحدّث رغبةً في إظهار ما يملك من معلومات؟!
(9) انظر مصباح الكفعمي: 647 فصل 46.
أقول: إنّ هذه الكلمات قد عبّرت عن كرم الله تعالى بما لم أره في غيرها من الكلمات. فإن اليد تمثّل رمزاً لإظهار جملة من مصاديق القدرة عند الإنسان، ففيها مثلاً تتجلّى قدرته في المنع والإعطاء، والبطش والكفّ وغير ذلك، والأدعية والخطابات الدينية لمّا كانت موجّهة للبشر فهي تراعي وتحاكي حالاتهم وأفهامهم؛ فكأنّ المعنى ـ في عبارة: يا باسط اليدين بالعطية ـ أن كلّ قدرة الله تعالى هي في الإعطاء، المراد منه غايته لا مبدأه وكما قيل عن المعاني في المقام: «خذ الغايات واترك المبادي».
(10) قال تعالى: ﴿إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم﴾ أي ليرحمهم.
(11) أبو الصلت، عبد السلام بن صالح الهروي ـ نسبة إلى هراة من مدن أفغانستان ـ خادم الإمام الرضا سلام الله عليه ومن الرواة الثقات، وثّقه عامة رجاليي الشيعة وبعض رجاليّي العامّة، منهم: عمر بن شاهين في كتابه تاريخ أسماء الثقات: 156 رقم 876 وما رواه البغدادي في تاريخه من توثيق يحيى بن معين لأبي الصلت. تاريخ بغداد: 11/ 50، ضمن ترجمة الهرويّ، كذلك في تهذيب الكمال: 18/ 73 رقم 3421 في ترجمته.
(12) عيون أخبار الرضا: 2/275 ح69 باب28.
(13) هو الشيخ محمد شريف المازندراني المتوفى سنة 1245 هـ . أستاذ الشيخ الأنصاري، وقد أدرك السيد مهدي بحر العلوم رضوان الله عليه. كان يحضر درسه أكثر من ألف طالب. جواهر الكلام: 1 / 9.